← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... التشريع وحكمه عمومًا١. أما تناول الكلاميين للفقه المقاصدي فقد كان ذا آثار سلبية في الغالب٢. و"المعهد العالمي للفكر الإسلامي" قد تأسس للعمل على محورين أساسيين: الأول: إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين وإعادة ترتيب وتشكيل أولويات العقل المسلم. الثاني: إعادة بناء النسق الثقافي الإسلامي وتقديم معرفة إنسانية واجتماعية معاصرة من منظور إسلامي. ومن أهم وسائل تحقيق الهدف الأول في "إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين" نقل العقل المسلم من الانشغال في الجزئيات إلى الكليات، ومن التوقف عند الرسوم والمباني إلى التوجه نحو الحقائق والمعاني ومن التقليد والتبعية إلى الإيداع والأصالة من الاستغراق التام بالوسائل إلى العمل معها على تحقيق المقاصد والغايات. وهذه الأهداف الكبرى لن يحدث الوعي الهادف المتحرك عليها إلا بعد جهود علمية متصلة توضح سائر جوانبها وتنير مختلف أبعادها. وعندما أصدرنا الكتاب الأول من سلسلة قضايا الفكر الإسلامي وهو كتاب "حجية السنة" لشيخنا العلامة عبد الغني عبد الخالق تغمده الله برحمته، قلنا في تقديمنا له: "إن المعهد ليأمل بعد صدور هذا السفر الجليل الذي يمثل كلمة فاصلة وحجة قاطعة ومصدرًا علميًّا لا يوازي في قضية "حجية السنة" أن يلتفت العلماء والباحثون بمثل هذا العمق والدقة العلمية إلى خدمة قضية أخرى هامة من قضايا السنة ألا وهي قضية مناهج فهم السنة ودراستها واستلهامها الحلول والتشريعات والمفاهيم الحياتية والنظم الاجتماعية بما يحقق غايات الإسلام ويعطي الأمة رؤية نيرة تقطع دابر الشك والعجز والتردد٣.

стр. 2

وعندما أصدر المعهد أيضًا الحلقة الأولى من سلسلة أبحاث علمية وهو بحث "أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة"، ألح البحث كثيرًا على: "الاهتمام بمعرفة مقاصد الشريعة وتنمية دراستها والعمل على وضع قواعد أو ضوابط لها"١. والكتاب الذي نصدره اليوم ضمن سلسلتنا الجديدة "مختارات من الرسال الجامعية" وهو أطروحة "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" للأستاذ أحمد الريسوني يحقق خطوة هامة وأساسية مما أملناه ورجوناه ويشكل لبنة أساسية في بناء الفكر المقاصدي المعاصر. ففيما يخص مناهج فهم الكتاب والسنة ودراستهما واستلهام هديهما، يقدم لنا هذا البحث عرضا ودراسة لنموذج متميز في هذا الباب ألا وهو الإمام أبو إسحاق الشاطبي "٧٩٠ هـ" الذي أصبح اليوم كما يقول الشيخ مصطفى الزرقا: "نجما ساطعًا يستضاء به في بحوث أصول الشريعة ومقاصدها وتوضح به المحجة وتقام به الحجة"٢. ولا مبالغة إذا قلنا: إن أهم ما قدمه لنا الشاطبي وبرز فيه بروزًا فريدًا هو مناهج فهم الكتاب والسنة فهما سليمًا متينًا، ولم يكن إبداعه في مقاصد الشريعة إلا ثمرة لتلك المناهج والقواعد. ولقد كان الشاطبي على بينة تمامًا من أهمية منهجه وقيمته العلمية فهو منذ تقديمه لكتاب "الموافقات" يلفت نظرنا إلى منهجه الاستقرائي المتين المبني على فهم الكتاب والسنة فيقول: "ولما بدا من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم ملا شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده، وأضم من شوارده تفاصيل وجملا، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة"٣.

стр. 3

وقد عمل المؤلف الفاضل على تجلية هذا المنهج الاستقرائي عند الشاطبي وبيان قيمته ومدى الحاجة غليه. ومن الجوانب التي تضمنها هذا الكتاب والتي تخدم مناهج فهم الكتاب والسنة، بحثه المستفيض لمسألة تعليل الشريعة وتعليل أحكامها. ومن أهم ما ينبني على هذا البحث هو ما قرره المؤلف، ودافع عن صحته، من ضرورة أخذ النصوص بمقاصدها، وضرورة إدخال التفسير المصلحي في معانيها وأحكامها. ومن خلال هذا الكتاب تتضح قضية أخرى من منهاج فهم نصوص الشريعة، وهي أهمية الاعتماد على الكليات التشريعية وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها. وهو نوع من رد المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات، فكليات الشريعة ومقاصدها العامة، هي أصول قطعية لكل اجتهاد ولكل تفكير إسلامي، فلا بد من إعادة الاعتبار إليها، ولا بد من وضعها في المقام الأول، ثم يرتب ما عداها عليها. وهذه خطوة ضرورية لإعادة تشكيل العقل المسلم ولإعادة ترتيب موازينه وأولوياته. ذلك أن من أهم مظاهر أزمة العقل المسلم: اختلال الموازين والأولويات التي وضعها الإسلام في نصابها. فوقع فيها -على مر العصور- تقديم وتأخير، وتضخيم وتقزيم، على خلاف وضعها الحق. ولعلل هذا ما نبه إليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حين قال لبعض أصحابه: "إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه١، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة يبدون أعمالهم قبل أهوائهم٢. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده. كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة. يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم٣. وما أكثر ما أصيبت حياتنا العلمية والعملية بأمثال هذه الاختلالات والانقلابات في القيم والأولويات. كثر الحفاظ وتزايد القراء وضعف الفقهاء الحكماء. وبولغ في ضبط

стр. 4

الرسوم والألفاظ، وضيعت المعاني والأحكام، وروعيت المظاهر والأشكال، وأهملت المقاصد والجواهر، وطغت الجزئيات وتنوسيت الكليات. وأميتت سنن وقدمت مبتدعات. فهذه قضية كبيرة أمام علماء الإسلام ومفكريه ودعاته، قضية إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة بناء منظومة الموازين والقيم ووضع كل في نصابه. وأما فيما يخص الأمر الثاني الذي دعونا إليه ورجونا الاهتمام به، وهو دراسة مقاصد الشريعة والعمل على وضع قواعد أو ضوابط لها. فإن هذا الكتاب من الكتب الرائدة في هذا المجال وقد قطع -فيما نرى- شوطًا أساسيًا اقتحم فيه عقبات وصعابًا مهيبة خطرة. ونحسب أنه قد حالفه الكثير من التوفيق والنجاح. فهو يقدم دراسة شاملة لنظرية المقاصد في مختلف جوانبها. كما يقدم دراسة دقيقة عن الفكر المقاصدي عند شيخ المقاصديين أبي إسحاق الشاطبي، إضافة إلى دراسة هامة عن الشاطبي نفسه. وهي دراسة جاءت بالكثير من الجديد المفيد عن حياة هذا الإمام وفكره ومنهاجه. أما القواعد والضوابط التي تنتظم مقاصد الشريعة وتضبطها فإن المؤلف قد قام بعمل في غاية الأهمية والإفادة. فهو قد نخل كتابي "الموافقات" و"الاعتصام" للشاطبي، واستخرج منهما ثروة نفيسة من "قواعد المقاصد" كما أبرز -من جهة أخرى- أهم الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة مقاصد الشارع، وأهمها على الإطلاق: الاستقراء، الذي كان ديدن الشاطبي وسمته المنهجية البارزة١. كما خطا هذا البحث خطوة هامة في إطار الاستفادة من مقاصد الشريعة، وفي ضبط وجوه هذه الاستفادة منها، وذلك في الفصل المخصص للمقاصد والاجتهاد. وهذه -كما ذكر المؤلف- هي أهم ثمرة ترجى من كل اهتمام بالمقاصد ومن كل دراسة لها.

