وأما ارتباطها بالمقاصد، فهو من حيث قصد الشارع، وقد المكلف، في الأسباب والمسببات، غير أن ارتباطها بمقاصد المكلف أكثر.
وقيل التطرق إلى ما يهمنا من الموضوع، أشير إلى أن الشاطبي، وإن كان قد قسم الأسباب -وسائر الأحكام الوضعية- إلى ما هو مقدور للمكلف، وإلى ما ليس في مقدوره، فإنه ركز في "مسائله" الثلاث عشرة -المخصصة للأسباب- على الأسباب المقدورة للمكلفين.
ومن هذه الأسباب التي تتركز حولها مسائله وتقريراته:
الكسب "من بيع وشراء، وزراعة، واحتراف" باعتباره سببًا في إقامة الحياة، وسببًا في صحة الأملاك، وسببًا في حلية الاستمتاع.
النكاح، باعتباره سببًا في حلية استمتاع الزوجين أحدهما بالآخر، وسببًا في التناسل، وسببًا للتوارث بينهما، وسببًا في حرمة المصاهرة.
وكما بنى تقريراته وقواعده على مثل هذه الأسباب المشروعة، فإنه بنى ذلك أيضًا على الأسباب الممنوعة، مثل القتل، والزنى، والغصب. فكل هذه أسباب يترتب عنها كثير من الأحكام والآثار، أي: المسببات.
وأنتقل إلى القواعد والأحكام، التي قررها بمقتضى النظر المقاصدي:
فمن ذلك أن الشارع بوضعه للأسباب، يكون قاصدًا إلى مسبباتها، وبتعبيره هو: "وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات، أعني الشارع١ وذلك لأنه لا يعقل أن يضع الأسباب، دون أن يقصد نتائجها.
وقد تقرر في المقاصد "أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، وهي مسبباتها قطعًا. فإذا كنا نعلم أن الأسباب إنما شرعت لأجل المسببات، لزم من القصد إلى الأسباب، القصد إلى المسببات"٢. فمشروعية الأسباب تدلنا على قصد الشارع إلى مسبباتها "نتائجها".
стр. 177
وهذه القاعدة تفيدنا جدا، في موضوع سيأتي التفصيل فيه، إن شاء الله، وهو "بماذا تعرف مقاصد الشارع؟ "١.
غير أنه -ونحن في مسائل الأسباب- من الضروري أن نصل بين هذه المسألة "الرابعة"، وبين مسألتين أخريين تأخرتا عنها كثيرًا، وكان ينبغي اتباعها بهما، وهما المسألتان الثانية عشرة والثالثة عشرة٢. لأن مضمونهما فيه تفصيل وتقييد لما اتسمت به هذه المسألة من إجمال وإطلاق.
فالذي قد يفهم من المسألة الرابعة، هو أن كل ما يترتب عن الأسباب من مسببات، فهو مقصود لواضع الأسباب، وهو الله سبحانه. وهذا تعميم خطيرًا.
وأما في المسألتين المشار إليهما، فنجد أن: "المسببات -بالنظر إلى أسبابها- ضربان:
أحدهما: ما شرعت الأسباب لها، إما بالقصد الأول -وهي متعلق المقاصد الأصلية، أو المقاصد الأول أيضًا- وإما بالقصد الثاني، وهي متعلق المقاصد التابعة، وكلا الضربين٣ مبين في كتاب المقاصد٤.
والثاني: ما سوى ذلك، مما يعلم أو يظن أن الأسباب لم تشرع لها، أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لنم تشرع لها. فتجيء الأقسام ثلاثة٥.
فلأقسام الثلاثة إذًا هي:
١- المسببات التي عرفنا أن الأسباب شرعت لأجلها.
٢- المسببات التي عرفنا أن الأسباب لم تشرع لها.
٣- المسببات التي لم نعرف إن كانت الأسباب شرعت لها أم لا.
стр. 178
وظاهر أن ما قرره وأطلقه في المسألة الرابعة إنما يصدق على القسم الأول من هذه الأقسام الثلاثة.
أما القسمان الآخران من المسببات، فلهما شأن آخر.
فالقسم الأول من المسببات غير مقصود للشارع، والقسم الثالث ينبغي فيه التوقف والبحث. فإما أن يظهر قصد الشارع فيه، وإما أن نبقى على التوقف١.
وكون الشارع قاصدًا بالأسباب إلى المسببات، لا يعني أن هذه المسببات داخلة تحت التكليف. فالمكلف مطالب بالأسباب لا بالمسببات. ولهذا فهو حين يتعاطى الأسباب "المشروعة طبعًا"، ليس ملزمًا بالقصد إلى مسباباتها. وهذا ما قرره في المسألة الثالثة: "وهي أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف، الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها، بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير، أسبابًا كانت أو غير أسباب، معللة كانت أو غير معللة٢، أي أن المكلف يكفيه أن يأتي بالأسباب على وجهها الصحيح المشروع، وليس مكلفًا بالقصد إلى مسبباتها، لأنه غير مكلف بالمسببات "النتائج".
فالله تعالى هو الذي يتولى أمر المسببات، ويرتبها على أسبابها. "فإذا: قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط له بالقصد التكليفي، فلا يلزم قصد المكلف إليه، إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه٣ "فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب"٤.
ومرة أخرى فإن هذا الإطلاق، يدعو إلى التوقف والتأمل، فقد قرر في كتاب المقاصد "مقاصد المكلف" أن "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع"٥ فهذا يقتضي أن يقصد المكلف بالأسباب، ما
стр. 179
شرعت لأجله من المسببات. فالقصد إلى المسببات، وعلى وفق ما قصده الشارع بها، مطلوب -إذًا- من فاعل الأسباب، بينما الذي سبق تقريره أن المكلف غير ملزم بهذا؟!
والشاطبي لم يكن غافلا عن هذا "التناقض" بين ما قرره في كتاب الأحكام وما قرره في كتاب المقاصد. ولهذا نجده في كتاب الأحكام يرود على نفسه الاعتراض بما في كتاب المقاصد "على طريقة الفنفلة: فإن قيل"، كما نجده، بعد أن قرر ما قرره في كتاب المقاصد يقول: "فصل: وإذا حققنا تفصيل المقاصد بالنسبة إلى المكلف، وجدناها ترجع إلى ما ذكر في كتاب الأحكام، وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب١، إذ مر هنالك خمسة أوجه منها يؤخذ القصد الموافق والمخالف. فعلى الناظر هنا مراجعة ذلك الموضع، حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله٢.
والمسألة التي يحيلنا عليها -وهي المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية- مبنية على التي قبلها، وهي التي افتتحها بقوله: "إذا ثبت أنه لا يلزم القصد إلى المسبب، فللمكلف ترك القصد إليه بإطلاق، وله القصد إليه٣ فلما انتهى من إثبات الخيرة للمكلف، في القصد أو عدمه إلى المسببات، انتقل إلى المسألة التي أحالنا عليها، حيث قال في مطلعها: "إذا تقرر ما تقدم٤، فلدخول في الأسباب مراتب تتفرع على القسمين.
فالالتفات إلى المسببات له ثلاث مراتب٥.
стр. 180
وملخصها ما يلي:
١- أن يدخل في الأسباب، وفي اعتقاده أنه الفاعل المؤثر، وأنه صانع المسببات، أو أن المسببات لازمة من أسبابها ضرورة لزومًا ذاتيا "وهذا شرك، أو مضاه"١ فهذا -بطبيعة الحال- لا يجوز اعتقاده أبدًا.
٢- أن يدخل في الأسباب على أساس أنها عادة تفضي إلى مسببات معينة، وإن هذه طبيعة الأشياء التي عليها خلقت. وهذه المرتبة، عليها عامة الناس، ولا بأس بها، وإن كانت مفضولة بالمرتبة الثالثة، هي:
٣- أن يدخل في الأسباب، على أساس أن الله تعالى هو الذي ينتج عنها مسبباتها إن شاء، ويعطلها إن شاء. وهذه المرتبة أفضل من سابقتها، لأن السابقة يغلب فيها اعتبار العادة، والركون إليها مما ينتج، الغفلة عن المسبب الحقيقي وهو الله تعالى.
فهذه مراتب الالتفات والقصد إلى المسببات.
وأما ترك ذلك، فله أيضًا ثلاث مراتب٢.
