فلم يبق إذن، إلا بعض أحكامها التفصيلية، مما يعسر تعليله ويتعذرالقياس عليه، كهيئات الصلاة. وأعداد ركعاتها، وكتحديد شهر الصوم ووقته١.
ولنعد إلى التقسيم الخماسي للعلل والمقاصد الشرعية، فقد سبق التنبيه -واعتمادا على كلام الإمام نفسه- على أن القسمين الثالث والرابع، يمكن دمجهما في قسم واحد. ويؤكد هذا أنه عندما ذكر القسم الخامس نص على أنه لا يدخل لا في الضرورات، ولا في الحاجات، ولا في المحاسن٢. فحصر الأقسام الأخرى في ثلاث.
ثم إذا جئنا إلى هذا القسم الخامس، نجد أنه قد قسمه -ضمنيًا- إلى ما يعلل تعليلًا إجماليًا، وإلى ما لا تعليل له. وإذن، فما وقع تعليله، فيجب إلحاقه بأحد الأقسام الثلاثة، فهو إما من الضروريات، وإما من الحاجات، وإما من المحاسن. وما تعذر تعليله، فهو ليس مما نحن فيه، أي تقسيم العلل. فلا يبقى عند التحقيق إلا ثلاثة أقسام.
والذي أريد أن أخلص إليه من هذا: هو أن إمام الحرمين ﵀، هو صاحب الفضل والسبق في التقسيم الثلاثي لمقاصد الشارع "الضروريات - الحاجايات - التحسينيات"، وهو التقسيم الذي سيصبح من أسس الكلام في المقاصد.
كما أنه صاحب فضل وسبق في الإشارة إلى الضروريات الكبرى في الشريعة، وهي التي سيتم حصرها فيما بعد تحت اسم "الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال". ومن تنبيهاته في هذا الصدد، ما جاء في قوله: "فالشريعة متضمنها: مأمور به، ومنهي عنه، ومباح. فأما المأمور به: فمعظمه العبادات وأما المنهيات: فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر
стр. 37
وبالجملة: الدم معصوم بالقصاص. والفروج معصومة بالحدود. والأموال معصومة عن السراق بالقطع١.
أبو حامد الغزالي "ت ٥٠٥ هـ":
الإمام الغزالي -كما أشرت قبل قليل- هو امتداد لشيخه أبي المعالي. فقد تشيع بفكره وآرائه، واصطبغ كثيرًا بمنهجه واختياراته. ولكنه -مع هذا كله- لم يقف عند حدود ما وقف عنده الإمام، سواء في علم أصول الفقه عمومًا، أو في مقاصد الشريعة خصوصًا. بل نقح وحور، وأضاف وطور. فصار -هو أيضًا- صاحب فضل وسبق، وصاحب المكانة المرموقة في مسيرة علم أصول الفقه، وفي العناية بمقاصد الشرعية على وجه الخصوص. وأصبحت منزلته بالنسبة إلى شيخه، يصدق عليها ما قاله شيخه نفسه، وهو يلتمس المرجحات لمذهب الشافعي على غيره٢. حيث قال: "السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس والتأصيل، فللمتأخر الناقد حق التتميم والتكميل. وكل موضوع على الافتتاح، قد يتطرق إلى مبادئه بعض التثبيج٣، ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع لجمعه المذاهب إلى ما حصل السابق تأصيله. وهذا واضح في الحرف والصناعات، فضلًا عن العلوم"٤.
وإذا كان الإمام الغزالي لم يأت بجديد يذكر، في مؤلفه الأصولي الأول -وهو "المنخول من تعليقات الأصول"- فإنه قد تقدم كثيرًا في التنقيح والتطوير، في كتابه "شفاء الغليل، في بيان الشبه والمخيل، ومسالك التعليل" ثم انتهى إلى ما هو أوضح وأنضج في كتاب "المستصفى من علم الأصول".
أما في "شفاء الغليل"، فقد تعرض لذكر المقاصد في سياق كلامه على "مسلك المناسبة" من مسالك التعليل. وهذا المسلك يقوم على أساس تعليل
стр. 38
الأحكام الشرعية بما تتضمنه وتفضي إليه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة. ولهذا قال: "المعاني المناسبة: ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها. والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. والعبارة الحاوية لها: أن المناسبة ترجع إلى رعاية أمر مقصود"١.
فالمناسبات المصلحية التي يصح التعليل بها، هي التي تتضمن رعاية مقصود من مقاصد الشارع، "وما أنفق عن رعاية أمر مقصود فليس مناسبًا. وما أشار إلى رعاية أمر مقصود، فهو مناسب"٢.
وهذا التقييد الذي وضعه للتعليل المصلحي -أو التعليل بالمناسبة- بأنه ينبغي أن يتضمن رعاية مقصود من مقاصد الشارع، نجده في "المستصفى" أصرح وأوضح. وذلك عند تعرضه لحجية الاستصلاح -أو المصلحة المرسلة- حيث عرف المصلحة المعتد بها بقوله: "نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشارع"٣ ثم عاد في نهاية بحثه للمصلحة المرسلة ليقرر ما يمكن اعتباره فصل الخطاب في مدى حجية الاستصلاح، فقال ﵀: "فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع٤، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلاتئم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة. وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجًا من هذه الأصول. لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة"٥ إلى أن قال: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها. بل يجب القطع بكونها حجة"٦.
وفي "شفاء الغليل"، كما في "المستصفى"، حدد لنا أمهات المقاصد الشرعية، التي عليها مدار كل مقصود، شرعي، وكل مصلحة شرعية: ففي
стр. 39
الكتاب الأول نجده يقسم مقصود الشرع إلى ديني ودنيوي١، ثم ينص على أنه "قد علم على القطع أن حفظ النفس، والعقل، والبضع، والمال، مقصود في الشرع"٢. ثم أورد لكل مقصود من هذه المقاصد الأربعة، ما يدل عليه:
- حفظ النفس، يدل عليه شرع القصاص في القتل.
- وحفظ العقل دل عليه تحريم الخمر.
- وحفظ البضع واضح في تحريم الزنى والعقوبة عليه.
- والمال محفوظ بمنع التعدي على ملك الغير، وإيجاب الضمان، والقطع في السرقة.
ثم قال: "وقد نبه على مصالح الدين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، وما يكف عن الفحشاء فهو جامع لمصالح الدين. وقد تقترن به مصلحة الدنيا أيضًا"٣.
وفي "المستصفى" أعاد هذه المقاصد الجامعة، ولكن بشكل أكثر إحكامًا وتنقيحًا، فلم يقسمها إلى دينية ودنيوية، ربما لأنه أحس بإمكان الاعتراض عليه، بأن هذه المقاصد كلها دينية ودنيوية في آن واحد. خاصة وأنه قد أشار إلى هذا في نهاية قوله السابق. فالنهي عن الفحشاء والمنكر، هو نفسه النهي عن القتل، وعن السكر، وعن الزنى، وعن السرقة.
ولهذا، فبدل وضعه المصالح الدينية، بإزاء المصالح الدنيوية، جعل في مقدمة المقاصد الشرعية الضرورية: "حفظ الدين" ومصلحة الدين -أو ضرورة الدين- هنا تعني: أصل الدين، وهو المتمثل في الإيمان بالله وتوحيده وعبادته. ودليل هذا أنه قال: "ومثاله أي حفظ الدين: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم"٤.
стр. 40
وبهذا خرج عن الإشكال، وتجنب الاعتراض على تقسيم المصالح إلى دينية ودنيوية.
كما أنه عدل عن لفظ "البضع"، الذي استعمله في "شفاء الغليل" إلى لفظ أكثر دقة ووضوحًا، وهو لفظ "النسل" وهكذا أصبحت صياغة المقاصد الأساسية كما يلي: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم"١.
ومن آرائه التي نجد أصلها في "شفاء الغليل"، ثم أحكامها في "المستصفى، ما يتعلق بحفظ هذه الضروريات في الشرائع السابقة، فقد قال في "الشفاء" عن حفظ النفوس: "وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه"٢، ويعني بهم المعتزلة، ولكنه سرعان ما تبنى هذا الرأي دون حاجة إلى نسبته إلى أهل التحسين والتقبيح، فقال عن حفظ العقل وتحريم المسكر لأجله: "فهذا أيضًا مما لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مهد بساطه لرعاية مصلحة الخلق في الدين والدنيا. فلم تشتمل ملة قط على تحليل مسكر، وإن اشتملت على تحليل القدر الذي لا يسكر من جنس المسكر.