стр. 5

ذلك أننا في أمس الحاجة إلى اجتهاد المقاصد وفقه المقاصد، وهو الفقه الذي وصفه ابن القيم بأنه "الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان" ففي فصل له بعنوان "اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ"، نقل عن "مصنف وكيع" "أن عمر قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني فسماها الطيبة. فقالت: لا. فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت سمني خلية طالق، فقال لها فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها. وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان. وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يرده"١. ولقد كان "مراد الشارع" و"قصد الشارع" ضالة المتقدمين ومن تبعهم من العلماء الراسخين، ولم تكن الألفاظ لتأسرهم إذا ظهر لهم وراءها من حكمة وقصد. وسيجد القارئ نماذج كثيرة جدا من هذا "الفقه الحي" في مختلف فصول هذا الكتاب، سيجدها جنبًا إلى جنب مع قواعدها وضوابطها خاصة في الفصل الأخير منه. ولقد أتى على فقهنا -في معظمه- حين من الدهر صار فيه أقرب إلى الجمود والعجز منه إلى الحياة والفعالية، ذلك أنه افتقد -فيما افتقده- روح المقاصد ونظرية المقاصد. وقد تعرض العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لأسباب انحطاط الفقه وتخلفه، فعد منها "إهمال النظر في مقاصد الشريعة من أحكامها" ثم قال: "كان إهمال المقاصد سببًا في جمود كبير للفقهاء، ومعولًا لنقض أحكام نافعة. وأشأم ما نشأ عنه مسألة الحيل التي ولع بها الفقهاء بين مكثر ومقل"٢. ومن هنا فإن إحياء فقه المقاصد هو عمل ضروري لتجديد الفقه وتقوية دوره ومكانته، يقول العلامة الأستاذ علال الفاسي: "وإن في ثلة الفقهاء المجددين على قلتهم ضمانًا للسير بالفقه الإسلامي إلى شاطئ النجاة حتى يصبح مرتبطًا بمقاصد

стр. 6

الشريعة وأدلتها، ومتمتعا بالتطبيق في محاكم المسلمين وبلدانهم"١. والفقه الإسلامي الذي ندعو ونعمل لأجل تجديده وتقويته وبعث صفاته وحيويته، وربطه بمقاصد الشريعة وكلياتها، هو من أفضل الضمانات لإيجاد ضوابط شرعية لحياة إسلامية معاصرة، ذلك أن الفقه الإسلامي بشموليته التي لا يحدها شيء، وبمصادره وضوابطه التي لا يشوب إسلاميتها شيء، هو أكثر العلوم الإسلامية إسلامية، وأبعدها عن كل تأثير أجنبي٢، وقد نبه على هذه الملاحظة الهامة الأستاذ علال الفاسي وأكد عليها مرارًا في كتابه "دفاع عن الشريعة"٣. فقد تسلم بتسرف التأثير الأجنبي إلى علوم إسلامية لها وزنها وخطرها -على تفاوت في ذلك- مثل جوانب من علم الكلام التي دخلتها التأثيرات اليونانية، وبضع جوانب من علم التصوف. كما أن بعض الأصوليين قد استهواهم المنطق اليوناني فولعوا به وحاولوا مزجه بعلم أصول الفقه، حتى ذهب الإمام الغزالي إلى أن من لم يتقن علم المنطق لا يوثق بعلمه٤. وأما التفسير فكان مجالًا رحبًا لترويج مختلف الأقاويل والنحل من الإسرائيليات إلى الفلسفيات التي ذهب ابن رشد الحفيد إلى أن معرفتها لا بد منها لفهم مقاصد القرآن٥. "ولكنك -كما يقول علال الفاسي- لا تجد أي أثر من آثار المدارس الفقهية الأجنبية في الفقه الإسلامي، سواء منه ما يتعلق بالعبادات أو ما يتعلق بالمعاملات وغيرها من أبواب الشريعة"٦. "فإذا أردنا أن نعيد بناء الفكر الإسلامي على حقيقته، فما علينا إلا أن ندرس الفقه الإسلامين، ونعمل على تطبيقه في محاكمنا ومعاملاتنا"٧. ونبني فقه المقاصد لنحقق هويتنا، ونبني أصالتنا المعاصرة، ونستعيد دورنا، ونشيد دعائم شهودنا الحضاري، على هدي من فقهنا الحضاري.

стр. 7

وسوف يوالي المعهد -إن شاء الله- تقديم الدراسات الجادة الهادفة التي تشكل اللبنات الحقيقية في بناء العقلية المسلمة الجديدة القادرة على مواجهة التحديات، واجتياز العقبات، والنهوض بالأمة إن شاء الله. والمعهد يهب بالباحثين والأساتذة وطلاب الدراسات العليا أن يوجهوا دراساتهم وجهة تجعل منها لبنات أساسية في بناء الأمة الفكري والثقافي والحضاري إن شاء الله تعالى. ويسعدنا أن نتبع هذه الرسالة بمجموعة متيمزة من هذه الرسائل الجامعية الجادة، سائلين العلي القدير أن يهيئ بها لهذه الأمة أمر رشد وأن يثيب معدها وينفع بها قارئيها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. طه جابر العلواني

стр. 8

تمهيد: في معنى المقاصد ونظرية المقاصد مقاصد الشارع، ومقاصد الشريعة، والمقاصد الشرعية، كلها عبارات تستعمل بمعنى واحد. وهو المعنى الذي أريد تعريفه وتحديده في هذا التمهيد. أما شيخ المقاصد، أبو إسحاق الشاطبي، فإنه لم يحرص على إعطاء حد وتعريف للمقاصد الشرعية، ولعله اعتبر الأمر واضحًا، ويزداد وضوحًا بما لا مزيد عليه بقراءة كتابه المخصص للمقاصد من "الموافقات" ولعل ما زهده في تعريف المقاصد كونه كتب كتابه للعلماء، بل للراسخين في علوم الشرعية. وقد نبه على ذلك صراحة بقوله: "لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد، حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب"١. ومن كان هذا شأنه، فليس بحاجة إلى إعطائه تعريفا لمعنى مقاصد الشريعة، خاصة وأن المصطلح مستعمل ورائج قبل الشاطبي بقرون. وكذلك لم أجد تعريفًا فيما اطلعت عليه عند الأصوليين وغيرهم من العلماء الذين تعرضوا لذكر المقاصد قديمًا. إلا أني وجدت عند بعض علمائنا المحدثين تعريفات لمقاصد الشريعة. وأعني كلا من العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، والعلامة المغربي الأستاذ علال الفاسي، رحمهما الله.

стр. 9

فالشيخ ابن عاشور يعرف المقاصد العامة للشريعة بقوله: "مقاصد الشريعة العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة. فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها. ويدخل في هذا أيضًا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها"١. وقد ذكر وبين من هذه المقاصد العامة: حفظ النظام، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال. وفي قسم آخر في كتابه، تعرض للمقاصد الخاصة، ويعني بها: "الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة. ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل: قصد التوثق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق٢. وقد جمع الأستاذ علال مقاصد الشريعة -العامة منها والخاصة- في تعريف موجز واضح، قال فيه: "المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها"٣ فشطره الأول "الغاية منها"، يشير إلى المقاصد العامة. وبقيته تعريف للمقاصد الخاصة، أو الجزئية. وغير بعيد عما نص عليه ابن عاشور من مقاصد التشريع العامة، يقرر علال الفاسي، أن "المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به

стр. 10

من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع"١. وبعد استعراضه لمجموعة من الآيات المتضمنة والمشيرة لمرامي الشرائع الربانية، قال: "فمجموع هذه الآيات القرآنية يبين بوضوح أن الغاية من إرسال الأنبياء والرسل وإنزال الشرائع، هو إرشاد الخلق لما به صلاحهم وأداؤهم لواجب التكليف المفروض عليهم"٢. وبناء على هذه التعريفات والتوضيحات لمقاصد الشريعة لكل من ابن عاشور وعلال الفاسي٣، وبناء على مختلف الاستعمالات والبيانات الواردة عند العلماء الذين تحدثوا في موضوع المقاصد، يمكن القول: إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها، لمصلحة العباد. كما يمكن -لزيادة الوضوح- تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: ١- المقاصد العامة: وهي التي تراعيها الشريعة وتعمل على تحقيقها في كل أبوابها التشريعية، أو في كثير منها كما في الأمثلة المتقدمة عند ابن عاشور وعلال الفاسي. وكما سيأتي قريبًا عند الأصوليين، وهذا القسم هو الذي يعنيه غالبًا المتحدثون عن: "مقاصد الشريعة". وظاهر أن بعضه أعم من بعض. وما كان أعم فهو أهم. أي أن المقاصد التي روعيت في جميع أبواب الشريعة. أعم وأهم من التي روعيت في كثير من أبوابها. وهكذا الشأن مع القسمين التاليين.

