← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أما ابن رشد الحفيد، فلا يبدو له أثر فيما كتبه الشاطبي. ولعل المرة الوحيدة التي ذكرها فيها، هي التي جاءت في سياق بيانه للعوم المضافة إلى القرآن، حيث استطرد لانتقاد الذين يقحمون في ذلك علومًا يزعمون أنها ضرورية لفهم كلام الله، ثم قال: "وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بفصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، أن علوم الفلسفة مطلوبة، إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها. ولو قال قائل بالضد مما قال لما بعد في المعارضة، وشاهد ما بين الخصمين: شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها غافلين عنها، مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي ﷺ ، والجم الغفير. فلينظر امرؤ أين يضع قدمه"١. وأخيرا، فلا ينبغي أن يفهم أحد أني -بهذا- أنتقص مكانة ابن رشد الحفيد، وأغض من علمه وفكره. فأنا لا أكن له إلا التعظيم والإجلال. وأحسبني من المبالغين في هذا. ولكني أريد -فقط- وضع الأمور في نصابها، خاصة وأن الأمر يتعلق بمنهج البحث، ووسائل الإثبات، وطريقة الحكم على الأمور. ومن هذا الباب، ما ذهب إليه الدكتور سعد محمد الشناوي، حول تأثر الشاطبي بمن سبقوه، وأن منهم ابن تيمية وابن القيم، حيث قال: "وقد تأثر الإمام الشاطبي بما جاء في مؤلفات من سبقه، وهو العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم، والقرافي. ولهذا نجد كتابه مزيجًا وتحليلًا لهذه الآراء القيمة التي استقرت في عقولها نظرية المصالح المرسلة وابتناء أحكام الشرع بأنواعها عليها، وتميز التشريع الإسلامي باعتبار هذا الأصل"٢. والمؤسف غاية الأسف أن هذا النص ليس فيه جملة واحدة مسلمة:

стр. 317

١- لم يقدم لنا صاحب النص أي دليل -ولا أي افتراض- على كون الشاطبي قد تأثر بابن تيمية وابن القيم. وأنا أؤكد له أن أيا من الرجلين لم يرد له ذكر بتاتًا فيما هو متداول من كتب الشاطبي. ورغم أن ابن تيمية وابن القيم، كانا قد اشتهرا في المشرق زمن الشاطبي وبعده، فإننا لا نجد لهما ولآرائهما أثرًا في المغرب والأندلس يومئذ. وبصفة عامة، فإن الفقه الحنبلي، والمؤلفات والأسماء الحنبلية، هي الأقل ذكرًا، والأقل أثرًا في هذه المنطقة. وقد وجدت الشاطبي -مرة واحدة- يقول: "قال بعض الحنابلة"١، وذلك فيما يخص دعاوي الإجماع التي لا تثبت، ويستعملها بعضهم في قطع الطريق على البحث والمناقشة لبعض الأمور التي يدعي فيها الإجماع ولا إجماع. ومع هذا، فإني أستبعد أن يكون الشاطبي قد أخذ هذا عن مؤلف حنبلي مباشرة. والمستبعد أكثر أن يكون قد اطلع على بعض مؤلفات ابن تيمية أو ابن القيم، خاصة وأنه ليس من أصحاب الرحلات المشرقية، كما هو شأن ابن العربي والطرطوشي مثلًا٢، اللذين ينقل الشاطبي عنهما كثيرًا، وكما هو شأن شيخه أبي عبد الله المقري، الذي حكى عن نفسه أنه: "لقي بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تيمية"٣. ولكن هذا كله لا يفيد شيئًا في إثبات دعوى الدكتور الشناوي "المحامي" ولا حتى في "إثارة الدعوى أمام القضاء". ٢- القول بابتناء أحكام الشرع "بأنواعها" على المصالح المرسلة، وهو قول في غاية السيوبة واللامبالاة! فأحكام الشرع بأنواعها، تبنى على الأدلة الشرعية

стр. 318

المعروفة، من كتاب وسنة وإجماع وقياس. وليست المصالح المرسلة إلا واحدًا من الأدلة المختلف في بناء الأحكام عليها. والآخذون بهذا الدليل إنما يبنون عليه -كما هو معلوم- "نوعًا واحدًا" من الأحكام الشرعية الاجتهادية. ٣- لست أدري ما معنى "تميز التشريع الإسلامي باعتبار هذا الأصل" فهذا كلام غريب، "ولو قال قائل بالضد مما قال، لما بعد في المعارضة"١. فالذي نعرفه من تشرعيات الأمم قديمًا وحديثًا، أنها تقوم أساسًا على المصالح المرسلة، لأن كل مصالحهم مرسلة، بل هو أكثر إرسالًا من مصالحنا المرسلة. فأصل المصلحة المرسلة -إذا قلنا به- هو الأصل "المشترك" بيننا وبين غيرنا، لا أنه الأصل المميز لنا عن غيرنا. والذي يميز تشريعنا الإسلامي عن غيره، هو غير هذا من الأصول، وخاصة الأصول النصية. فالتشريع الإسلامي لا يتميز بأصل المصالح المرسلة، بل يتميز بتضييق دائرة المصالح المرسلة، ويتميز بالحد من حرية التصرف في المصالح المرسلة نفسها. وأصل أخيرًا إلى ما ذهب إليه الأستاذ محمد أبو الأجفان، الذي أفادني كثيرا بكتبه ورسائله. فقد تحدث الأستاذ أبو الأجفان عن الإسهامات العلمية للشاطبي، وأن في مقدمتها إسهامه في بناء مقاصد الشريعة، قال: "وبذلك يضيف لبنات قوية إلى بناء شيده باحثو المقاصد"٢ وذكر منهم ابن عبد السلام، والقرافي، وابن القيم، والمقري الجد، قال: "وهو من شيوخ الشاطبي المؤثرين في تكوين شخصيته، المفجرين لنبع نبوغه"٣.

