← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد مال ابن عاشور -شيئًا ما- إلى مثل هذا التوفيق، فقال: "والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافًا يشبه أن يكون لفظًا. فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار، وعلى وفق علمه. وأن جميعها مشتمل على حكم ومصالح. وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضًا وعللا غائية أم لا؟ "١. وقد نبه على أمر قد يكون هو الخلفية الحقيقية لهذا الإنكار الغريب لتعليل الأحكام والأفعال، وهو أن المنكرين قد اضطروا إلى هذا الإنكار فرارًا من المقولات والإلزامات الاعتزالية، التي تجعل القول بالتعليل مقدمة للقول بوجوب الصلاح والأصلح على الله٢. ورغم أن الدكتور البوطي قد ذهب إلى توفيق آخر، فإن تفسيره لهذه القضية يؤكد أيضًا أنها من آثار الجدل الطويل بين المعتزلة والفلاسفة من جهة، والأشاعرة من جهة أخرى. وهو يرى أن التعليل المقصود في علم الكلام، هو غير التعليل الأصولي الفقهي. ولهذا فالتعليل المنفي هناك، هو غير التعليل المثبت هنا. قال: "فالعلة التي يتحدثون عنها في علم الكلام، هي العلة التي يقصدها الفلاسفة، وهي ما يوجب الشيء لذاته. ولا ريب أنه لا يصح أن ينسب هذا التعليل إلى أفعال الله تعالى بأي حال. أما مراد أهل السنة بالعلة التي يثبتونها للأحكام في بحث الأصول، فهو العلة الجعلية التي تبدو لنا كذلك، إذا جعلها الله تعالى موجبة لحكم معين"٣. غير أن هذا التفسير يشوش عليه أن بعضهم -كالسبكيين مثلًا- ينكرون أيضًا تعليل الأحكام التشريعية، وبصورة مطلقة، كما تقدم، ويوردون في ذلك في مباحث القياس. وعلى كل، فملاحظة الدكتور البوطي تفسر -على الأقل- جانبًا من جوانب القضية وتنبه على بعض خلفياتها. أما الشيخ الدكتور مصطفى شلبي، فقد اتهم الأصوليين المتكلمين بمخالفة طريقة السلف، وهي التعليل بلا نزاع، وأنهم ناقضوا أنفسهم بإنكار التعليل في علم الكلام، وإثباته في علم أصول الفقه، لأن القياس يقوم عليه٤.

стр. 212

موقف الرازي من التعليل: تخصيص الإمام الرازي بهذه الفقرة يرجع إلى الأسباب التالية: ١- لأن الشاطبي خصه وحده بالذكر في مسألة التعليل، ونسبه وحده إلى إنكار، التعليل إنكارا باتا، وهو ما يحتاج إلى نظر وتحقيق. ٢- لأن بعض الكتاب تابعوا الشاطبي فيما نسبه إلى الرازي١. ٣- لأن الرازي هو أحد أبرز الأصوليين. وقد صار كتابه "المحصول" محورًا لعشرات وعشرات من المؤلفات الأصولية التي جاءت بعده. ولنستحضر -قبيل عرض موقف الرازي- أن الشاطبي يقول في مقدمة كتاب المقاصد "وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك" ثم يقول: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره". فالشاطبي لم يسم من المنكرين للتعليل أحدًا غير الرازي! ثم جعل إنكاره للتعليل باتا، وشاملًا لأفعال الله وأحكامه. فأما أن ينكر الرازي التعليل الفلسفي، في كتاباته الكلامية -كما يفعل عامة الأشاعرة وهم يواجهون الفلاسفة والمعتزلة- فأمر وارد لا غرابة فيه. وتبقى الغرابة في نسبة هذا للرازي وحده، مع أنه لم يكن بدعًا في الأشاعرة. بل هو حين دفع على إنكار التعليل -تعليل الأفعال وليس تعليل الأحكام- إنما تكلم باسم

стр. 213

"الأصحاب" أي الأشاعرة. فهو مثلًا- عند تفسير قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١ قال: "قال أصحابنا: إنه لا يفعل فعلا لغرض، لأنه لو كان كذلك، كان مستكملا بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وذلك على الله تعالى محال٢ إلى آخر الاستدلالات الأشعرية٣ على إنكار التعليل، وهي الاستدلالات التي وصفها العلامة ابن عاشور بالسفسطائية كما تقدم. وعلى كل حال، فالذي يعنينا من موقف الرازي، هو مذهبه في التعليل الأصولي الفقهي. وهو تعليل الأحكام الشرعية. تعليلًا ليس فيه إلزام لله -سبحانه- وليس فيه تحتيم على مشيئته. وموقف الرازي من التعليل، ينبغي أن يؤخذ أساسًا من كتاباته الأصولية، وفي دائرة مذهبه الأصولي: فالرازي من أهل القياس، ولا قياس بدون تعليل. بل مدار القياس على التعليل، تنظيرًا وتطبيقًا. وأبرز ما يتجلى فيه موقف الرازي الواضح من التعليل، هو كلامه على "مسالك العلة" وبالذات على "مسلك المناسبة"٤ وذلك في كتابه الأساسي في موضوعنا، وهو موسوعته الأصولية "المحصول"، حيث يقول: "المناسبة تفيد ظن العلية، والظن واجب العمل به.

стр. 214

بيان الأول من وجهين: الأول: أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظن أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة. فهذه مقدمات ثلاث لا بد من إثباتها بالدليل. أما المقدمة الأولى١، فالدليل عليها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين لمرجح، أو لا لمرجح. والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، وهذا محال، فثبت القسم الأول. وذلك المرجح إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى، أو إلى العبد. والأول باطل بإجماع المسلمين، فتعين الثاني. والعائد إلى العبد إما أن يكون مصلحة العبد أو مفسدته، أو ما لا يكون لا مصلحته ولا مفسدته. والقسم الثاني والثالث باطلان باتفاق العقلاء. فتعين الأول. فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصالح العباد. وثانيها: أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين، والحكيم لا يفعل إلا لمصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثًا. والعبث على الله تعالى محال، للنص والإجماع والمعقول. فثبت أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد. وخامسها٢ النصوص الدالة على أن مصالح الخلق ودفع المضار عنهم، مطلوب الشرع. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .

стр. 215

وقال ﵊: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وقال: "لا ضرر ولا ضرار". وسادسها: أنه وصف نفسه بكونه رؤوفًا رحيمًا، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلو شرع ما لا يكون للعبد فيه مصلحة، لم يكن ذلك رأفة ورحمة. فهذه الوجوه الستة دالة على أنه تعالى ما شرع الأحكام إلا لمصلحة العباد١. هذا هو موقف الرازي من التعليل بالمصلحة: موقف مؤيد بقوة ووضوح، مدافع بحماس، وبتفصيل أكثر مما فعله الشاطبي نفسه. وقد واصل الرازي بعد الفقرات المتقدمة، دفاعه عن التعليل، وفند كل من يمكن الاعتراض به في المسألة، تفنيدًا عقليا ونقليا، وانتهى إلى القول "انعقد الإجماع على الشرائع مصالح، إما وجوبًا كما هو قول المعتزلة، أو تفضلا كما هو قولنا"٢. بل إن الرازي -لفرط تحمسه للدفاع عن التعليل- يكاد يكون "معتزليا" فهو حين جعل من أدلة رعاية الله للمصالح، كونه سبحانه خلق العبد للعبادة، قال: "فلا بد أن يزيح عذره"٣، وذلك برعاية مصالحه. ونوه مرة أخرى -وبصورة أوضح- بموقف المعتزلة فقال: "وأما المعتزلة: فقد صرحوا بحقيقة هذا المقام وكشفوا الغطاء عنه، وقالوا: إنه يقبح من الله تعالى فعل القبيح، وفعل العبث. بل يجب أن يكون فعله مشتملًا على جهة مصلحة وغرض.