стр. 11

٢- المقاصد الخاصة: وأعني بها المقاصد التي تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين١، أو في أبواب قليلة متجانسة، من أبواب التشريع. ولعل الشيخ ابن عاشور هو خير من اعتنى بهذا القسم من المقاصد. فقد تناول منها: - مقاصد الشارع في أحكام العائلة. - مقاصد الشارع في التصرفات المالية. - مقاصد الشارع في المعاملات المنعقدة على الأبدان "العمل والعمال". - مقاصد القضاء والشهادة. - مقاصد التبرعات. - مقاصد العقوبات. ٣- المقاصد الجزئية: وهي ما يقصده الشارع من كل حكم شرعي، من إيجاب أو تحريم، أو ندب أو كراهة, أو إباحة أو شرط أو سبب. وهي التي يشير إليها الأستاذ علال الفاسي بقوله: "والأسرار التي وضعها الشراع عند كل حكم من أحكامها" وهي التي تنطبق عليها أمثلة الشيخ ابن عاشور، من كون عقدة الرهن مقصودها التوثق، وعقدة النكاح مقصودها إقامة وتثبيت المؤسسة العائلية، ومشروعية الطلاق مقصودها وضع حد للضرر المستمر. وأكثر من يعتني بهذا القسم من المقاصد، هم الفقهاء. لأنهم أهل التخصص في جزئيات الشريعة ودقائقها. فكثيرًا ما يحددون، أو يشيرون إلى هذه المقاصد الجزئية في استنباطاتهم واجتهاداتهم. إلا أنهم قد يعبرون عنها بعبارات أخرى كالحكمة، أو العلة، أو المعنى، أو غيرها. ولهذا أقف قليلًا لتوضيح علاقة هذه الألفاظ بالدلالة على مقاصد الشريعة. الحكمة والعلة: أما الحكمة: فتستعمل مرادفًا -تمامًا- لقصد الشارع أو مقصوده. فيقال هذا مقصوده كذا، أو حكمته كذا، فلا فرق، وإن كان الفقهاء يستعملون لفظ

стр. 12

الحكمة أكثر مما يستعملون لفظ المقصد. ومن أمثلة ذلك قول ابن فرحون يحدد مقاصد القضاء: "وأما حكمته: فرفع التهارج، ورد التواثب، وقمع المظالم، ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قاله ابن راشد وغيره"١. فذكر الفقهاء -أو غيرهم- للحكمة، هو ذكر لمقصود الشارع. ولهذا قال الونشريسي: "والحكمة في اصطلاح المتشرعين هي المقصود من إثبات الحكم أو نفيه، وذلك كالمشقة التي شرع القصر والإفطار لأجلها"٢. وقد يبدو في هذا الكلام شيء من الأشكال، وهو: هل المشقة حكمة ومقصود؟ والجواب أن الكلام فيه حذف. ومراده أن رفع المشقة عن المسافر هو مقصود الحكم وحكمته. وقد نبه على هذا، الأصولي الحنفي، شمس الدين الفناري فقال: "أما ما يقال في رخص السفر: إن السبب السفر، والحكمة المشقة، وأمثاله، فكلام مجازي. والمراد: أن الحكمة الباعثة دفع مشقة السفر٣. ويؤكد الشيخ بدران أبو العينين بدران، هذا التطابق بين مقصود الحكم وحكمته في اصطلاح الفقهاء -وغيرهم- فيقول: "على أن جمهور الفقهاء كانوا يذهبون في اجتهاداتهم إلى أن ما شرعه الله من أحكام، لم يشرعه الله إلا لمصلحة جلب منفعة لهم، أو دفع مضرة عنهم. فلهذا كانت تلك المصلحة هي الغاية المقصودة من التشريع. وتسمى حكمة"٤. ثم قال: "أما حكمة الحكم، فهي الباعث على تشريعه، والمصلحة التي قصدها الشارع من شرعه الحكم"٥. وقد تتبع الدكتور عبد العزيز الربيعة، استعمال لفظة الحكمة، عند الأصوليين، فلاحظ أنها تطلق عندهم بإطلاقين:

стр. 13

"الإطلاق الأول: هو أن الحكمة هي المعنى المقصود من شرع الحكم، وذلك هو المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم جلبها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم درءها أو تقليلها"١. أما الإطلاق الثاني فيراد به: "المعنى المناسب لتشريع الحكم، أي المقتضي لتشريعه، وذلك كالمشقة"٢. ولكن هذا الإطلاق -عند التحقيق والتدقيق- آيل إلى الإطلاق الأول، فهو إطلاق مجازي كما نبه على ذلك الفناري في قول السابق. ويؤكد هذا ما سيأتي من استعمال لفظ العلة. أما العلة: فهو مصطلح ذو شجون وقد استعمل استعمالات مختلفة، وكثر فيه الجدال والأخذ والرد، غير أن الذي يعنينا الآن هو أن لفظ "العلة"، مما يعبر به عن مقصود الشارع، فيكون على هذا مرادفًا لمصطلح "الحكمة". وهذا هو الاستعمال الأصلي والحقيقي لمصطلح العلة. ثم غلب استعماله فيما بعد بمعنى الوصف الظاهر المنضبط الذي تناط به الأحكام الشرعية، على أساس أن الحكمة، وهي مناط الحكم ومقصوده في حقيقة الأمر ترتبط غالبًا بذلك الوصف الظاهر المنضبط، الذي يسهل إحالة الناس عليه في تعرفهم لأحكام الشارع. ففي باب الرخص مثلًا، لا شك أن رفع المشاق عن الناس والتخفيف عنهم، هي الحكمة والمقصود، وهي العلة الحقيقية للرخص الشرعية. ولكن الشارع لا يقول للمكلفين: كلما وجدتهم عنتا فترخصوا. وإنما حدد لهم أمارات معروفة، وأسبابًا معينة، هي ما يسميه الأصوليون: الأوصاف الظاهرة المنضبطة "أو العلل"، فبناء عليها يقع الترخيص؛ كالسفر، والمرض، والعجز، والاضطرار، والإكراه. وأما ما سوى هذه من صور المشاق التي لا حصر لها، مما لم يسمه الشارع، فقد ترك تقديرها، وتقدير ما تستحقه من ترخيصات للمجتهدين والمفتين، الموقعين عن رب العالمين.

стр. 14

ومن الأمثلة أيضَا: الطهارات بمختلف صورها، من وضوء واغتسال، واستياك وطهارة بدن ولباس، فلا شك أن إشاعة التطهير والتنظيف١ في حياة الناس، هي الحكمة والمقصود، وهي العلة الحقيقية لأحكام الطهارات، ولكن مع هذا لم يقل الشارع للناس: كلما اتسختم وتنجستم فتطهروا، لأن هذا أمر لا ينضبط لهم. ولهذا ناط أحكام الطهارات بأسباب وعلل ظاهرة منضبطة، تتكرر في حياة الناس بكيفية تفضي إفضاء كافيًا إلى تحقيق المقصود، وذلك كخروج شيء من السبيلين، والجنابة، والحيض، والنوم، والجمعة. فهذه الأوصاف -أو الأمارات- الظاهرة المنضبطة، يطلق عليها: العلل، أو الأسباب أحيانًا. بينما العلة الحقيقية، والسبب الحقيقي، هو مقصود الحكم وحكمته، من جلب مصلحة أو درء مفسدة، أو هما معًا. ولكن الشارع يربط الأحكام بأمارات ظاهرة منضبطة، تجنبا للميوعة والفوضى في التشريع. على أن تلك الإمارات تكون متلازمة عادة مع المصالح أو المفاسد التي هي علة التشريع الحقيقية، أو بإصطلاح القوم: تكون مظنة لها. قال الشاطبي: "نصب الشارع المظنة في موضع الحكمة ضبطا للقوانين الشرعية"٢. وقد تتبع الدكتور محمد مصطفى شلبي استعمالات الأصوليين لمصطلح العلة، وحصرها في ثلاثة استعمالات فقال: "لفظة العلة أطلقت في لسان أهل الاصطلاح على أمور: - الأمر الأول: هو ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر. - الأمر الثاني: ما يترتب على تشريع الحكم من مصلحة أو دفع مفسدة. - الأمر الثالث: وهو الوصف الظاهر المنضبط، الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة للعباد. فإنه يصح تسمية هذه الأمور الثلاثة بالعلة. ولكن أهل الاصطلاح -فيما بعد- خصوا الأوصاف باسم العلة، وإن قالوا إنها علة مجازًا، لأنها ضابط للعلة

стр. 15

الحقيقية، وسموا ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر حكمنة، مع اعترافهم بأنها العلة الحقيقية"١. ولهذا نجد الشاطبي -وهو الميال إلى إحياء المعاني القديمة الأصلية- قد اختار أن يعرف العلة ويستعملها بمعناها الحقيقي الأصلي "في الاصطلاح"، فقال: "وأما العلة، فالمراد بها٢: الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي فالمشقة٣ علة في إباحة القصر والفطر في السفر٤. والسفر هو السبب الموضوع سببًا للإباحة. فعلى الجملة: العلة هي المصلحة نفسها، أو المفسدة نفسها -لا مظنتها- كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة. وكذلك نقول في قوله ﵊: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"٥ فالغضب سبب٦، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة٧. على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما. ولا مشاحة في الاصطلاح"٨. وهذا الذي صنعه الشاطبي من تفسير العلة بالمصلحة والمفسدة المقصودة بالحكم، فضلًا عن موافقته للاستعمال الأول، هو اللائق بأهل المقاصد. لأن البحث في المقاصد هو بحث في العلل الحقيقية، التي هي مقاصد الأحكام، بغض النظر عن كونها ظاهرة أو خفية، منضبطة أو متفلتة عن الانضباط. وأما الظهور والانضباط، فيحتاج إليهما عند إجراء الأقيسة الجزئية وعند تقديم الأحكام لعموم المكلفين.

