← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن١، ويستخرج معانيه ومقاصده، على أن يسلك في "الاستنباط منه، والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها، ومنازعها في أنواع مخاطباتها خاصة، فإن كثيرًا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع. وفي ذلك فساد كبير، وخروج عن مقصود الشارع"٢.

стр. 282

٢- الأوامر والنواهي الشرعية بين التعليل والظاهرية: هذه الكيفية من كيفيات معرفة مقاصد الشارع هي امتداد لسابقها، وتطبيق لها لأن الأمر والنهي موضوعان في الأصل اللغوي لإفادة الطلب؛ الأمر لطلب الفعل والنهي لطلب الترك. فالآمر قاصد إلى حصول الفعل، والناهي قاصد إلى منع حصول الفعل. كما أنني أجمع هنا بين "الجهتين" الأولى والثانية من الجهات الأربع التي ذكر الشاطبي أن بها تعرف مقاصد الشارع، وهما، "كما تقدم في آخر: عرض النظرية": ١- مجرد الأمر والنهي، الابتدائي التصريحي. ٢- اعتبار علل الأمر والنهي. وتقييده للأمر، أو النهي، الذي يستفاد منه قصد الشارع، بالابتداء معناه: الذي قصد الشارع الأمر به أو النهي عنه ابتداء، وأصالة. ولم يؤت به تعضيدًا لأمر -أو نهي- آخر. وبعبارة أخرى: يكون المأمور به -أو المنهي عنه- مقصودًا "بالمقصد الأول" لا "بالقصد الثاني"١. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٢.

стр. 283

فالأمر الأول: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، أمر ابتدائي، مقصود بالقصد الأول، فهو دال على قصد الشارع إلى حمل الناس على تحقيق المأمور به. بينما الأمر الثاني -وهو نفي في نفس الوقت- ﴿وَذَرُوا الْبَيْع﴾ ، ليس أمرًا ابتدائيا، بل هو أمر تبغي قصد به تعضيد الأمر الأول. فهو مقصود بالقصد الثاني. فلا يصح أن يستدل به على قصد الشارع إلى منع البيع. بخلاف الأمر الأول، فيعبر عن قصد الشارع، ويدل عليه. والقيد الثاني، وهو أن يكون الأمر -أو النهي- تصريحيا، أراد به إخراج الأمر -أو النهي- الذي يكون ضمنيا، لأنه أيضًا لا يكون مقصودًا إلا بالقصد الثاني، على سبيل التعضيد والتأكيد للأمر -أو النهي- الصريح. ومن هذا القبيل كل ما يكون مطلوبا من باب "ما لا يتم الواجب إلا به". فما كان من هذا القبيل، فهو من الوسائل لا من المقاصد، أو هو من المقصود بالثاني التبعي. كالأمر بالحج، مع ما يستلزمه. فالأمر بالحج صريح، والأمر بأخذ مستلزماته والقيام بها أمر ضمني. فالأول مقصود بالقصد الأول، والثاني مقصود بالقصد التبعي. إذًا، فالأوامر والنواهي، إذا جاءت ابتدائية تصريحية، دلت على مقصود الشارع: الأوامر تدل على القصد إلى حصول المأمورات. والنواهي تدل على القصد إلى منع حصول المنهيات، "فهذا وجه ظاهر عام، لمن اعتبر مجرد الأمر والنهي، من غير نظر إلى علة، ولمن اعتبر العلل والمصالح، وهو الأصل الشرعي١ بمعنى أن الوقوف عند مجرد الأمر والنهي، واعتباره مقصودًا للشارع، يسع الظاهري والمعلل. فالأول هذا شأنه، فلا إشكال. والثاني -وإن كان ينظر إلى علل الأحكام ومصالحها- فإن عللها ومصالحها منوطة بالأمر والنهي. فالوقوف عندهما محقق لها. وهذا لا يعني عدم اتباع العلل، وعدم اعتمادها في تحديد مقاصد الشارع وعدم تحكيمها في ظواهر النصوص. بل العلة "إن كانت معلومة اتبعت، فحيث

стр. 284

وجدت وجد مقتضى الأمر والنهي من القصد وعدمه. وإن كانت غير معلومة، فلا بد من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا"١. وقد بحث الشاطبي هذه المسألة -بشكل أكثر تفصيلًا- في باب الأوامر والنواهي من كتاب الأحكام، حيث انتهى -بعد حوار شيق طويل- إلى ضرورة احترام ظواهر النصوص وعدم تعطيلها، لكن من غير مغالاة وجمود، ومن غير تنكر للعلل والمصالح الثابتة "فالعمل بالظواهر على تتبع وتغال، بعيد عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضًا. فإذا ثبت هذا، وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي، فهو جار على السنن القويم، موافق لقصد الشارع في ورده وصدره"٢.

стр. 285

٣- المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية: هذا التقسيم للمقاصد استعمله الشاطبي كثيرًا، وفي عدة مواضع من الموافقات. وقد يستعمل اصطلاحًا آخر، مرادفًا له وهو: القصد الأول، والقصد الثاني، كما مر قريبًا. ومضمن هذا التقسيم، أن للأحكام الشرعية مقاصد أساسية، تعتبر الغاية الأولى والعليا للحكم، ولهذا مقاصد ثانوية تابعة للأولى، ومكملة لها. "مثال ذلك، النكاح: فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن، والازدواج، والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة، أو قيامها عليه وعلى أولاده منها، أو من غيرها، أو إخوته، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين، والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد، وما أشبه ذلك. فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح، فمنه منصوص عليه، أو مشار إليه. ومنه ما علم بدليل آخر ومسلك استقري من ذلك المنصوص.

стр. 286

وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع، هو مثبت للمقصد الأصلي، ومقو لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف، الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل. فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك، مقصود للشارع أيضًا"١. وفي سياق كلام على أقسام الحكم الشرعي، لاحظ هذا المعنى في علاقة أنواع الحكم الشرعي بعضها ببعض. وبصفة خاصة في علاقة المندوب بالواجب وعلاقة المكروه بالمحرم. وفي هذا يقول: "المكروه إذا اعتبرته كذلك مع الممنوع، كان كالمندوب مع الواجب، وبعض الواجبات منه ما يكون مقصودًا، وهو أعظمها. ومنه ما يكون وسيلة وخادمًا للمقصود، كطهارة الحدث وستر العورة، واستقبال القبلة، والأذان للتعريف بالأوقات، وإظهار شعائر الإسلام، مع الصلاة"٢. فواجب الصلاة بالنسبة لبقية الواجبات المكملة لها، هو صورة أخرى من صورة اعتبار الشارع لما يخدم ويكمل مقاصده الأصلية والأساسية. وفي هذا سند للقول بأن ما يخدم ويقوي مقصودًا للشارع، فهو مقصود أيضًا، وإن كان قصدًا تبعيا. وعلى هذا المهيع جرى، عندما تعرض -في المقدمات- لطلب العلم، وما ينبغي لطالبه وما لا ينبغي. حيث اعتبر أن للعلم مقصودًا أصليا "بالنسبة لطالبه"، وهو: التعبد، وله مقاصد تابعة، قال: "فالقصد الأصلي، ما تقدم ذكره، وأما التابع، فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفًا. وأن قوله نافذ وأن تعظيمه واجب على جميع المكلفين، إذ قام لهم مقام النبي، لأن العلماء ورثة الأنبياء. إلى سائر ما له في