стр. 216

وأما الفقهاء، فإنهم يصرحون بأنه تعالى إنما شرع هذا الحكم لهذا المعنى، ولأجل هذه الحكمة، ولو سمعوا لفظ "الغرض" لكفروا قائله. مع أنه لا معنى لتلك "اللام" إلا "الغرض"١. فهل يسوغ أن ينسب صاحب هذه المواقف إلى إنكار التعليل البتة؟! وهل يعقل أن يصنف مع الظاهرية؟! الحقيقة أن الذين يغمزون الرازي بالتأثر بالمعتزلة كانوا أقرب إلى الصواب، لولا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ ٢ فلا نسم أحدًا إلا بما ارتضاه أو تسمى به بنفسه. ولم يقتصر الرازي -في بيان موقفه من التعليل- على ما ذكره في "المحصول"، بل عبر عنه في عدد من مؤلفاته. من ذلك ما جاء في "مناظرات الفخر الرازي"، حيث بين لماذا يقع التعليل عند القياسيين بالأوصاف والأمارات الظاهرة، دون الحكمة والمصلحة والمفسدة، فذكر "أن التعليل بالأوصاف المشتملة على المصالح والمفاسد، إنما جاز لاشتمالها على تلك المصالح والمفاسد. فالمؤثر الحقيقي في الأحكام هو رعاية تلك المصالح. وأما الأوصاف -وهي في الحقيقة غير مؤثرة في الأحكام- إلا أنها لأجل اشتمالها على تلك المصالح والمفاسد، جاز التعليل بها فثبت أن تأثير المصالح والمفاسد في الأحكام تأثير حقيقي جوهري أصلي. وأما تأثير الأوصاف في الأحكام، فهو تأثير مجازي عرضي غريب" إلى أن قال: "وأما بيان أن التعليل بالأوصاف المصلحية جائز، فهذا متفق عليه بين العقلاء"٣. وواضح جدا أن المصالح والمفاسد -عند الرازي- هي العلل الحقيقية المؤثرة في شرع الأحكام. أي أن المصالح والمفاسد هي مناط الأحكام. ولكن نظرًا لعدم ظهورها أو عدم انضباطها في كثير من الأحيان، يقع نوط الأحكام وربطها بأسباب

стр. 217

وعلامات ظاهرة منضبطة، تتلازم غالبًا مع المصلحة أو المفسدة المقصودة بالحكم. ومن هنا يفضل الفقهاء والأصوليون تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة بدل تعليلها -مباشرة- بالمصلحة والمفسدة ولا سيما إذا كانت خفية، أو عسيرة الضبط. وفي ضوء هذا، ينبغي أن نفهم ما أورده الدكتور شلبي، في سياق أن الرازي ينكر التعليل، حيث قال: "والرازي -فيما نقله الأسنوي في بحث المناسبة- يقول: لا يجوز تعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد"١. فإذا وجدنا الرازي يقول بمنع التعليل بالمصلحة والمفسدة، فلعدم انضباطها، لا لكون أحكام الله غير معللة في حقيقتها بجلب المصالح ودرء المفاسد. فكلامه المتقدمة قاطع في أنه يعتبر المصلحة أو المفسدة هي العلة الحقيقية الأصلية للحكم. على أن الرازي الذي اختار في "المناظرات" منع التعليل المباشر بالمصلحة والمفسدة -أثناء عملية القياس- قد مال إلى تجويزه في "المحصول" فقد تعرض لذكر الخلاف في مسألة التعليل بالحكمة -وهو التعليل المباشر بمقصود الحكم، من جلب مصلحة كذا، أو دفع مفسدة كذا- ثم قال: "والأقرب جوازه٢ ثم دافع بتفصيل عن هذا التجويز٣. وعلى كل حال، فهذه المسألة، هي غير المسألة الأصلية، وهي كون أحكام الله تعالى معللة برعاية المصلحة. وإنما جاء هذا الاستطراد لرفع الالتباس عن كلام الرازي وموقفه المدافع بقوة وحماس عن تعليل الشريعة.

стр. 218

ومما يؤكد أن هذا هو مذهب الرازي -إن كان الأمر ما زال بحاجة إلى تأكيد- ما أورده كبير المعللين، الإمام ابن القيم، وهو بصدد الرد على منكري التعليل والقياس، بعد أن عرض أدلتهم -أو شبهاتهم على الأصح- كأحسن ما يكون العرض، حيث قال: "وقد اختلف أجوبة الأصوليين. بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة. فأجاب ابن الخطيب١. بأن قال: غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصالح المعلومة. والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدا. وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن٢. كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في نزول المطر منه"٣. وبعد، فمن بقي من منكري التعليل: لقد رأينا الشاطبي يعتبر التعليل مسألة مسلمة. ورأينا كثرة الذين يحكون الإجماع والاتفاق على القول بالتعليل. ورأينا حقيقة وقيمة ما تردد عند بعض المتكلمين الأشاعرة من "إنكار التعليل". ورأينا حقيقة موقف أحد هؤلاء، وهو الإمام فخر الدين الرازي، الذي اشتهر عنه -بصفة خاصة- إنكار التعليل. فمن بالذات ينكر -أو ينكرون- كون الشريعة إنما جاءت لرعاية مصالح العباد؟

стр. 219

الحقيقة أنه لم يبق أمامي -بعد طول بحث ونظر- إإلا الظاهرية. فالظاهرية هم المنكرون للتعليل نظريا وتطبيقيا. وهم المنكرون للتعليل جملة وتفصيلًا. وهم أقوى وأوضح من أنكر واستنكر التعليل، وهم أقوى من دافع عن التعبد المحض والتام للشريعة. وعندما أذكر الظاهرية، فالمقصود -بصفة خاصة- أبو محمد بن حزم الأندلسي؛ فهو الوريث الكامل للنزعة الظاهرية. وهو الذي بقي لنا من مؤلفاته وآرائه، ما يجسد تجسيدًا كاملًا، مذهب الظاهرية أصولًا وفروعًا.

стр. 220

ابن حزم والتعليل: من غرائب الأمور أن الشاطبي الذي أنكر على الرازي ورد عليه -والأمر على ما رأينا- لم يتعرض لموقف ابن حزم، ولم يتصد لمناقشة حججه وآرائه، مع أن كل الأسباب تدعو لذلك: ١- فابن حزم هو الذي يستحق تمامًا أن تقال عنه العبارة التي قالها الشاطبي عن الرازي وهي: "وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك". فابن حزم هو الذي خصص بابا كاملًا من كتابه "الإحكام" لهدم فكرة التعليل. وقال في عنوانه: "الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين" وهو ينسب هذا الإنكار التام إلى جميع الظاهرية قبله: "وقال أبو سليمان١ وجميع أصحابه ﵃: لا يفعل الله شيئًا من الأحكام وغيرها، لعلة أصلًا بوجه من الوجوه. قال أبو محمد: وهذا هو ديننا الذي ندين الله تعالى به، وندعو عباد الله تعالى إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى"٢.

стр. 221

٢- وابن حزم بالغ في حشر "الحجيج" ضد خصومه، وبالغ في مهاجمتهم واستفزازهم، مما يصعب معه جدا تجاهل موقفه، وشبهه، ونتائجه. خصوصًا وأنه يقدم ذلك كله على أنه اليقين الذي لا يقبل المناقشة والمراجعة. ولا أرى إلا أن كلامه هو الذي استفز ابن القيم، حتى قال -وهو يتهيأ للرد المفصل على منكري القياس- "الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله. وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم"١. فقد بلغت حملة ابن حزم على التعليل وأهله إلى حد اعتبار "أن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس، وأنه مخالف لدين الله تعالى، نعم، ولرضاه. ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين، ومن إثبات علة لشيء من الشريعة"٢. ٣- وابن حزم هو الذي شغل، أو فتن، مالكية المغرب والأندلس، وهدد استتباب مذهبهم، تهديدًا حقيقيا، غير ما مرة، فكيف لم يتصد الشاطبي المالكي للرد عليه؟! هل يكون موقف الشاطبي هذا، إمعانًا في إهمال الظاهرية وإماتة مقولاتهم؟ أستبعد هذا، لأن الشاطبي يذكر الظاهرية وابن حزم مناسبات عديدة ويذكرهم بكثير من الإنصاف والرفق٣. وعلى كل حال، فالذي يهمني الآن، هو أن أسجل إحساسي بأن عدم التعرض لموقف ابن حزم ولتفنيد آرائه وكشف شبهة، يشكل نقصًا في كتاب كامل عن المقاصد. بل هو كتاب يؤسس نظرية المقاصد. وأساس نظية المقاصد هو التعليل.