وكذلك القول في مقصود البضع والمال وما يقع على هذه الرتبة"٣.
ثم قرر في "المستصفى" -بعبارة جامعة حاسمة- أن حفظ الأصول الخمسة: "يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق. ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنى، والسرقة، وشرب المسكر"٤.
وسيرا على خطى شيخه إمام الحرمين، فقد قسم المصالح الشرعية حسب درجة قوتها ووضوحها، وعلى هذا الأساس فإن المصالح منها ما هي في رتبة
стр. 41
الضرورات، ومنها ما هي في رتبة الحاجات، ومنها ما هي في رتبة التحسينيات والتزيينات. ولكل مرتبة مكملات"١.
وقد جاء هذا التقسيم عند الإمام الغزالي على درجة كبيرة من الوضوح والاستقرار، مع إبرازه لما بين المراتب الثلاث من تفاضل وتكامل، وإعطائه الأمثلة الكافية لكل مرتبة، ولمكملات كل مرتبة، من المراتب الثلاث، وإن كانت مسألة تصنيف الأحكام الشريعة في هذه المراتب، وفي مرتبتي الحاجات والتحسينات بصفة خاصة، إنما هو عمل اجتهادي تقريبي ليس إلا.
وقد أصبحت هذه الخطوات التي خطاها الإمام الغزالي، وأصبحت هذه المبادئ التي نقحها وحررها في مقاصد الشريعة، هي المبتدأ والمنتهى لعامة الأصوليين الذين جاءوا بعده. حتى نصل إلى الإمام الشاطبي، الذي يمثل المنعطف الثالث في تاريخ علم أصول الفقه.
ولعل من الأسباب التي خلدت كلمات الإمام الغزالي عن مقاصد الشريعة، وجعلت الأصوليين -لعدة قرون- لا يتجاوزون تكرارها، هو أنها جاءت تتويجًا لما سبقه من الإشارات والتنبيهات في هذا الموضع، وتتويجًا لخطواته هو نفسه. ولهذا اتسمت -كما سبقت الإشارة- بدرجة عالية من التنقيح والتركيز والوضوح. أعني: في كتابه الأخير "المستصفى".
فخر الدين الرازي "ت ٦٠٦":
يمكن القول -باختصار- إن الإمام الرازي قد أورد في كتابه "المحصول" كل ما سبق عند الجويني والغزالي. ولا غرابة في هذا، فكتابه إنما هو تلخيص لكتب "المعتمد"، لأبي الحسين البصري، و"البرهان" للجويني، و"المستصفى" للغزالي. ومما يذكر في ترجمته أنه كان يحفظ "المعتمد" و"المستصفى" عن ظهر قلب٢.
стр. 42
على أن مما يمكن أن يذكر للرازي ﵀ هو أنه أطال وأجاد في الدفاع عن تعليل الأحكام، في وقت كانت فيه فكرة التعليل قد بدأت تتعرض للتراجع والتشكيك. وسيأتي ذكر موقفه هذا في مناسبة قادمة١.
كما يلاحظ أنه لا يلتزم ترتيب الغزالي للضروريات الخمس بل لا يلتزم فيها ترتيبًا واحدًا. فهو تارة يذكرها على هذا النحو: النفس، والمال، والنسب، والدين، والعقل٢.
وتارة يذكرها كما يلي: النفوس، والعقول، والأديان، والأموال، والأنساب٣.
ولاحظ أيضًا أنه يعبر بالنسب بدل النسل. بينما التعبير بالنسل أصح. فحفظ النسب هو المقصود، وهو الذي يرقى إلى مرتبة الضرورات العامة، أما حفظ النسب، فهو من مكملات حفظ النسل.
سيف الدين الآمدي "ت ٦٣١":
وكتاب الآمدي "الإحكام في أصول الأحكام"، هو تلخيص آخر للكتب الثلاثة السابقة: "المعتمد، والبرهان، والمستصفى". إلا أن الجديد المفيد عند الآمدي، هو أنه أدخل المقاصد في باب الترجيحات، وبالذات في الترجيح بين الأقيسة المتعارضة. وهو ما سيصبح سنة حسنة فيمن بعده من الأصوليين.
فقد نص على ترجيح المقاصد الضرورية على الحاجية، وترجيح هذه على التحسينية. كما ترجح المصالح الأصلية على مكملاتها، وترجح مكملات الضروريات على مكملات الحاجيات٤.
стр. 43
ثم تطرق -وربما لأول مرة- إلى بيان كيفية ترتيب الضروريات الخمس والترجيح بينها بناء على ذلك، ودافع عن الترتيب الذي اختاره.
ورغم أنه عندما ذكر هذه الضروريات للمرة الأولى، ذكرها على ترتيب الغزالي، فقال: "المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع هي: الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال"١.
فإنه عند تفصيل القول في الترجيح بينها، اختار تقديم حفظ النسل على حفظ العقل، كما هو الشأن في تقديم حفظ النفس على حفظ العقل. لأن حفظ العقل إنما هو فرع لحفظ النفس والنسل. فبحفظهما يقع حفظ العقل، وبفواتهما يفوت العقل أيضًا. أما حفظ العقل فلا يتضمن حفظ النفس والنسل، بل لا يتصور هو نفسه بدون حفظهما٢.
وقد أطال ﵀ في الدفاع عن تقديم حفظ الدين على حفظ النفس، ومما قاله في ذلك: "فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى مقصوده وثمرته من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين. وما سواه من حفظ الأنفس والعقل والمال وغيرها. فإنما كان مقصودًا من أجله، على ما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣".
ثم رد بتفصيل على احتمال القول بتقديم حفظ النفس على حفظ الدين، وأبطل ما يمكن أن يستدل به على ذلك.
ومن النقط الجديدة عند الآمدي، تنصيصه صراحة على كون الضروريات منحصرة في هذه الخمسة، حيث قال: "والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرًا إلى الواقع، والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة٤". وبعده
стр. 44
أخذ الأصوليون يصرحون بانحصار الضروريات في هذه الخمسة، وأن الاستقراء دل على ذلك، بينما الإمام الغزالي -الذي سمى هذه الضروريات- اقتصر على حصرها ضمنيا، ولم يصرح بذلك.
وعلى كل، فحصر الضروريات في هذه الخمسة، وإن كان قد حصل فيه ما يشبه الإجماع، يحتاج إلى إعادة النظر والمراجعة، وليس هذا مقام ذلك. وقد تأتي إشارات أخرى، في مواضع قادمة من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وبعد الرازي والآمدي، توقفت عقارب الساعة, وأصحبت التآليف الأصلية التقليدية١ عبارة عن مختصرات لما سبق، وشروح للمختصرات، وتلخيصات للشروح، وتعليقات على التلخيصات. وقد يجهد أحدهم نفسه فيحول بعض ذلك نظمًا، ثم يتطوع آخر -أو هو نفسه- فينشر ذلك النظم.
وهكذا حتى نصل إلى "جمع الجوامع"، أو -على الأصح- إلى "جمع الموانع"، أعني موانع التجديد والتغيير والمراجعة والتقدم العلمي وموانع حتى من التعامل المباشر مع مؤلفات المتقدمين، فلم يبق بعد "جمع الجوامع" إلا حفظه والتحشية عليه.
ابن الحاجب "ت ٦٤٦":
وهو دائر في فلك الآمدي، يقول: "والمقاصد ضربان: ضروري في أصله، وهي أعلى المراتب كالمقاصد الخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وغير ضروري، وهو ما تدعو الحاجة إليه في أصله، كالبيع والإجارة"٢.
وعندما تعرض للترجيحات، نص على ترجيح الضروريات على الحاجيات. إلى آخر ما عند الآمدي.
стр. 45
ثم تطرق إلى الترجيح فيما بين الضروريات نفسها. فنص على ترجيح ضرورة الدين على بقية الضروريات، ثم قال: "وقد يرجح العكس، بأن حق الآدمي -لتضرره- مرجح على حق الله، لعلوه عن الضرر"١. ثم رد على هذا الرأي، مختصرًا ما قاله الآمدي بالضبط. وكذلك تابعه في تقديم حفظ النسل على حفظ العقل.