стр. 287

الدنيا من المناقب الحميدة، والمآثر الحسنة. والمنازل الرفيعة. فذلك كله غير مقصود من العلم شرعًا، كما أنه غير مقصود من العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وإن كان صاحبه يناله"١. ورغم أن هذه المقاصد التبعية، غير مقصودة من العلم في الأصل، إلا أنها قد تصبح مشروعة، ومقصودة قصدًا تبعيا. لأن "كل تابع من هذه التوابع، إما أن يكون خادمًا للقصد الأصلي أو لا، فإن كان خادمًا له، فالقصد إليه ابتداء صحيح، وقد قال تعالى في معرض المدح ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ٢ وفي القرآن عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِين﴾ ٣. وإن كان غير خادم له، فالقصد إليه ابتداء غير صحيح، كتعلمه رياء، أو ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو يستميل به قلوب العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك"٤. وكذلك، عندما تعرض لمبحث الرخصة والعزيمة، اعتبر المقصود بالقصد الأول هو العزيمة. وأما الرخصة فمقصودة بالقصد الثاني٥. لأن العزيمة تمثل المصلحة الكلية الأصلية للتشريع. وأما الرخصة فجيء بها في مواطن الحرج قصد رفعه. وهذه مصلحة جزئية عارضة. ومن كانت "العزائم مطردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد"٦. وقد سبق أن رأينا أثناء "عرض النظرية" أنه اعتبر أن المقاصد الأصلية هي الضروريات، التي لا حظ فيها للمكلف. بمعنى أنه ملزم بحفظها أحب أم كره،

стр. 288

وأن المقاصد التبعية هي التي روعي فيها حفظ المكلف. ويدخل فيها حاجياته وكمالياته١. وواضح أنه هنا يتحدث عن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. بينما الأمثلة التي سبق عرضها تتعلق بالمقاصد الجزئية الخاصة بهذا التشريع أو ذاك. وفي كل من المجالين نجد، مقاصد أصلية أساسية، ومقاصد تابعة مكملة، عمومًا وخصوصًا. وهذا يعكس مدى التناسق الذي يحكم نظرة إمامنا أبي إسحاق، للشريعة في كلياتها وجزئياتها. غير أن ما يدعو للاستغراب، هو أن هذه القاعدة التي أصلها، واعتمد عليها مرارًا -وهي أن ما كان خادمًا ومقويا ومكملا لمقصود شرعي، فهو أيضًا مقصود للشارع، تبعًا- هذه القاعدة، نجده قد وهنها عند كلامه على الجهة الأولى مما يعرف به مقصود الشارع٢ وذلك عندما قيد الأمر -أو النهي- الذي يستفاد منه قصد الشارع بأن يكون تصريحًا. بمعنى أنه لا تدخل فيه الأوامر والنواهي الضمنية، "كالنهي على أضداد المأمور به٣، الذي تضمنه الأمر، والأمر الذي تضمنه النهي عن الشيء. فإن النبي والأمر ههنا -إن قيل بهما- فهما بالقصد الثاني لا بالقصد الأول. فأما إن قيل بالنفي، فالأمر أوضح في عدم القصد. وكذلك المر بما لا يتم المأمور إلا به، المذكور في مسألة "ما لا يتم الواجب إلا به"، فدلالة الأمر والنهي في هذا على مقصود الشارع متنازع فيها، فليس داخلًا فيما نحن فيه. ولذلك قيد الأمر والنهي بالتصريحي٤.

стр. 289

وواضح أن كلامه يتضمن تشكيكًا -إن لم يكن إنكارًا- في كون الأوامر والنواهي الضمنية "غير المباشرة" تدل على مقصود للشارع، رغم أنه قرر وكرر مرارًا أن مكملات ومقويات ووسائل المقاصد، هي أيضًا مقصودة للشارع. وإن كانت مقاصد تبعية ومقصودة بالقصد الثاني. فالمهم أنها "مقصودة" أيضًا. وهذا هو القول الصواب. وإلا، فكيف نتصور تحقيق مقصود شرعي مع التشكيك في قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ كيف يقصد الشارع أمرًا، ولا يقصد ما لا يتم إلا به؟! وكيف يقصد الشارع أمرًا مع الإذن في ضده الذي يمنعه وينفيه؟ وحيث لم يشفع لهاتين القاعدتين، عنده، كونهما محققتين للمقاصد التبعية، وحاميتين للمقاصد الأصلية، وهو شيخ المقاصد، فلا أقل من التسليم بمنطقيتهما، ويكون جمهور الأصوليين آخذ بهما، على ما صرح به شيخه الشريف التلمساني في "مفتاح الوصول"، حيث قال: "الأمر بالشيء هل يقتضي وسيلة المأمور به، أو لا يقتضيها؟ وهو معنى قولهم: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أولًا؟ اختلف الأصوليون في ذلك: فجمهورهم يرى: أن الأمر يقتضي جمع ما يتوقف عليه فعل المأمور به". ثم قال في المسألة التالية: "اختلفوا في الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟ فجمهور الأصوليين والفقهاء عن أن الأمر بالشيء نهي عن ضده"١. وهذا ما يؤكده أحد الأصوليين المتأخرين، مع ذكره أيضًا لمن خالفوا الجمهور في المسألة، وهو محمد صديق حسن خان بهادر، حيث يقول: "ذهب الجمهور من

стр. 290

أهل الأصول، ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر به، نهيا عن الشيء المعين المضاد له. سواء كان الضد واحدًا، كما إذا أمره بالإيمان، فإنه يكون نهيا عن الكفر، وإذا أمره بالحركة، فإنه يكون نهيا عن السكون، أو كان الضد متعددًا، كما إذا أمره بالقيام، فإنه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك. وقيل: ليس نهيا عن الضد ولا يقتضيه عقلًا. واختاره الجويني والغزالي وابن الحاجب. وقيل: إنه نهي عن واحد من الأضداد غير معين. وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية والمحدثين. ومن هؤلاء القائلين بأنه نهي عن الضد، من عمم فقال: إنه نهي عن الضد في الأمر الإيجابي والأمر الندبي. ففي الأول نهي تحريم، وفي الثاني نهي كراهة. ومنهم من خصص ذلك بالأمر الإيجابي دون الندبي. ومنهم أيضًا من جعل النهي عن الشيء أمرًا بضده، كما جعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده"١. وهذه بعض الأمثلة التي توضح القاعدتين "أي: الأمر بالشيء نهي عن ضده. والنهي عن الشيء أمر بضده": قوله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ٢ فهذا نهي عن الكتمان، ولكنه في نفس الوقت أمر بضده، وهو التصريح والإظهار. قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ٣ فالنهي عن رفع الصوت أمر بخفضه.

стр. 291

قوله: تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ١ فيه أمر بغض البصر، وهو أيضًا نهي عن النظر المحرم. وكذلك يقال في قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"٢: فالأمر بالجهاد أمر بلوازمه، والأمر بالعلم أمر بلوازمه، والأمر بالحج أمر بلوازمه وهكذا. ولهذا قال المقري في القاعدة ١٣٣ من قواعده: "والتحقيق: كل ما لا يتوصل إلى المطلوب إلا به، فهو مطلوب". والحقيقة أنه كان يكفينا ما قرره الشاطبي مرارًا من أن كل ما هو خادم مكمل للمقصود فهو مقصود، لولا ما أبداه هنا من تحفظ، مراعاة لأبي المعالي وأبي حامد.