١- أن يدخل في الأسباب على أنها ابتلاء للعباد. فهو مكلف بها ابتلاء من الله وامتحانًا له كيف يعمل، ولا يهمه أكثر من هذا.
٢- أن يدخل في الأسباب ويتصرف فيها على أساس أنه عبد الله، فهو قائم بمقتضى العبودية، لا يهمه سبب، ولا مسبب، ولا سببية. فهو عبد لله، يجري على ما أراد مولاه.
٣- الدخول في الأسباب، على أنها أسباب مشروعة ومأذون فيها شرعًا، وعلى أن لها مسببات يجريها خالقها، سبحانه، إن شاء. وعلى أنها ابتلاء وتمحيص
стр. 181
للمكلفين، "فصار هذا القصد شاملا لجميع ما تقدم. لأنه توخى قصد الشارع من غير نظر في غيره. وقد علم قصده في تلك الأمور، فحصل له كل ما في ذلك التسبب ما علم ومما لم يعلم، فهو طالب للمسبب من طريق السبب، وعالم بأن الله هو المسبب، وهو المبتلي، ومتحقق في صدق التوجه به إليه. فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب. لكن ذلك كله منزه عن الأغيار، مصفى من الأكدار١.
وحيث إن الشاطبي جعل هذه المرتبة جامعة لمحاسن المراتب الخمس السابقة، ومنزلة عما في بعضها من "الأغيار والأكدار"، مع أنها تتضمن قصد المكلف للمسببات، فمعنى هذا أنها المرتبة المفضلة لديه.
وهذا يدلنا على أنه إنما جعل للمكلف الخيرة في الالتفات إلى المسببات أو عدمه، مع التسوية التامة بين الأمرين، لأجل ما قد يقع في الالتفات إلى المسببات والتعلق بها من "الأغيار والأكدار". ولأجل هذا امتدح كل مراتب عدم الالتفات إلى المسببات، ولم يمتدح من مراتب الالتفات إليها إلا المرتبة الثالثة. وذلك أن المرتبة الأولى فيها كفر بالله، وفي المرتبة الثانية غفلة عن الله. وهذا ما يعنيه بالأغيار والأكدار. فإذا تبرأ قصد المكلف منها، صار التفاته وقصده إلى المسببات أولى من عدمه. وبهذا نخرج من "التناقض"، ونصل إلى التوافق مع ما قرره في كتاب المقاصد من أن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، كما تقدم قريبًا.
وهذا الاحتياط من وقوع المكلف في الأغيار والأكدار، هو الذي جعل الشاطبي يعود إلى الموضوع بعد المسألة التاسعة. ليلحق بها خمسة "فصول"٢ رجح فيها للمكلف عدم الالفتات إلى المسببات وتفويض أمرها إلى الله : "لأن الفاعل للسبب عالمًا بأن السبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه، كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على
стр. 182
الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المخظورة، والشكر، وغير ذلك من المقامات السنية والأحوال المرضية١.
وذلك أن التعلق بالمسببات، قد ينسينا المسبب الحقيقي، أو ينسينا شكره على ما أعطي من نتائج وثمرات، وقد يكون مرهقًا لصاحبه، لشدة همه وفرث حرصه على المسببات، وخوفه من عدم حصولها، أو حزنه لعدم مجيئها على ما يؤمل.
وكل هذه أكدار وأغيار تبعد المكلف عن "المقامات" السنية والأحوال المرضية.
فإذا تخلص الإنسان من هذه الآفات، واعتدال في التفاته إلى المسببات، واستحضر أن أمرها بيد الله، وصار بتسببه كأنما "يطلب من المسبب٢ مقتضى السبب، فكأنه يسأل المسبب باسطًا يد السبب، كما يسأله الشيء باسطًا يد الضراعة٣، فقد خرج عن التعلق المذموم بالمسببات، لأن منبع هذه الآفات هو "طلب المسبب من نفس السبب"، والاعتقاد "أن السبب هو المولد للمسبب. فهذا المخوف الذي هو حر بتلك المفاسد المذكورة٤.
وكأني بالشاطبي لما اطمأن إلى أنه قد نبه التنبيه الكافي على الآفات التي تنتج عن التعلق المبالغ فيه بالمسببات، عاد إلى ترجيح الكفة الأخرى -ولعلها هي الأصل عنده- وإلى بيان مزاياها وفوائدها، وأعني بها: الالتفات إلى المسببات عند تعاطي أسبابها. ومن ذلك:
١- أن المكلف يكون -بالتفاته إلى المسببات- على بال من النتائج التي يفضي إليها تسببه، سواء كانت حسنة، أو سيئة. وهذا نوع من اعتبار مآلات الأفعال،
стр. 183
وهو أصل مسلم في الشريعة. وقد نص في القرآن على أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ١ وجاء في الحديث: "ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل" ٢، وفي الحديث أيضًا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، يرفعه الله بها في الجنة, وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" ٣ والحديث مشهور في: "من سن في الإسلام سنة" ٤.
وهذه كلها نصوص تدل على طلب الالتفات إلى المسببات٥، وأخذها بعين الاعتبار حين الدخول في الأسباب.
وقد نقل كلامًا طويلًا للغزالي في هذا الصدد٦، وفي ضمنه الاستدلال بنصوص أخرى من القرآن الكريم، ثم عقب بقوله: "فإذا نظر المتسبب إلى مآلات الأسباب، فربما كان باعثًا له على التحرز من أمثال هذه الأشياء٧.
٢- "أن الله جعل المسببات في العادة على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج. فإذا كان السبب تاما، والتسبب على ما ينبغي، كان المسبب كذلك. والضد.
ومن هنا: إذا وقع خلل في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب: هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه، لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه،
стр. 184
رجع اللوم والمؤاخذة عليه. ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ، وغيرهم من الصناع، إذا ثبت التفريط من أحدهم، أما بكونه غر من نفسه، وليس بصانع، وأما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط، فإنه لا ضمان عليه.
فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد، لا من جهة أخرى١، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شرع أو على خلاف ذلك. ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع، دليلا على ما في الباطن. فإن كان الظاهر منخرمًا، حكم على الباطن بذلك. أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا. وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات. بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جعله الشريعة جدا. بل هو كلية التشريع، وعمدة التكليف، بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية، الخاصة والعامة٢.
وأخيرًا، فإن الشاطبي -كما أشرت من قبل- لم يغفل عن كونه وجه المسألة وجهتين مختلفتين -إن لم نقل متناقضتين- تقتضي أولاهما صرف النظر والقصد عن المسببات، وتقتضي الثانية الالتفات إليها وإدخالها في الاعتبار، عند ممارسة الأسباب. بل لقد أورد على نفسه السؤال والاستشكال: "فإن قيل".
وللخروج من تعارض الوجهين، وضع ضابطًا للتميز بين الحالات التي ينبغي فيها الالتفات إلى المسببات، لما في ذلك من المصلحة، والحالات التي لا ينبغي فيها ذلك، لما فيه من المفسدة. فقال: "إن كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب، والتكملة له، والتحريض على المبالغة في إكماله، فهو السبب الذي يجب المصلحة، وإن كان من شأنه أن يكر على السبب بالإبطال، أو بالإضعاف، أو بالتهاون به، فهو الذي يجلب المفسدة٣.
стр. 185
وتفصيل هذا هو ما تقدم، إلى تفصيلات أخرى تلت هذه القاعدة والذي يهمنا هو أن القاعدة إلى نظر مصلحي مقاصدي واضح؛ فما يخدم المصالح والمقاصد فهو مطلوب مقصود. وما يضر بها فهو مذموم مردود.
стр. 186
الباب الثالث: القضايا الأساسية لنظرية الشاطبي عرض ومناقشة
مدخل
...
الباب الثالث: القضايا الأساسية لنظرية الشاطبي عرض ومناقشة
تمهيد:
بعد هذا العرض الذي حاولت فيه اعتصار نظرية المقاصد كما صاغها الشاطبي في "كتاب المقاصد" من "الموافقات"، وبعد أن عملت على بيان أبعاد هذه النظرية وامتداداتها في الفكر الأصولي لأبي إسحاق، مما يكشف في آن واحد عن مدى أهمية مقاصد الشريعة في تكييف الفكر الإسلامي وتوجيهه، بعد هذا أنتقل إلى الدراسة والمناقشة لبعض الجوانب الأساسية لنظرية المقاصد. ذلك أن التعليق المفصل والمناقشة التامة لكل ما قاله الشاطبي عن مقاصد الشريعة أمر إن لم يكن متعذرًا علي، فهو مرهق وممل بغير ضرورة، فحسبنا أن نتوقف ونمعن النظر ونناقش الأمور الكبرى في نظرية الشاطبي.