البيضاوي "ت ٦٨٥"- كالرازي- يقسم المقاصد إلى أخروية ودنيوية. فالأخروية كتزكية النفس. والدنيوية: إما ضرورية "كحفظ النفس بالقصاص، والدين بالقتال، والعقل بالزجر عن المسكرات، والمال بالضمان، والنسب بالحد على الزنا"٢، وإما مصلحية كنصب الولي للصغير، وإما تحسينية كتحريم القاذورات.
وأما الأسنوي "ت ٧٧٢"، فلم يعلق على هذا الترتيب للضروريات بشيء. بل التزم به في شرحه للفقرة المتقدمة٣. ولكنه ذكرها في موضع آخر على هذا النحو: "الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب"٤. واكتفى في باب التجريحات، بحكاية ترتيب الآمدي وابن الحاجب، دون أن يعلق بشيء أيضًا٥.
وهكذا تأرجح الأصوليون، في ترتيبهم للضروريات الخمس، ما بين ترتيب الغزالي، وتريتب الآمدي، أو عدم التزام ترتيب معين. وترتيب الغزالي والآمدي يتفقان في تقديم الدين، فالنفس، وفي تأخير المال. ويختلفان في النسل والعقل، أيهما يقدم وأيهما يؤخر؟ والأقرب إلى المنطق ما ذهب إليه الآمدي، علمًا بأن الغزالي لم يعلل ترتيبه ولم يدافع عنه.
стр. 46
وإذا ثبت هذا، فلأعرج على بعض الأقوال التي تحتاج إلى تصحيح في موضوعنا هذا، وأعني ما قاله كل من: الدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور محمد سعيد البوطي.
- فالدكتور الزحيلي يقول: "يرتب المالكية والشافعية هذه الأصول، أو الضروريات الخمس على النحو الآتي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ويرتبها الحنفية على النحو التالي: الدين، ثم النفس، ثم النسب، ثم العقل، ثم المال"١.
والحقيقة أن ربط ترتيب هذه الضروريات بالمذاهب الفقهية، هو مجرد إقحام لا مسوغ له. فالمسألة، لا صلة لها -أصلًا- بالمذاهب. ثم إن نسبة ترتيب ما- أيا كان- إلى الحنفية، هو مجرد تكلف لا يقوم على أساس. فليس للحنفي دخل في هذه المسألة، ولا حتى للمالكية، وإن كان ابن الحاجب المالكي قد تابع ترتيب الآمدي، كما تابعه غيره. وقد أحالنا الدكتور الزحيلي في قوله السابق على مرجع حنفي هو "مسلم الثبوت". وهذا المرجع لا حجة فيه من جهتين: من جهة أن صاحبه متأخر جدا "ت ١١١٩هـ"، ومن جهة أنه لم يضع ذلك الترتيب من عنده، ولا قدمه باسم المذهب الحنفي. وإنما تابع فيه الأصوليين الشافعية لا غير. ومعلوم أن "مسلم الثبوت" من المؤلفات الجامعة بين طريقتي الحنفية والشافعية، وهو عندما ذكر الضروريات لأول مرة، ذكرها وفق ترتيب الغزالي -وهو شافعي- أي بتقديم العقل على النسب٢، وعندما أوردها في باب الترجيحات، اختار -على غرار صنيع الآمدي- أسبقية النسب على العقل٣. والآمدي شافعي أيضًا.
وإذن، فالترتيبان معًا، من وضع الأصوليين الشافعية، ثم تابعهم المالكية والحنفية. مع أن المسألة لا علاقة لها بالتمذهب الفقهي. وإنما هي محض اجتهاد شخصي.
стр. 47
- وأما الدكتور البوطي، فقد تبنى ترتيب الغزالي، وعلله من وجهة نظره، وبنى على ذلك ما بدا له من الأمثلة الفقهية، وكل هذا من حقه، ولا غبار عليه. ولكنه جازف وتكلف عندما قال: "الترتيب بهذا الشكل بين الكليات الخمسة، محل إجماع"١.
وأظن أنني لست بحاجة إلى بيان ما في هذا الحكم من مجازفة، بعد كل ما أوردته سابقًا في الموضوع، فهو حسبي.
ابن السبكي: "ت ٧٧١" ذكر الضروريات الخمس، حسب ترتيب الغزالي، إلا أنه -كالرازي وغيره- استبدل "النسب" بالنسل. ثم زاد إلى الخمسة سادسًا، حيث قال: "والضروري": كحفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسب، فالمال، والعرض"٢.
قال البناني في حاشية عليه: "وهذا -يقصد العرض- زاده المصنف، كالطوفي. وعطفه بالواو، إشارة إلى أنه في رتبة المال. وعطف كلا من الأربعة قبله بالفاء، لإفادة أنه دون ما قبله في الرتبة٣.
وإضافة العرض إلى الضروريات الخمس، ذكرها قبل الطوفي "المتوفي سنة ٧١٦"، القرافي "المتوفي سنة ٦٨٤"، وهو يحكيها عمن قبله. قال: "الكليات الخمس، وهي: حفظ النفوس، والأديان، والأنساب، والعقول، والأموال. وقيل: الأعراض"٤.
وظاهر أن القرافي -بخلاف السبكي- لا يتبنى هذه الإضافة.
وقد دافع الشوكاني عن هذه الزيادة إلى الضروريات الخمس فقال: "وقد زاد بعض المتأخرين سادسًا وهو: حفظ الأعراض؛ فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم
стр. 48
وأموالهم دون أعراضهم. وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى. وقد شرع في الجناية عليه بالقذف، الحد. وهو أحق بالحفظ من غيره. فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى عليه نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه ولهذا يقول قائلهم:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول١
والحقيقة أن جعل "العرض" ضرورة سادسة، توضع إلى جانب ضرورات: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، إنما هو نزول بمفهوم هذه الضرورات، وبمستوى ضرورتها للحياة البشرية، كما أنه نزول عن المستوى الذي بلغه الإمام الغزالي، في تحريره المركز والمنقح لهذه الضرورات الكبرى. فبينما جعل الضروري هو حفظ النفس، نزل "بعض المتأخرين" إلى التعبير بالنسب، ثم إلى إضافة العرض! وهل حفظ الأنساب، وصون الأعراض إلا خادمان لحفظ النسل؟
ثم إن حفظ العرض، ينقصه الضبط والتحديد. فأين يبدأ وأين ينتهي؟ وما هو الحد الفاصل بين حفظ العرض وحفظ النسب؟
ولو جاز لنا أن نضيف ضرورة النسب وضرورة العرض، لجاز لنا أن نضيف -من باب أولى- ضرورة الإيمان، وضرورة العبادة، وضرورة الكسب، وضرورة الأكل إلى غير ذلك من الضرورات الحقيقية، المندرجة في الضرورات الخمس، والخادمة لها.
وقد اعترض الشيخ ابن عاشور، على من جعلوا حفظ العرض من الضروريات، واعتبره من الحاجيات فقط. كما أنه لم يقبل جعل حفظ النسب من الضروريات إلا باعتباره يفضي إلى حفظ النسل٢.
والحق أن ما كان هذا شأنه، فهو مكمل للضروري، كما أشرت من قبل
стр. 49
وأعود إلى ذكر بعض العلماء، الذين خرجوا عن سلسلة التقليد والتكرار، ولعلل مما ساعد على تحررهم وتميزهم أنهم لم يكونوا أصوليين بالمعنى الضيق لهذا اللقب. بل كانوا أصوليين فقهاء. ولست أعني بهم الأصوليين الأحناف، الذين يعرفون أيضًا باسم "الأصوليين الفقهاء"، وتنعت طريقتهم في التأليف الأصولي بطريقة الفقهاء، أو بطريقة الأحناف، مقابل طريقة المتكلمين -وهي التي كنا معها- وأكثرهم شافعية.
لست أعني الأصوليين الأحناف، لأنهم أقل التفاتا إلى مقاصد الشريعة من المتكلمين. وقد راجعت عددًا من مصنفاتهم، ما بين متقدم ومتأخر، فلم أجد فيها ما يستحق الذكر١. مع أن الفقهاء الحنفية من أكثر الفقهاء تعليلًا لأحكام الشريعة: معاملات وعبادات. والتفاتهم إلى العلل والمقاصد أكثر بكثير من الفقهاء الشافعية. ولكن هذا في الفقه وجزئياته.