стр. 292

٤- سكوت الشارع: ومعلوم أن الشارع قد يسكت عن أمور، وعن أحكام، لعدم توفر أسبابها ونوازلها، وهو ما فتح لأجله باب الاجتهاد والقياس، فهذا ليس هو المقصود هنا. وإنما المقصود هنا: سكوت الشارع عن إعطاء حكم، أو وضع تشريع، مع أن "موجبه المقتضي قائم، فلم يقرر فيه حكم، عند نزول النازلة، زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب، السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا

стр. 293

يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع، إذا فهم من قصده: الوقوف عندما حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه١. وواضح أن هذا المسلك من مسالك معرفة المقاصد، يتعلق -بصفة خاصة-بمجال العبادات. وبصفة أخص بمجال الابتداع في الدين وعباداته. حيث إنه بتنصيصه على هذه القاعدة، إنما يريد ضرب البدع، وإغلاق الباب أمام زحفها على العبادات وحدودها وسننها. وقد اتكأ على هذه القاعدة، وهو يتصدى للبدع وللمبتدعة في كتابه "الاعتصام"، وذلك عند رده المطول على شيخه أبي سعيد بن لب٢، حيث أعاد هناك٣ ما قاله في "الموافقات" بنصه تقريبًا. وواضح أيضًا، أن هذا المسلك أضيق مجالًا، بالنسبة للمسالك الأخرى، ولهذا فهو أقلها أهمية. ومن هنا أهمله الشيخ ابن عاشور، فلم يقل به، بل لم يذكره حتى عندما لخص كلام الشاطبي في طرق معرفة المقاصد. وهذا نص تلخيصه أورده -لوجازته- "إن مقصد الشارع يعرف من جهات: إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي، فإن الأمر كان أمرًا لاقتضائه الفعل. فوقوع الفعل عنده مقصود للشارع. وكذلك النهي في اقتضاء الكف. الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي، كالنكاح لمصلحة التناسل. والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع، الثالثة: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه. ومنها مشار إليه، ومنها ما استقري من المنصوص فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع انتهى حاصل كلامه"٤.

стр. 294

ولا أظن أن عدم ذكره للمسلك الرابع، أو الجهة الرابعة -حسب لفظ الشاطبي- إنما هو لعدم انتباهه إليه، نظرًا لتأخره في كلام الشاطبي، كما ظن ذلك الدكتور عبد المجيد النجار١. فهذا احتمال بعيد، خاصة وأن الشيخ ابن عاشور كان بصدد التأليف في المقاصد، بل كان يكتب في المسألة نفسها، وهي: "طرق إثبات المقاصد"، فلا يعقل ألا يكمل قراءة كتاب المقاصد وخاتمته. فالأظهر أنه أهمله عمدا، استقلالا منه لأهميته.

стр. 295

٥- الاستقراء: وهذا المسلك -باعتبار أهميته- حقه أن يكون الأول. ولكن الغريب أن الشاطبي لم يذكره أصلًا مع الجهات الأربع التي تعرف بها مقاصد الشارع، والتي خصص لها خاتمة كتاب المقاصد. فهو لم يجعله لا الأول ولا الخامس! وما زلت منذ قرأت هذه الخاتمة، أتعجب لعدم ذكره فيها للاستقراء، ضمن الطرق الموصلة إلى عرفة مقاصد الشريعة. وزاد من عجبي أن كلام الشاطبي -حيثما كان- مليء بذكر الاستقراء، استشهادًا به، أو إحالة عليه، أو تنويهًا بقيمته وأهميته. وقد أحصيت من ذلك حوالي مائة مرة، في أجزاء الموافقات الأربعة، فكيف لم يجعله جهة مستقلة واضحة، فيما يعرف به قصد الشارع! هل ترك ذكره هنا، اكتفاء بالإحالات والإشارات الواردة في ثنايا الكتاب؟ أن ذلك جاء عن غفلة أتت عليه حين تحرير الفصل الخاتم لكتاب المقاصد؟ أم لمعنى يتعلق برؤيته للموضوع؟ لحد الآن لا أجد جوابا أرتاح إليه. ومهما يكن الأمر، فإن الذي يمكن الجزم به باطمئنان، هو أن الاستقراء -عند الشاطبي- هو أهم وأقوى طريق لمعرفة وإثبات مقاصد الشريعة. وبيان ذلك فيما يلي:

стр. 296

أهمية الاستقراء في نظر الشاطبي: في المقدمة الأولى من المقدمات الثلاث عشر لكتاب الموافقات ينص الشاطبي على أن أصول الفقه "أي الأسس والكليات التي ينبني عليها" لا بد أن تكون قطعية، ولا يقبل فيها الظن. والدليل على ذلك: "الاستقراء المفيد للقطع"١ لأن كليات الشريعة لا تستند إلى دليل واحد، بل إلى مجموعة أدلة، تواردت على معنى واحد، فأعطته صفة القطع. "وتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا. وأيضًا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي٢. ومن هنا كان الشاطبي حريصًا على نشدان الأدلة الاستقرائية لما يقوله ولما يقرره. وكان يرى أن هذه إحدى أبرز سمات كتابه. وإلى هذا يشير بقوله: "وإنما الأدلة المعتبرة هنا: المستقرأة من جملة أدلة ظنية، تضافرت على معنى واحد، حتى أفادات القطع"٣. ثم يذكر هذه المزية لكتابه صراحة، في قوله: "فكذلك الأمر في مآخذ الأدلة في هذا الكتاب"٤. وفي مكان متأخر من الموافقات يعود لتذكيرنا بهذه الميزة لكتابه. وبعبارة أصرح: "ومر أيضًا بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات. وهي خاصة هذا الكتاب لمن تأمله، والحمد لله"٥. وممن تأملوه. وأكدوا هذه الخاصية فيه، الشيخ عبد الله دراز وهو ممن درسوا الموافقات دراسة دقيقة كاملة، وقد نوه٦ بطريقة الشاطبي في كونه "يتتبع الظنيات

стр. 297

في الدلالة، أو في المتن، أو فيهما والوجوه العقلية كذلك، ويضم قوة منها إلى قوة، ولا يزال يستقري حتى يصل إلى ما يعد قاطعًا في الموضوع فهذه خاصية هذا الكتاب في استدلالاته، وهي طريقة ناجحة أدت إلى وصوله إلى المقصود، اللهم إلا في النادر، ﵀ رحمة واسعة"١. هذه فكرة موجزة عن الاستقراء عند الشاطبي، تبين أهميته عنده ومدى اعتماده عليه، بصفة عامة، ولنعد الآن إلى موضوعنا الخاص، وهو معرفة المقاصد وإثباتها عن طريق الاستقراء. الاستقراء والمقاصد: الشاطبي يربط بين الاستقراء والكشف عن المقاصد منذ خطوته الأولى في كتاب "الموافقات"، وذلك في خطبة الكتاب، وهو يشرح قصة هذا التأليف، حيث قال: "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده، وأضم من شوارده، تفاصيل وجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة في بيان مقاصد الكتاب والسنة"٢. ولما كانت مقاصد الكتاب والسنة كلها قائمة على أساس فكرة تعليل الشريعة وأحكامها، وأن خلاصة هذا التعليل تتمثل في كون الشريعة معللة برعاية المصالح، فإن أول ما بدأ به الشاطبي استدلاله على هذا، هو الاستقراء: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد"٣. وحتى النصوص التي أوردها للتدليل على وجود التعليل في تفاصيل الشريعة، فإنما أوردها على سبيل الاستقراء المفيد -في المجموع- للعلم القطعي فكان دليله أولا وأخيرًا هو الاستقراء.

стр. 298

ولعل أهم مسألة طبق فيها الاستقراء، وبين فيها كونه أهم مسلك لإثبات مقاصد الشريعة هي مسألة "كون الشارع قاصدًا للمحافظة على القواعد الثلاث: الضرورية، والحاجية، والتحسينية"١. فالقول بقصد الشارع إلى حفظ هذه الكليات الكبرى، لا يكفي لإثباته الإتيان بنص أو بضعة نصوص -إن وجدت- تصرح بهذا القصد. فالقضية أكبر وأخطر من أن تثبت بدليل يمكن تطريق الاحتمال إليه، سواء في ثبوته، أو دلالته، أو سلامته من المعارض. فالقضية لا تحتمل الظن، ولا يقيمها إلا الدليل القطعي، لأنها أصل الأصول في الشريعة٢. فما هو المسلك القطعي إلى هذا؟ قال ﵀: "وإنما الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر، هو روح المسألة. وذلك أن هذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعًا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، وأن اعتبارها مقصودا للشارع. ودليل ذلك: استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة، على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم، وشجاعة علي ﵁، وما أشبه ذلك، فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال، منقولة وغير منقولة"٣.