стр. 16

وعلى أساس هذا المعنى الأصلي لمصطلح العلة، تفرع مصطلح "التعليل" بمعناه العام، وهو تعليل أحكام الشريعة بجلب المصالح ودرء المفاسد. والحقيقة أننا لو أردنا أن نضع لمصطلح التعليل مرادفًا واضحًا، يناسب موضوع المقاصد، ويبعد بنا عن الجدل الذي دار ذات يوم حول مسألة التعليل١، لكان هذا المرادف هو: مصطلح "التقصيد". لأن تعليل الأحكام -في حقيقته- هو تقصيد لها. أي تعيين لمقاصدها. فالتعليل يساوي التقصيد. وقد استعمل الشاطبي مصطلح "تقصيد" مرة واحدة، وإن كان ذلك في سياق مختلف قليلًا عما نحن فيه. وذلك في نهاية الجزء الثالث من "الموافقات" وفي سياق التحذير من الجرأة على تفسير كلام الله وتحديد معانيه، بمجرد الرأي. لأن تفسير المفسر للقرآن هو: "تقصيد منه للمتكلم، والقرآن كلام الله. فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام. فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا فمجرد الاحتمال يكفي، بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا"٢. المقاصد والمعاني: مصطلح "المعاني" -أو المعنى، في حالة الإفراد- هو أيضًا من الألفاظ التي كثيرًا ما يعبر بها عن المقاصد، وخاصة عند الفقهاء. فيقولون: شرع هذا الحكم لهذا المعنى، أو: المعنى المصلحي لهذا الحكم هو كذا. وقد رأينا -قبل قليل- أن الشيخ ابن عاشور يقول في تعريف المقاصد: "وهي المعاني والحكم". والتعبير عن المقاصد بالمعاني كثير عند الشاطبي، كما في قوله: "الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخرى، هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها"٣.

стр. 17

وهذا الاستعمال نجده عند الغزالي، كما في قوله: "وعلى الجملة: المفهوم من الصحابة اتباع المعاني، والاقتصار في درك المعاني على الرأي الغالب دون اشتراط درك اليقين"١. وقبل الغزالي، نجد هذا المصطلح بكثافة، عند شيخه أبي المعالي الجويني "إمام الحرمين"، وخاصة في كتاب الاستدلاك من "البرهان"، وإن كان يلاحظ أن يستعمل مصطلح المعنى، والمعاني بمفهوم أوسع، بحيث يدخل فيه -على وجه التقريب- ما يسمى اليوم بالمبادئ والقيم، كما يطلق على المصالح بصفة عامة. وقيل هؤلاء جميعًا، نجد الإمام الطبري يستعمل هذا المصطلح مرادفًا تمامًا للمقاصد، حيث حدد مقاصد الزكاة في مقصدين أساسيين، فقال: "والصواب من ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين، أحدهما: سد خلة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته"٢. وسيأتي هذا النص بتمامه، في الفصل الأخير من هذا البحث إن شاء الله تعالى، مع توضيحه والتعليق عليه. ويبدو من خلال هذه النماذج التي قدمت وغيرها أن التعبير بالمعنى والمعاني كان هو السائد عند المتقدمين، ثم زاحمته، وحلت محله شيئًا فشيئًا ألفاظ: العلة والحكمة، والمقصود. ومما يؤكد هذا ما قاله فخر الإسلام البزدوي، ووضحه شارحه عبد العزيز البخاري. قال البزدوي، وهو يعرف الفقه ويذكر أقسامه: "والقسم الثاني: إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها"٣. قال الشارح: "والمراد من المعاني: المعاني اللغوية, والمعاني الشرعية، التي تسمى عللا. وكان السلف لا يستعملون لفظ العلة. وإنما يستعملون لفظ: المعنى، أخذا من قوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث "

стр. 18

أي علل. بدليل قوله: إحدى، بلفظة التأنيث، وثلاث بدون الهاء"١. وقد أبى ابن حزم -بظاهريته الحازمة- أن يسكت عن استعمال لفظ المعاني للدلالة على حكم الشريعة وعللها، وكأنما رأى فيه استدارجًا من مستوى المعاني الظاهرية إلى نوع من التعليل والتقصيد لنصوص الشرعية. وفي ذلك نسف للظاهرية. ولذلك حمل بشدته المألوفة على الذين يعبرون عن العلل بالمعاني، فقال: "وقد سمى بعضهم العلل معاني. وهذا من عظيم شغبهم وفاسد متعلقهم. وإنما المعنى تفسير اللفظ، مثل أن يقول قائل: ما معنى الحرام فتقول: هو كل ما لا يحل فعله. أو يقول: ما معنى الفرض فتقول: هو كل ما لا يحل تركه. أو يقول: ما الميزان فتقول له: آلة يعرف بها تباين مقادير الأجرام. فهذا وما أشبههه هو المعاني"٢. وعلى كل، فابن حزم يؤكد ضمنيا ما تقدم من إطلاق لفظ المعنى والمعاني على مقاصد الأحكام، بغض النظر عن إنكاره هو لهذا الإطلاق، حرصًا على ظاهريته. وبقيت هناك ألفاظ أخرى، تستعمل أحيانًا للتعبير عن المقاصد، وقد يأتي ذكر بعضها فيما بعد، مثل: الغرض، والمراد، والمغزى. على أننا لا نعدم فروقًا بين هذه الألفاظ، رغم أنها تستعمل للتعبير عن مضامين متقاربة ومتداخلة. ولست الآن معنيا بهذا التدقيق والتفريق. معنى نظرية المقاصد: مصطلح نظرية -وهو مصطلح حديث- يستعمل بمعان مختلفة. ذكر منها الدكتور جميل صليبا خمسة، أقربها إلى المعنى الذي أريد اثنان منها، وهما اللذان بينهما بقوله:

стр. 19

وعلى هذا يمكن القول: إن النظرية أعم وأوسع من القاعدة، وإن النظرية تنطوي على عدد من القواعد. ولكن نظرية المقاصد تندرج فيها النظريات الفقهية والقواعد الفقهية معًا، فضلًا عن الأحكام الجزئية. وإذا كانت النظرية الفقهية -كما يرى الدكتور جمال الدين عطية- هي عبارة عن "تصور يقوم بالذهن، سواء استنبط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو استمد من استقراء الأحكام الفرعية الجزئية"١، فإن نظرية المقاصد تقوم على هذين الأساسين معًا، أي: التسلسل الفكري المنطقي، الذي ينبع من النظر العقلي ومن الأسس العقدية للإسلام، وكذا النتائج الاستقرائية. فنظرية المقاصد ينتجها النظر العقلي المنطقي القويم، الذي يرى أن شريعة الله، لا يمكن إلا أن تكون شريعة حكمة ورحمة، وشريعة عدل وإنصاف وشريعة تدبير موزون وتقدير مضبوط، لأن هذه سنة الله المطردة في كل مخلوقاته، ولأن هذا هو مقتضى كمالاته سبحانه. ونظرية المقاصد يسندها ويوقف عليها استقراء تفاصيل الشريعة، فإن من تصفح أحكام الشريعة ونصوصها في مختلف مناحيها ومجالاتها أدرك الكثير من حكمها وعللها ومراميها. ومن نظر في آثارها ونتائجها رأى ما وراءها من مصالح تجلبها ومفاسد تدفعها. ومن تأمل في هذه وتلك، خرج بتصور شامل متكامل عن مقاصد الشريعة ومراميها. وتلك هي: نظرية المقاصد. وفوق هذا وذاك، فإن نظرية المقاصد، تجد سندها القريب فيما نطقت به النصوص القطعية، ثبوتًا ودلالة، من تعليلات لإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع. وهي تعليلات تنبئنا أن الله تعالى إنما أراد بهذا كله الرحمة للعالمين، وتزكية الناس وتعليمهم، وإقامة القسط بينهم، وحفظ فطرتهم في إيمانها ومكارم أخلاقها. فعلى هذا الأساس تنبني نظرية المقاصد، لتصبح نظرية تحكم تفاصيل الشريعة، وتحكم كل فهم لها، وتوجه كل اجتهاد في إطارها. ونقطة الانطلاق في

стр. 20

هذا هي: التسليم الجازم بكون الشريعة إنما وضعت لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم في الدنيا والآخرة. وللمصالح والمفاسد -كما تحددها مقاصد الشريعة- مفهوم خاص له مميزاته الخاصة. فالمصالح غير الأهواء الجامحة والنزوات العابرة، بل المصالح في الإسلام أبعد وأرقى من المفاهيم السطحية القاصرة السائدة. ومن هذه المنطلقات تحدد نظرية المقاصد سلم المصالح والمفاسد، الضرورية منها، ثم الحاجية والتكميلية، ثم تتشعب هذه النظرية لتلقي بظلالها الوارفة على جميع قضايا الشريعة وجزئياتها على ما سنرى، من خلال ما كتبه الشاطبي ﵀، ومن خلال التعقيبات والإضافات التي اقتضاها توضيح نظرية الشاطبي. هذه هي النظرية التي أفنى الشاطبي عمره، في رسم هيكلها، وإبراز معالمها، والدفاع عن أهميتها وضرورة العمل بمقتضاها. فكان ﵀ خير من خاض لججها، وخير من قدم لنا دررها، وجنى لنا ثمرها. ومن هنا كان لا بد من البدء بالشاطبي، وبما قاله الشاطبي. ولم يكن من اللائق إنجاز بحث عن مقاصد الشريعة دون إنجاز بحث مفصل ودراسة معمقة لما انتهى إليه الشاطبي. ذلك أن البحث في مقاصد الشريعة إلى اليوم لما يتجاوز، أو لما يصل إلى ما وصل إليه الشاطبي. فأرجو أن يكون هذا البحث خطوة مفيدة في هذا الطريق، طريق الاستيعاب الكامل لنظرية المقاصد عند الشاطبي، ومواصلة السير في دراسة مقاصد الشريعة جملة وتفصيلًا. وقبل الدخول في عرض نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ودراسة بعضها الآخر، قبل ذلك قدمت بابا تمهيديا -ستتضح فائدته وضرورته- عرضت فيه لفكرة المقاصد عند الأصوليين، وفكرة المقاصد في المذهب المالكي. كما وضعت بين يدي نظرية الشاطبي فصلا عن الشاطبي نفسه، وهو أمر لا بد منه، خاصة وأن ما كتب وصدر عن الشاطبي حتى الآن ما يزال قليلًا وهزيلًا، بالرغم من التقدير الكبير والاهتمام البالغ، اللذين أصبح الشاطبي يحظى بهما. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