وقد اخترت لهذا الباب ثلاث قضايا أعتبرها أخطر القضايا في موضوع المقاصد عمومًا، وعند الشاطبي خصوصًا. على أن هذه الباب سيتبعه -بحول الله تعالى- باب أخير يتناول جوانب أخرى متممة، ويتضمن تقييمًا عاما لنظرية المقاصد.
стр. 187
الفصل الأول: مسألة التعليل
أحكام الشريعة بين التعليل والتعبد
...
الفصل الأول: مسألة التعليل
سبقت الإشارة١ إلى "المقدمة الكلامية" التي افتتح بها الشاطبي كتاب المقاصد، وتعرض فيها لكون الشريعة معللة -جملة وتفصيلًا- برعاية مصالح العباد. وأعود الآن لهذا الموضوع لسببين هما:
١- كون تلك المقدمة جاءت قصيرة جدا "في صفحتين" بل يمكن اعتبارها قاصرة، بالنظر إلى الأهمية الكبرى لمسألة التعليل التي تشكل الأساس لنظرية المقاصد. فهي -لهذا- تحتاج إلى بسط أكثر مما جاء فيه هذه المقدمة المقتضبة.
٢- أنه أثار فيها -رغم اقتضابها أو ربما بسبب اقتضابها- أمورًا غير مسلمة، وتحتاج إلى مناقشة وتحقيق، وذلك عند إشارته إلى القائلين وغير القائلين بالتعليل.
أحكام الشريعة بين التعليل والتعبد:
جاء في أول المقدمة المشار إليها من كتاب المقاصد قول الشاطبي: "ولنقدم قبل الشروع في المطلوب مقدمة كلامية مسلمة في هذا الموضع، وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا. وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادًا. وليس هذا موضع ذلك.
стр. 188
فقد وصف هذه المقدمة بأنها "مسلمة"، وهذا يعني أنه لا خلاف فيها. ومع ذلك فقد احتاج إلى القول: "وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادًا"، وليس هذا شأن المسلمات ثم لست أدري ما عني بقوله: "وليس هذا موضع ذلك"؟ مع أن هذا هو أنسب موضع لذلك. ثم هو قد أقام البرهان فعلًا على صحة القضية وإن كان بإنجاز شديد. ولعله يشير إلى أن البراهين المفصلة للمسألة ستأتي مثبوتة في مواضع أخرى من الكتاب.
ثم استمر في مناقضة قوله "مسلمة"، فذكر أن هذه المسألة "قد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة. كما أن أفعاله كذلك. وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين" فكيف يجتمع هذا مع قوله "مسلمة"؟ إلا أن يقصد أنها مسلمة عنده، أو أنها مسلمة وإن خالف فيها من خالف. وهذا هو الأقرب، ولكن كان ينبغي توضيحه.
فأما كونها مسلمة عنده، فهذا لا شك فيه، بل إنه يعتبرها قضية قطعية، معتمدا في ذلك -كعادته- على الاستقراء. وقد أورد في المقدمة المذكورة طرفًا من هذا الاستقراء الذي يستفاد منه كون الشريعة -جملة وتفصيلا- وضعت لمصالح العباد. ثم قال: "وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة".
وفي مواضع متفرقة، ومناسبات مختلفة يعود ليؤكد ويوضح هذه القضية.
ففي المسألة السابعة من النوع الأول يقول: "إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية، وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات. فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال. وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله".
стр. 189
وعلى هذا الأساس يمضي في كل أجزاء الموافقات، يقرر ويعيد -بعبارات جازمة- كون الأحكام الشرعية كلها، إنما هي لمصالح العباد. ومن ذلك أيضًا قوله في كتاب الأحكام: "والمعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد. فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معًا١.
ولاستكمال موقفه من مسألة التعليل لا بد من ذكر أنه كثيرا ما يفرق بين أحكام العادات والمعاملات، وأحكام العبادات، فالأصل في الأولى هو التعليل والالتفات إلى المصالح. والأصل في الثانية التعبد وعدم التعليل:
أما الأول، فتدل عليه أمور:
"أولها الاستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد. والأحكام العادية٢ تدور معها حيث دارت. فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز٣.
والثاني أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدم تمثيله. وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول٤.
-وأما الثاني- وهو أن الأصل في العبادات التعبد والتزام الحدود المنصوصة -فأول دليل له عليه: الاستقراء أيضًا٥، بحيث إن الكثير جدا من أحكام العبادات، في كيفياتها ومقاديرها ومواقيتها وشروطها، لا يمكن تعليله تعليلا عقليا، وتحديد وجه المصلحة فيه؛ كما في موجبات الطهارة، وحدودها فإن الطهارة
стр. 190
الواجبة تتعدى مكان النجاسة. وقد تلزم الإنسان وهو على غاية النظافة. وقد يكون متسخًا ولا تجب عليه. والتيمم يقوم مقام الطهارة المائية، ولا معنى لذلك لولا التعبد. ومثل هذا يجري في كثير من أحكام العبادات، فالتعليل والمناسبة فيها استثناء.
واعتمادًا على هذا الأصل عنده -وهو عدم التعليل في العبادات إلا استثناء- اعتبر أن ما يقوم به بعضهم من إعطاء تعليلات وتعيين "حكم وأسرار" لبعض الأحكام العبادية، غير قائم على أساس. ولهذا لم يعده من "صلب العلم" وإنما هو من "ملح العلم" لا غير، فقد مثل لملح العلم بأمثلة: "أحدها: الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه، على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل١، وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسجد مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه، ولا تطور٢ نحوه، فيأتي بعض الناس فيطرق٣ إليه حكمًا يزعم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبني على ظن وتخمين غير مطرد في بابه، ولا مبني عليه عمل٤.
هذا هو مجمل موقف الشاطبي من مسألة التعليل. ويمكن تلخيصه -أكثر- في أنه يعتبر تعليل الشريعة برعاية المصالح، مسألة قطعية مسلمة. وأن هذا يصدق على جملتها وجزئياتها، بلا استثناء.
стр. 191
إلا أن جانب العبادات -من الشريعة- ينبني على أساس التسليم والتعبد، بغض النظر عن العلل والحكم. فكان الأصل فيه عدم التعليل. وإن كان في باطن الأمر معللا عند الله تعالى.
وإذا كان الشق الأول لا غبار عليه، وسيزداد وضوحًا وانحسامًا خلال الصفحات القادمة، فإن الشق الثاني يحتاج إلى توقف ونظر.
وقبل ذلك، أشير إلى أن الشاطبي ليس وحده يرى أن الأصل في العبادات عدم التعليل، بل يقول بهذا الجمهور الغفير من العلماء، وهو كثيرا ما ينسب هذا الأصل إلى الإمام مالك١. وجعله المقري "شيخ الشاطبي" من أصول الإمام الشافعي، خلافًا لأبي حنيفة الذي يرى أن: "الأصل التعليل حتى يتعذر"٢ ثم قال "والحق أن ما لا يعقل معناه، تلزم صورته وصفته" وأكد هذا في مواضع أخرى من قواعده، من ذلك قوله في القاعدة ٢٩٦: "نصوص الزكاة في بيان الواجب٣ غير معللة عند مالك ومحمد٤، لأن الأصل في العبادات ملازمة أعيانها كما مر فالواجب أعيانها٥. وقال النعمان٦: معللة بالمالية الصالحة لإقامة حق الفقير.
فهل هذا الأصل سالم مسلم؟ أي: أن الأصل في العبادات أن تؤخذ على ظاهرها، وتطبق بحذافيرها دون نظر إلى مقاصدها وحكمها ومعانيها؟ وهل -حقا- عدم التعليل هو الغالب في أحكام العبادات، والتعليل شيء استثنائي؟
هذه المسائل وغيرها تحتاج إلى التوضيحات التالية:
стр. 192
وأولها أننا نجد كل العبادات معللة في أصل شرعها وفرضيتها، وتعليلالتها منصوصة، لا مستنبطة ولا مظنونة:
ففي الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.