стр. 222

فالشاطبي كان ملهمًا وموفقًا حين افتتح كتاب المقاصد بمسألة التعليل، وحين اعتبرها مسألة "مسلمة"، ولكن لكي تكون المسألة مسلمة فعلا، كان ينبغي الاهتمام بموقف ابن حزم، ذلك الخصم العنيد، الذي يشوش -بحدة وعنف- على القول بأن الشريعة جاءت لرعاية المصالح، وأن أحكامها معللة بهذا. ومن ثم، فهو يشوش على كل كلام في مقاصد الشريعة. فلا بد من سد هذه الثغرة، بإزاحة شبه ابن حزم، حتى تكون المسألة مسلمة حقا، وحتى تكون حكاية الإجماع فيها أيضًا مسلمة، لا يعكرها موقف ابن حزم ولا غيره١. لأجل هذا رأيت أن أقف هذه الوقفة القصيرة٢ مع أهم آراء ابن حزم واستدلالاته، عرضًا ومناقشة: وأبدأ أولًا بالإشارة إلى أن هناك قدرًا من الخلاف مع ابن حزم، يمكن أن يؤول إلى الوفاق، انطلاقًا مما يسميه الأصوليون "تحرير محل النزاع". ذلك أن كثيرًا من الخلافات، قد تكون راجعة إلى اختلاف لفظي واصطلاحي. وقد نبه ابن حزم نفسه على هذا فقال: "والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد٣: اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال"٤.

стр. 223

فمن جوانب الموضوع التي يمكن إخراجها من دائرة الخلاف مع ابن حزم أنه ينكر مرارًا على أصحاب التعليل -وخاصة من أهل السنة- ما لا يقولون به، وهو التعليل بمعناه الفلسفي الذي رأينا من قبل أن عامة المتكلمين الأشاعرة ينكرونه. فهو يقول: "إن العلة اسم لكل صفة توجب أمرًا ما، إيجابا ضروريا١ والقول بهذا النوع من العلل في شرع الأحكام معناه "أن الشرائع شرعها الله تعالى لعلل أوجبت عليه أن يشرعها"٢. وهذا لا يقول به أحد من أهل السنة. بل دأب علماء السنة إنكار هذا على الفلاسفة والمعتزلة. فعلماء السنة يقولون -كما مر- بعلل جعلية، جعلها الله بمشيئته، لا يلزمه منها شيء. ومن هنا فهم يقولون برعاية المصالح من الله، تفضلا وإحسانًا، لا وجوبًا وضرورة. فمعركة ابن حزم ضد هذا النوع من التعليل، هي معركة ضائعة. فلو أنه أخذ اصطلاح القوم بعين الاعتبار -ولا يمكن أن يكون خافيًا عليه- لضاقت هوة الخلاف، ولخفت حدة المعركة التي حمي وطيسها، كما قال ابن القيم. وأيضًا، إذا أخذنا اصطلاحه هو بعين الاعتبار، فإن الخلاف سينقص درجة أخرى. فأما مفهوم العلة عنده، فالجميع متفق معه على إنكاره، أعني أهل السنة. وأما التعليل كما يقصده أهل السنة، فإن ابن حزم يعترف أيضًا بقدر منه. ولكنه لا يسمي ذلك علة ولا تعليلًا. وإنما يسميه "السبب". والسبب عنده: "هو كل أمر فعل المختار فعلا من أجله، لو شاء لم يفعله، كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار. ولو شاء المنتصر أن لا ينتصر لم ينتصر. وليس السبب موجبًا للشيء المسبب منه ضرورة"٣.

стр. 224

فالفرق الجوهري عنده بين العلة والسبب، وهو أن العلة موجبة ضرورة لمعلولها. بينما السبب لا إيجاب فيه ولا اضطرار. فيبقى فاعل المسبب مختارًا، إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، وإن وجد السبب. وبهذا المعنى، فهو يقر -كسلفه أبي سليمان- أن الشارع ربط بعض الأحكام بأسباب، وقد مثل لذلك: بقوله ﷺ : "أعظم الناس جرمًا في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" ويجعل الموت على الكفر سببًا للخلود في النار، والموت على الإيمان سببًا لدخول الجنة، ويجعل السرقة بصفة معينة سببًا للطقع١. على أنه يحيط اعترافه بهذا النوع من السببية بين الأحكام وأسبابها، بحملة شروط، تجعل الفرق بينه وبين جمهور العلماء كبيرًا، وهي: ١- هذه الأسباب لا يجوز أن يقال بشيء منها إلا إذا جاء منصوصًا صراحة فلا اجتهاد ولا استنباط في ذلك. ٢- هذه الأسباب المنصوصة، لا يجوز تعديتها إلى غير محل النص، أي لا يجوز القياس عليها. ٣- هذا الربط المنصوص بين بعض الأحكام وبعض الأسباب، ليس وراءه حكمة أو غرض، أي ليس فيه قصد إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة. وإنما هي مشيئة الله وكفى. ولابن حزم مصطلح ثالث، إذا أخذنا مضمونه بعين الاعتبار، نقص الخلاف درجة أخرى، وإن كانت قليلة جدا. وهو مصطلح "الغرض" الذي يعرفه بقوله: "وأما الغرض فهو الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده بفعله فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته. فالغضب هو السبب في الانتصار. وإزالة الغضب هو الغرض في الانتصار"٢.د

стр. 225

وابن حزم بهذا المثال -يريد أن يقول: إذا كانت بعض الأحكام الشريعة لها أسباب، والأحكام مسببات لها. فإن بعض هذه المسببات قد يكون للشارع فيها أغراض، يرمي إلى تحقيقها من خلال المسببات، أي أن لها أهدافًا ومقاصد وكأن ابن حزم بهذا يقترب من الجمهور، ولكنه سرعان ما يعمد إلى تضييق هذه المبادئ، على ما فيها من التواء! والقيد الأول هو المتمثل في النزعة الظاهرية كلها. وقد عبر عنه بقوله: "وأما الغرض في أفعاله تعالى وشرائعه، فليس هو شيئا غير ما ظهر منها فقط١ أي ليست هناك أغراض -أو مقاصد- يتوصل إليها عن طريق التدبر والاستنباط، أو عن طريق الاستقراء، أو انطلاقًا من التعليل العام. والقيد الثاني: هو حصر هذه الأغراض في الآخرة، فالغرض في بعض الأحكام الشرعية هو "أن يعتبر بها المعتبرون, وفي بعضها أن يدخل الجنة من شاء إدخاله فيها، وأن يدخل النار من شاء إدخاله فيها٢، ثم يضيف مستدركًا وموضحًا: "وكل ما ذكرنا من غرضه تعالى في الاعتبار، ومن إدخاله الجنة من شاء، ومن إدخاله النار من شاء، وتسبيبه ما شاء لما شاء، فكل ذلك أفعال من أفعاله، وأحكام من أحكامه، لا سبب لها اصلًا، ولا غرض له فيها البتة غير ظهورها وتكوينها فقط ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ ، ولولا أنه تعالى نص على أنه أراد منه الاعتبار وأراد إدخال الجنة من شاء، ما قلنا به٣. ولعل أهم "دليل" يقيم عليه ابن حزم مذهبه في إنكار التعليل والتشنيع على المعللين، هو هذه الآية التي أشار إليها، وهي قوله : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٤.