أما الأصوليون الفقهاء الذين أعنيهم -الآن- فهم بالتحديد:
عز الدين بن عبد السلام وتلميذه القرافي، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم. ومعلوم أن هؤلاء -بالإضافة إلى الشاطبي- هم من العلماء والمفكرين القدماء الذين غزوا عصرنا وذاعت كتبهم وأفكارهم ذيوعًا كبيرًا، وأصبح لهم حضور قوي في الكتابات المعاصرة، سواء في الفقه، أو أصول الفقه، أو مقاصد التشريع الإسلامي، أو في الفكر بصفة عامة, وما ذلك إلا لما اتسموا به من صدق واستقامة ووضوح وتحرر، في تفكيرهم ومواقفهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 50
عز الدين بن عبد السلام "ت ٦٦٠":
وقد اشتهر الإمام ابن عبد السلام -أكثر ما اشتهر- بكتابه الفريد "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، وهو كتاب يكاد يكون خاصًا في مقاصد الشريعة، سواء باعتبار كلامه الصريح في مقاصد الأحكام، أبو باعتبار أن الكلام في المصالح والمفاسد، هو كلام في مقاصد الشريعة، التي تتلخص في جلب المصالح ودرء المفاسد.
والغريب أن صاحب "نيل الابتهاج" ذكر لابن عبد السلام كتابًا آخر -غير معروف له- في هذا الموضوع، اسمه "كتاب المصالح والمفاسد"، وأن الإمام ابن مرزوق الحفيد "ت ٨٤٢"، درسه لبعض طلابه! وكان من الممكن الظن بأن هذا الكتاب هو نفسه كتاب "القواعد" لولا أنه ذكرهما معًا، جنبًا إلى جنب١.
كما أن له كتابًا آخر، سماه السبكي "شجرة المعارف"، وقال عنه: "حسن جدا"٢، ولكنه لم يذكر عن موضوعه شيئًا. غير أن الشيخ ابن عاشور، عند تفسيره للآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. نقل عن "السيرة الحلبية": "أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألف كتابًا سماه "الشجرة" بين فيه أن هذه الآية اشتملت على جمع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية"٤.
وهذا يعني أن الكتاب في الفقه والتشريع، بل في أسس الفقه وفلسفة التشريع. والآية التي بنى عليها كتابه هذا، جامعة لمقاصد الشريعة الإسلامية، لأنها أمرت بجوامع المصالح، ونهت عن جوامع المفاسد، حتى قال عنها ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن٥.
стр. 51
فالمفروض إذن، أن ابن عبد السلام قد عمل في هذا الكتاب، على ربط الأحكام الشرعية بأصولها ومقاصدها المجموعة في هذه الآية. وهذا عمل جليل فريد من نوعه.
فهل يكون هذا الكتاب، والكتاب السابق، باقيين على قيد الحياة؟ سؤال لا أملك إلا أن أضعه بين أيدي المختصين وذوي الهمم من الباحثين.
وأعود إلى الكتاب المتوفر بين أيدينا، وهو "قواعد الأحكام" لأقدم بعض فقراته الجامعة في موضوع المقاصد:
ومنذ بداية الكتاب نجده ينص على أن: "معظم مقاصد القرآن: الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها"١.
وهو ممن يرون أن الشريعة الإسلامية كلها، معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، سواء منها ما وقع النص على تعليله أو ما لم ينص عليه. فما نص على تعليله فيه تنبيه على ما لم ينص عليه. ويوضح هذا بقوله: "والشريعة كلها مصالح: إما تدرؤ مفاسد أو تجلب مصالح. فإذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرًا يحثك عليه، أو شرا يزجرك عنه، أو جمعًا بين الحث والزجر. وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد، حثا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثا على إتيان المصالح"٢.
ويؤكد -في موضع آخر- هذه "الكلية" في تعليل أحكام الشرع، وأنها -كلها-تقصد مصلحة العباد، فيقول: "التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم. والله غني عن عبادة الكل، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين"٣. ويعرف كلا من مصالح الآخرة ومفاسدها، ومصالح
стр. 52
الدنيا ومفاسدها: "فمصالح الآخرة: الحصول على الثواب، والنجاة من العقاب. ومفاسدها: الحصول على العقاب، وفوات الثواب وأما مصالح الدنيا: فما تدعو إليه الضروريات أو الحاجات، أو التتمات والتكملات. وأما مفاسدها. ففوات ذلك بالحصول على أضداده"١.
ويحدد المقصود من العبادات بقوله: "والمقصود من العبادات كلها: إجلال الإله وتعظيمه ومهابته والتوكل عليه والتفويض إليه"٢.
وأما التعليلات والمقاصد الجزئية للأحكام الشرعية، فالكتاب مليء بها. وانظر في ذلك -بصفة خاصة- الفصل الذي سماه: "قاعدة في اختلاف أحكام التصرفات لاختلاف مصالحها"٣ لتجد عشرات من المقاصد الجزئية، ولترى كيف تدور الأحكام مع مقاصدها ومصالحها.
وأكتفي بهذا القدر، فالكتاب أصبح رائجًا متداولًا، ثم إني سأعرض لبعض محتوياته في مناسبات قادمة.
وأخيرًا، فإن ذكر ابن عبد السلام، يجر إلى ذكر تلميذه ووارث علمه وفكره، الإمام شهاب الدين القرافي، فهو من حسناته. غير أني -بعد تأمل ما قاله من المقاصد والمصالح- وجدته لا يكاد يخرج عما قاله شيخه، وإن فاقه ضبطًا وتحريرًا وتنظيمًا للقواعد والنظريات. وهذا التنبيه يكفي.
ابن تيمية "ت ٧٢٨":
الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية، لا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة وأحكامها من بيان حكمها ومقاصدها، وإبراز مصالحها، ومفاسد مخالفتها وما سأذكره من كلامه في المقاصد ليس إلا قليلًا من كثير جدا. ففتاوى الرجل، وكتاباته الفقهية مليئة من مثل هذا:
стр. 53
فهو لا يفتأ يؤكد ويثبت "أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وأنها ترجح خير الخيريين وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وندفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما١. ثم يمضي يفصل الأمثلة من الأحكام الشرعية مطبقة على هذه القواعد الجامعة.
وقد أمر الله العباد بأن يبذلوا غاية وسعهم في التزام الأصلح فالأصح، واجتناب الأفسد فالأفسد، وهذا هو الأساس الأكبر للتشريع الإسلامي: "فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ المفسر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وعلى قول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجاه في الصحيحين، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما، هو المشروع"٢.
ونأخذ نموذجًا تطبيقيا لكلامه في المقاصد، وهو بيانه لمقاصد الولايات الشرعية، من خلافة، وقضاء، وحسبة، وفي هذا يقول "أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون"٣. وفي موضع آخر يقول: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم، خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"٤.
ومقاصد الولايات الشرعية، إنما هي امتداد لوظيفة النبوات، وفرع لها، فمقاصد الولايات هي مقاصد النبوات. ولهذا نجده يربط بين الأمرين في قوله:
стр. 54
"فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه. وهكذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ فالمقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط، في حقوق الله وحقوق خلقه"١.
وبناء على معرفة مقاصد الولايات الشرعية، ومعرفة ما تختص به وتتميز به كل ولاية ينبغي أن يتم تحديد من يصلح لكل ولاية: فإذا كان هذا هو المقصود، فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب. وينظر إلى الرجلين، أيهما كان أقرب إلى المقصود ولي"٢.
ولهذا فعندنا تكون مقاصد الحكام هي مقاصد الشرع، فإنهم يسيرون على هدي هذا القانون, ويختارون للمناصب والولايات أصلح الناس لتحقيق مقاصدها الشرعية. فإذا اختلفت مقاصدهم عن مقاصد الشرع، فإنهم يختارون من يناسب مقاصدهم. وفي هذا يقول: "وأهم ما في هذا الباب: معرفة الأصلح. وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود. فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين، قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه، يؤثر تقديم من يقيم رئاسته٣.
ولابن تيمية ﵀، استدراك على الأصوليين في حصرهم لمقاصد الشرعية في المقاصد الخمسة المعروفة، حيث يرى أنها لا تشتمل مقاصد سامية عظيمة في الشريعة، وفي هذا يقول: "وقوم من الخائضين في أصول الفقه، وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد، ودفع
стр. 55
مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية، ودنيوية، جعلوا الأخروية: ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم. وجعلوا الدنيوية: ما تضمن حفظ الدماء، والأموال، والفروج، والعقول، والدين الظاهر. وأعرضوا عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله, وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجا لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه: حفظًا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح"١.