стр. 21

الباب الأول: المقاصد قبل الشاطبي مدخل ... البالب الأول: المقاصد قبل الشاطبى رغم أن هذا البحث مخصص لنظرية المقاصد عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي، فإن من المفيد جدًا، استطلاع الكلام في المقاصد قبل الشاطبي. وأهمية هذا الاستطلاع تتمثل في الفوائد التالية: ١- إعطاء مدخل تاريخي وموضعي لنظرية الشاطبي. فقبل أن نتوغل -مع الشاطبي- في قضايا المقاصد، وفي بعض تفصيلاتها، نمر مرورًا تدريجيا على بعض المقدمات، وبعض الجوانب من الموضوع. ٢- نستبين -بصفة إجمالية- الخطوات التي تمت قبل الشاطبي في الكشف عن مقاصد الشريعة وبيان أهميتها، مما يسمح لنا بوضع الأمور في نصابها، وتقدير كل واحد قدره. ٣- نضع أيدينا -بشيء من التفصيل والتحديد- على بعض جذور نظرية الشاطبي ومآخذها. وندرك حدود التقليد والتجديد يها. ولتحقيق الفائدتين الثانية والثالثة، لا بد من الانتباه والمقارنة طيلة فصول البحث, وإن كنت سأعمل على إبرازهما بإيجاز، في أواخر هذا البحث بحول الله تعالى. وبما أن العناية بمقاصد الشريعة، ميدانها الطبيعي هو الفقه، وأصول الفقه، يمارسها الفقهاء تطبيقًا وتفصيلًا، ويمارسها الأصوليون تنظيرًا وتأصيلًا، مما يحتم أن الشاطبي قد استفاد من هؤلاء وهؤلاء، وبنى على ما أصلوه ومهدوه، فقد كان لا بد أن ألتفت إلى الجانبين معًا. ولهذا جاء هذا الباب مكونًا من فصلين هما: ١- فكرة المقاصد عند الأصوليين. ٢- فكرة المقاصد في المذهب المالكي. ولم أقل: فكرة المقاصد عند الفقهاء، لأن الجانب الفقهي عند الشاطبي منحصر-إلى حد كبير- في المذهب المالكي والفقه المالكي. فضلًا عما سيتضح -بحول الله- من خصوصية علاقة المذهب المالكي بمقاصد الشريعة. وقد آثرت -بعد تردد طويل- أن أبدأ بالأصوليين، رغم أن علم الفقه أسبق من علم الأصول، ورغم ما أصبحت مقتنعًا به، من كون الفقهاء أكثر دراية وعناية

стр. 22

بمقاصد الشريعة من الأصوليين. وإنما كان هذا الإيثار، لأن "إظهار" المقاصد، ولفت الانتباه إليها بشكل مستقل، جاء مع الأصوليين لا مع الفقهاء. فبينما كان الفقهاء منهمكين في بناء الفقه، وتطبيق مقاصده، قام الإصوليون يبرزون معالم ذلك البناء، ويصفون أسسه وأركانه. ولهذا افترض أن الشاطبي قد تنبه -أول ما تنبه- إلى مقاصد الشريعة، من خلال المؤلفات الأصولية. ذلك أن قارئ أي كتاب من أمهات الكتب الأصولية، أو حتى من مختصراتها وحواشيها، سيجد شيئًا اسمه "مقاصد الشريعة"، وأنه يفيد في ضبط كذا وكذا، وفي ترجيح كذا على كذا، بينما قارئ الفقه ودارسه، قد يدرس عشرات الكتب الفقهية، ويتقن عشرات الأبواب الفقهية، دون أن يكتشف -أو يكشف له- أن هناك روحا يسري في أبواب الفقه وجزئياته، يوجهها ويقيدها ويكيفها. ألا وهو: مقاصد الشارع في التشريع. وحتى إذا اكتشف -بعد مراس طويل- شيئًا من ذلك، فإنه يكتشفه غامضًا مجزءًا. فيحتاج إلى أشواط أخرى من الدراسة والنظر. وعلى أساس هذا الافتراض رجحت البداية بالأصوليين. ومما يزيد الأمر رجحانًا، أن التناول الإجمالي، والكلام الإجمالي في مقاصد الشريعة، هو عمل أصولي لا فقهي. وأيضًا، فإن البدء بالأصوليين هو بدء بالجانب المجمل الموطأ من مقاصد الشريعة، ثم تنتقل إلى شيء من التفصيل والتمثيل. وعلى كل حال فهذا ترجيح تنظيمي ليس إلا.

стр. 23

الفصل الأول: فكرة المقاصد عند الأصوليين مدخل ... الفصل الأول: فكرة المقاصد عند الأصوليين قبل التطرق لذكر أبرز الحلقات الأصولية، التي نجد فيها ذكر مقاصد الشريعة، وتوضيح بعض جوانبها، والتي سأبدأها -بحول الله تعالى- بحلقة: الجويني والغزالي، قبل ذلك أشير إلى أن هؤلاء الذين سأذكرهم، مسبوقون -ولا شك- في التفطن لمقاصد التشريع الإسلامي، كما هم مسبوقون بأشواط علمية عظيمة في الفقه وأصوله عمومًا. وإنما اقتصرت على ذكر نماذج وحلقات معينة من الأصوليين الذين تكلموا في مقاصد الشرعية، للأسباب التالية: ١- لأن هؤلاء قد جمعوا واستوعبوا في مؤلفاتهم الكثير جدًا مما راج قبلهم من آراء واجتهادات ونظريات. ٢- لأن كثيرًا من المؤلفات الأصولية للقرنين الثالث والرابع، قد ضاعت، أو هي في حكم الضياع على الأقل. ٣- لأن عنايتي -في هذا الفصل وغيره- متجهة إلى ما كتب في مقاصد الشرعية، أما ما لم يكتب، ولم يوضح في المؤلفات فليس بداخل في هذا التتبع، إلا أن تأتي الإشارة إليه من خلال بعض المؤلفات التي سيقع التعرض لها. ٤- لأن ما سيأتي على ذكره، هو ما وصلت إليه يدي، وانتهى إليه علمي. والأمر يتعلق بقرون وقرون فيحتاج إلى جهود وجهود.

стр. 24

حلقات سابقة: وقبل أن ننطلق مع السلسلة الأصولية التقليدية، التي تسلسلت بشكل متصل واضح من الغزالي وشيخه الجويني، إلى ابن السبكي، وشيخه السبكي حلقات سابقة: وقبل أن ننطلق مع السلسلة الأصولية التقليدية، التي تسلسلت بشكل متصل واضح من الغزالي وشيخه الجويني، إلى ابن السبكي، وشيخه السبكي

стр. 25

الأب. قبل ذلك، لا بد من وقفة للتعريف والتنبيه على حلقات أصولية وعلمية سابقة على هذه السلسلة. وأقتصر فيها على بعض مشاهير العلماء والأصوليين، الذين كان لهم أثر واضح في موضوعنا، أو كان لهم أثر كبير على من بعدهم ممن تكلموا في موضع المقاصد، مما يحتم علينا الافتراض بأن ما قاله اللاحقون عن مقاصد الشريعة، يحتمل أن يكون بعضه قد قاله، أو مهد له، سابقوهم. الترمذي الحكم "أبو عبد الله محمد بن علي": وقد اختلف في سنة وفاته اختلافًا كبيرًا. ولكن المتفق عليه، هو أنه من أهل القرن الثالث. والخلاف في: هل عاش إلى أواخره؟ وهل عاش إلى أوائل القرن الرابع؟ والحكيم الترمذي: قد لا يعد فقيهًا ولا أصوليا "بالمعنى التخصصي"، فهو قد عرف صوفيا فيلسوفًا "= الحكيم"، ولكنه مع هذا، يستحق أن يذكر، بل ينبغي أن يذكر، في مقدمة العلماء الذين اعتنوا بمقاصد الشريعة، ولو على طريقته الخاصة. فهو من أكثر العلماء عناية بتعليل أحكام الشريعة وبحثًا عن أسرارها. وهو من أقدم العلماء الذين استعملوا لفظ "المقاصد"، ولعله أقدم من وضع كتابًا خاصًا في المقاصد الشرعية، ووضع لفظ المقاصد في عنوان كتابه، وأعني بهذا كتابه: "الصلاة ومقاصدها". وهو -لحسن الحظ- موجود ومطبوع١. فهو كتاب في صميم موضوعنا، وإن كان صاحبه ينحو في تعليلاته منحى ذوقيا إشاريا، أكثر منه منحى علميا منضبطًا. وهذه نماذج من تعليله لمقاصد الصلاة أقوالًا وأفعالًا: "فبذكر الله يرطب القلب ويلين، وبالشهوات يقسو القلب وييبس، فإذا اشتغل القلب عن ذكر الله بذكر الشهوات كان بمنزلة شجرة إنما رطوبتها ولينها من الماء، فإذا منعت الماء يبست عروقها وذبلت أغصانها. وإذا منعت السقي أصابها حر القيظ، فيبست الأغصان، فإذا مددت غصنًا منها إلى نفسك لم ينقد