стр. 226

وأرى من الضروري أن أدع ابن حزم يوضح استدلاله بالآية، ولو كان في ذلك شيء من التطويل. يقول: "وقد قال تعالى واصفًا لنفسه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه، وأن أفعاله لا يجري فيها "لم". وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله: "لم كان هذا؟ "، فقد بطلت الأسباب جملة، وسقطت العلل البتة، إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمر كذا لأجل كذا. وهذا أيضًا مما لا يسأل عنه، فلا يحل لأحد أن يقول: لم كان هذا السبب لهذا الحكم ولم يكن لغيره؟ ولا أن يقول: لم جعل هذا الشيء سببًا دون أن يكون غيره سببًا أيضًا؟ لأن من فعل هذا السؤال فقد عصى الله وألحد في الدين، وخالف قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ فمن سأل الله عما يفعل فهو فاسق١. وفي موضع آخر ينتقد موقف القياسيين الباحثين عن علل الأحكام بقوله: "وهم دائمًا يسألون ربهم: لم فعلت كذا؟ كأنهم لم يقرءوا هذه الآية! نعوذ بالله من الخذلان٢. وبهذا الفهم، وبهذا الاستدلال، يتخذ ابن حزم من الآية سيفًا بتارًا يلوح به، بل يضرب به كل باحث عن حكم الشريعة وعلل أحكامها، ويغلق بذلك ما يسميه الأصوليون "مسالك التعليل" -باستثناء مسالك النص "في ظاهره"- ويحرم ويفسق كل تساؤل عن مقاصد الشارع وأسرار الشريعة!! ولم أر من رد على ابن حزم -بالاسم- في استدلاله الخطير بهذه الآية، غير الشيخ محمد أبي زهرة. وأهم ما رد به عليه، هو أنه "أي ابن حزم" خلط بين أفعال الله وأحكامه، ونقل منع السؤال من الأولى إلى الثانية يقول الشيخ أبو زهرة: "ذلك لأن الله لا يسأل عن أفعاله ولا يسأل عن أقواله، لأنه ليس

стр. 227

لأحد سلطان بجوار سلطانه. إنه مالك الملك ذو الجلال الإكرام، فليس لأحد أن يستطيل فيسأل عن علة أفعاله تعالى، لأنه الحكيم العليم الخبير، ولكن هل يقتضي هذا، النهي عن أن يبحث عن علة النصوص في الشريعة؟ إني أرى أن الفارق كبير بين علة النصوص الشرعية وعلة أفعال الله تعالى. لأن البحث عن علة النصوص في الشريعة، تعرف للمراد منها والمطلوب فيها"١. وهذا الرد من الشيخ أبي زهرة، لا يستطيع الصمود أمام منطق ابن حزم واستدلالاته المسهبة في الموضوع، فضلًا عن أن يكفي لنقضها وإقصائها لأن أحكامه من أفعاله، ولأن أفعاله فيها نوع من أحكامه. وابن حزم يستدل -أيضًا- على منع التعليل بقوله سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٢ أي أنه يفعل ما يريد ويحكم بما يريد، ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ، و ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ ، سواء في الخلق وتدبيره، أو في التشريع وإبرامه، وفي كل ذلك "يفعل" ما يريد. فقول القائل لله تعالى "لم حكمت بكذا؟ " كقوله له: "لم فعلت كذا؟ ". ثم إن الشيخ أبا زهرة صرح أن الله تعالى لا يسأل عن أفعاله وأقواله، ثم سوع السؤال عن علل النصوص الشرعية. والنصوص الشرعية من أقوال الله. كما ذكر ﵀ أن البحث عن علة النصوص، إنما هو تعرف للمراد منها والمطلوب فيها. والحقيقة أن بين الأمرين فرقًا ودرجة. فتعرف المراد والمطلوب من النص درجة، وتعليله درجة أخرى. فقوله تعالى -مثلًا- ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٣، المراد منه أن الجمع بين المرأتين الأختين في عصمة زوج واحد، في وقت واحد، حرام، والمطلوب اجتنابه. فهذا هو الحكم على المكلف معرفته والتزامه. أما تعليله فشيء آخر. فهذه درجة، وتلك درجة. وابن حزم -كما

стр. 228

سيأتي - لا يمانع في الدرجة الأولى. بل يعتبرها -كسائر المسلمين- فرضًا. ولكنه يمنع الدرجة الثانية، وهي التي تبدأ عندما نقول: "لماذا حرم الله الجمع بين الأختين؟ فهذا هو السؤال الذي ينكره ابن حزم، بل يحرمه ويفسق قائله. ومن ثم، لا يجوز أن يقول القائل -عن هذا التحريم- مثلًا: "حكمته: دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما١ أو ما شابه هذا مما هو حكمة مقصودة ظاهرة. وقبل أن أدخل في مناقشة وإبطال فهم ابن حزم واستدلاله بآية ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ أضيف أنه يدعم موقفه بآية آخرى، يفهمها ويوجه معناها في نفس الاتجاه: قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فأخبر تعالى أن البحث عن علة مراده تعالى ضلال. لأنه لا بد من هذا٣، أو من أن تكون الآية نهيًا عن البحث عن المعنى المراد، وهذا خطأ لا يقوله مسلم، بل البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم، وعلى كل مسلم فيما يخصه، فصح القول الثاني٤ ضرورة ولا بد. وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ . قال أبو محمد: وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة. فالمعلل بعد هذا عاص لله، وبالله نعوذ من الخذلان٥.

стр. 229

هذا هو حجر الأساس لموقف الظاهرية عمومًا، وموقف ابن حزم خصوصًا، من مسألة التعليل، والتي سماها صاحبنا: "القضية الملعونة"١. ومذهب ابن حزم هذا، وخاصة استدلاله بالآيتين المذكورتين، ينطوي على مغالطة فادحة، لم ينتبه إليها العلامة أبو زهرة، في رده المذكور سابقًا. ولهذا لم يصب مذهب ابن حزم في مقتله. فقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ معناه أن الله سبحانه لا يحاسبه أحد على أفعاله، ولا يعترض على فعله وحكمه أحد والله يحكم، لا معقب لحكمه٢، بخلاف العباد، فإنهم يسألون، ويحاسبون، ويلامون، ويخطئون. وذلك أن الله تعالى -من جهة- هو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، له ما في السموات وما في الأرض، له الأولى والآخرة. ولأنه -ومن جهة أخرى-هو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأصدق القائلين، وهو العليم الخبير. فعلى هذا الأساس -أو هذه الأسس- تأتي أفعاله وأحكامه. فلا مجال فيها للاستدراك أو الاعتراض. لهذا وذاك فإن الرب سبحانه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ أي لا يسأل سؤال محاسبة، أو اعتراض. فهذا هو معنى السؤال في الآية. ولا شك أن توجيه مثل هذا السؤال لله تعالى، كفر. وهنا يكمن غلط -أو مغالطة- ابن حزم، في منع التعليل بمقتضى هذه الآية وما شابهها من الآيات. فالسؤال من علل الأحكام الشرعية، ومثله السؤال عن أسرار وحكم أفعال الله، هو سؤال تفهم وتعلم، فهو على أصل "الاستفهام" أي طلب الفهم. وهذا النوع من الأسئلة والتساؤلات صدر عن الأنبياء والصالحين،

стр. 230

وورد ذكره وإقراره في القرآن الكريم، مما يضع حدا لهذا الفهم السقيم الذي تبناه ابن حزم، وسفه به جماهير العلماء، سلفًا وخلفًا. وقبل أن أورد الأمثلة لذلك، أستمر قليلًا في توضيح الآية وسياقها. والآية واردة في سياق إثبات التوحيد، وتفنيد الشرك وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ١. فالسياق هو سياق إثبات الوحدانية للواحد سبحانه، وإثبات صفاته التي لا يشترك معه فيها أحد، بالمقارنة مع صفات الشركاء المزعومين. ومن ذلك أن الواحد لا يحاسب ولا يتعقب ولا يعترض عليه. أما الآلهة المزعومة، من ملائكة وبشر، فإنهم مسئولون، ومحاسبون, ومحكومون. ومن كان هذا شأنه لا يمكن أن يكون إلهًا. فهذا هو سياق "السؤال" المنفي في حق الله، والمثبت في حق العباد. وفي توضيح هذا، يقول العلامة ابن عاشور: "والسؤال هنا بمعنى المحاسبة وطلب بيان سبب الفعل، وإبداء المعذرة عن فعل بعض ما يفعل، وتخلص من ملام أو عتاب على ما يفعل. وهو مثل السؤال في الحديث: "كلكم راع، وكلكم