وفي الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ٣.
وفي الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَج ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ٤.
وفي الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٥ وهذا جانب فقط من التعليل، اعتبره أبو حنيفة المقصود الأول من شرع الزكاة، حيث يرى أنها "شرعت ارتياضًا للنفس بتنقيص المال، من حيث إن الاستغناء بالمال سبب للطغيان والوقوع في الفساد"٦.
أما الجانب الآخر من تعليل شرح الزكاة فهو المشار إليه في الحديث: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"٧ وهو الذي توضحه وتفصله آية مصارف الزكاة٨. فهي واضحة في أن مقصود الزكاة سد حاجات الأصناف الثمانية، أو من وجد منها. وفي اعتقاد جماهير العلماء أن هذا هو المقصود الأول للزكاة. وبه أخذ
стр. 193
وعليه بنى الإمام الشافعي -وهو من المقلين في التعليل عمومًا، وفي تعليل العبادات خاصة- يقول عنه شهاب الدين الزنجاني "الشافعي المذهب": "معتقد الشافعي ﵁ أن الزكاة مئونة مالية١، وجبت للفقراء على الأغنياء، بقرابة الإسلام، على سبيل المواساة. ومعنى العبادة تبع فيها، وإنما أثبته الشرع ترغيبًا في أدائها، حيث كانت النفوس مجبولة على الضنة والبخل، فأمر بالتقرب إلى الله تعالى بها، ليطمع في الثواب، ويبادر إلى تحقيق المقصود٢.
وهل يجهل أحد يتردد في كون أحكام الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -وهي معدودة عندهم ضمن العبادات- كلها معللة، معقولة، جملة وتفصيلًا؟
على أن الشاطبي نفسه لا ينكر أن العبادات معللة في أصلها وجملتها، وإن كان يرى أن التفاصيل يغلب فيها عدم التعليل. وفي هذا يقول: "وقد علم أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة، وإن لم يعلم ذلك على التفصيل. ويصح القصد إلى مسبباتها٣ الدنيوية والأخروية على الجملة٤.
وقوله: "في الدنيا أو في الآخرة" ليس شكا منه في وجود فوائد ومصالح دنيوية للعبادات، وإنما هو مجرد احتياط لبعض الجزئيات، ولبعض الحالات التي لا تظهر لها مصلحة دنيوية عاجلة.
فقد تعرض -على سبيل المثال- لمقاصد الصلاة وفوائدها المشروعة، فذكر أن مقصودها الأول هو "الخضوع لله سبحانه، بإخلاص التوجه إليه، والانتصاب على قدم الذلة بين يديه وتذكير النفس بالذكر له"٥.
стр. 194
ثم ذكر من مقاصد التابعة -المنصوص عليها-١: النهي عن الفحشاء والمنكر والاستراحة إليها من أنكاد الدنيا، وطلب الرزق بها، وإنجاح الحاجات وطلب الفوز بالجنة، والدخول في خفارة الله تعالى ونيل أشرف المنازل. ثم قال: "وكذلك سائر العبادات، فيها فوائد أخروية، وهي العامة، وفوائد دنيوية، وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية٢.
وإذًا فمجال العبادات ليس مجالا مغلقًا محظورا عن التعليل المصلحي، بل للتعليل فيه مدخل، أو مداخل.
ومن هذه المداخل أيضًا، أن الرخص الواردة في أحكام العبادات كلها معللة، معقولة المعنى. وقد اعترف الشاطبي بشيء من هذا، ولكنه أغلق الباب بسرعة، حيث قال: "وأيضًا فإن المناسب٣ فيها "يعني في العبادات" معدود عندهم فيما لا نظير له، كالمشقة في قصر المسافر وإفطاره، والجمع بين الصلاتين، وما أشبه ذلك"٤.
وفي مسألة شبيهة بمسألة الرخص، صرح الشاطبي بتعليلها، تعليلا مناسبًا، وذلك في شأن النواهي النبوية -لبعض الصحابة- عن المبالغة في بعض العبادات إلى حد الإرهاق والملل. قال "هذا كله معلل معقول المعنى، بما دل عليه ما تقدم، من السآمة والمل، والعجز وبغض الطاعة وكراهيتها. وإذا كان كذلك فالنهي دائر مع العلة وجودًا وعدمًا"٥.
وفي تفاصيل الطهارات وأحكام المياه، لا نستطيع التغاضي عن كون المناسب هو الغالب الظاهر، ولا يمكن أن يعد مما لا نظير له. ومن هذا القبيل "أي معقولية أحكام الطهارات والنجاسات" ما قرره المقري، وجعله قاعدة مطردة
стр. 195
بقوله: "ما يعاف في العادات يكره في العبادات: كالأواني المعدة بصورها للنجاسات، والصلاة في المراحيض١ والوضوء بالمستعمل، فإنه كالغسالة٢ فلولا غلبة التعليل في هذا الباب، ما ساغ له أن يقرر هذه القاعدة بهذا التعميم. وأظهر من هذا ما ذكره إمام الحرمين قال: "ذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه يحرم على الإنسان التضمخ بالنجاسات من غير حاجة ماسة٣ وما ذلك إلا لمنافاته للتعليل الوارد عقب ذكر الوضوء والاغتسال في الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ٤ فتعليل الوضوء والغسل بقصد التطهير لا غبار عليه، وإن لم يكن المقصود الوحيد.
وفي تفاصيل الصلاة: من لا يستطيع أن يدرك أن مواقيتها ووجوب المحافظة على تلك المواقيت، قصد به -مما قصد- أن تكون الصلاة وآثارها مهيمنة على كل أوقات المصلي، من يقظته إلى منامه، ومن تخفى عليه حكم صلاة الجماعة، والجمعة، والعيدين. والآذان والإقامة ناطقان بمقصودهما. وفي هيئة الصلاة من قيام وركوع وسجود، ما لا يخفى من مظاهر الخضوع لله والتذلل بين يديه. ولما كان السجود هو أكثر تلك الهيئات تعبيرًا عن هذا المعنى، اعتبر المصلي -وهو في سجوده- على غاية التقرب إلى الله، ففي الحديث الصحيح "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" ٥. والآية مشيرة إلى هذا: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٦.
ولشدة ظهور ما يتضمنه الركوع والسجود من معنى الذلة والخضوع من العبد، تعظيمًا للرب سبحانه، فقد جزم الإمام الغزالي بهذا المقصد فيهما، فقال: "وأما الركوع والسجود، فالمقصود بهما التعظيم قطعًا٧.
стр. 196
وما لنا نذهب بعيدًا، والشاطبي نفسه يسعفنا بتعليلات أكثر تفصيلًا في الأحكام التي نعى هو على غيره تعليلها وذكر حكمها، يقول: "وذلك أن الصلاة مثلًا: إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهب لأمر عظيم١. فإذا استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجه إليه، فإذا أحضر نية التعبد أثمر الخضوع والسكون. ثم يدخل فيها على نسقها، بزيادة السورة خدمة لفرض أم القرآن، لأن الجميع كلام الرب المتوجه إليه. وإذا كبر وسبح وتشهد فذلك كله تنبيه للقلب، وإيقاظ له أن يغفل عما هو فيه من مناجاة ربه والوقوف بين يديه. وهكذا إلى آخرها. فلو قدم قبلها نافلة كان ذلك تدريجًا للمصلي، واستدعاء للحضور، ولو أتبعها نافلة أيضا لكان خليقًا باستصحاب الحضور في الفريضة.
وفي الاعتبار في ذلك أن جعلت أجزاء الصلاة غير خالية من ذكر مقرون بعمل، ليكون اللسان والجوارح متطابقة على شيء واحد، وهو الحضور مع الله فيها بالاستكانة والتعظيم والانقياد. ولم يخل موضع من الصلاة من قول أو عمل، لئلا يكون ذلك فتحًا لباب الغفلة ودخول وساوس الشيطان"٢.
فهذا توسع ظاهر، يقدم عليه الشاطبي، في تعليل تفاصيل أكثر العبادات تعبدية، وهي الصلاة. فكيف يقال -رغم هذا- إن "المناسب" في العبادات مما لا نظير له وأن الأصل في العبادات عدم التعليل.