стр. 299

وبهذه الطريقة الاستقرائية تحدث عن إثبات حفظ الضروريات الخمس١: "الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال". وفي مباحث الأوامر والنواهي من كتاب الأحكام، ذكر أن الأوامر والنواهي، يمكن أخذها على ظاهرها، ويمكن أخذها بالنظر إلى قصد الشارع فيها، حسبما يعطيه الاستقراء٢. وقد تقدم معنا -قبل قليل- أنه ثبت بالاستقراء أن ما كان خادمًا ومقويا لمقصود شرعي، فهو أيضًا مقصود للشارع، وإن بالقصد الثاني٣. وفي سياق محاربته للبدع، وتفنيده لمستندات المدافعين عنها -في كتابه "الاعتصام"- تطرق إلى القول بأن قاعدة المصالح المرسلة، لا دخل لها في مجال العبادات، وأن أحكام العبادات قائمة على التوقيف والتحكم الشرعي. ولإثبات هذا لجأ إلى استقراء عدد من أحكام العابدات التي لا يمكن إدخالها تحت النظر العقلي، والتعليل المصلحي. ثم قال: "إن في هذا الاستقرار معنى يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد قصده، ونحا نحوه، واعتبر جهته، وهو أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل، فإن قصد الشارع: أن يوقف عنده، ويعزل عنه النظر الاجتهادي جملة، وأن يوكل إلى واضعه ويسلم له فيه"٤. ثم قال أيضًا: "وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد. فلم يبق إلا الوقوف عندما حده"٥. وأحسب أن هذا القدر كاف لبيان مدى اعتماد الشاطبي على الاستقراء عمومًا، وفي إثبات المقاصد خصوصًا. وبه يتضح ما تقدم من الجزم بأن الاستقراء

стр. 300

هو أهم مسلك لمعرفة المقاصد الشرعية عند الشاطبي، رغم عدم إيراده له في الخاتمة المخصصة لهذا الموضوع. فإذا كانت هذه هي منزلة الاستقراء عند الشاطبي، فيبقى أن أشير إلى منزل الاستقراء، بالمقارنة مع المسالك الأخرى التي تعرف بها مقاصد الشارع. ويتلخص ذلك في كون المقاصد التي تثبت بالاستقراء هي المقاصد الكبرى والعامة للشريعة الإسلامية. وهي معظم ما دارت حوله مقاصد الشاطبي. ولهذا كان الاستقراء ملازمًا له حيثما قرر شيئًا من كليات الشريعة. أو أعلن عن مقصد من مقاصدها العامة. كما أن المقاصد الاستقرائية تمتاز بالقطع. وقد رأينا -قبل قليل- كيف يؤكد الشاطبي على قطيعة الاستقراء سواء أكان تاما أو ناقصًا "أكثريا بتعبير الشاطبي"، متجاهلًا بذلك ما يتردد عند كثير من الأصوليين والمناطقة من كون الاستقراء الناقص يفيد الظن، ولا يفيد العلم، اتباعًا منهم للمنطق الأرسطي١. هذا، بينما المقاصد التي تثبت عن طريق المسالك الأخرى هي غالبًا مقاصد جزئية، تتعلق بهذا الحكم أو ذاك، وهذا النص أو ذاك. كما أن كثيرًا منها يقف عند مجرد الظن والرجحان، مثلما هو الشأن في المقاصد التي تؤخذ من مجرد ظاهر الأمر والنهي، وكذا التي يعتمد فيها على العلل المتوصل إليها بمسالك ظنية، كمسلك المناسبة مثلًا. والشاطبي -وإن كان قد ذكر الجهات الأربع التي بها يعرف مقصود الشارع- فإن اعتماده كان على الاستقراء أكثر من اعتماده على أي جهة من هذه الجهات. ولهذا جاءت "مقاصده" متسمة بالعموم والقطع. وقلما كان يتعرض للمقاصد الجزئية، الخاصة ببعض التكاليف. فإن فعل، فإنما يكون ذلك عرضًا.

стр. 301

والعجب -كل العجب- من الأحكام التي أطلقها الدكتور عبد المجيد النجار في مقاله المشار إليه سابقًا، حيث اعتبر ان الشاطبي: "ينحو منحى التجزئة والتفصيل والتدقيق في بسط المقاصد" ليفسر بهذا، كون الشاطبي اقتصر في طرق إثبات المقاصد على المسالك الملائمة لهذا المنحى التجزيئي، قال: "فلما جاء إلى بيان مسالك الكشف عن المقاصد. كانت متجانسة في طبيعتها مع ما جعلت خلاصة له من عامة المبحث، فاتصفت بالجزئية في الغالب، من حيث اتجهت إلى رسم الطريق في البحث عن المقاصد في نطاق آحاد الأحكام، لا في نطاق المقاصد الكلية العامة، وهو ما يظهر بجلاء في المسالك الثلاثة الأخيرة". والظاهر أن الدكتور النجار بنى مقاله عمومًا، والأحكام الواردة في هذه الفقرة خصوصًا، على مجرد خاتمة كتاب المقاصد؛ فعليها تنطبق -إلى حد ما- هذه الأحكام. وقد بينت في الصفحات السابقة أن مقاصد الشاطبي الجزئية لا تأتي إلا عرضًا. ولا أظن إلا أن الدكتور النجار قد قرأ كتاب المقاصد -على الأقل- ولكن لم يظهر أثر ذلك في هذا المقال، الذي أنصب على خاتمة الكتاب، فغاب عنه أهم مسالك المقاصد، بل غاب عنه حتى نوع المقاصد، التي تملأ كتاب الشاطبي. واستعراض عناوين الشاطبي١ وحدها، كاف لإدراك أن الرجل غير مشغول بالمقاصد الجزئية، وإنما همه الكليات، والمقاصد العامة. وإنما دخل الخلل على أحكام الدكتور النجار من إغفاله للاستقراء عند الشاطبي، بينما هو يقوم ويقعد به في كل نواحي الموافقات. وقد رتب المقال على هذا الخلل مقارنات بين مسالك الشاطبي ومسالك ابن عاشور. وحسبي بيان الأساس الذي قامت عليه تلك المقارنات، أي أنها قائمة على إغفاله لمسلك الاستقراء عند الشاطبي.

стр. 302

الباب الرابع: تقييم عام لنظرية الشاطبي الفصل الأول: نظرية الشاطبي بين التقليد والتجديد جوانب التقليد مدخل ... الباب الرابع: تقييم عام لنظرية الشاطبي الفصل الأول: نظرية الشاطبي بين التقليد، والتجديد رغم أن التجديد الذي جاء به الشاطبي -في أصول الفقه عمومًا، وفي مقاصد الشريعة خصوصًا- لا ينازع فيه أحد، ولا نجد إلا من يشهد وينوه به، فإن الذي لا ينبغي الشك فيه أيضًا، هو أن الشاطبي لا يمكن أن يكون قد ابتدأ نظريته ابتداء، وأبدعها إبداعًا تاما فليس هذا من طبيعة الأمور. بل لا بد أن يكون قد استفاد ممن سبقوه، وبنى على ما قرروه. ومعنى هذا أن الشاطبي قد اتبع وأبدع، وقلد وجدد، وأخذ وأعطى. وليس مطلوبًا من أحد -مهما بلغ- أكثر من هذا. ويبقى التفاضل في مقدار التجديد وقيمته. جوانب التقليد: ولنبدأ بجانب الاتباع والتقليد في نظرية الشاطبي، لأنه المبتدأ والمنطلق، حيث نجد الشاطبي نفسه، يعتز بكون ما هدي إليه ووفق فيه من إبداع وتجديد، هو: "أمر قررته الآيات، والأخبار، وشد معاقله السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار"١. ويأتي في طليعة هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ : "الذين عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصولها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مباديها وغاياتها فصاروا خاصة الخاصة، ولباب اللباب، ونجومًا يهتدي بأنوارهم أولوا الألباب"٢.