стр. 26

لك وانكسر. فلا تصلح هذه الشجرة إلا أن تقطع فتصير وقودًا للنار. فكذلك القلب إنما ييبس إذا خلا من ذكر الله، وأصابته حرارة النفس وملاذ الشهوات، فامتنعت الأركان من الطاعة. فإذا مددتها انكسرت ولا تصلح إلا أن تكون حطبًا للنار الكبرى"١. ثم يقول: "فكل صلاة هي توبة، وما بين الصلاتين غفلة وجفوة، وزلات وخطايا: فبالغفلة يبعد من ربه، فإذا بعد أشر وبطر، لأنه يفتقد الخشية والخوف، وبالجفوة يصير أجنبيا، وبالزلة يسقط وتنزلق قدمه فتنكسر، وبالخطايا يخرج من المأمن فيأسره العدو. فأفعال الصلاة مختلفة على اختلاف الأحوال من العبد: فبالوقوف يخرج من الآباق، لأنه لما انتشرت جوارحه، نقصت تلك العبودية وأبق من ربه. فإذا وقف بين يديه فقد جمعها من الانتشار ووقف للعبودية، فخرج من الآباق. وبالتوجه إلى القبلة يخرج من التولي والإعراض. وبالتكبير يخرج من الكبر. وبالثناء يخرج من الغفلة، وبالتلاوة يجدد تسليمًا للنفس وقبولًا للعهد. وبالركوع يخرج من الجفاء، وبالسجود يخرج من الذنب، وبالانتصاب للتشهد يخرج من الخسران. وبالسلام يخرج من الخطر العظيم"٢. ثم أخذ في تفصيل هذه الإشارات المجملة في بقية فصول الكتاب. وللترمذي الحكم كتاب آخر يبدو أنه على غرار كتابه السابق، وهو: "الحج وأسراره". ورغم أن هذا الكتاب لم يتم تحقيقه ونشره، فقد طمأننا أحد الباحثين على وجوده مخطوطًا٣.

стр. 27

ولعل أهم ما كتبه في موضوعنا هو كتابه الذي يذكر باسم: "العلل" و"علل الشريعة" و"علل العبودية"، ويذكر الأستاذ محمد عثمان الخشت أنه "حاول فيه تعليل الفرائض تعليلًا عقليا"١. ولعل الأستاذ الخشت اعتمد في هذا على ما جاء في "دائرة المعارف الإسلامية" وهو: "وقد أراد الترمذي أن يخرج تخريجًا عقليا الفرائض الشرعية في كتبه: علل العبودية، وشرح الصلاة، والحج وأسراره"٢. والمؤسف أن كتاب "علل العبودية" الذي سماه السبكي "علل الشريعة" لا يذكر له وجود، فيما رأيت. وكل ما يذكر أنه كان -هو وكتاب ختم الولاية٣- سبب محنته وإخراجه من "ترمذ"٤، ولعله، لهذا السبب، قد وقع إتلافه في زمن مبكر. ومن مؤلفات الحكيم الترمذي، التي تؤكد زيادته بصفة عامة، كتابه "الفروق"، قال عنه السبكي: "ليس في بابه مثله: يفرق فيه بين المداراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة، والمناظرة والمغالبة، والانتصار والانتقام، وهلم جرا من أمور متقاربة المعنى"٥. والظاهر أن القرافي قد أخذ فكرة كتابه واسمه من ههنا! أبو منصور الماتريدي "ت ٣٣٣": والإمام الماتريدي غني عن أي تعريف، فحسبه أن جماهير عريضة من علماء المسلمين وعامتهم، ينتسبون إليه وإلى مذهبه الكلامي: "الماتريدية". والأحناف كلهم على مذهب الماتريدي في الكلام، كما يوافقهم غيرهم من أهل العلم. والمهم عندي الآن، هو أن هذا الإمام الجليل من أئمة أهل السنة، له مؤلفات أصولية، هي في حكم الضياع. ومكانة الماتريدي وإمامته، تجعلنا نتطلع

стр. 28

إلى مؤلفاته الأصولية بكثير من التقدير، وخاصة في هذه المرحلة المتقدمة. ولعل أهم تلك المؤلفات هو كتابه "مأخذ الشرائع". وحسب شهادة أحد الدارسين المهتمين بأبي منصور وبتراثه العلمي، فإن كتابه هذا -وغيره من الكتابات الأصولية له- يعد ضمن القسم المفقود من مؤلفات الماتريدي. فقد تكلم الدكتور فتح الله خليف عن مؤلفاته، وعن تفسيره "تأويلات أهل السنة"، ثم قال: "حفظ لنا الزمن هذا التفسير، كما حفظ لنا كتاب التوحيد وكتاب المقالات. أما كتبه الأخرى، فقد ضاعت كلها"١. أبو بكر القفال الشاشي "القفال الكبير" "ت ٣٦٥": وهو من كبار الأصوليين المتقدمين، وإمام الشافعية في وقته بلا منازع، وهو أحد شراح رسالة الشافعي. ومن مؤلفاته، "أصول الفقه" و"محاسن الشريعة". وظاهر أن الكتاب الثاني -بصفة خاصة- ذو صلة وطيدة بموضوع مقاصد الشرعية. إذ لا يتأتى إبراز محاسن الشريعة إلا بكشف حكمها ومقاصدها. ومما يؤكد أهمية هذا الكتاب أن الإمام ابن القيم ذكره وأثنى عليه الثناء الحسن٢. وهذا يرجح أن الكتاب كان موجودًا إلى زمن ابن القيم على الأقل. أبو بكر الأبهري "ت ٣٧٥": وأهم ما يستلفت قارئ ترجمته٣ هو: أنه جمع بين الرسوخ في الفقه وفي الأصول. وألف فيهما معًا. قال الخطيب البغدادي: "وله التصانيف في شرح مذهب مالك والاحتجاج له، والرد على من خالفه"٤. ومن مؤلفاته الأصولية: "كتاب الأصول" و"كتاب إجماع أهل المدينة"، ويبدو لي أن منها أيضًا كتابه: "مسألة الجواب والدلائل والعلل".

стр. 29

وإذا صح أن كتابه الأخير في الأصول -وهو الظاهر- فإن لكلمة "العلل" أهميتها الخاصة في موضوعنا. كما يستلفتنا في ترجمته، ذلك التقدير الكبير الذي كان يحظى به لدى علماء كل المذاهب الفقهية، حتى ذكر -مما ذكر فيه- أن أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، كانوا إذا اختلفوا في أقوال أئمتهم، يسألونه فيرجعون إلى قوله١. وأما المالكية فقد كان إمامهم بلا منازع. ولكن أهم ما استوقفني في ترجمته، هو أنه قد تخرج على يديه فوج كبير من فطاحل الفقهاء والأصوليين، ممن كان لهم أثر بعيد في عصرهم، وفيما بعد عصرهم. حتى قال القاضي عياض "ولم ينجب أحد بالعراق من الأصحاب -بعد إسماعيل القاضي- ما أنجب أبو بكر الأبهري"٢. ومن أشهر أصحابه: الإمام الأصيلي، وابن خويز منداد، وأبو الحسن بن القصار، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني، وهو أشهرهم وأهمهم في موضوعنا. الباقلاني "ت ٤٠٣": وهو الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة، إمام وقته٣، ويعد مجدد المائة الرابعة. ولعل هذه الإشارات وحدها، كافية في الدلالة على مكانة الرجل، وحياته الحافلة بالجهاد العلمي بمختلف جبهاته. ولكن الذي يعنينا -على وجه الخصوص- هو منزلته الأصولية. ويبدو لي أنه يمثل المنعطف الثاني في مسيرة علم الأصول، بعد المنعطف الأول الذي يمثله الإمام الشافعي.