نعم، سنجد ولا شك أحكامًا في العبادات مما يصعب تعليله تعليلًا معقولًا ظاهرًا، من قبيل ما أشار إليه الغزالي في قوله "مبنى العبادات على الاحتكامات، ونعني بالاحتكام: ما خفي علينا وجه اللطف فيه، لأنا نعتقد أن لتقدير الصبح بركعتين، والمغرب بثلاث، والعصر بأربع سرًا٣، وفيه نوع لطف وصلاح
стр. 197
للخلق، استأثر الله بعلمه، ولم نطلع عليه. فلم نستعمله، واتبعنا فيه الموارد"١.
ولكن، أيهما الغالب الذي نتخذه أصلًا، ونعتبر ما سواه استثناء: ما يعقل معناه ويمكن تعليله وإدراك حكمته، أم ما لا تدرك له حكمة ولا مصلحة؟ مع التذكير أن الأصل العام في الشريعة هو تعليلها برعاية مصالح العباد، كما تقدم، والسؤال الآن إنما يتعلق بأحكام العبادات فقط.
وإذا نظرنا في فقه الزكاة، لم نكد نجد حكمًا من أحكامها إلا وقد أدخل عليه الفقهاء التعليل. إن لم يعلله هذا، علله غيره٢. وكلها تعليلات مصلحية واضحة. وقد استعملوا القياس في أحكامها رغم أنها عبادة، وعلى هذا الأساس سار فقيه الزكاة: الدكتور يوسف القرضاوي، وبين ذلك بقوله:
"لقد أخذ النبي ﷺ زكاة الفطر من بعض الحبوب والثمار، كالشعير والتمر والزبيب، فقاس الشافعي وأحمد وأصحابهما كل ما يقتات، أو غالب قوت أهل البلد، أو غالب قوت الشخص نفسه، ولم يجعلوا هذه الأجناس المأخوذة مقصودة لذاتها تعبدًا، فلا يقاس عليها.
وكذلك في زكاة الزروع والثمار، ذهب جمهور الأئمة إلى قياس كثير من الحبوب على ما وردت به النصوص. ولم يقصروا الزكاة على ما جاء في بعض الأحاديث من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقد جاء عن عمر أنه أدخل القياس في باب الزكاة. لما تبين له أن فيها ما يبلغ قيمة الفرس الواحدة منه ثمن مائة ناقة، فقال: نأخذ من أربعين شاة ولا نأخذ من الخيل شيئًا! وتبعه في ذلك أبو حنيفة بشروط معلومة.
وهذا ما جعلنا نقيس العمارات المؤجرة للسكن ونحوها، على الأرض الزراعية، ونقيس ... ، ونقيس ... " "فقه الزكاة: ١/ ٢٨-٢٩".
стр. 198
وقد ذهب ابن القيم بعيدًا في تعليل الأحكام، بما في ذلك الأحكام العبادية والتعبدية١:
فقد علل جعل التيمم بدلا عن الطهارة المائية، وعلل الاقتصار فيه على عضوين، وعلل كون الحجامة تفطر الصائم، وعلل كون المني يوجب الغسل بينما البول لا يوجب إلا الوضوء، وعلل كون خروج الريح يوجب غسل أعضاء لا صلة لها بذلك. وعلل أحكامًا كثيرة من هذا القبيل، كما علل أضعافًا لها في مجال المعاملات٢.
ورغم أن ابن القيم -بسبب إصراره على تعليل كل شيء- قد وقع في تعليلات ضعيفة، كما في تعليله للفرق بين بول الصبي وبول الصبية٣، وكما في تعليله لكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية٤.
ورغم أنه اعترف بشيء مما ذهب الشاطبي والغزالي، فقال: "وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملة"٥.
رغم هذا وذاك، فإنه -على خلاف الشاطبي- اتخذ التعليل أصلًا، وعدم التعليل استثناء.
وهو بهذا يوافق -من جهة- الأصل العام في أن الشريعة معللة برعاية المصالح، بغض النظر عن التفريق بين العبادات وغيرها، وهو الأصل الذي سبق أن الشاطبي يعتبره مسألة مسلمة قطعية. ويعبر عنه المقري بقوله: "الأصل في الأحكام: المعقولية لا التعبد، لأنه أقرب إلى القبول، وأبعد عن الحرج"٦.
стр. 199
كما أنه يؤيد -من جهة أخرى- ما كنت بصدد بيانه قبل قليل، وهو أن الأحكام المعللة والمعقولة المعنى في مجال العبادات، كثيرة جدا، وأن القليل منها هو الذي قد يتعذر تعليله تعليلًا واضحًا. فإذا أضيف هذا إلى الأصل السابق، ظهر بجلاء أكثر، أن الأصل في الأحكام الشرعية -العادية والعبادية- هو التعليل. وأن ما خرج عن هذا فهو الاستثناء.
وقد اعترف الجويني بأن ما ليس له معنى معقول نهائيا من الأحكام الشرعية "يندر تصويره جدا"١.
وهذا ما يوافق نصوص القرآن التي نصت على تعليل الدين كله، والشريعة كلها، دون تفريق ولا استثناء، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. قال العضد الإيجبي: "وظاهر الآية التعميم، أي يفهم منه مراعاة مصالحهم فيما شرع لهم من الأحكام كلها، إذ لو أرسل بحكم لا مصلحة لهم فيه لكان إرسالًا لغير الرحمة، لأنه تكليف بلا فائدة، فخالف ظاهر العموم٣.
على أن ما ورد في الأحكام الشرعية، العبادية والتعبدية، من تحديدات، وهيئات، ومقادير، مثل: عدد الصلوات وعدد الركعات في كل صلاة، والجهر والإسرار، ومثل جعل الصيام شهرًا، وفي شهر معين، وكونه يبتدئ من طلوع الفجر وليس من طلوع الشمس مثلًا، ومثل هذا بعض تفاصيل الحج، وكذا أحكام الكفارات ومقاديرها، ومثل هذا أيضًا العقوبات المحددة، المسماة بالحدود، من حيث نوعها ومقاديرها.
أقول: هذه التحديدات -أو التقنيات إن شئنا- هي من الحاجات الملحة للحياة العامة واستقامتها. إنها -فضلا عما في التزامها من معاني التعبد والخضوع-
стр. 200
تحقق مصلحة ظاهرة في تنظيم الحياة وتسهيل سيرها، وضبط واجباتها وحدودها. فإذا سلمنا بالحكم العامة في الطهارة والصلاة، فلا بد من وضع تفصيلات يسير الناس عليها، تساعدهم على التزام الحد اللازم والمحافظة عليه. وإذا سلمنا بالحكمة العامة للزكاة، فلا بد من تحديد الأنصبة وتقدير المقادير، حتى يعرف كل واحد حقه أو واجبه. وإذا سلمنا بحكمة الصيام، فينبغي رسم حده ومقداره، وبدايته ونهايته، بكيفية تلائم عموم الناس. وإذا سلمنا بحكمة الحج أو حكمه، فلا بد لتحقيق هذا الحكم من جعل الحج في وقت معلوم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ٢ ولا بد له من مراسيم محدودة، ينتظم الناس يها، وينضبطون بها، حتى لا يبقى الحجيج هملا، يموج بعضهم في بعض، وينازع بعضهم بعضًا.
وإذا سلمنا بمبدأ زجر المعتدين والمفرطين ومعاقبتهم، فلا بد من تفصيل ذلك وبيانه، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم.
ولولا هذه التقنيات، وهذه الضوابط، لضاعت تلك الأركان والأسس المسلم بها؛ لضاعت بسبب غموضها والتباسها على الناس، ولضاعت بسبب اختلافاتهم فيها، ولضاعت بسبب التهاون في تقديرها وتنفيذها، ولضاعت بالتسويف والمماطلة لعدم توقيتها.
والشاطبي -مرة أخرى- يسعفنا بما يؤيد هذه التعليلات لما "لا يعلل! " فهو يقول: "وأما العاديات، وكثير من العبادات أيضًا، فلها معنى مفهوم، وهو ضبط وجوه المصالح، إذ لو ترك والنظر، لانتشر٣ ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي. والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل. فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة لا تتعدى، كالثمانين في القذف، والمائة وتغريب العام في الزنا على
стр. 201
غير إحصان. وخص قطع اليد بالكوع، وفي النصاب المعين١ وجعل مغيب الحشفة حدا في أحكام كثيرة. وكذلك الأشهر والقروء في العدد، والنصاب والحول في الزكوات. وما لا ينضبط رد إلى أمانات المكلفين، وهو المعبر عنه بالسرائر٢.