стр. 231

مسئول عن رعيته" فكونهم يسألون، كناية عن العبودية، لأن العبد بمظنة المؤاخذة على ما يفعل وما لا يفعل، وبمظنة التعرض للخطأ في بعض ما يفعل. وليس المقصود هنا نفي سؤال الاستشارة، أو تطلب العلم. ولا سؤال الدعاء، ولا سؤال الاستفادة والاستنباط، مثل أسئلة المتفقهين أو المتكلمين عن الحكم المبثوثة في الأحكام الشرعية، أو في النظم الكونية. لأن ذلك استنباط وتتبع، وليس مباشرة بسؤال الله تعالى، ولا لتطلب مخلص من ملام. وفي هذا إبطال لألهية المقربين التي زعمها المشركون الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات الله تعالى، بطريقة انتفاء خاصية الإله الحق عنهم، إذ هم يسألون عما يفعلون وشأن الإله أن لا يسأل. وتستخرج من جملة ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ كناية عن جريان أفعال الله تعالى على مقتضى الحكمة، بحيث إنها لا مجال فيها لانتقاد منتقد إذا أتقن الناظر التدبر فيها، أو كشف له عما خفي منها"١. فسر المسألة، والفيصل فيها بين سؤال وسؤال، بين سؤال يفسق صاحبه كما ذهب إلى ذلك ابن حزم، وبين سؤال يرجو به صاحبه الأجر والتقرب إلى الله. الفرق هو أن السؤال الموجه إلى الله، أو إلى أي فعل من أفعاله، أو أي قول من أقواله، أو أي حكم من أحكامه، إذا كان الغرض منه: الاعتراض، أو الإنكار، أو الاستهزاء، أو المحاسبة، فهو ضلال وكفر. ومن هذا الباب السؤال الوارد في الآية التي استدل بها ابن حزم على تحريم البحث عن علل الأحكام، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. فالسؤال في الآية صادر عن الكافرين والذين في قلوبهم مرض، وفيه معنى الاستهزاء والاتحقار، كما هو موضح في سبب نزولها.

стр. 232

وشبيه بهذه الآية، آية البقرة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ١ قال القرطبي: "ومعنى كلامهم هذا: الإنكار بلفظ الاستفهام٢. ومن هذا الباب أيضًا، ما جاء في الحديث من أن رسول الله ﷺ قضى بأداء دية الجنين الذي قتل هو وأمه، فقام حمل بن النابغة -من عاقلة المرأة القاتلة، المحكوم عليهم بأداء الديتين- فقال: يا رسول الله: كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل هذا يطل٣. فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان" ٤. فقول هذا القائل، هو من قبيل الاستفهام الإنكاري الذي إذا وجه للشارع كان كفرًا أو يكاد. ولهذا غضب رسول الله ﷺ ، ونعته بما نعته به. وقد جاء في شرح النووي على صحيح مسلم: "قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: أحدهما أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله٥. والحقيقة أن الذم ليس موجهًا للسجع، وإنما هو موجه لمضمونه المعارض والمنكر لحكم الله ورسوله. ففي مثل هذه المواقف يصح الاستدلال بتلك الآيات. وأما إذا كان السؤال صادرًا عن إيمان تام بالله وصفاته الكمالية، وبعدله وحكمته على الخصوص، تحدوه الرغبة في الفهم والتعلم، ويدفعه التطلع والتشوف إلى مزيد من الاطلاع على حكم الله في تشريعه وتدبيره، فهذا سؤال مشروع لا غبار عليه، بل سؤال محمود غير مذموم، وذلك في حدود الممكن، وفي حدود الأدب اللازم.

стр. 233

والسؤالات من هذا القبيل صدرت عن المصطفين الأخيار، المقتدى بهم وبنهجهم: فقد سألت الملائكة ربها سبحانه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ١. وسأل الخليل إبراهيم، ﵊، الله تعالى فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٢ قال القرطبي "إنما طلب المعاينة. وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة. أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانًا، والمعلوم عيانًا٣. ومن هذا القبيل أيضًا، سؤال كل من زكريا ومريم عليهما الصلاة والسلام، لما جاءت كلا منهما البشرى بالولد: فزكريا: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ ٤. ومريم: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ٥. فكل منهما اندهش وتحير أمام أمر الله وقدرته، فانطلق لسانه بالاستفهام لصاحب الأمر، سبحانه، إنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. وكل هذه الأمثلة تتعلق بأفعال الله، أي ليست في مجال التشريع، ومع ذلك صدرت من هؤلاء المقتدى بهم. وأما في مجال التشريع فأذكر هذا المثال، وهو الوارد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ

стр. 234

وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ . فقد روى النسائي وأحمد في سبب نزول الآية، أن أم سلمة قالت للنبي ﷺ : "ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فأنزل الله هذه الآية. فسؤال أم المؤمنين، أم سلمة ﵂ -أو سؤال غيرها من الصحابيات، كما في الروايات الأخرى- وإن كان قد وجه مباشرة إلى رسول الله لا إلى الله، فهو في الحقيقة موجه إلى الله ﷻ ، ولهذا تولى الله تعالى بنفسه الجواب عنه. ولم يكن هذا السؤال، أو التساؤل، محل إنكار ولا لوم. وهذا يؤكد أن السؤال كان بريئا من كل شبهة، صادقًا في تطلب العلم والفهم، مع الرضى والتسليم في جميع الحالات. وبعد هذه الوقفة مع أهم مستندات ابن حزم وألصقها بموضوعنا، لا أرى ضرورة لعرض بقية استدلالاته في إنكار التعليل. فبعضها منقوض بما قدمته من أدلة التعليل منذ بداية هذا الفصل، فلا داعي للتكرار. وبعضها ظاهر البطلان، وخصوصًا بعد المناقشة السابقة، وبعضها يتوغل في مباحث كلامية فلسفية لا أريد السقوط فيها. وأما الأمثلة الفقهية التي ساقها ابن حزم لإبطال القياس والتعليل، فجوابها الشافي، هو ما كتبه الإمام ابن القيم في الرد على منكري القياس، وإن لم يسم منهم أحدا.

стр. 235

ومرة أخرى أأكد أن تعليل الأحكام له مسالكه وحدوده وضوابطه. وكل ذلك مبين في مظانه من كتب الأصول، ومطبق في كتب الفقه، والتفسير، وفقه الحديث. والذي أستطيع أن أقرره باطمئنان: أنه ليس هناك حكم شرعي، إلا ويجوز التساؤل عن حكمته، كما يجوز البحث عنها -بعد ذلك- بكل ما هيأه الله لنا من وسائل البحث والعلم. فإذا وصلنا إلى شيء مما تشهد له الأدلة المعتبرة قلنا به، وإن لم تصل، سلمنا بحكمة الله أيا كانت، والبحث مستمر، والعلم لا حد له. وقد أمرنا الله بالتدبر والتعقل، وأمرنا بالنظر والتفكر، سواء في دينه وشريعته، أو في خلقه وملكوته. فقد قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ١ مثلما قال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٢. وفي هذا وذاك، لا بد من التساؤل عن العلل والقوانين، والبحث عن الأسرار والحكم، في حدود الممكن، أو ما يبدو ممكنًا، ورحم الله من عرف قدره فوقف عنده. وفي مجالنا الآن، مجال الشريعة وأحكامها، لا بد لكي يتقدم فقهنا للشريعة ومقاصدها، من أن ننطلق ونحن على يقين واطمئنان بأن هذه الشريعة -كما عبر ابن القيم- "عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"٣. وكما قال العلامة القرطبي - بلدي ابن حزم- "لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية٤.