وهذا النص -لا شك- يشير تساؤلات عدة، ويستدعي تعليقًا مطولًا، ونقاشًا مفصلًا. ولكني في هذا الفصل المدخل، أعرض أكثر مما أعلق وأناقش. وقد قدمت من قبل إشارة تتعلق بإمكان المراجعة لما ساد عند الأصوليين من حصر المقاصد الضرورية في الخمس المعروفة. وإيرادي لنص ابن تيمية هو إشارة أخرى في الموضوع٢. والمسألة تحتاج إلى بحث خاص.
وأخيرًا، فإن ما قلته عن القرافي مع شيخه ابن عبد السلام يصدق تمامًا على ابن القيم "ت ٧٥١" مع شيخه ابن تيمية.
على أن أمامنا مناسبات أخرى لا يراد بعض أقوال الرجلين والتعرف على بعض عطائهما في الموضوع.
стр. 56
الفصل الثاني: فكرة المقاصد في المذهب المالكي
مدخل
...
الفصل الثاني: فكرة المقاصد في المذهب المالكي
تخصيص هذا الفصل للمذهب المالكي دون غيره من المذاهب الأخرى، يرجع إلى سببين:
الأول: لأن هذا الفصل -كسابقه- هو مدخل لدراسة نظرية المقاصد عند الشاطبي، يساعدنا على فهمها وفهم أسسها، وتلمس جذورها. ومعلوم أن الشاطبي مالكي، بل نشأ في إحدى البيئات التي ساد فيها المذهب المالكي سيادة مطلقة، وأصبحت من أكثر البيئات الإسلامية انغلاقًا على مذهبها، وبعدا عن بقية المذاهب الأخرى.
والثاني: هو ما وقفت عليه من خصائص المذهب المالكي التي جعلته أكثر المذاهب عناية بمقاصد الشريعة ورعاية لها. وهو ما لم يكن عندي أي فكرة عنه، قبل الدخول في شعاب هذا البحث، وتتبع خيوطه ومعطياته. ولكني، شيئًا فشيئًا، وجدت هذه الحقيقة تتكشف لي بوضوح متزايد، ووجدت أدلتها تتراكم بين يدي، ورأيت أثرها جليا فيما صنعه الشاطبي ﵀.
وقبل أن أعرض أهم تلك الخصوصيات التي جعلت المذهب المالكي هو مذهب المقاصد الأول، أريد أن أوضح أمرًا، أزيح به بعض الالتباس الذي قد يحصل في الموضوع. وهذا الأمر هو في نفسه أولى الميزات التي بوأت المذهب المالكي مكانته في مراعاة المقاصد. والأمر الذي أريد البدء بتوضيحه هو:
стр. 57
ماذا أعني بالمذهب المالكي:
فعادة عندما ينسب مذهب من المذاهب إلى شخص -ما كالمذهب الحنفي، والمذهب الشافعي، والمذهب الماتريدي، والمذهب الأشعري- فإن هذه
стр. 58
النسبة تشير إلى الدور التأسيسي، الذي اضطلع به ذلك الشخص، وإلى أن ذلك الشخص هو صاحب النظريات والأسس التي قام عليها ذلك المذهب.
ولكن الأمر يختلف في نسبة المذهب المالكي إلى الإمام مالك بن أنس ﵀. ذلك أنه لم يؤسس مذهبه، ولم يضع أصوله وقواعده. وإنما وجد كل ذلك جاهزًا مستقرا، وورثه تاما ناضجًا، فسار عليه، واجتهد في إطاره. ومن هنا فإن قولنا: "المذهب المالكي" لا يكون سليمًا إلا بمعنى أن المذهب المالكي هو المذهب الذي ينتسب إليه مالك، وليس المذهب الذي ينسب إلى مالك.
وبيان ذلك أن الإمام مالكًا -كما هو معلوم- ورث علم علماء المدينة، وبه كان يفتي، وعليه كان يبني. و"الموطأ" خير شاهد على هذا، فهو مليء بمثل هذه العبارات: الأمر المجتمع عليه عندنا، والأمر عندنا، وببلدنا، وأدركت أهل العلم، والسنة عندنا، وسمعت أهل العلم، والذي أدركت عليه الناس، وهذا أحب ما سمعت، أو أحسن ما سمعت.
وكلها عبارات صريحة في أن الإمام كان يصدر عن "مذهب" قائم مستقر، علمًا وعملًا, وهذا أمر مقرر معلوم عند الدارسين لتاريخ الفقه الإسلامي. ومما هو معلوم ثابت أيضًا، أن هذا "المذهب" ليس إلا ما ورثه أتباع التابعين -ومنهم مالك- عن التابعين، وورثه هؤلاء عن الصحابة، وذلك في تسلسل جماعي، ومن خلال الرواية والتطبيق معًا.
ولنتأمل هذا النص الذي نقله ابن فرحون في "الديباج" "ص٢٥" حيث جاء فيه: "وقال ابن أبي أويس: قيل لمالك: قولك في الكتاب: الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا وببلدنا، وأدركت أهل العلم، وسمعت بعض أهل العلم. فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأي، فلعمري ما هو برأي، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله تعالى، فكثر علي فقلت رأيي وذلك رأيي، إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك. فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا. وما كان رأيا فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة. وما كان.
стр. 59
فيه: الأمر المجتمع عليه، فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه. وما قلت: الأمر عندنا، فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم. وكذلك ما قلت فيه ببلدنا. وما قلت فيه: بعض أهل العلم، فهو شيء أستحسنه من قول العلماء. وأما ما لم أسمع منهم، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبًا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم. وإن لم أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأي إليَّ بعد الاجتهاد، مع السنة وما مضى عليه عمل أهل العلم المقتدى بهم والأمر المعمول به عندنا منذ لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لقيت. فلذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره".
وجاء في "ترتيب المدارك": "قال حميد بن الأسود: كان إمام الناس عندنا بعد عمر: زيد بن ثابت، وبعده عبد الله بن عمر.
قال علي بن المديني: وأخذ عن زيد -ممن كان يتبع رأيه- أحد وعشرون رجلًا، ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة: ابن شهاب، وبكير بن عبد الله، وأبي الزناد. وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس١.
وقد نقل العلامة محب الدين الخطيب٢، عن علامة الهند الكبير: ولي الله الدهولي، أنه كان يرى أن الفقه في عصر الصحابة كان منبعه -أساسًا- مجموعة معينة من الصحابة، وكان إمامهم ومركز حركتهم: عمر بن الخطاب، ﵃ أجمعين.
ثم انتقل فقه عمر والصحابة إلى "فقهاء المدينة السبعة"، وهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
стр. 60
وورث علمَ هؤلاء تلاميذهم من أمثال: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، ونافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وربيعة الرأي، وأبي الزناد.
وانتقل علم هؤلاء جميعًا إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي.
وليس بين هذا القول وسابقه أي تعارض، فكل منهما يكشف جانبًا من الحلقات الجماعية التي تسلسل فيها فقه أهل المدينة. كما أن القولين معًا، يتفقان في أمر ذي بال، وهما طرفا هذه السلسلة: فهي تبتدئ من عمر بن الخطاب، وتنتهي إلى مالك بن أنس.
ويؤكد الإمام ابن تيمية هذا -ويزيد عليه- بقوله: "وكان أهل المدينة فيما يعملون: إما أن يكون سنة عن رسول الله ﷺ ، وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب. ويقال: أن مالكًا أخذ جل الموطأ عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدث. وفي الترمذي عن رسول الله ﷺ قال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر". وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر" وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر".
وكان عمر يشاور أكابر الصحابة: كعثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وهم أهل الشورى. ولهذا قال الشعبي: انظروا ما قضى به عمر فإنه كان يشاور"١.
وإلى هذا وذاك، فعمر بن الخطاب هو رجل الدولة الكبير، رجل الدولة في سياستها، واقتصادها، وحربها وسلمها، وفي تشريعها وقضائها، وفي تعليمها وتربيتها. هو رجل الدولة الكبير، منذ قيامها على يد رسول الله ﷺ وإلى لحظة استشهاده ﵁، سنة ٢٣ للهجرة. وهذا يعطي بلا بد، المرتبة العليا، في فقه الدين والدنيا.
стр. 61
فكيف إذا كان الرجل ملهمًا محدّثًا؟ وكيف إذا اعتصم بالسنة وتحصن بالشورى؟
عمر بن الخطاب هذا، هو الحلقة الأولى في المدرسة الفقهية لأهل المدينة، على ما رأينا.