ومثل هذه التحديديات والضوابط يلجأ إليها المجتهدون في فتاويهم، ويلجأ إليها الحكام في تقنيناتهم، بل يلجأ إليها الناس أنفسهم، في شكل أعراف وتقاليد يحترمونها، وينقادون لها، لأنها تضبط معاملاتهم في حظ ما، لأن المعروف عرفًا، كالمشروط شرطًا، بل كالمشروع شرعًا إذا لم يتناف مع الأحكام الشرعية ومقاصدها.
إذًا، فالضبط والتقنين والتحديد مصلحة معلومة يحتاج إليها جمهور الناس. فهذا جانب معقول مناسب، يمكن القول به في تعليل كثير من الأحكام الشرعية وهذا ليس نفيًا لمعنى التعبد فيها. بل إن التعليل عمومًا لا يتنافى مع التعبد. ومن هنا قالوا إن جانب التعبد "حق الله" لا يخلو منه حكم من الأحكام الشرعية٣، سواء أكان تعبديا أو معللا. وسواء كان في العبادات أو في غيرها. بل إن التعبد في الأحكام، هو نفسه ضرب من التعليل المصلحي الذي لا يخلو عنه حكم من أحكام. فكل حكم يعلم الناس ويدربهم على الانقياد للشرع، وعلى الخضوع لله، ففيه مصلحة. وسيأتي -في الفصل التالي- للشاطبي أن الشريعة تتضمن مصالح جزئية، ومصلحة كلية. وأن المصلحة الكلية هي "أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته٤ وهذا مع إيماننا بأن لكل حكم علته وحكمته الخاصة به، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. أو كما تقدم عن الغزالي، فإن لكل حكم سرا، ونوع لطف
стр. 202
وصلاح وكما قال أيضًا: "وكأن العقول مشيرة إلى إحالة كل حكم على معنى. والاعتراف بالتحكم ضرورة العجز. فإذا وجد وجه -سوى الوجوه الخفية الضعيفة- وجب التعليل به"١.
على أن للتعليل -كما هو معلوم- مسالكه وقوانينه المذكورة في علم أصول الفقه. فلا بد من مراعاتها. فليس لأحد أن يعلل بذوقه وتخمينه، وليس لأحد أن يحكم في شرع الله ظنونه وتوهماته، لأن ذلك معناه: القول على الله، وتقصيده ما لم يقصد.
وقد لخص الفقيه الكبير أبو عبد الله المقري -الذي تقدم عنه أن الأصل في الأحكام العقولية لا التعبد- لخص الموقف السليم من ممارسة التعليل، فقال:
"التدقيق٢ في تحقيق حكم المشروعية٣: من ملح العلم لا من متينه عند المحققين، بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها. فلا ينبغي المبالغة في التنقير عن الحكم، لا سيما فيما ظاهره التعبد. إذ لا يؤمن فيه من ارتكاب الخطر والوقوع في الخطأ. وحسب الفقيه من ذلك ما كان منصوصًا، أو ظاهرًا، أو قرير من الظهور. فلا يقال٤: الزوال وقت الانقلاب إلى العادة٥، فطلب عنده البداية بالعبادة. والعصر وقت الانتشار في طلب المعاش، فقيل لهم: تزودوا قبل ذلك المعاد. والمغرب وقت الانقلاب إلى العادة أيضًا"٦.
стр. 203
الرافضون للتعليل:
كما سبقت الإشارة، يفهم من مقدمة الشاطبي المذكورة أن تعليل الشريعة فيه خلاف ما. فقد ذكر -صراحة- أن هذه المسألة اختلف فيها "في علم الكلام"، وأن رأي الرازي هو أن أحكام الله وأفعاله لا تعلل بعلة البتة. ثم أشار -ضمنيا-
стр. 204
إلى وجود مخالفين آخرين، عندما ذكر اتفاق المعتزلة على القول بالتعليل، وأن هذا قول أكثر الفقهاء المتأخرين، مما يشعر بأن غير المعتزلة ليسوا متفقين على هذا، وأن الفقهاء المتقدمين وبعض المتأخرين ليسوا على هذا؟!
هذا مع أن الشاطبي -كما تقدم- اعتبر تعليل الشريعة مسألة مسلمة والأمر في حقيقته كذلك، كما تم توضيحه على الصفحات السابقة.
فمن هم المنكرون للتعليل إذن؟ وما سندهم في هذا الإنكار؟
ذكر شهاب الدين الزنجاني أن عدم التعليل برعاية المصالح هو مذهب والشافعي ﵁ وجماهير أهل السنة" وأن الأحكام الشرعية عندهم "أثبتها الله تحكمًا وتعبدًا، غير معللة، وما يتعلق بها من مصالح العباد، فذلك ضمنًا وتبعًا، لا أصلًا ومقصودًا".
واستثنى من هذا، الأصوليين الأحناف الذين يرون أن الأحكام الشرعية "أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير"١.
فالزنجاني، وهو في مجال الفقه وأصوله، ينسب هذا المذهب "أي عدم التعليل" إلى الإمام الشافعي وجماهير أهل السنة!! دون أن يقدم على هذا التعميم والإطلاق أي دليل. نعم أورد بعض الفروع التي عللها أبو حنيفة ولم يعللها الشافعي، ولكن هذا لا يدل في شيء على إنكار التعليل جملة، مع نسبته إلى جماهير أهل السنة! بل يقدم لنا الزنجاني ما ينقض دعواه هذه. فقد قدمت قبل بضع صفحات ما نسبه للإمام الشافعي في تعليل شرعية الزكاة، تعليلًا مصلحيا، وأن معنى العبادة يها تبع٢.
هذا عن الإمام الشافعي إمامه. وأما عن جماهير أهل السنة، فالأمر أوضح، وأوغل في الإدعاء المحض، وفيما تقدم وما سيأتي مزيد بيان لذلك.
стр. 205
أما تاج الدين السبكي، فكان أقرب إلى التدقيق في حكاية المسألة حيث قال: "المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل١.
وأما ابن النجار الحنبلي، فجاء كلامه أكثر تفصيلًا وتدقيقًا من سابقيه، دون أن يرفع الغموض واللبس عن المسألة. حيث قال: "وفعله تعالى وأمره، لا لعلة ولا لحكمة، في قول اختاره الكثير من أصحابنا، وبعض المالكية والشافعية، واختاره الظاهرية والأشعرية والجهمية. والقول الثاني أنهما لعلة وحكمه. اختاره الطوفي والشيخ تقي الدين، وابن القيم، وابن قاضي الجبل، وحكاه عن إجماع السلف. وهو مذهب الشيعة والمعتزلة. قال الشيخ تقي الدين: لأهل السنة في تعليل أفعال الله وأحكامه قولان. والأكثرون على التعليل٢.
والحقيقة أن المسألة -كما قال الشاطبي- اختلف فيها في علم الكلام. ثم انتقل أثرها إلى الميدان الأصولي، لا سيما أن عددًا من كبار المتكلمين ألفوا في علم أصول الفقه، أو - بعبارة أخرى- كانوا أصوليين متكلمين، كما هو معروف.
وأما إذا تركنا جانبًا علم الكلام ومعاركه وتأثيراته، فإننا لن نجد إلا القول بالتعليل، وممارسة التعليل تطبيقًا، في الفقه وأصوله. وكلما رجعنا إلى الوراء، حيث ينعدم أو يتضاءل تأثير علم الكلام في المجال الفقهي الأصولي، كلما وجدنا التعليل مسألة "مسلمة" كما قال الشاطبي. حيث ينظر إلى الشريعة على أنها رحمة، وخبر، وصلاح، وعدل، وتزكية. وأنها لم تترك خيرًا إلا دلت عليه، ولم تترك شرا إلا نهت عنه وسدت طريقه، وأن هذه غايتها وعلتها.
فتعليل الأحكام هو -أولًا- مسلك القرآن والسنة. وقد سرد ابن القيم عشرات الأمثلة من تعليلات القرآن والسنة٣. وقال في كتاب "مفتاح دار
стр. 206
السعادة" ما نصه: "والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوءان من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان. ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"١ ثم نبه على عدد كثير من صيغ التعليل المستعملة في القرآن.