стр. 30

فإذا كان الشافعي قد أدخل علم أصول الفقه في مرحلة التأليف والتدوين، فإن الباقلاني قد انتقل بالتأليف الأصولي إلى مرحلة التوسع الشمولي، وإلى مرحلة التمازج والتفاعل مع علم الكلام١. وهو تفاعل كانت له فوائده وأضراره. ومن القرائن والإشارات الدالة على التحول الذي عرفه علم الأصول على يد الباقلاني، ما يلي: ١- كتابه الضخم "التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد". ومما يدل على ضخامته، أنه هو نفسه اختصره مرتين، وجعل منه "الإرشاد المتوسط" و"الإرشاد الصغير". ونقل الدكتور محمد حسن هيتو٢، عن ابن السبكي قوله عن هذا الكتاب: "وهو أجل كتب الأصول، والذي بين أيدينا منه هو المختصر الصغير، ويبلغ أربع مجلدات، ويحكى أن أصله كان في اثني عشر مجلدًا". وهو توسع كبير في التأليف الأصولي، لم يسبق مثله، وقل نظيره حتى بعد ذلك. وله أيضًا٣: "المقنع في أصول الفقه" و"الأحكام والعلل" و"كتاب البيان عن فرائض الدين وشارئع الإسلام" وكلها كتب لها صلة، ويمكن أن يكون لها تأثير فيما قيل بعد ذلك من مقاصد الشريعة. ٢- ومما يدل على التأثير الكبير للباقلاني، في عصره، وفيما بعد عصره، أن مؤلفاته وآراءه الأصولية قد شغلت الأصوليين وهيمنت على كتاباتهم: فإمام الحرمين اختصر كتابه "التقريب" في كتاب سماه "التلخيص". وهو حيثما تكلم في كتابه "البرهان" إلا وتجد "القاضي" حاضرًا، وتجد آراءه محور كلام الجويني تأييدًا، أو معارضة، أو توضيحًا، أو استدراكًا. وقريب من هذا نجده في مؤلفات القرن الخامس الأخرى، كما عند الشيرازي والغزالي وغيرهما، ثم مؤلفات العصور اللاحقة.

стр. 31

٣- ونقل الشيخ مصطفى عبد الرزاق عن "البحر المحيط" "مخطوط" للزركشي قوله -وهو يسجل تطور التأليف الأصولي بعد الشافعي-: "وجاء من بعده، فبينوا وأوضحوا، وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار. فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم"١. وإذا علمنا أن القاضي الباقلاني، متقدم على القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥"، وأنه توسع في أصول الفقه أكثر -بكثير- من القاضي عبد الجبار، علمنا أن التحول الذي يشير إليه الزركشي يصدق على الباقلاني قبل غيره، وأكثر من غيره. كما يصدق عليه -أكثر مما يصدق على عبد الجابر- ما ذهب إليه الشيخ مصطفى عبد الرزاق، من: "أن المتكلمين -منذ القرن الرابع الهجري- وضعوا أيديهم على علم أصول الفقه، وغلبت طريقتهم فيه طريقة الفقهاء، فنفذت إليه آثار الفلسفة والمنطق واتصل بهما اتصالًا وثيقًا"٢. فكون الباقلاني من أهل القرن الرابع مسألة لا غبار عليها، أما القاضي عبد الجبار فقد عاش في القرن الخامس شوطًا ذا بال. فلا غرو أن يعد من أهله. على أن كتاب "العمد" للقاضي عبد الجبار، قد تم حفظه، من خلال شرحه "المعتمد"، لأبي الحسين البصري المعتزلي "ت ٤٣٦". وقد نظرت في مختلف مباحثه، فلم أجد فيه شيئًا من مقاصد الشريعة. وأنتقل الآن إلى الحلقات البارزة، من الأصوليين، الذين تعرضوا لذكر مقاصد الشرعية، بقدر أو بآخر، لأقدم أهم ما ذكروه في الموضوع، مما أمكنني الوقوف عليه:

стр. 32

إمام الحرمين "ت ٤٧٨ هـ": يعتبر إمام الحرمين "أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني" حلقة كبيرة، ومحطة بارزة، في مسيرة علم أصول الفقه، وهذه حقيقة معروفة مسلمة في تاريخ هذا العلم. ولا تحتاج إلى برهان أكثر من "البرهان"١ نفسه. فقد أصبح "البرهان" منطلق الكتابة والتأليف في أصول الفقه لمن بعده، مثلما كانت "الرسالة" للإمام الشافعي، منطلق الكتابات الأصولية خلال القرنين الثالث والرابع، بل إلى أيام أبي المعالي، حيث إن والده -المتوفى سنة ٤٣٨- هو أحد شراح "الرسالة". وحسبنا من أهمية إمام الحرمين في علم أصول الفقه، أنه صاحب أكثر تأثير وأعمقه، عن تلميذه الإمام أبي حامد الغزالي، الذي فاق شيخه شهرة ومكانة، وأول المؤلفات الأصولية للغزالي -وهو "المنخول"- ليس إلا ملخصات أمينة لآراء أبي المعالي٢.

стр. 33

٢- الحلقات الشهيرة: وأما في موضوعنا -مقاصد الشريعة-، فإن للجويني -حتى الآن- ريادة لا ينازعه فيها أحد. وحتى ريادة الغزالي في هذا الباب، فهي مدينة -إلى حد كبير- لشيخه "الإمام". وريادة الجويني في موضوع المقاصد تتجلى -أولًا- في كثرة ذكره لها، وتنبيهه عليها؛ فقد استعمل لفظ المقاصد، والمقصود، والقصد، عشرات المرات، في كتابه "البرهان"، كما أنه كثيرًا ما يعبر عن المقاصد بلفظ الغرض، والأغراض. ومن أمثلة ذلك أنه تعرض لتعليل الطهارات و"الغرض" منها، ثم انتقل إلى التيمم -وهو "طهارة" يصعب تعليلها- فقال بلسان الفقهاء: "التيمم أقيم بدلًا غير مقصود في نفسه، ومن أمعن النظر ووفاه حقه، تبين أن الغرض من التيمم: إدامة الدربة في

стр. 34

إقامة وظيفة الطهارة، فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس١، وإعواز الماء فيها ليس نادرًا. فلو أقام الرجل الصلاة من غير طهارة، ولا بدل عنها، لتمرنت نفسه على إقامة الصلاة من غير طهارة. والنفس ما عودتها تتعود. وقد يفضي ذلك إلى ركون النفس إلى هواها، وانصرافها عن مراسم التكليف ومغزاها"٢. ومن تنبيهاته على أهمية مراعاة المقاصد، أنه -في سياق الرد على الكعبي المعتزلي الذي اشتهر بإنكار المباح في الشريعة٣- قال: "ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي، فليس على بصيرة في وضع الشريعة"٤. غير أن أهم ما أسهم به أبو المعالي في لفت الانتباه إلى مقاصد الشريعة، وفي تحريك الكلام فيها، هو ما أورده في باب: تقاسيم العلل والأصول، من كتاب القياس٥. فبعد أن عرض آراء العلماء فيما يعلل وما لا يعلل من أحكام الشرع، وذكر نماذج لتعليلاتهم، وأثر كل ذلك في إجراء الأقيسة في الأحكام قال: "هذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة. ونحن نقسمها خمسة أقسام"٦. وظاهر من عبارته الإشعار بأن هذا التقسيم من وضعه، وأنه غير مسبوق به. وقبل أن أذكر تقسيمه الخماسي للعلل والمقاصد الشرعية، أشير إلى أنه أتى به ليبين من خلاله ما يصح إجراء القياس فيه وما لا يصح. أما الأقسام الخمسة للعلل -أو التعليلات- الشرعية، فهي: - القسم الأول: ما يتعلق بالضرورات، مثل القصاص، فهو معلل بحفظ الدماء المعصومة، والزجر عن التهجم عليها٧.

стр. 35

- القسم الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة. وقد مثله بالإجارات بين الناس١. - القسم الثالث: ما ليس ضروريا ولا حاجيا حاجة عامة. وإنما هو من قبيل التحلي بالكرامات، والتخلي عن نقائضها. وقد مثله بالطهارات٢. - القسم الرابع: وهو أيضًا لا يتعلق بحاجة ولا ضرورة، ولكنه دون الثالث، بحيث ينحصر في المندوبات٣. "فهو -في الأصل- كالضرب الثالث، الذي انتجز الفراغ منه، في أن الغرض المخيل: الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر على التصريح بإيجابها، بل ورد الأمر بالندب إليها"٤. - القسم الخامس: هو ما لا يظهر له تعليل واضح ولا مقصد محدد، لا من باب الضرورات، ولا من باب الحاجات، ولا من باب المكرمات، قال: "وهذا يندر تصوره جدا"٥ أي أن هذا الصنف نادر جدا في الشريعة. لأن كل أحكامها -تقريبًا- لها مقاصد واضحة وفوائد ملموسة. ولهذا فإنه رغم تمثيله هذا القسم الذي لا يعلل، بالعبادات البدنية المحضة، التي "لا يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية"٦، أي لا يظهر فيها درء مفسدة ولا جلب مصلحة، فإنه سرعان ما نبه على أن هذه العبادات، يمكن تعليلها تعليلًا إجماليًّا، وهو أنها تمرن العباد على الانقياد لله تعالى، وتجديد العهد بذكره، مما ينتج النهي عن الفحشاء والمنكر، ويخفف من المغالاة في اتباع مطالب الدنيا، ويذكر بالاستعداد للآخرة. قال: "فهذه أمور كلية، لا ننكر على الجملة أنها غرض الشارع في التعبد بالعبادات البدنية، وقد أشعر بذلك نصوص من القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٧، ٨.