والذي يتصفح "الموطأ" -مجرد تصفح- يدرك بسهولة أن فقه عمر، وأقضية عمر، وفتاوى عمر، وسنن عمر مهيمنة عليه، بعد سنة رسول الله ﷺ .
وكذلك فإن الذين يتكلمون عن الأصول التي يتميز بها المذهب المالكي، لا يجدون أي صعوبة في إدراك أن تلك الأصول، إنما هي أصول "عمرية" قبل أن تكون أصولا "مالكية":
فعمل أهل المدينة يرجع في كثير منه إلى عهد عمر، فضلا عما يرجع منه إلى السنة النبوية نفسها، وإلى سنن الخلفاء الراشدين عموما.
وأما "المصالح المرسلة" و"سد الذرائع"، فعمر رائدها، وسياسته أحسن تطبيق لهما.
فإذا كان لا بد أن ينسب "المذهب المالكي" إلى فرد، فليس هناك أحق من عمر. ولكن الأمر -مع هذا- أوسع من عمر واجتهادات عمر. الأمر يرجع قبل كل شيء إلى الإسلام نفسه. فكل ذلك متأصل فيه نابع منه، ثم جاءت تجربة عمر ومدرسة عمر، مدعمة بالرأي الجماعي للصحابة ﵃، ثم توالت الحلقات العلمية الاجتهادية لفقهاء المدينة، ثم كانت حلقة مالك بن أنس.
والاسم الذي يجمع فقه عمر، وفقه مالك، وما بينهما، هو: "مذهب أهل المدينة". وهو الاسم الذي كان يطلق إلى زمان مالك، وبعده، حتى حل محله -شيئًا فشيئًا- اسم "مذهب مالك"، ثم "المذهب المالكي"، بعد أن انتشرت العدوى وعمت البلوى بالانتساب إلى الأفراد والتقيد بهم. وهو باب من أبواب الجمود والانحطاط.
стр. 62
يقول العلامة عبد الحي بن الصديق: "كانت بدعة تقليد رجل واحد سببًا في حدوث بدعة أخرى أعظم قبحًا من سابقتها، تلك هي قيام كل أتباع مذهب بنصرة مذهبهم، والدعوة إلى وجوب تقليده وتحريم تقليد غيره من المذاهب.
ومنهم من خرج عن حد الاعتدال وأولج في ذلك إلى حد الإفراط ولمز بعض الأئمة بما لا يجوز عند عاقل"١.
فكلامي في هذا الفصل -أو في غيره- عن "المذهب المالكي" إنما هو كلام عن مذهب جماعي، جماعي قبل مالك وبعده، وإن كان الذي يعنيني أساسًا، هو ما قبل مالك، ومرحلة مالك. وذلك هو: "مذهب أهل المدينة".
وإذا كان الأمر يتعلق بمذهب أهل المدينة، الذي يرجع إلى جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين، وأبرزهم عمر، فهذا "المذهب" في غنى تام عن أي تكلف للدفاع عنه والانتصار له، وخاصة من مثلي. ولكن التذكير بالحقائق المسلمة، أو على الأقل الواضحة، أمر لا بد منه، وخاصة بعد أن تطاول العهد بها.
ومما هو قريب المنال في هذا الصدد، ما كتبه الإمام ابن تيمية -وهو لحسن الحظ غير محسوب على "المذهب المالكي"- فقد كتب فصلًا مطولًا في أزيد من مائة صفحة، للتعريف بمذهب أهل المدينة وبيان أفضليته وأرجحيته أصولًا وفروعًا٢.
ومما جاء فيه قوله: "مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، أصح مذاهب أهل المدائن شرقًا وغربًا، في الأصول والفروع"٣. وقوله: "ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة، وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد"٤.
стр. 63
ورغم أنه أطال وفصل في الموضوع، فقد قال: "وهذا باب يطول تتبعه. ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم، لطال الكلام"١. ثم قال:
"إذا تبين ذلك، فلا ريب -عند أحد- أن مالكًا ﵁، أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا. فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه"٢.
وإذن، فقد ظهر ماذا أعني بالمذهب المالكي، وظهر أنه مذهب ينتسب إليه مالك بن أنس، وأن هذا الإمام، ليس إلا حلقة من حلقاته، غير أنه كان -في عصره وفيما بعد عصره- أجمع الناس له رواية، وأكثرهم به دراية.
فإذا تكلمت بعد هذا، عن بعض أصول المذهب المالكي وبعض قواعده، فلست أعني أن هذه الأصول ملك لمالك، وإنما مالك ملك لها، في فقهه واجتهاده.
стр. 64
أصول المذهب المالكي والمقاصد
المصلحة المرسلة
...
أصول المذهب المالكي والمقاصد:
وأعرض فيما يلي -بصفة خاصة- أهم الأصول المالكية، ذات الصلة القوية برعاية مقاصد الشريعة:
١- المصلحة المرسلة:
ولا أريد أن أشتغل بتعريف المصلحة المرسلة، ومناقشة حجيتها، وتحقيق من يقول بها ومن لا يقول، إلى غير ذلك من المسائل التي تكفلت كتب الأصول ببيانها. وخصصت لها -في زمننا- كتابات ورسائل جامعية كثيرة. وسيأتي بعض من ذلك في مواضعه المناسبة من هذا البحث.
وإنما أريد أن أنصرف إلى ما له صلة مباشرة بموضوعنا.
وأول ذلك أن تحكيم المصلحة، والاحتجاج بها، مرجعه إلى الصحابة ﵃. ورأسهم في ذلك عمر، وهو أمر متواتر عنهم. ولهذا قال الغزالي -رغم
стр. 65
شافعيته-: "الصحابة ﵃ هم قدوة الأمة في القياس، وعلم قطعًا اعتمادهم على المصالح"١.
وهو في هذا يكرر ما قاله شيخه أبو المعالي -في مبحث الاستدلال، من كتابه: "البرهان"- حيث سلم بحجيته الاستدلال المصلحي، لأن ذلك من عمل الصحابة ﵃، وهو كثير في فقهم وفتاويهم. ومن هنا أخذ به، مشترطًا أن تكون المصلحة شبيهة بما اعتبره الشارع من المصالح. وهو تحصيل حاصل عند القائلين بالمصلحة.
والذي يهمنا أكثر، هو علاقة المصلحة بمقاصد الشارع، فقد اتضح من خلال الفصل السابق -وسيأتي ذلك بمزيد من التفصيل- أن العبارة الجامعة لمقاصد الشارع كلها، هي: جلب المصالح ودرء المفاسد. وهذا مطرد في جميع أحكام الشريعة. واطراده أظهر ما يكون في أحكام العادات والمعاملات.
ومن هنا، يجب أن يكون الاجتهاد الفقهي قائمًا على أساس الاستصلاح، وأن يكون فهم النصوص والاستنباط منها قائمًا على أساس أن مقاصدها: جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن يكون القياس عليها مراعيًا لهذا الأساس أيضًا. وهذا معنى مراعاة المصلحة في المذهب المالكي، فهو ليس مجرد الأخذ بالمصلحة المرسلة حيث لا نص ولا قياس. بل هو استحضار المصلحة عند فهم النص، وعند إجراء القياس، فضلًا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة.
وإنما عنونت هذه الفقرة بالمصلحة المرسلة، جريا على ما هو شائع ومعروف من تميز الأصول المالكية بأصل " المصلحة المرسلة". وإلا فإن المصلحة عندهم أبعد أثرًا من هذا. والأمر كذلك أيضًا في سائر المذاهب إلا الظاهرية، غير أن المذهب المالكي، كان أصرح وأوضح في مراعاته للمصالح، باعتبارها المقصد العام للشريعة، والمقصد الخاص لكل حكم من أحكامها، وخاصة في أبواب المعاملات والعبادات، بينما مراعاة المصلحة في المذاهب الأخرى، يشوبها نوع من التردد والغموض. ولتمام توضيح المسألة، أنتقل إلى ذكر أمثلة لها:
стр. 66
فمن المعلوم أن النبي ﷺ نهى عن كثير من البيوع، لما يكتنفها من جهالة ومخاطرة، ولما تفضي إليه من غرر وغبن، في حق أحد المتبايعين. وهذا يقتضي الوضوح التام، والتحديد المضبوط، في المبيعات وصفاتها، وفي الأثمان، والآجال، وكل هذا معلل، ومصلحته واضحة.