وقد علل الصحابة بفطرتهم السليمة، وبتلقائية لا تكلف فيها، ولا معارض لها. وبنوا اجتهاداتهم على ما فهموه من العلل والمقاصد.
وسار على هذه المحجة البيضاء التابعون، ثم الأئمة المتبعون. ثم ابتلي الناس بعلم الكلام. فجاء التعقيد والخلاف والجدل. وقد قام الدكتور محمد مصطفى شلبي بتقصي وجمع كثير من تعليلات السلف واجتهاداتهم المبنية عليها٢، ثم تطرق إلى ما ظهر من "خلاف" في المسألة، حيث قال: "وما كنت بحاجة إلى هذا البحث بعدما تقدم من عرض نصوص التعليل في القرآن والسنة، ومسلك الصحابة والتابعين وتابعيهم فيه، غير متخالفين، ولا متنازعين، وفيه الحجة القاطعة على أن أحكام الله معللة بمصالح العباد، وقد وجد إجماع أو شبه إجماع على هذه الدعوى قبل أن يولد المتخاصمون فيها"٣.
على أن ما تردد فيه الدكتور سلبي من انعقاد الإجماع، أو شبه إجماع، لدى المتقدمين، في مسألة التعليل، قد جزم فيه غير واحد من العلماء بانعقاد الإجماع ومن هؤلاء الآمدي -وهو أصولي، شافعي، متكلم- حيث نص على أنه لا يجوز القول بوجود حكم لا لعلة: "إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على أن الحكم لا يخلو من علة"٤.
стр. 207
ثم أكد في موضع آخر أن "أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود"١.
وبمثل هذا صرح ابن الحاجب: "فإن الأحكام شرعت لمصالح العباد، بدليل إجماع الأئمة"٢.
ونقل المقري عن أشهب: "إن القائسين مجمعون على التعليل، وإن اختلفوا في عين العلة"٣.
والشاطبي نفسه -الذي ذكر صراحة وضمنا وجود مخالفين في المسألة- نجده ينص أيضًا: على وجود إجماع على التعليل، وإن كان في عباراته شيء من التحفظ. فهو يقول: "والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة٤ ويقول أيضًا "الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق٥.
وقد انتقد العلامة شاه ولي الله الدهلوي منكري التعليل وأنكر عليهم ظنهم أن الشريعة ليست سوى اختبار وتعبد لا اهتمام لها بشيء من المصالح، ثم قال: "وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير٦.
نعم، الإجماع المذكور في هذه الأقوال منصرف أساسًا إلى السلف من جهة وإلى الفقهاء والأصوليين من جهة أخرى. ولكن هذا لا يغض من قيمته في شيء، بل يزيدها؛ لأنه إجماع السلف المقتدي بهم، ولأنه إجماع أهل الاختصاص بعد ذلك.
ومن هنا، فإن خرق بعض المتكلمين، في زمن متأخر لهذا الإجماع، لا يقدح فيه، بل الإجماع قادح فيما ابتدعوه من النظريات والمقولات الجدلية.
стр. 208
ومن هنا أيضًا، فلا عبرة بما قاله ابن السبكي وهو يعقب على قول البيضاوي "الاستقراء دل على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح عباده تفضلًا وإحسانًا"، حيث قال في الشرح١: "وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد. وهذه الدعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام لا بطريق الوجوب، ولا الجواز"٢.
ولعلنا نتساءل: لماذا أنكر المتكلمون -أو بعضهم على الأصح- القول بالتعليل؟ وما دليلهم على هذا الإنكار؟
ورغم أني أعتبر أن موقف المتكلمين هذا ليس له كبير أهمية في مجالنا موضوعنا، ولا سيما بعد كل ما قدمته عن صحة التعليل وبداهته، فإني أقف قليلًا عند هذا التساؤل، وذلك لأجل "تصفية" المسألة، ومحو كل شبهة حولها، حتى تكون "مسلمة" كما قال الشاطبي.
وأترك ابن السبكي -أحد المنكرين للتعليل- يتمم كلامه السابق حيث يقول: "لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام بالمصالح، لا بطريق الوجوب ولا الجواز. وهو اللائق بأصولهم. وقد قالوا: لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى، لأن من فعل فعلًا لغرض، كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان الغرض يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك، يكون ناقصًا في نفسه مستكملًا في غيره. ويتعالى الله سبحانه عن ذلك٣.
هذا هو "الدليل" الذي يتردد عند المتكلمين الأشاعرة كلما ذكر إنكارهم للتعليل. وقد تعرض هذا المنطق لنقد كثير من العلماء وردوه جملة وتفصيلًا، حتى قال العلامة محمد الطاهر ابن عاشور: "والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به، يشتمل على مقدمتين سسفسطائيتين: أولاهما قولهم: إنه لو كان الفعل لغرض للزم
стр. 209
أن يكون الفاعل مستكملا به. وهذه سفسطة شبه فيها الغرض النافع للفاعل، بمعنى الداعي إلى الفعل والراجح إلى ما يناسبه من الكمال، لا توقف كماله عليه. والثانية قولهم: إذا كان الفعل لغرض، كان الغرض سببًا يقتضي عجز الفاعل. وهذا شبه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث، بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدم العدم. وكلاهما يطلق عليه سبب١.
وقد رد عليهم -فيمن ردوا- الأصولي الحنفي ابن الهمام الإسكندري، بأن ما يقال فيما أنعم الله به على عباده، يقال فيما شرع لهم من أحكامه، فإذا كان سبحانه قد أسبغ علينا نعمه من خلق وتقويم وصحة ورزق. لمصلحتنا، فكذلك شرع أحكامه لمصلحتنا. فيما يقال هناك يقال هنا ولا فرق٢.
ورد حنفي آخر -وبشدة- على هذا المنطق الجدلي، وهو القاضي عبيد الله بن مسعود، المعروف بصدر الشريعة، فقال: "وما أبعد عن الحق قول من قال: إنها غير معللة، فإن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق، وإظهار المعجزات لتصديقهم. فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ودالة على ما قلنا. وأيضًا لو لم يفعل لغرض أصلًا، يلزم العبث٣.
وإذا كان التعليل على هذه الدرجة من الثبوت والوضوح فما سر هذا الاختلاف الكبير بين المثبتين والمنكرين؟! سؤال محير حقا. وجوابه -مهما يكن- مؤسف جدا. لأنه لا بد وأن يكشف عن جانب -أو جوانب- من الخلل الذي تطرق إلى التفكير الكلامي، والمنطق الكلامي، حتى أصبحت المسلمات التي تواترت بها النصوص، وأجمع عليها المتقدمون، أصبحت محل جدل طويل عند المتكلمين، وعند الأصوليين المتكلمين.
стр. 210
وقد اهتم عدد من العلماء بهذا "التناقض" وعملوا على رفعه أو تفسيره على الأقل.
ومن هؤلاء ابن السبكي "عبد الوهاب" الذي تبنى "مخرجًا" نقله عن أبيه "علي بن عبد الكافي"، حيث قال: "وما زال الشيخ الإمام، والدي ﵀ أطال الله عمره، يستشكل الجمع بين كلاميهما١. إلى أن جاء ببديع من القول. فقال في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه "ورد العلل في فهم العلل": ولا تناقض بين الكلامين: لأن المراد٢ أن العلة باعثة على فعل المكلف. مثاله: حفظ النفوس، فإن علة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع. فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه"٣.
وواضح أن هذا التوفيق ليس إلا تأكيدًا لإنكار التعليل. بل هو خروج عن الموضوع، لأن الناس يتكلمون في تعليل أحكام الشارع لا في تعليل أفعال المكلف. فهذا التأويل للتعليل عند الفقهاء يبدو أشبه بالهزل منه بالجد. وقد تعقبه العطار في حاشيته فقال: "وما قاله صاحب جمع الجوامع، مخترع لوالده، لا معنى له، لأن البعث للحاكم٤ على شرع الحكم لا للمكلف٥.