стр. 36

فلم يبق إذن، إلا بعض أحكامها التفصيلية، مما يعسر تعليله ويتعذرالقياس عليه، كهيئات الصلاة. وأعداد ركعاتها، وكتحديد شهر الصوم ووقته١. ولنعد إلى التقسيم الخماسي للعلل والمقاصد الشرعية، فقد سبق التنبيه -واعتمادا على كلام الإمام نفسه- على أن القسمين الثالث والرابع، يمكن دمجهما في قسم واحد. ويؤكد هذا أنه عندما ذكر القسم الخامس نص على أنه لا يدخل لا في الضرورات، ولا في الحاجات، ولا في المحاسن٢. فحصر الأقسام الأخرى في ثلاث. ثم إذا جئنا إلى هذا القسم الخامس، نجد أنه قد قسمه -ضمنيًا- إلى ما يعلل تعليلًا إجماليًا، وإلى ما لا تعليل له. وإذن، فما وقع تعليله، فيجب إلحاقه بأحد الأقسام الثلاثة، فهو إما من الضروريات، وإما من الحاجات، وإما من المحاسن. وما تعذر تعليله، فهو ليس مما نحن فيه، أي تقسيم العلل. فلا يبقى عند التحقيق إلا ثلاثة أقسام. والذي أريد أن أخلص إليه من هذا: هو أن إمام الحرمين ﵀، هو صاحب الفضل والسبق في التقسيم الثلاثي لمقاصد الشارع "الضروريات - الحاجايات - التحسينيات"، وهو التقسيم الذي سيصبح من أسس الكلام في المقاصد. كما أنه صاحب فضل وسبق في الإشارة إلى الضروريات الكبرى في الشريعة، وهي التي سيتم حصرها فيما بعد تحت اسم "الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال". ومن تنبيهاته في هذا الصدد، ما جاء في قوله: "فالشريعة متضمنها: مأمور به، ومنهي عنه، ومباح. فأما المأمور به: فمعظمه العبادات وأما المنهيات: فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر

стр. 37

وبالجملة: الدم معصوم بالقصاص. والفروج معصومة بالحدود. والأموال معصومة عن السراق بالقطع١. أبو حامد الغزالي "ت ٥٠٥ هـ": الإمام الغزالي -كما أشرت قبل قليل- هو امتداد لشيخه أبي المعالي. فقد تشيع بفكره وآرائه، واصطبغ كثيرًا بمنهجه واختياراته. ولكنه -مع هذا كله- لم يقف عند حدود ما وقف عنده الإمام، سواء في علم أصول الفقه عمومًا، أو في مقاصد الشريعة خصوصًا. بل نقح وحور، وأضاف وطور. فصار -هو أيضًا- صاحب فضل وسبق، وصاحب المكانة المرموقة في مسيرة علم أصول الفقه، وفي العناية بمقاصد الشرعية على وجه الخصوص. وأصبحت منزلته بالنسبة إلى شيخه، يصدق عليها ما قاله شيخه نفسه، وهو يلتمس المرجحات لمذهب الشافعي على غيره٢. حيث قال: "السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس والتأصيل، فللمتأخر الناقد حق التتميم والتكميل. وكل موضوع على الافتتاح، قد يتطرق إلى مبادئه بعض التثبيج٣، ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع لجمعه المذاهب إلى ما حصل السابق تأصيله. وهذا واضح في الحرف والصناعات، فضلًا عن العلوم"٤. وإذا كان الإمام الغزالي لم يأت بجديد يذكر، في مؤلفه الأصولي الأول -وهو "المنخول من تعليقات الأصول"- فإنه قد تقدم كثيرًا في التنقيح والتطوير، في كتابه "شفاء الغليل، في بيان الشبه والمخيل، ومسالك التعليل" ثم انتهى إلى ما هو أوضح وأنضج في كتاب "المستصفى من علم الأصول". أما في "شفاء الغليل"، فقد تعرض لذكر المقاصد في سياق كلامه على "مسلك المناسبة" من مسالك التعليل. وهذا المسلك يقوم على أساس تعليل

стр. 38

الأحكام الشرعية بما تتضمنه وتفضي إليه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة. ولهذا قال: "المعاني المناسبة: ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها. والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. والعبارة الحاوية لها: أن المناسبة ترجع إلى رعاية أمر مقصود"١. فالمناسبات المصلحية التي يصح التعليل بها، هي التي تتضمن رعاية مقصود من مقاصد الشارع، "وما أنفق عن رعاية أمر مقصود فليس مناسبًا. وما أشار إلى رعاية أمر مقصود، فهو مناسب"٢. وهذا التقييد الذي وضعه للتعليل المصلحي -أو التعليل بالمناسبة- بأنه ينبغي أن يتضمن رعاية مقصود من مقاصد الشارع، نجده في "المستصفى" أصرح وأوضح. وذلك عند تعرضه لحجية الاستصلاح -أو المصلحة المرسلة- حيث عرف المصلحة المعتد بها بقوله: "نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشارع"٣ ثم عاد في نهاية بحثه للمصلحة المرسلة ليقرر ما يمكن اعتباره فصل الخطاب في مدى حجية الاستصلاح، فقال ﵀: "فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع٤، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلاتئم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة. وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجًا من هذه الأصول. لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة"٥ إلى أن قال: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها. بل يجب القطع بكونها حجة"٦. وفي "شفاء الغليل"، كما في "المستصفى"، حدد لنا أمهات المقاصد الشرعية، التي عليها مدار كل مقصود، شرعي، وكل مصلحة شرعية: ففي

стр. 39

الكتاب الأول نجده يقسم مقصود الشرع إلى ديني ودنيوي١، ثم ينص على أنه "قد علم على القطع أن حفظ النفس، والعقل، والبضع، والمال، مقصود في الشرع"٢. ثم أورد لكل مقصود من هذه المقاصد الأربعة، ما يدل عليه: - حفظ النفس، يدل عليه شرع القصاص في القتل. - وحفظ العقل دل عليه تحريم الخمر. - وحفظ البضع واضح في تحريم الزنى والعقوبة عليه. - والمال محفوظ بمنع التعدي على ملك الغير، وإيجاب الضمان، والقطع في السرقة. ثم قال: "وقد نبه على مصالح الدين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، وما يكف عن الفحشاء فهو جامع لمصالح الدين. وقد تقترن به مصلحة الدنيا أيضًا"٣. وفي "المستصفى" أعاد هذه المقاصد الجامعة، ولكن بشكل أكثر إحكامًا وتنقيحًا، فلم يقسمها إلى دينية ودنيوية، ربما لأنه أحس بإمكان الاعتراض عليه، بأن هذه المقاصد كلها دينية ودنيوية في آن واحد. خاصة وأنه قد أشار إلى هذا في نهاية قوله السابق. فالنهي عن الفحشاء والمنكر، هو نفسه النهي عن القتل، وعن السكر، وعن الزنى، وعن السرقة. ولهذا، فبدل وضعه المصالح الدينية، بإزاء المصالح الدنيوية، جعل في مقدمة المقاصد الشرعية الضرورية: "حفظ الدين" ومصلحة الدين -أو ضرورة الدين- هنا تعني: أصل الدين، وهو المتمثل في الإيمان بالله وتوحيده وعبادته. ودليل هذا أنه قال: "ومثاله أي حفظ الدين: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم"٤.

стр. 40

وبهذا خرج عن الإشكال، وتجنب الاعتراض على تقسيم المصالح إلى دينية ودنيوية. كما أنه عدل عن لفظ "البضع"، الذي استعمله في "شفاء الغليل" إلى لفظ أكثر دقة ووضوحًا، وهو لفظ "النسل" وهكذا أصبحت صياغة المقاصد الأساسية كما يلي: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم"١. ومن آرائه التي نجد أصلها في "شفاء الغليل"، ثم أحكامها في "المستصفى، ما يتعلق بحفظ هذه الضروريات في الشرائع السابقة، فقد قال في "الشفاء" عن حفظ النفوس: "وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه"٢، ويعني بهم المعتزلة، ولكنه سرعان ما تبنى هذا الرأي دون حاجة إلى نسبته إلى أهل التحسين والتقبيح، فقال عن حفظ العقل وتحريم المسكر لأجله: "فهذا أيضًا مما لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مهد بساطه لرعاية مصلحة الخلق في الدين والدنيا. فلم تشتمل ملة قط على تحليل مسكر، وإن اشتملت على تحليل القدر الذي لا يسكر من جنس المسكر. وكذلك القول في مقصود البضع والمال وما يقع على هذه الرتبة"٣. ثم قرر في "المستصفى" -بعبارة جامعة حاسمة- أن حفظ الأصول الخمسة: "يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق. ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنى، والسرقة، وشرب المسكر"٤. وسيرا على خطى شيخه إمام الحرمين، فقد قسم المصالح الشرعية حسب درجة قوتها ووضوحها، وعلى هذا الأساس فإن المصالح منها ما هي في رتبة
следующие страницы →