стр. 236

فلابد من التساؤل والبحث ما أمكن عن هذه المصالح الدينية والدنيوية التي تنطوي عليها الأحكام الشرعية. لنفهمها ونطبقها في ضوء مصالحها ومقاصدها ولنهتدي بمعرفة تلك المصالح والمقاصد فيما لم ينص عليه. يقول العلامة ابن عاشور: "وجملة القول: أن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد؛ وهي حكم ومصالح ومنافع، ولذلك كان الواجب على علمائنا تعرف علل التشريع ومقاصده، ظاهرها وخفيها"١. وكما أن من لا يؤمن بقوانين الكون واطرادها واستقرارها وكمالها ودقتها لا يمكن أن يتقدم في أي علم من العلوم المادية. فكذلك من لا يؤمن بحكمة التشريع الشاملة. وبقوانينه المطردة، وبقواعده المضبوطة، لا يمكن أن يتقدم في علوم الشريعة أبدًا.

стр. 237

الفصل الثاني: المصالح والمفاسد مفهوم المصلحة والمفسدة ... الفصل الثاني: المصالح والمفاسد إذا كان البحث في مسألة التعليل هو بحث في أساس مقاصد الشريعة، فإن البحث في المصالح والمفاسد، هو بحث في صميم المقاصد. فقد رأينا أن مقاصد الشريعة تلخص وتجمع في "جلب المصالح، ودرء المفاسد". ومن هنا يستمد البحث في المصالح والمفاسد أهميته وخطورته. وسأعمل -فيما يلي- على إبراز وتوضيح أهم آراء الشاطبي في موضوع المصالح والمفاسد، مع ما تستدعيه من مقارنة، أو مناقشة، أو تتميم. مفهوم المصلحة والمفسدة: مما لا شك فيه ولا خلاف، شأن مسمى "المصلحة" و"المفسدة" -بهذا التعميم، وبهذا الإطلاق يدخل فيه -عند جميع العلماء المسلمين- مصالح الدنيا ومصالح الآخرة. وقد تقدم عن الشاطبي "أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا"١ وهذا من البداهة بمكان لا يحتاج إلى أي إثبات أو توضيح. كما أن من البداهة أن مصلحة الآخرة -أو مصالح الآخرة- هي كل ما يجلب رضوان الله ونعيمه أو يزيد في درجتهما، وأن مفاسد الآخرة هي كل ما يجلب سخط الله وعذابه أو يزيد في درجتهما. أو لنقل -على الأصح- مصلحة الآخرة

стр. 238

هي رضوان الله ونعيمه، ومفسدتها هي سخط الله وعذابه، وإنما اعتبر ما يجلبهما مصلحة ومفسدة من باب إعطاء الوسائل حكم المقاصد، وإعطاء الأسباب حكم مسبباتها. فهذه البدهيات، ينبغي ألا تغيب عنا، ونحن ننظر في تعريفات الأصوليين للمصلحة والمفسدة، ونجد عندهم مثلًا، أن: "المصلحة هي جلب المنفعة أو دفع المضرة"١ وأن "المنفعة عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقًا إليها، والمضرة عبارة عن الألم أو ما يكون طريقًا إليه"٢. أو بعبارة أخرى: "المصلحة لا معنى لها إلا اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها. والمفسدة لا معنى لها إلا الألم، أو ما يكون وسيلة إليه"٣. وكذلك لا ينبغي أن يغيب عنا أن مثل هذه التعريفات شاملة لما هو حسي ولما هو معنوي، من اللذات والآلام ولهذا عمد ابن عبد السلام إلى مزيد من التوضيح في معنوي، من اللذات والآلام ولهذا عمد ابن عبد السلام إلى مزيد من التوضيح في تعريفه فقال: "المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها. والمفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها. وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية"٤. فقد فرق - في المصالح- بين اللذات والأفراح. وفرق -في المفاسد- بين الآلام والغموم. وذلك للتنبيه على "المعنويات" من المصالح والمفاسد. هي لا شك داخلة ومقصودة في التعريفات السابقة. وعلى الجانب المعنوي ينبه الشاطبي -أيضًا- في تعريفه للمصالح الدنيوية بقوله: "وأعني بالمصالح: ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان، وتمام عيشة، ونيله ما

стр. 239

تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعمًا على الإطلاق"١. وبناء على كل ما تقدم من تعريفات، فإن مفهوم المصلحة والمفسدة عند العلماء المسلمين يدخل فيه: - المصالح الأخروية ووسائلها وأسبابها. - والمفاسد الأخروية ووسائلها وأسبابها. - والمصالح الدنيوية ووسائلها وأسبابها. - والمفاسد الدنيوية ووسائلها وأسبابها. - وحقيقة المصلحة: هي كل لذة ومتعة، جسمية كانت أو نفسية أو عقلية أو روحية. - وحقيقة المفسدة هي كل ألم وعذاب، جسميا كان أو نفسيا أو عقليا أو روحيا. فالتعبير عن المصلحة باللذة والمتعة، لا يعني -أبدًا- أن المصلحة منحصرة في تلبية الشهوات وإشباع الغرائز الجسمية، وإنما هي لذات ومتع ومنافع متعددة الوجوه والأبعاد. ومثل هذا يقال عن المفاسد. ولتفادي أي تضييق أو التباس في مفهوم المصلحة، نص الشاطبي على أن المصالح الحقيقية، هي التي تؤدي إلى إقامة الحياة لا إلى هدمها، وإلى ربح الحياة الأخرى والفوز فيها، يقول: "المصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى. لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، فالشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من أهوائهم حتى يكونوا عباد الله. وهذا المعنى إذا ثبت، لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة

стр. 240

كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ١ الآية. فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس٢. ومن هنا جاء الشرع بوضع حدود وقيود على تحصيل مختلف المصالح والاستمتاع بها. لأن الإنسان باندفاعه وقصر نظره، قد يحرص على مصلحة وفيها مفاسد، أو فيها تفويت مصالح أهم منها. وقد يفر من مفسدة قريبة فيقع فيما هو شر منها. وقد يطلب الراحة العاجلة، فيجلب على نفسه -أو على غيره- عناء طويلًا، "ورب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلا وعذابا وبيلًا٣. وهذا يجرنا إلى مسألة اختلاط المصالح بالمفاسد، بحيث يكون الفعل الواحد مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أخرى، أو مصلحة في عاجل أمره ومفسدة في عاقبته ومآله، أو العكس. وقد يكون مصلحة لأحد، مفسدة على غيره. وقديمًا قالوا: مصائب قوم عند قوم فوائد. ومعنى هذا أنه ليست هنالك مصالح خالصة ومفاسد خالصة "فإذا كان كذلك، فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا، إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا. وإذا غلبت الجهة الأخرى، فهي المفسدة المفهومة عرفًا٤. واختلاط المصالح بالمفاسد تكلم عنه غير واحد ممن سبقوا الشاطبي، فالقرافي يقول: "استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة، وإن قلت على

стр. 241

البعد، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١. وقبل القرافي، نص شيخه ابن عبد السلام على "أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود٢. إلا أن تناول الشاطبي للموضوع امتاز بتدقيق "مقاصدي" مهم، وهو أن الشارح حين يأمر بمصلحة وفيها قدر من المفسدة، فإنه لا يقصد ذلك القدر من المفسدة. وحين ينهي عن مفسدة وفيها نوع من المصلحة، فإنه لا يقصد بالنهي تلك المصلحة: "فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعًا. ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. فإن تبعها مفسدة أو مشقة، فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه. وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعيا. ولأجله وقع النهي. فإن تبعها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل. فالحاصل في ذلك: أن المصالح المعتبرة شرعًا، هي خالصة، غير مشوبة بشيء من المفاسد، لا قليلا ولا كثيرًا٣. ولما كانت المصالح والفاسد -في واقع الحياة- على هذا القدر الكثيف من التشابك والاختلاط والتعارض، كان لا بد من التشريع، وكان لا بد من أن يذعن الناس لهذا التشريع، ويدخلوا تحت سلطانه. وهذه هي أم المصالح، أو هي المصلحة "الكلية"، وعنها تصدر، وبها تضمن جميع المصالح. وهو ما يتمثل في