وأما ابن الهمام "الحنفي"، فقد حاول تقريب الشقة بقوله: "والأقرب إلى التحقيق أن الخلاف لفظي، مبني على معنى الغرض. فمن فسره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل، قال: لا تعلل. ولا ينبغي أن ينازع في هذا. ومن فسره بالعائدة إلى العباد. قال: تعلل، وكذلك لا ينبغي أن ينازع فيه"٦. غير أن هذا التوفيق يفقد قيمته حين نجد بعضهم يصر على رفض التعليل حتى باعتبار المنفعة عائدة على العباد.
стр. 211
وقد مال ابن عاشور -شيئًا ما- إلى مثل هذا التوفيق، فقال: "والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافًا يشبه أن يكون لفظًا. فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار، وعلى وفق علمه. وأن جميعها مشتمل على حكم ومصالح. وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضًا وعللا غائية أم لا؟ "١.
وقد نبه على أمر قد يكون هو الخلفية الحقيقية لهذا الإنكار الغريب لتعليل الأحكام والأفعال، وهو أن المنكرين قد اضطروا إلى هذا الإنكار فرارًا من المقولات والإلزامات الاعتزالية، التي تجعل القول بالتعليل مقدمة للقول بوجوب الصلاح والأصلح على الله٢.
ورغم أن الدكتور البوطي قد ذهب إلى توفيق آخر، فإن تفسيره لهذه القضية يؤكد أيضًا أنها من آثار الجدل الطويل بين المعتزلة والفلاسفة من جهة، والأشاعرة من جهة أخرى. وهو يرى أن التعليل المقصود في علم الكلام، هو غير التعليل الأصولي الفقهي. ولهذا فالتعليل المنفي هناك، هو غير التعليل المثبت هنا. قال: "فالعلة التي يتحدثون عنها في علم الكلام، هي العلة التي يقصدها الفلاسفة، وهي ما يوجب الشيء لذاته. ولا ريب أنه لا يصح أن ينسب هذا التعليل إلى أفعال الله تعالى بأي حال. أما مراد أهل السنة بالعلة التي يثبتونها للأحكام في بحث الأصول، فهو العلة الجعلية التي تبدو لنا كذلك، إذا جعلها الله تعالى موجبة لحكم معين"٣.
غير أن هذا التفسير يشوش عليه أن بعضهم -كالسبكيين مثلًا- ينكرون أيضًا تعليل الأحكام التشريعية، وبصورة مطلقة، كما تقدم، ويوردون في ذلك في مباحث القياس. وعلى كل، فملاحظة الدكتور البوطي تفسر -على الأقل- جانبًا من جوانب القضية وتنبه على بعض خلفياتها.
أما الشيخ الدكتور مصطفى شلبي، فقد اتهم الأصوليين المتكلمين بمخالفة طريقة السلف، وهي التعليل بلا نزاع، وأنهم ناقضوا أنفسهم بإنكار التعليل في علم الكلام، وإثباته في علم أصول الفقه، لأن القياس يقوم عليه٤.
стр. 212
موقف الرازي من التعليل:
تخصيص الإمام الرازي بهذه الفقرة يرجع إلى الأسباب التالية:
١- لأن الشاطبي خصه وحده بالذكر في مسألة التعليل، ونسبه وحده إلى إنكار، التعليل إنكارا باتا، وهو ما يحتاج إلى نظر وتحقيق.
٢- لأن بعض الكتاب تابعوا الشاطبي فيما نسبه إلى الرازي١.
٣- لأن الرازي هو أحد أبرز الأصوليين. وقد صار كتابه "المحصول" محورًا لعشرات وعشرات من المؤلفات الأصولية التي جاءت بعده.
ولنستحضر -قبيل عرض موقف الرازي- أن الشاطبي يقول في مقدمة كتاب المقاصد "وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك" ثم يقول: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره".
فالشاطبي لم يسم من المنكرين للتعليل أحدًا غير الرازي! ثم جعل إنكاره للتعليل باتا، وشاملًا لأفعال الله وأحكامه.
فأما أن ينكر الرازي التعليل الفلسفي، في كتاباته الكلامية -كما يفعل عامة الأشاعرة وهم يواجهون الفلاسفة والمعتزلة- فأمر وارد لا غرابة فيه. وتبقى الغرابة في نسبة هذا للرازي وحده، مع أنه لم يكن بدعًا في الأشاعرة. بل هو حين دفع على إنكار التعليل -تعليل الأفعال وليس تعليل الأحكام- إنما تكلم باسم
стр. 213
"الأصحاب" أي الأشاعرة. فهو مثلًا- عند تفسير قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١ قال: "قال أصحابنا: إنه لا يفعل فعلا لغرض، لأنه لو كان كذلك، كان مستكملا بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وذلك على الله تعالى محال٢ إلى آخر الاستدلالات الأشعرية٣ على إنكار التعليل، وهي الاستدلالات التي وصفها العلامة ابن عاشور بالسفسطائية كما تقدم.
وعلى كل حال، فالذي يعنينا من موقف الرازي، هو مذهبه في التعليل الأصولي الفقهي. وهو تعليل الأحكام الشرعية. تعليلًا ليس فيه إلزام لله -سبحانه- وليس فيه تحتيم على مشيئته.
وموقف الرازي من التعليل، ينبغي أن يؤخذ أساسًا من كتاباته الأصولية، وفي دائرة مذهبه الأصولي:
فالرازي من أهل القياس، ولا قياس بدون تعليل. بل مدار القياس على التعليل، تنظيرًا وتطبيقًا.
وأبرز ما يتجلى فيه موقف الرازي الواضح من التعليل، هو كلامه على "مسالك العلة" وبالذات على "مسلك المناسبة"٤ وذلك في كتابه الأساسي في موضوعنا، وهو موسوعته الأصولية "المحصول"، حيث يقول: "المناسبة تفيد ظن العلية، والظن واجب العمل به.
стр. 214
بيان الأول من وجهين:
الأول: أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظن أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة.
فهذه مقدمات ثلاث لا بد من إثباتها بالدليل.
أما المقدمة الأولى١، فالدليل عليها من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين لمرجح، أو لا لمرجح.
والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، وهذا محال، فثبت القسم الأول.
وذلك المرجح إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى، أو إلى العبد.
والأول باطل بإجماع المسلمين، فتعين الثاني. والعائد إلى العبد إما أن يكون مصلحة العبد أو مفسدته، أو ما لا يكون لا مصلحته ولا مفسدته.
والقسم الثاني والثالث باطلان باتفاق العقلاء. فتعين الأول. فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصالح العباد.
وثانيها: أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين، والحكيم لا يفعل إلا لمصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثًا. والعبث على الله تعالى محال، للنص والإجماع والمعقول. فثبت أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد.
وخامسها٢ النصوص الدالة على أن مصالح الخلق ودفع المضار عنهم، مطلوب الشرع. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
стр. 215
وقال ﵊: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وقال: "لا ضرر ولا ضرار".
وسادسها: أنه وصف نفسه بكونه رؤوفًا رحيمًا، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلو شرع ما لا يكون للعبد فيه مصلحة، لم يكن ذلك رأفة ورحمة.
فهذه الوجوه الستة دالة على أنه تعالى ما شرع الأحكام إلا لمصلحة العباد١.
هذا هو موقف الرازي من التعليل بالمصلحة: موقف مؤيد بقوة ووضوح، مدافع بحماس، وبتفصيل أكثر مما فعله الشاطبي نفسه.
وقد واصل الرازي بعد الفقرات المتقدمة، دفاعه عن التعليل، وفند كل من يمكن الاعتراض به في المسألة، تفنيدًا عقليا ونقليا، وانتهى إلى القول "انعقد الإجماع على الشرائع مصالح، إما وجوبًا كما هو قول المعتزلة، أو تفضلا كما هو قولنا"٢.
بل إن الرازي -لفرط تحمسه للدفاع عن التعليل- يكاد يكون "معتزليا" فهو حين جعل من أدلة رعاية الله للمصالح، كونه سبحانه خلق العبد للعبادة، قال: "فلا بد أن يزيح عذره"٣، وذلك برعاية مصالحه.
ونوه مرة أخرى -وبصورة أوضح- بموقف المعتزلة فقال: "وأما المعتزلة: فقد صرحوا بحقيقة هذا المقام وكشفوا الغطاء عنه، وقالوا: إنه يقبح من الله تعالى فعل القبيح، وفعل العبث. بل يجب أن يكون فعله مشتملًا على جهة مصلحة وغرض.