стр. 303

فهو إذًا، يغترف مما قررته الآيات والأحاديث، ويهتدي في ذلك بمنهج الصحابة الأخيار، ويفصل المعالم التي رسمها أئمة العلماء، ويبني على أركان شيدها الأصوليون النظار. هذا على وجه الإجمال. وأما بشيء من التفصيل، فقد سبق أن مهدت لهذه الدراسة لنظرية الشاطبي، بعرض حول فكرة المقاصد عند الأصوليين١، وفي المذهب المالكي٢. وبالنظر في ذينك الفصلين، ومقارنة ما جاء فيهما مع الفصول اللاحقة لهما، يتضح الكثير من أوجه التشابه والتلاقي، أو بعبارة أوضح، يظهر الكثير من أوجه تأثير الشاطبي بمن سبقوه، واستفادته منهم. وفيما يلي بعض الإشارات الموجزة إلى ذلك:

стр. 304

استفادته من الأصوليين: لقد رأينا الأصوليين -منذ الجويني والغزالي- يقسمون المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. ويحصرون الضروريات في خمس، هي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وعلى هذا سار الشاطبي. كما أنه لم يمانع من إضافة ضرورة سادسة، هي العرض١، حيث سبق أن أضافه بعض الأصوليين كما تقدم في موضعه. وأيضًا فقد ردد مرارًا أن هذه الضروريات قد وقع حفظها في جميع الملل والشرائع. وهو قول الغزالي، وتبعه عليه عامة الأصوليين كما تقدم. كما أن الأمثلة التي يوردها لتوضيح المراتب الثلاث: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ولبيان حفظ الضروريات الخمس، هي نفسها تقريبًا التي نجدها عند سابقيه، وخاصة الغزالي.

стр. 305

والغزالي، هو أكثر من يذكرهم الشاطبي من الأصوليين. يليه١ -وبفارق كبير- الرازي فالجويني، ثم القرافي فابن عبد السلام. أما الجويني -وهو أقدم هؤلاء- فقد رأينا سبقه في وضع لبنات أولى لصياغة نظرية المقاصد. فالشاطبي-كغيره- مدين له في هذا، بشكل مباشر وغير مباشر. وبالإضافة إلى هذه الاستفادة العامة من أفكار الجويني في المقاصد، فإننا نجد مسائل معينة عند الشاطبي، يمكن إرجاع أصلها إلى كلام الجويني. من ذلك ما سبق من القول بأن أصول الفقه قطعية لا ظنية. وهي المسألة التي افتتح بها الشاطبي "الموافقات"، وهي أيضًا في الصفحات الأولى من "برهان" الجويني. ومن ذلك ما تقدم عند الشاطبي من كون الأحكام تختلف بحسب الكلية والجزئية. فقد يكون الفعل مباحًا بالجزء، لكنه واجب أو مندوب بالكل٢ وبهذا الميزان قرر -في كتاب المقاصد- أن مجموع الحاجيات والتحسينيات، ينتهض أن يكون كل واحد منهما كفرد من أفراد الضروريات٣. وشبيه بهذا النظر، نجده عند إمام الحرمين، حيث يرى -مثلًا- أن البيع يعتبر من الضروريات بالنظر إلى العموم، بحيث "إن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة. فمستند البيع إذا، آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة"٤. أي أنه من حيث الجزء "بالنسبة للفرد الواحد" إنما هو من الحاجيات، ولكنه بالنسبة إلى مجموع الناس أمر ضروري.

стр. 306

ولكن هذه الفكرة عرفت عند الشاطبي صقلًا وتوضيحًا، وتطويرًا وتوسيعًا. فهي عند الجويني بذرة، وعند الشاطبي شجرة. وللجويني التفاته ذكية إلى ما بين التكاليف الشرعية، والنوازع الغريزية، من تكامل في جلب المصالح ودرء المفاسد. فما كانت الغريزة تشتهيه وتدفع إليه -كالكل والشرب، والتملك، والجماع، وطلب المناصب المشرقة- فإن الشريعة قلما تدعو إليه وتكلف به. بل نجدها تضع عليه القيود والحواجز التي تكبح الاندفاع الغريزي عن الإفراط والتعدي، وما كانت النفوس تنفر منه بطبعها، فإن الشريعة تركت الناس يجتنبونه بمقتضى طبعهم١. ولكنها شددت الطلب وأكدته فيما تستثقله النفوس وتتقاعد عنه كالعبادات وأداء الحقوق لأهلها، والجهاد. وهذه الفكرة العابرة عند الجويني٢، عمقها الشاطبي، وتتبع آثارها في كثير من جوانب التشريع الإسلامي، وحررها -على عادته- في قواعد واضحة مضبوطة٣. أما استفادة الشاطبي من الغزالي، فهي واضحة صريحة، تنطق بها عشرات الشواهد في "الموافقات" و"الاعتصام"، حتى ليمكن اعتبار الغزالي أحد أبرز شيوخ الشاطبي، رغم القرون الثلاثة التي تفصل بينهما. ويكفي أن أهم ما ظل يتردد عند الأصوليين عن المقاصد، من مبادئ وأمثلة ومصطلحات، إنما هو من وضع الغزالي. ثم كان ذلك مما تبناه الشاطبي وبنى عليه. وليس هذا فحسب رغم أهميته في موضوعنا -بل إن الشاطبي قد ذكر الغزالي في الموافقات نحوًا من أربعين مرة في مختلف مباحث الكتاب. وفي أكثرها يذكره

стр. 307

بالتأييد والموافقة، معتمدًا عليه، مستشهدًا بآرائه. بخلاف ذكره لبقية الأصوليين، حيث يكثر من نقدهم ومعارضتهم، وخاصة منهم الرازي! وأكثر من هذا، فإنه ينوه ويشيد ببعض كتابات الغزالي وآرائه، على نحو لا يفعله مع غيره من العلماء "باستثناء الإمام مالك طبعًا". وفيما يلي نماذج من تلك الإشادات، وهي مشيرة إلى مدى اعتماده عليه: ففي مباحث الأسباب والمسببات، تعرض لما ينبغي للمكلف، وهو يتعاطى الأسباب، من النظر إلى نتائجها ومآلاتها، قال "وقد قرر الغزالي هذا المعنى في كتاب الإحياء وفي غيره بما فيه كفاية"١. وعندما تكلم عن الصحة والبطلان ومعناهما عند الفقهاء، تطرق إلى معناهما الأخروي، وهو كون العمل مقبولًا مأجورًا عند الله، أو بخلاف ذلك. ثم قال: "وهو وإن كان إطلاقًا غريبًا لا يتعرض له علماء الفقه، فقد تعرض له علماء التخلق، كالغزالي وغيره. وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون. وتأمل ما حكاه الغزالي في كتاب النية والإخلاص، من ذلك٢. وفي سياق تشنيعه على الذين يقحمون في تفسير القرآن علومًا بعيدة عنه، ويزعمون أن ذلك يساعد في فهم مقاصد القرآن، أشار إلى ما ذهب إليه من ذلك ابن رشد الحفيد، حيث ذهب إلى أن علوم الفلسفة مطلوبة، لأن الفهم الحقيقي للشريعة ومقاصدها لا يتأتى إلا بها، وبعد أن انتقده بشدة غير معهودة، قال: "ولا ينبئك مثل خبير فأبو حامد ممن قتل هذه الأمور خبرة، وصرح فيها بالبيان الشافي، في مواضع من كتبه"٣. وقد ذهب -مثل عدد من العلماء- إلى أنه لو عم الحرام الأرض، وتعذر على المكلف الكسب الحلال والمأكل الحلال، فله أن يكتسب ويأكل ما تيسر له،