ولكن هناك حالات كثيرة جدا، يتعذر فيها -أو يعسر جدا- توفير هذه الشروط والالتزام بها، فتصبح مصلحة المتبايعين -التي هي المقصودة بتلك الشروط- تستدعي التساهل فيها، والتغاضي عن بعضها، مما هو متعذر أو عسير.
وههنا -بصفة عامة- اتجاهان متباينان: اتجاه يميل إلى هذا التساهل والتغاضي، رعاية للمصلحة ودفعا للحرج والضرر، ويمثله الفقه المالكي، فالحنفي. واتجاه يميل إلى المحافظة على الشروط الأصلية للبيوع، والتمسك بشكلياتها مهما يكن من أمر. ويمثله الفقه الشافعي:
"ومن هذا الباب: أن مالكًا يجوز بيع المغيب في الأرض، كالجزر، واللفت، وبيع المقاثي جملة. كما يجوز هو والجمهور، بيع الباقلاء ونحوه في قشره.
ولا ريب أن هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم ﷺ ، وإلى هذا التاريخ. ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا. وما يظن أن هذا نوع غرر، فمثله جائز في غيره من البيوع، لأنه يسير والحاجة داعية إليه. وكل واحد من هذين يبيح ذلك. فكيف إذا اجتمعا"١.
فهذا الاتجاه الفقهي إذن، يستند إلى كون الغرر يسيرا، وإلى كون المصلحة تدعو إليه. ومعنى هذا أن النهي عن الغرر محمول -من جهة- على الغرر الكثير، ومن جهة أخرى، على ألا يكون فيه ضرر يفوق الضرر المقصود بالنهي.
وفي معنى الغرر المنهي عنه في الأحاديث، يقول الحافظ ابن عبد البر "المالكي": "وجملة معنى الغرر: أنه كل ما يتبايع بها المتبايعان مما يدخله الخطر
стр. 67
والقمار وجهل معرفة المبيع والإحاطة بأكثر أوصافه، فإن جهل منها اليسير، أو دخلها الغرر في القليل، ولم يكن القصد إلى مواقعة الغرر، فليس من بيوع الغرر. المنهي عنها، لأن النهي إنما يتوجه إلى من قصد الشيء واعتمده"١.
وهذا تأكيد لما سبق من أن الغرر اليسير، والذي تدعو الحاجة إلى مواقعته -من غير أن يكون مقصودًا من أحد المتبايعين- خارج عن مقتضى النهي. لأن الشارع لا ينهى عما فيه مصلحة راجحة.
ومن هذا المنطق المصلحي، المراعي لمقاصد الشارع، يجوز المالكية -خلافًا للشافعية- بيع العين الغائبة الموصوفة. والبيع لازم إذا جاء المبيع على ما وصف به. والحنفية، وإن جوزوا هذا البيع، فإنهم يثبتون فيه خيار الرؤية، حتى ولو كان الموصوف كما وصف. وبهذا أبطلوا فائدته وفوتوا مقصوده.
ومن هذا القبيل أيضًا: ما نقله الشاطبي في بعض فتاويه، على كتاب "العتبية" من سماع ابن القاسم قال: "وسألت مالكًا عن معاصر الزيت، زيت الجلجلان والفجل: يأتي هذا بأرادب٢، وهذا بأخرى. حتى يجتمعوا فيها، فيعصرون جميعًا. قال: إنما يكره هذا لأن بعضه يخرج أكثر من بعض. فإذا احتاج الناس إلى ذلك، فأرجو أن يكون خفيفًا لأن الناس لا بد لهم مما يصلحهم. والشيء الذي لا يجدون عنه بدا ولا غنى، فأرجو أن يكون لهم في ذلك سعة إن شاء الله، ولا أرى به بأسًا. قال: والزيتون مثل ذلك.
قال ابن رشد: خففه للضرورة إلى ذلك، إذ لا يتأتى عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدته٣.
وهذا النص للإمام مالك، ليس مجرد مثال فقهي لمراعاة المصلحة وبناء الأحكام عليها، ولكنه -إذا تؤمل- يؤصل ويقعد للمسألة ونظائرها.
стр. 68
ولهذا نجد الشاطبي قد بنى عليه فتواه في تجويز ما كان يفعله الناس من خلط ألبانهم للاشتراك والتعاون على استخلاص جبنها، تجنبًا لكثرة المشقة والكلفة١ مع أن هذا العمل-كسابقه- لا يخلو من غبن وتفاضل. وقد ختم الشاطبي فتواه بقوله: "والظاهر جوازه عملًا بهذا الأصل المقرر في المذهب"، مما يؤكد أن هذا المسلك الاستصلاحي عريق في المذهب المالكي.
وقد قرر الشاطبي هذه الحقيقة في موضع آخر، فقال عن منهج الإمام مالك، في تقرير الأحكام المتعلقة بقسم المعاملات والعادات: "فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية، نعم، مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه، ولا يناقض أصلا من أصوله"٢.
وقبل الشاطبي نجد القاضي عياضًا، يسجل أن أحد الاعتبارات المرجحة لمذهب مالك، هو النظر المصلحي، القائم على مقاصد الشريعة وقواعدها، فيقول: "الاعتبار الثالث: يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم من التعصب سديد، وهو الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها"٣.
ويميل أحد الباحثين المعاصرين -وهو الدكتور محمد المختار ولد أباه- إلى اعتبار هذه الميزة، هي أهم مميزات المذهب المالكي"٤.
وإذا كان الإمام الشافعي قد تردد في أخذه بالمصلحة٥، والإمام أبو حنيفة
стр. 69
أخذ بها على شكل "استحسان" مبهم نوعًا ما، فإن الإمام مالكًا لم يقع في شيء من هذا، لأنه لم يؤسس مذهبه، بل وجده تاما مستقرا.
والغريب أن الشيخ مصطفى الزرقاء اعتبار أن نظرية الاستصلاح المالكية، هي تطوير وإنضاج للاستحسان الحنفي، يقول: "ولكن المذهب المالكي لتأخره عن الحنفي في التاريخ، تركزت فيه الصياغة الفنية لقاعدة المصالح المرسلة وشرائطها، فبرزت فيه واشتهر بها"١.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما قدمته عن حقيقة "المذهب المالكي"، فإن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى توضيح.
ولكن حتى إذا أغفلنا ذلك كله، فإن كلام الأستاذ الزرقاء لا يمكن قبوله إلا في سياق قلب الحقائق! لأن الثابت عيانًا هو استفادة المذهب الحنفي -بل سائر المذاهب الثلاثة الأخرى- من المذهب المالكي وأصوله، ومن الإمام مالك خاصة.
وإذا كانت رواية أبي حنيفة عن مالك، واطلاعه على موطئه، مما قد يشك فيه٢، فإن الاستفادة الكبيرة لقطبي المذهب الحنفي: محمد بن الحسين، وأبي يوسف، من الإمام مالك مباشرة، أمر لا غبار عليه.
والظاهر أن الأستاذ الكريم اعتمد في ظنه على كون الإمام أبي حنيفة "ت ١٥٠" متقدمًا في العمر على الإمام مالك "ت ١٧٩"، وهذه مسألة لا قيمة لها، وخاصة إذا نظرنا إليها في جملة معطيات وحقائق أخرى.
стр. 70
ومما هو جدير بالتأمل في هذا الصدد، ما أورده الأستاذ الزرقاء نفسه، مباشرة بعد كلامه السابق، حيث قال: "ثم ظهر الاجتهاد الشافعي بإنكار نظريتي الاستحسان والمصالح المرسلة".
فلست أدري لماذا لم يكن للتأخر الزمني دوره -هذه المرة- في التقدم العلمي؟ ولماذا لم تتقدم "الصياغة الفنية" لنظرية الاستصلاح، خاصة أن الإمام الشافعي هو صاحب الريادة المعروفة في هذا المجال؟
والحقيقة: أن مستقر الإسلام الأصح الأتم، كان هو المدينة، هي مستقرة ومنطلقة: رواية ودراية وتطبيقًا، وبعد العصر النبوي، كانت فترة الخلفاء وسنة الخلفاء الراشدين، هي النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يستلهم ويقتدي به، وينهج على نهجه، وكل هذا احتضنته المدينة، واستوعبه أهل المدينة وعلماء المدينة أحسن استيعاب. ثم كان النقل إلى مختلف الجهات الإسلامية. ونشأ علماء مسلمون هنا وهناك، وتلقوا ما شاء الله أن يتلقوا من تلك الوراثة المدنية، واستوعبوا منها، واجتهدوا في فهمها، واجتهدوا في تطبيقها، واجتهدوا في الاهتداء بها والقياس عليها، فتفاوت قربهم من الصورة المثلى، بتفاوت قرائحهم وعقلياتهم ومدى استيعابهم للصورة المثلى في كلياتها وجزئياتها، إلى ظروف ومؤثرات عديدة.