стр. 242

الشريعة. ذلك "أن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص. أما الجزئية فما يعرب عنه كل دليل في خاصته. وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته. فلا يكون كالبهيمة المسببة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام الشرع"١. ومن البدهيات أيضًا -في مفهوم المصلحة- أن الشريعة قد تضمنت حفظ المصالح من جميع الأنواع، وفي جميع المراتب. فقد تضمنت -كما تقدم غير ما مرة- حفظ المصالح الضرورية ومكملاتها، وحفظ المصالح الحاجية ومكملاتها، وحفظ المصالح التحسينية مهما صغر شأنها. ومعنى هذا أن الشريعة لم تهمل من أمر المصالح والمفاسد شيئًا، قليلًا كان أو جليلًا. وما لا تشمله نصوصها الخاصة، فقد شملته نصوصها العامة. وقد يشكل هذا مع ما هول معروف من تقسيم المصلحة -بالنظر إلى حكم الشرع فيها- إلى ثلاثة أنواع: مصلحة معتبرة، ومصلحة ملغاة، ومصلحة مرسلة. فبناء على هذا التقسيم -وهو مسلم عند جميع الأصوليين- فإن الشريعة لم تتضمن إلا حفظ النوع الأول من المصالح. وسكتت عن النوع الأخير، بينما أهدرت النوع الثاني. ومعنى هذا أن الشريعة قد حفظت نوعًا واحدًا من المصالح وأهدرت وأهملت غيره! والحقيقة أن ما أهدرته الشريعة من المصالح -وهي المصلحة الملغاة، حسب تقسيم الأصوليين- إنما هي المصالح المرجوحة، التي عارضتها مصالح أولى منها بالتقديم والاعتبار. فترجح حفظ الأهم على غيره. وذلك عندما تعذر الجميع بينهما. وليس في هذا أي إلغاء أو إهدار لحقيقته المصلحة. ولعل في آية الخمر والميسر

стр. 243

-المتقدمة- أوضح مثال على هذا. فقد صرحت الآية أن في الخمر والميسر مفاسد ومصالح. ولكن جانب المفسدة كثير، والمفسدة عامة. بينما منافع الخمر والميسر قليلة، وفردية. فرجع الشارع جانب المصلحة الكثيرة والعامة، بدفع مفاسد الخمر والميسر وتحريمهما. وأهمل جانب المنافع القليلة الخاصة. ولكن هذه المنافع الملغاة في هذه الحالة، وليست ملغاة مطلقًا. فإذا افترضنا أن منافع الخمر والميسر، هي: الربح المالي، وهي متعة الانتشاء بالسكر، أو بالفوز في القمار فإن هذه المنافع ليست ملغاة في الشرع. بل قد أباح منها وشرع لها ما لا يحصى من أوجه الحفظ والتحصيل، وهي الأوجه التي لا يكون فيها مفاسد مكافئة أو تزيد، ولا يكون فيها تفويت مصلحة أهم وأولى بالتقديم. وإذًا، فإن "إلغاء" بعض المصالح، إنما هو عين الحفظ للمصلحة. وقل مثل هذا في سائر "المصالح الملغاة" أي أنها إنما ألغيت في حالات معينة. بينما هي معتبرة ومحفوظة في أضعاف أضعاف حالات المنع والإلغاء. ومعنى هذا أن حفظ المصلحة -أي مصلحة- هو الأصل، وأما الإلغاء حفظ جوانب أخرى من مصالحهم ومصالح غيرهم، مع أن ما فات من "المصلحة الملغاة" لم يفت مطلقًا، بل لتحصيله أبواب مشروعة واسعة كثيرة. ومن دقائق القاضي أبي بكر بن العربي قوله: "إن الباري سبحانه، ببديع حكمته، لما خلق لنا ما في الأرض جميعًا كما أخبرنا، قسم الحال فيه: فمنه ما أباحه على الإطلاق، ومنه ما أباحه في حال دون حال، ومنه ما أباحه على وجه دون وجه. فأما أن يكون في الأرض ممنوع لا تتطرق إليه إباحة في حال ولا على وجه، فلا أعلمه الآن١. وأما فيما يخص "المصالح المرسلة" فهي أيضًا ليست مصالح مهملة مسكوتًا عنها، أي أنها ليست مرسلة مطلقًا، بل هي "مرسلة" -فقط- من حيث عدم التنصيص الجزئي الخاص بها. أما من حيث جنسها، ومن باب أولى، من حيث كونها مصلحة وخيرًا ونفعًا.

стр. 244

أما بهذا الاعتبار، فليست هناك مصلحة مرسلة أبدًا. فأي مصلحة تبقى مرسلة بعد قول الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ ٢ وبعد أن بين سبحانه أنه أرسل رسوله إلى الناس ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ وبعد أن جعل شعار المؤمنين -بعد غمانهم- هو ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٤ وبعد أن أمر سبحانه بالتعاون على كل ذلك: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٥. فالناس مأمورون -في هذه الآيات وغيرها- بفعل الخير، وبالعدل والإحسان وبفعل المعروف، وبفعل الصالحات، وبفعل البر، ومأمورون بالتعاون على ذلك كله. وعلى ذلك كله يتوقف فلاحهم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، ولا فلاح لهم -لا في دنيا ولا في آخرة- إلا بهذا: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . ومما هو جدير بالتدبر في هذا المقام ما خرجه الإمام مسلم عن مجاشع بن مسعود السلمي قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة فقال: "إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير". والحق أن أي نص من هذه النصوص، كاف وحده للدلالة على أنه ليست هناك مصلحة أو منفعة، إلا وهي مطلوبة، ومشمولة بعناية الشريعة ورعايتها. وأيضًا، فقد أجمع العلماء -على اختلاف تخصصاتهم، ومذاهبهم، وعصورهم- على كون الشريعة قد تضمنت حفظ الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، وأن أمهات المصالح المحفوظة -أو المطلوب حفظها- هي: الدين،

стр. 245

والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وأن "كل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعا مصلحة"١. فهل يمكن أن نتصور مصلحة خارجة عن خدمة هذه الضروريات وبمراتبها الثلاث؟ ما أنا فقد عجزت. وقد قال الإمام الغزالي: "والصحيح أن الاستدلال المرسل في الشرع لا يتصور، حتى نتكلم يه بنفي أو إثبات"٢. وإذًا، فكل المصالح معتبرة، وليست هناك مصلحة "مرسلة" إرسالًا تاما مثلما أنه ليست هناك مصلحة "ملغاة" إلغاء تاما.

стр. 246

إدراك المصالح بالعقل: وهذه المسألة هي -تقريبًا- المسألة المعروفة في علم الكلام، وفي علم أصول الفقه، بمسألة التحسين والتقبيح. وإنما تجنب استعمال هذه التسمية، وقلت: "تقريبًا"، لأني لا أريد متابعة الجدليات التي دارت حولها، كما لا أريد إسقاط الموضوع في متاهات ما يسمى بعلم الكلام. بل أريد معالجة الموضوع بالقدر الضروري فقط. وإنما تعرضت لهذه المسألة، لما لها -في الأصل- من أهمية وتأثير على موضوع إدراك المصالح، ولأن الشاطبي نفسه لم ينج من بعض الآثار السلبية لها. وأعني بالذات تأثره بالنظرة الأشعرية إلى الموضوع. بل إن هذه النظرة الأشعرية ما زالت رائجة -إن لم تكن سائدة- إلى اليوم. ولننطلق من الشاطبي -فهو منطلق البحث كله- لنرى بعض مظاهر أشعريته في الموضوع. ومن خلاله، ستتضح معالم النظرية الأشعرية في التحسين والتقبيح.