стр. 308

وله أن يزيد في ذلك على حد الضرورة، ودون أن يصل إلى حد الترفه والتنعم ثم قال: وقد بسط الغزالي هذه المسألة في "الإحياء" بسطًا شافيا جدا. وذكرها في كتبه الأصولية كالمنخول، وشفاء الغليل"١. وهذه الإحالات على الغزالي وكتبه، بقدر ما تدل على ما يكنه له الشاطبي من تقدير وثقة، بقدر ما تكشف عن اطلاعه الواسع على كتبه. وهي مجرد نماذج، ومثلها كثير. وللشاطبي استفادة ظاهرة أيضًا من عز الدين بن عبد السلام وتلميذه القرافي. وخاصة في مسائل المصالح والمفاسد، ومسائل المشقة، وقد سبق أن نبهت على بعض ذلك في فصل "المصالح والمفاسد". وفي موضوع المشقة نجد ابن عبد السلام -ويتبعه في ذلك القرافي٢- يقسم المشاق إلى ضربين: مشاق ملازمة للتكاليف، بحيث لا تتم إلا بها، كمشقة الوضوء والاغتسال في البرد، والقيام لصلاة الفجر، ومشقة الصوم والحج. "فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها"٣. ومشاق ليست ملازمة لنفس التكليف، بل هي من خارجه، وقد توجد معه وقد لا توجد. وهذا النوع ينقسم إلى ثلاث مراتب: مشاق شديدة، وأخرى خفيفة، وأخرى متوسطة. فالقسم الأول يعتبره الشارع ويوجب بالتخفيف بمقتضاه، والقسم الثالث لا اعتبار له. والقسم المتوسط في محل النظر والاجتهاد، لإلحاقه بأحد الطرفين. وهذا التقسيم أخذ به الشاطبي٤، ولكن على طريقته، ومع إضافاته

стр. 309

المعتادة في التعميق والتنقيح، فضلًا عن إدراكه له في إطار نظرية المقاصد. وقد تطرق ابن عبد السلام إلى الصفات الخلقية الجبلية في الإنسان، فقرر أنها لا ثواب فيها ولا عقاب. قال: "كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها، كحسن الصور، واعتدال القامات، وحسن الأخلاق، والشجاعة والجود. فهذا لا ثواب عليه، مع فضله وشرفه، لأنه ليس بكسب لمن اتصف به١. وكذلك الشأن في الصفات المذمومة، كنقص العقل، وسوء الخلق، والجبن، والشح، والقسوة، والوقاحة، والميل إلى الرذائل، واستثقال الفضائل فلا عقاب عليها في ذاتها. وقد تناول الشاطبي هذه المسألة نفسها، فوسع البحث فيها وعمقه، وميز -بدقة متناهية- ما هو من هذه الصفات يستحق المدح والثواب، أو الذم والعقاب، وما ليس كذلك. وبعبارة أخرى: فقد بين ما يقصده الشارع مما لا يقصده من التكاليف المتعلقة بهذه الصفات٢.

стр. 310

استفادته من المذهب المالكي: على أن مما ساعد الشاطبي على حسن الاستفادة من هذه اللمحات والومضات، التي جادت بها قرائح بعض الأصوليين، حول مقاصد الشريعة وحكمها، وساعده أيضًا على تطويرها والبناء عليها، حتى أخرج لنا نظرية متكاملة الأطراف، متشعبة الامتدادات في مختلف جوانب الشريعة الإسلامية، أقول: مما ساعده على ذلك كله، تشبعه بأصول المذهب المالكي وقواعده. وقد سبق أن بينت في فصل خاص، علاقة المذهب المالكي وأصوله بمقاصد الشريعة. فلإدراك مدى استفادة نظرية الشاطبي من مذهبه المالكي، لا بد من مراجعة ذلك الفصل.

стр. 311

ولكن الآن أذكر -مجرد تذكير- أن المذهب المالكي هو مذهب المصلحة والاستصلاح، والاستحسان المصلحي، والتفسير المصلحي للنصوص. وهو المذهب الحازم في درء المفاسد وسد ذرائعها واستئصال أسبابها. وهو المذهب الذي يعتني عناية فائقة بمقاصد المكلفين ونياتهم ولا يقف عند مظاهرهم وألفاظهم. وهو من أكثر المذهب -إن لم يكن أكثرها- تعليلًا للأحكام الشرعية المتعلقة بمجال العبادات والمعاملات. والتعليل هو الكشف عن مقاصد الشارع والبناء عليها. فهذه الأصول التي تصب كلها في نظرية المقاصد، هي التي هيأت للفكر المقاصدي عند الشاطبي أن يترعرع على النحو الذي رأيناه. وبعد هذه التنبيهات والإشارات، إلى موارد الشاطبي، وجوانب التأثر والاتباع في نظريته، أرى من تمام الفائدة أن أتعرض لبعض ما بدأ يقال ويشارع، حول جذور نظرية الشاطبي واستمداداته فيها. من ذلك ما ذهب إليه الدكتور عبد المجيد تركي، ثم الدكتور محمد عابد الجابري، من أن الشاطبي في مقاصده، كان مكملًا لما جاء به ابن رشد، ومقتفيا أثره في ذلك. فالدكتور تركي -الذي عرض رأيه خلال ندوة ابن رشد، التي انعقدت بكلية الآداب بالرباط، بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاته- يقول "عن ابن رشد" "كما يجدر بنا أن نبرز إثراءه للفكر الفقهي إثراء قد مهد السبيل -في اعتقادنا- لتطورات لاحقة، بل لميلاد علم جديد ظهر بعد قرنين من وفاة ابن رشد على يد منشئة الشاطبي الأندلسي، الذي اختار له من الأسماء: علم مقاصد الشريعة"١. ولست أدري أولًا ماذا يعني بكون الشاطبي "اختار له من الأسماء علم مقاصد الشريعة".

стр. 312

فأما اسم "مقاصد الشريعة"، فكان مستعملًا قبل الشاطبي بحقب طويلة. وقد قدمت من ذلك ما يكفي. وأما اسم "علم مقاصد الشريعة" فلم يستعمله الشاطبي نهائيا. وأما الذي أطلق هذا الاسم فهو الشيخ ابن عاشور، حديثًا على ما سيأتي في خاتمة الكتاب. وأما دليله على كون ابن رشد قد مهد السبيل لظهور مقاصد الشريعة على يد الشاطبي، فهو أن ابن رشد قد عمل على "عقلنة" الفقه والارتقاء به إلى الموضوعية، وفي هذا يقول: "إذن، هو السعي نحو خلق جهاز متماسك الأجزاء، ومرتكز على العقل، وهذا الحرص على تلمس الموضوعية واليقين، سيمهدان الطريق -في اعتقادنا- إلى ظهور علم جديد على يد الشاطبي" وقد ختم عرضه بالقول: "وأن أشرك ابن رشد في اكتشاف علم جديد هو علم مقاصد الشريعة". وواضح أن "الدليل" الذي قدمه لنا على إشراكه لابن رشد في اكتشاف "علم مقاصد الشريعة" ليس إلا مجموعة من الدعاوي الغامضة: فما هو "الجهاز الفقهي المتماسك" الذي قدمه -أو حاول تقديمه- ابن رشد؟ وما معنى هذه المصطلحات الجديدة، والغريبة على الميدان المتكلم فيه؟ وما المقصود بالضبط بالارتكاز على العقل في بناء هذا الجهاز الفقهي؟ وهل ابن رشد متفرد في هذا، عن سائر الفقهاء؟ وهل "تلمس الموضوعية واليقين" أيضًا خاص بابن رشد؟ وإذا سلمنا كل هذا -وليس فيه شيء مسلم- فهل يلزم منه ويثبت به اكتشاف ابن رشد لعلم مقاصد الشريعة؟ وهل الواقع يصدق هذا "اللزوم" المفترض؟ على أن الدكتور تركي قد دعم "اعتقاده" المذكور باستدلال آخر لا يعدم صلة بموضوع المقاصد، ولكن لا يمكن أن يقام عليه مثل هذا الاعتقاد إلا بكثير