وإذا كان الإمام أبو حنيفة ﵀، قد نفذ بصره إلى إدراك المقاصد المصلحية لشريعة الإسلام، فعبر عنها بكثير من تعليلاته، وعبر عنها بفكرة الاستحسان، فإن ذلك لم يخل من غموض، على الأقل في توضيح ذلك للآخرين، وقد ظل الاستحسان الحنفي يكتنفه هذا الغموض زمنا غير قصير، حتى عسر على الأحناف أنفسهم الاتفاق والاستقرار على تعريف واحد واضح له. وهذا الغموض هو ما أدى بالإمام الشافعي ﵀ إلى مهاجمته الشديدة للاستسحان، بينما نجده يتقبل أشكالًا من الاستصلاح، مما يجعله -على كل حال- آخذًا بالمصلحة، على تحفظ وتردد في التوسع فيها توسع مالك والمالكية.
стр. 71
وإذن، فنظرية المصلحة في مذهب مالك، لم ينضجها التأخر الزمني، بل أنضجها التقدم الزمني، أي أنها في الأصل نظرية ناضجة في شريعة الإسلام وأبرزها أكثر التطبيق النبوي، ثم ازدادت بروزًا واتساعًا عندما اشتدت الحاجة إليها بعد توقف الوحي، وذلك من خلال سنة الخلفاء الراشدين ﵃. وأبرزهم في ذلك عمر.
ثم كان للتأخر الزمني، والبعد المكاني، عن هذه الصورة النموذجية أثرهما في التشويش والتضبيب. وبلغ ذلك إلى حد أن بعض المالكية أنفسهم أنكروا حجية المصلحة المرسلة، كالباقلاني، وابن الحاجب!
والاستحسان الحنفي إنما هو قبس من نظرية المصلحة في الشريعة الإسلامية. ولست أعني -بالضوررة- أنه مأخوذ من مذهب معين أو اجتهاد معين، بل الظاهر أنه فهم أوتيه الإمام الأعظم، مباشرة لنصوص الشريعة وأحكامها ولكنه -كما أشرت- جاء أقل وضوحًا واتساعًا مما كان عليه الشأن، عند إمام المدينة.
فالاستحسان عند مالك، يعني شيئًا واحدًا واضحًا محددًا: هو رعاية المصلحة. وما رواه عنه أصحابه من أن "الاستحسان تسعة أعشار العلم"١ لا يمكن أن يعني إلا مراعاة المصلحة في الأحكام الاجتهادية. وفي هذا يقول ابن رشد "الحفيد": "ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال: هو الالتفات إلى المصلحة والعدل"٢.
فإذا كان الاستحسان -في نظر الإمام مالك- يمثل تسعة أعشار الاجتهاد الفقهي، وكان معنى الاستحسان هو مراعاة المصلحة والعدل، فهذا يعني أن على
стр. 72
الفقيه ألا يغيب عنه الالتفات إلى مقصود الشارع، وهو المصلحة والعدل: فإذا وجد مصالح مهملة ومضيعة، فالاستحسان يقتضيه أن يجتهد ويقرر ما يعد لها اعتبارها ويحقق حفظها. وإذا رأى أضرارًا قائمة، فالاستحسان أن يجتهد ويفتي بمنع تلك الأضرار. وإذا رأى نصوصًا شرعية تفهم على نحو يفضي إلى حصول ضرر محقق، أو إلى تفويت مصلحة محترمة في الشرع، استحسن إعادة النظر في ذلك الفهم، وإذا وجد قياسًا خرج على خلاف مقصود الشارع في العدل والمصلحة، فليعلم أنه قياس غير سليم، أو في غير محله، فيستحسن ألا يتقيد به، وأن يرجع إلى القواعد العامة للشريعة. وبهذا يكون الاستحسان -فعلًا- تسعة أعشار العلم.
ومن هذا القبيل أن ابن عبد البر نقل عن مالك أحكامًا واجتهادات تتعلق بالمعاملات وحسن الجوار، ثم قال: "وهذا كله استحسان واجتهاد في قطع الضرر"١.
فالاستحسان المالكي -إذن- هو الحرص على جلب المصلحة ودرء المفسدة "وكلمة الاستحسان عند مالك تعني حكم المصلحة عند عدم وجود نص شرعي. ولهذا كان مالك يترك القياس إذا خالف المصلحة الملائمة لمقاصد الشارع"٢.
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي: "والحقيقية أنني لو تعقبت جميع أنواع الاستحسان، لما وجدت فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلًا مستقلا قائمًا بذاته. وأكثر ما يعتمد على المصالح المرسلة"٣.
ثم قال بعد ذلك: "وإن أكثر ما يعتمد عليه الاستحسان، هو المصلحة المرسلة، وهو الاستحسان المصلحي الذي قال به المالكية"٤.
стр. 73
فهذه لمحات عن مكانة مراعاة المصالح المقصودة للشارع، في المذهب المالكي. وقد بلغ من شدة وضوح الاربتاط بين مقاصد الشارع، ومصالح الخلق، أن نجد أحد كبار الفقهاء المالكية يقرر أن قواعد المعاملات وأسس المعارضات أربعة، هي:
- قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
- وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢.
- وأحاديث الغرر.
- واعتبار المقاصد والمصالح٣.
وأختم هذه الفقرة بإيراد بعض التعليلات المنقولة عن الإمام مالك، وهي تعليلات تربط الأحكام بمصالحها، وتفهم النصوص بمقاصدها "فضلا عما تقدم، وما سيأتي في بقية الفقرات".
فمن ذلك ما أورده القرطبي في تفسيره، عن حكم الضيافة التي جاء الأمر بها في الأحاديث، ومتى تجب ومتى لا تجب؟ قال: "اختلف العلماء فيمن يخاطب بها، فذهب الشافعي ومحمد بن الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر"٤.
ومعنى هذا أن مالكًا أدار الحكم على مقصوده وحكمته، وهي سد حاجة المسافر والمهاجر، فإذا كان يجد لنفسه أماكن للإقامة والمبيت وغير ذلك من ضروراته، فقد سقط وجوب استضافته، ويبقى التفضل والإحسان. وإذا لم يجد ذلك وجب على أهل البلد استضافته، وهو واجب كفائي طبعًا. بينما الشافعي
стр. 74
تمسك بظاهر الأمر، ولم يفرق بين حالة وحالة. واعتبر الضيافة واجبة في جميع الحالات.
ومن ذلك أيضًا، ما جاء في الحديث من أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف. ولكن مالكًا لم يجمد عند ظاهر الحديث وإنما نظر إلى مقصوده، ففي تفسير القرطبي: قال ابن وهب قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسًا أن يزيد"١.
ومن ذلك ما جاء في الحديث من الحث على السواك عند كل صلاة. قال ابن العربي: "اختلف العلماء في السواك:
- فقال إسحاق: إنه واجب. ومن تركه عمدا أعاد الصلاة.
- وقال الشافعي: سنة من سنن الوضوء.
- واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم"٢.
وفي مسألة التنشيف بعد الوضوء، ذكر ابن العربي اختلاف العلماء ما بين قائل بالكراهة في الوضوء والغسل، وقائل بالكراهة في الوضوء دون الغسل، وقائل بالجواز مطلقًا، وهذا القول الثالث "قاله مالك لما تقدم من الأحاديث، ولأن المقصود من العبادة قد حصل. فمسحه بعد ذلك لا يؤثر"٣.
стр. 75
٢- سد الذرائع:
وهذا أصل آخر من الأصول التي حمل لواءها المذهب المالكي، وعمل بها أكثر من غيره، وعلى نحو أوضح من غيره. ثم تابعته فيه المذاهب الأخرى، بمقدار ما. وأقلهم في ذلك المذهب الشافعي.
وهذا الأصل أيضًا من الأصول العُمَرية الواضحة. فقد عرف عمر ﵁ بسياسته الوقائية وإجراءاته الردعية.