стр. 247

فهو يصرح بأن نظرته تنبني على ما تقرر في علم الكلام، وهو يعني دون شك علم الكلام الأشعري. ففي المقدمة العاشرة يقرر -كما يقرر ذلك كل مسلم- أنه: "إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل١. ثم استدل على ذلك بأدلة منها: "ما تبين في علم الكلام والأصول، من أن العقل لا يحسن ولا يقبح٢ بمعنى أنه لا يقدر -ولا يملك الحق- في أن يحكم على الأشياء والأفعال بأنها حسنة أو قبيحة، أي بأنها مصلحة أو مفسدة. وأما لماذا كان العقل غير قادر على التحسين والتقبيح، فلأن الأشياء والأفعال -حسب النظرية الأشعرية - ليست حسنة ولا قبيحة في حد ذاتها. فكيف يدرك العقل شيئًا "غير موجود" أعني حسن الأشياء وقبحها، أي صلاحها وفسادها. فليس عندهم شيء حسن إلا بتحسين الشرع له، وليس عندهم شيء قبيح إلا بتقبيح الشرع له. أما بدون تحسين الشرع وتقبيحه، فلا حسن ولا قبح. وكل الأمور على حد سواء. وهذا بالضبط ما يردده الشاطبي، حيث يقول: "كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة مفسدة كذلك، مما يختص بالشارع، لا مجال للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح. فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها كمصلحة. وإلا فكان يمكن -عقلًا- أن لا تكون كذلك. إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح. فإذًا، كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع، بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس"٣.

стр. 248

ويؤكد هذا المعنى في سياق آخر، وبشكل أوضح، فيقول: "الأفعال والتروك -من حيث هي أفعال وتروك- متماثلة عقلًا، بالنسبة إلى ما يقصد بها، إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح"١. ورغم أن الشاطبي -كما هو واضح- يمر على مسألة التحسين والتقبيح مرا سريعًا، على خلاف ما يفعله الأصوليون والمتكلمون الأشاعرة من التوقف المطول والرد المفصل على المعتزلة، رغم هذا، فإن التأثير الأشعري بادٍ على كلامه. فهو يتضمن إنكار حسن الأفعال وقبحها، أي كونها -ذاتها- مصلحة أو مفسدة. إذ الأفعال والتروك -في العقل- "متساوية متماثلة". وإذن، فلا تحسين للعقل ولا تقبيح. وهذا هو جوهر النظرية الأشعرية، يقول الإمام الجويني -وهو أحد أقطاب الأشاعرة- "فليس الحسن صفة زائدة على الشرع مدركة به، وإنما هو عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله. وكذلك القول في القبح. فإذا وصفنا فعلًا من الأفعال بالوجوب أو الحظر، فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب. وإنما المراد بالواجب: الفعل الذي ورد الشرع بالأمر به إيجابًا. والمراد بالمحظور: الفعل الذي ورد الشرع بالنهي عنه حظرًا وتحريمًا"٢. ومعلوم أنه توجد -بإزاء نظرية الأشاعرة هذه- نظريتان أخريان هما: نظرية المعتزلة، ونظرية الماتريدية. أما المعتزلة فيرون أن الحسن والقبح ذاتيان عقليان؛ أي أن الأشياء والأفعال والتروك موصوفة بالصلاح والفساد قبل أن يأتي حكم الشرع بذلك، وأن العقل يدرك ذلك ويثبته. ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد. بل ذهبوا إلى أن الإنسان العاقل مكلف بمقتضى عقله عند عدم وجود الحكم الشرعي، ما دام الحسن والقبح عقليين. ومعنى هذا أن الحكم الشرعي يثبت بالعقل كما يثبت بالسمع.

стр. 249

وأما الماتريدية، ومن وافقهم أو وافقوه من أهل التحقيق والإنصاف، فقد أثبتوا كون الحسن والقبح ذاتيين عقليين. ولكنهم لم يرتبوا على ذلك ما رتبه المعتزلة، ولم يعتبروا أن التكاليف والأحكام الشرعية تثبت بمجرد العقل. بل لا بد لذلك من السمع. وإذا كانت النظرية الاعتزالية قد انقرضت مع أصحابها، حتى أصبحت لا تذكر إلا عند خصومها، وفي سياق تفنيدها والتشنيع عليها، فإن نظرية الأشاعرة قد كتب لها الاستمرار والذيوع، وما زال بعض الكتاب -إلى اليوم- يتبنونها بحذافيرها، مع أن الظروف التي أنتجتها قد ولت منذ قرون. فهذا الدكتور محمد سعيد البوطي يقول: "إن الصلاح والفساد في الأفعال، إنما يعتبر كل منهما أثرًا وثمرة لأحكام الشارع على الأشياء من تحريم وإباحة وإيجاب. وإلا لبطل أن تكون المصالح فرعًا لدين كما ذكرنا"١. ومعنى هذا أن صلاح الأشياء وفسادها، وصلاح الأفعال وفسادها ثمرة من ثمرات إنزال الشرائع!! وقبل الشرائع وأحكامها لا يكون صلاح ولا فساد!! وإذا لم نقل بهذا، لزم -على رأي الدكتور البوطي- بطلان ما قرره من كون المصالح فرعًا للدين. ثم يقول بعد ذلك "وأما أن أحكام الله متأخرة عن المصالح، فلذلك باطل أنكره جمهور المسلمين٢، ويتناقض -لو قيل به- مع ما تقرر من عدم وجود حسن وقبح ذاتيين في الأفعال"٣.

стр. 250

والدكتور البوطي -في هذا - يقرر أمرًا في غاية الخطورة، وفي غاية المصادمة للبدهيات، ومع ذلك فإن دليله عليه ليس إلا "ما تقرر" من عدم وجود حسن وقبح ذاتيين! أما من الذي قرر هذا؟ وكيف تقرر؟ ولماذا؟ وما نصيب هذا التقرير من الصحة؟ فكل ذلك ليس من المصلحة إثارته، لأنه سيشوش على ما يقرره هو أيضًا! وأما أن ما قرره -وما استدل به أيضًا- يصادم البدهيات فقد أحس به مقرروه الأوائل. فهذا إمام الحرمين الجويني يقول: "ولسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك، وابتدار المنافع الممكنة، على تفصيل فيها -وجحد هذا خروج عن المعقول- ولكن ذلك في حق الآدميين. والكلام في مسألتنا مداره على ما يحسن أو يقبح في حكم الله تعالى١. ويبدو لي أن أبا المعالي -بهذا القول- قد خرج عن طوق النظرية الأشعرية، والتحق -أو كاد- بالماتريدية. فقد اعترف -وبغض النظر عن حكم الشارع- بوجود مهالك، ووجود منافع. وأن العقول تدركها وتميز بينها، فتقتضي اجتناب الأولى وابتدار الثانية، وهذا هو معنى كون الحسن والقبح ذاتيين عقليين. ولئن كان إمام الحرمين، قد اضطر -اضطرارًا- إلى هذا القدر من الاعتراف بالتحسين والتقبيح، فإن عددًا من الشافعية -وهم أشاعرة طبعًا- قد عرفوا بمخالفتهم الصريحة للنظرية الأشعرية، وانتصروا لإثبات الحسن والقبح الذاتيين، والتحسين والتقبيح العقليين. قال ابن القيم: "واختاره من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير، وبالغ في إثباته، وبنى كتابه "محاسن الشريعة" عليه، وأحسن فيه ما شاء. وكذلك الإمام سعيد بن على الزنجاني، بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعري القول بنفي التحسين والتقبيح، وأنه لم يسبقه إليه أحد. وكذلك أبو القاسم الراغب، وكذلك أبو عبد الله الحليمي، وخلائق لا يحصون"٢.
следующие страницы →