стр. 313

من التكلف والتهافت، يقول: "ولنلاحظ أن ابن رشد في "البداية" يستعمل لفظة مصلحي ليقابلها بلفظ تعبدي: "والمصالح١ المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابًا للعبادات المفروضة، حيث يكون الشرع لاحظ فيها معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا. وأعني بالمصلحي: ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي: ما رجع إلى زكاة النفس". وإذا كان الدكتور لم يكتشف لفظ مصلحي، واستعماله في تعليل الأحكام الشرعية إلا في "البداية"، فعسى أن يكتشف في النهاية٢، أن مثل هذا الكلام وهذا الاصطلاح، ضارب الأطناب في كتب الفقه، وخاصة المالكية منها، وشائع في كلام الأصوليين، قبل ابن رشد وبعده. وقد مر بنا من ذلك ما يغني عن الإعادة أو المزيد. على أن الذي لا ينتهي عجبي منه، هو: كيف يستسهل بعض الباحثين أن يقيموا أحكامًا ونظريات، ويفسروا ظواهر وتطورات، فقد بواسطة ألفاظ يلتقطونها، ثم يكررونها، ويغلظون كتابتها، ويسطرون تحتها، ثم يفرضون على الجمهور أن يؤمن بما بنوه عليها، مما لا تحمله ولا تفيده حتى عشرات من أمثالها!! ولو ساغ في ميزان العلم أن نؤسس ريادة ابن رشد وتأثيره على الشاطبي في مجال المقاصد، على مجرد استعماله لفظ "مصلحي"، لكان أولى أن نؤسس ذلك على استعماله لفظ: مقصد الشرع، ومقصود الشرع، مما لم يبق فقيه ولا أصولي إلا استعمله. "راجع الباب الأول مثلًا". فقد ذكر ابن رشد مرارًا. "مقصود الشارع" وما شابهها، ولكن في عبارات عابرة، وفي غير موضوعنا: مقاصد الشريعة، وإنما في مجال العقيدة:

стр. 314

ففي سياق إنكاره وانتقاده للتأويلات الفاسدة التي أدخلتها الفرق الكلامية على العقيدة الإسلامية، قال: "وإذا تؤملت جميعها، وتؤمل مقصد الشرع، ظهر أن جلها أقاويل محدثة، وتأويلات مبتدعة. وأنا أذكر من ذلك ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع، التي لا يتم إلا بها، وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع"١. وعندما تعرض لمذاهب المتكلمين في صفات الله ، انتهى إلى حصرها في ثلاثة مذاهب: "مذهب من رأى أنها نفس الذات، ولا كثرة هنالك. ومذهب من رأى الكثرة، وهؤلاء قسمان: منهم من جعل الكثرة كثرة قائمة بذاتها ومنهم من جعلها كثرة قائمة بغيرها" ثم قال: "وهذا كله بعيد عن مقصد الشرع. فإذاً، الذي ينبغي أن يعلم الجمهور من هذه الصفات هو ما يصرح به الشرع فقط، وهو الاعتراف بوجودها، دون تفصيل الأمر فيها هذا التفصيل"٢. ثم نص فيما بعد على "أن المقصود بالعلم في حق الجمهور، إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل، فهو أجدر. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء، فهو الأمران جميعًا، أعني العلم والعمل"٣. وفي كتابه "فصل المقال" قال: "وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع: إنما هو تعليم العلم الحق، والعمل الحق" ص٤٩. وعلى مثل هذه النصوص أو -بالضبط- على مثل هذه الألفاظ، اعتمد الدكتور الجابري ليقول: "وقد أخذ الشاطبي هذه الفكرة عن ابن رشد الذي وظفها في مجال العقيدة، ونقلها إلى مجال الأصول٤!

стр. 315

هكذا بكل راحة بال يستسهل باحث كبير ومفكر شهير، الجزم بأن فكرة المقاصد أخذها الشاطبي عن ابن رشد! ولا استدراك ولا احتمال! ولا إثبات ولا استدلال! ولو أن الدكتور الجابري ألزم نفسه بما شرطه على قارئ الشاطبي، من أنه لن يستطيع فهم أغراضه وإدراك جوانب التجديد في فكره وتفكيره، إلا إذا توفر فيه شرطان اثنان: أولهما، سعة الاطلاع، ليس على ميدان الفقه وأصوله وحسب، بل على مختلف فروع الثقافة العربية، من تفسير وحديث وفقه وأصوله وكلام ومنطق وفلسفة وتصوف"١. لو أنه التزم بهذا، وبصفة خاصة سعة الاطلاع على الفقه وأصوله، وهما المرتع الطبيعي، والمنبت الطبيعي، للشاطبي ونظريته، لما بقي أسير لبعض ألفاظ استعملها ابن رشد في مجال العقيدة، حتى جعل منها الأستاذ الكريم مفتاحًا لتفسير ما جاء به الشاطبي عن مقاصد الشريعة، وحتى وصل به الحماس إلى حد اعتبار أن خطاب الشاطبي حول مقاصد الشريعة، كان جديدًا "كل الجدة"٢. ويبقى أن أشير إلى أمر له دلالته في موضوعنا، وهو أن الشاطبي لا يكاد يذكر ابن رشد الحفيد. أما ابن رشد الذي ذكره مرارا ونقل عنه واعتمد عليه، فهو ابن رشد الجد. فهو المقصود عند الشاطبي -وغيره- عندما يقول: ابن رشد، بهذا الإطلاق. "أعني في مجال الفقه خاصة". فلو أن همة الباحثين عن جذور نظرية الشاطبي اتجهت إليه وإلى تراثه الفقهي الضخم، لكان ذلك أفيد وأقرب إلى طبيعة الأمور، لما هو ثابت من اعتماد الشاطبي عليه واستشهاده به، ولكونه زعيم فقهاء الأندلس ومرجعهم في دقائق المذهب وغوامضه وخفاياه، وقد قدم للفقه المالكي من "البيان والتحصيل"٣ ما جعل المتأخرين عنه عالة عليه.

стр. 316

أما ابن رشد الحفيد، فلا يبدو له أثر فيما كتبه الشاطبي. ولعل المرة الوحيدة التي ذكرها فيها، هي التي جاءت في سياق بيانه للعوم المضافة إلى القرآن، حيث استطرد لانتقاد الذين يقحمون في ذلك علومًا يزعمون أنها ضرورية لفهم كلام الله، ثم قال: "وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بفصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، أن علوم الفلسفة مطلوبة، إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها. ولو قال قائل بالضد مما قال لما بعد في المعارضة، وشاهد ما بين الخصمين: شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها غافلين عنها، مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي ﷺ ، والجم الغفير. فلينظر امرؤ أين يضع قدمه"١. وأخيرا، فلا ينبغي أن يفهم أحد أني -بهذا- أنتقص مكانة ابن رشد الحفيد، وأغض من علمه وفكره. فأنا لا أكن له إلا التعظيم والإجلال. وأحسبني من المبالغين في هذا. ولكني أريد -فقط- وضع الأمور في نصابها، خاصة وأن الأمر يتعلق بمنهج البحث، ووسائل الإثبات، وطريقة الحكم على الأمور. ومن هذا الباب، ما ذهب إليه الدكتور سعد محمد الشناوي، حول تأثر الشاطبي بمن سبقوه، وأن منهم ابن تيمية وابن القيم، حيث قال: "وقد تأثر الإمام الشاطبي بما جاء في مؤلفات من سبقه، وهو العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم، والقرافي. ولهذا نجد كتابه مزيجًا وتحليلًا لهذه الآراء القيمة التي استقرت في عقولها نظرية المصالح المرسلة وابتناء أحكام الشرع بأنواعها عليها، وتميز التشريع الإسلامي باعتبار هذا الأصل"٢. والمؤسف غاية الأسف أن هذا النص ليس فيه جملة واحدة مسلمة:

стр. 317

١- لم يقدم لنا صاحب النص أي دليل -ولا أي افتراض- على كون الشاطبي قد تأثر بابن تيمية وابن القيم. وأنا أؤكد له أن أيا من الرجلين لم يرد له ذكر بتاتًا فيما هو متداول من كتب الشاطبي. ورغم أن ابن تيمية وابن القيم، كانا قد اشتهرا في المشرق زمن الشاطبي وبعده، فإننا لا نجد لهما ولآرائهما أثرًا في المغرب والأندلس يومئذ. وبصفة عامة، فإن الفقه الحنبلي، والمؤلفات والأسماء الحنبلية، هي الأقل ذكرًا، والأقل أثرًا في هذه المنطقة. وقد وجدت الشاطبي -مرة واحدة- يقول: "قال بعض الحنابلة"١، وذلك فيما يخص دعاوي الإجماع التي لا تثبت، ويستعملها بعضهم في قطع الطريق على البحث والمناقشة لبعض الأمور التي يدعي فيها الإجماع ولا إجماع. ومع هذا، فإني أستبعد أن يكون الشاطبي قد أخذ هذا عن مؤلف حنبلي مباشرة. والمستبعد أكثر أن يكون قد اطلع على بعض مؤلفات ابن تيمية أو ابن القيم، خاصة وأنه ليس من أصحاب الرحلات المشرقية، كما هو شأن ابن العربي والطرطوشي مثلًا٢، اللذين ينقل الشاطبي عنهما كثيرًا، وكما هو شأن شيخه أبي عبد الله المقري، الذي حكى عن نفسه أنه: "لقي بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تيمية"٣. ولكن هذا كله لا يفيد شيئًا في إثبات دعوى الدكتور الشناوي "المحامي" ولا حتى في "إثارة الدعوى أمام القضاء". ٢- القول بابتناء أحكام الشرع "بأنواعها" على المصالح المرسلة، وهو قول في غاية السيوبة واللامبالاة! فأحكام الشرع بأنواعها، تبنى على الأدلة الشرعية

стр. 318

المعروفة، من كتاب وسنة وإجماع وقياس. وليست المصالح المرسلة إلا واحدًا من الأدلة المختلف في بناء الأحكام عليها. والآخذون بهذا الدليل إنما يبنون عليه -كما هو معلوم- "نوعًا واحدًا" من الأحكام الشرعية الاجتهادية. ٣- لست أدري ما معنى "تميز التشريع الإسلامي باعتبار هذا الأصل" فهذا كلام غريب، "ولو قال قائل بالضد مما قال، لما بعد في المعارضة"١. فالذي نعرفه من تشرعيات الأمم قديمًا وحديثًا، أنها تقوم أساسًا على المصالح المرسلة، لأن كل مصالحهم مرسلة، بل هو أكثر إرسالًا من مصالحنا المرسلة. فأصل المصلحة المرسلة -إذا قلنا به- هو الأصل "المشترك" بيننا وبين غيرنا، لا أنه الأصل المميز لنا عن غيرنا. والذي يميز تشريعنا الإسلامي عن غيره، هو غير هذا من الأصول، وخاصة الأصول النصية. فالتشريع الإسلامي لا يتميز بأصل المصالح المرسلة، بل يتميز بتضييق دائرة المصالح المرسلة، ويتميز بالحد من حرية التصرف في المصالح المرسلة نفسها. وأصل أخيرًا إلى ما ذهب إليه الأستاذ محمد أبو الأجفان، الذي أفادني كثيرا بكتبه ورسائله. فقد تحدث الأستاذ أبو الأجفان عن الإسهامات العلمية للشاطبي، وأن في مقدمتها إسهامه في بناء مقاصد الشريعة، قال: "وبذلك يضيف لبنات قوية إلى بناء شيده باحثو المقاصد"٢ وذكر منهم ابن عبد السلام، والقرافي، وابن القيم، والمقري الجد، قال: "وهو من شيوخ الشاطبي المؤثرين في تكوين شخصيته، المفجرين لنبع نبوغه"٣.

стр. 319

وقد كان من الممكن، أو من الأفصل، التغاضي عن هذا الحكم العام حول تأثير المقري على الشاطبي، رغم ميله إلى المبالغة. ولكن مجيئه في سياق الحديث عن إسهام الشاطبي في بناء المقاصد، جعله منصرفًا إلى هذا الجانب بالذات. ومما يؤكد هذا، هو أن الأستاذ الكريم قد وضع المقري في صف العلماء الذين شيدوا بناء المقاصد. وهذه مبالغة أخرى، أكبر من سابقتها. ولعل الأستاذ أبا الأجفان قد تأثر في هذا -كما أشار في مراسلة بيننا- بشيخه، المرحوم محمد الفاضل بن عاشور١. ولكن عبارة الشيخ ابن عاشور، لا تفيد هذا، ففي سياق حديثه عن "قواعد" المقري، ومنهجه في استخلاص القواعد الفقهية، قال: "وعلى هذا المنهج الاجتهادي العالي، كان تأسيس السلم الذي تدرج فيه أبو إسحاق الشاطبي، حتى انتهى إلى عوالي القواعد القطعية"٢. والحقيقة أن المقاصد عند المقري -وفي أهم كتبه وأقربها إلى الموضوع، وهو "قواعد الفقه"- لا تتجاوز- أو لا تبلغ- ما كان متداولا في عامة الكتب الأصولية، أو يوجد متناثرًا في بعض كتب الفقه: فمن ذلك أنه ذكر في القاعدة "١١٣٤" أن المصالح الشرعية ثلاث: ضرورية وحاجية وتتمية، وأن الأولى مقدمة على الثانية، والثانية على الثالثة عند التعارض. وأن درء المفسدة يتنزل كذلك على المقامات الثلاث. وفي القاعدة "١١٨٨" يقول: "اجتمعت الشرائع على تحريم الكليات الخمسة: العقول، والدماء، والأنساب، والأعراض، والأموال. وزاد بعضهم: الأديان وأظن أنه -بعد كل ما تقدم- ليست هناك حاجة إلى التعليق على هذا النص.

стр. 320

وفي القاعدة "١٠٠٦" يقول: "من مقاصد الشرع: صون الأموال على الناس، فمن ثم نهي عن إضاعتها وعن بيع الغرر والمجهول". وجاء في القاعدة "٨٣١": "من مقاصد الشرعية: إصلاح ذات البين وحسم مواد النزاع". وعلى كل، فيمكن القول: إن أبا عبد الله المقري قد طعم قواعده، ببعض ما كان يتردد في كتب الأصول والفقه عن مقاصد الشرعية. ولعل عمله كان من بين التنبيهات المبكرة للشاطبي١، في التفاته إلى المقاصد وعنايته بها مجرد احتمال؟ ولعل الفائدة المنهجية التي أشار إليها الشيخ ابن عاشور هي أهم ما أخذ الشاطبي من قواعد المقري٢، علمًا بأن المقري مسبوق في هذا منهاجًا وإنتاجًا فهو كثير الأخذ جدا عن فروق القرافي. وقد درس الشاطبي فروق القرافي مثلما درس قواعد المقري. والحديث عن المقري وأثره على الشاطبي في مجال مقاصد الشريعة، يجرني إلى الكلام -بصفة عامة- عن مدى ما يمكن أن يكون قد استفاده الشاطبي من بقية شيوخه ومن عصره، في هذا المجال. وباختصار: فقد تتبعت الكثير جدا من فتاوي مشاهير العلماء المعاصرين للشاطبي، ومن شيوخه خاصة، "وقد أسعفني بها معيار الونشريسي"، وتتبعت بعضها في تراجمهم، في "نيل الابتهاج" خاصة، ولكني لم أجد عندهم شيئًا ذا بال.
следующие страницы →