стр. 319

وقد كان من الممكن، أو من الأفصل، التغاضي عن هذا الحكم العام حول تأثير المقري على الشاطبي، رغم ميله إلى المبالغة. ولكن مجيئه في سياق الحديث عن إسهام الشاطبي في بناء المقاصد، جعله منصرفًا إلى هذا الجانب بالذات. ومما يؤكد هذا، هو أن الأستاذ الكريم قد وضع المقري في صف العلماء الذين شيدوا بناء المقاصد. وهذه مبالغة أخرى، أكبر من سابقتها. ولعل الأستاذ أبا الأجفان قد تأثر في هذا -كما أشار في مراسلة بيننا- بشيخه، المرحوم محمد الفاضل بن عاشور١. ولكن عبارة الشيخ ابن عاشور، لا تفيد هذا، ففي سياق حديثه عن "قواعد" المقري، ومنهجه في استخلاص القواعد الفقهية، قال: "وعلى هذا المنهج الاجتهادي العالي، كان تأسيس السلم الذي تدرج فيه أبو إسحاق الشاطبي، حتى انتهى إلى عوالي القواعد القطعية"٢. والحقيقة أن المقاصد عند المقري -وفي أهم كتبه وأقربها إلى الموضوع، وهو "قواعد الفقه"- لا تتجاوز- أو لا تبلغ- ما كان متداولا في عامة الكتب الأصولية، أو يوجد متناثرًا في بعض كتب الفقه: فمن ذلك أنه ذكر في القاعدة "١١٣٤" أن المصالح الشرعية ثلاث: ضرورية وحاجية وتتمية، وأن الأولى مقدمة على الثانية، والثانية على الثالثة عند التعارض. وأن درء المفسدة يتنزل كذلك على المقامات الثلاث. وفي القاعدة "١١٨٨" يقول: "اجتمعت الشرائع على تحريم الكليات الخمسة: العقول، والدماء، والأنساب، والأعراض، والأموال. وزاد بعضهم: الأديان وأظن أنه -بعد كل ما تقدم- ليست هناك حاجة إلى التعليق على هذا النص.

стр. 320

وفي القاعدة "١٠٠٦" يقول: "من مقاصد الشرع: صون الأموال على الناس، فمن ثم نهي عن إضاعتها وعن بيع الغرر والمجهول". وجاء في القاعدة "٨٣١": "من مقاصد الشرعية: إصلاح ذات البين وحسم مواد النزاع". وعلى كل، فيمكن القول: إن أبا عبد الله المقري قد طعم قواعده، ببعض ما كان يتردد في كتب الأصول والفقه عن مقاصد الشرعية. ولعل عمله كان من بين التنبيهات المبكرة للشاطبي١، في التفاته إلى المقاصد وعنايته بها مجرد احتمال؟ ولعل الفائدة المنهجية التي أشار إليها الشيخ ابن عاشور هي أهم ما أخذ الشاطبي من قواعد المقري٢، علمًا بأن المقري مسبوق في هذا منهاجًا وإنتاجًا فهو كثير الأخذ جدا عن فروق القرافي. وقد درس الشاطبي فروق القرافي مثلما درس قواعد المقري. والحديث عن المقري وأثره على الشاطبي في مجال مقاصد الشريعة، يجرني إلى الكلام -بصفة عامة- عن مدى ما يمكن أن يكون قد استفاده الشاطبي من بقية شيوخه ومن عصره، في هذا المجال. وباختصار: فقد تتبعت الكثير جدا من فتاوي مشاهير العلماء المعاصرين للشاطبي، ومن شيوخه خاصة، "وقد أسعفني بها معيار الونشريسي"، وتتبعت بعضها في تراجمهم، في "نيل الابتهاج" خاصة، ولكني لم أجد عندهم شيئًا ذا بال.

стр. 321

وقد سبق أن رأينا ما تيسر من مرسالات الشاطبي، وهي أيضًا لا تكاد تعطي شيئًا في هذا الصدد ومما يؤكد هذه النتيجة أن الشاطبي -في تناوله للمقاصد- لا يذكر أحدًا من شيوخه ولا من علماء عصره. بل قد رأينا بعض مظاهر التوتر والتنافر بينه وبين فقهاء عصره. ولم يكن له انسجام وتفاهم إلا مع أقل القليل منهم، وخاصة مع مفتي فاس وقاضيها، العلامة القباب. وأكثر من هذا، فقد كان له موقف معروف من "المتأخرين" عمومًا، فكان يتجنب الاعتماد على كتبهم. وقد لاحظ ذلك بعض أصحابه فكتب يسأله عن سببه، فأجابه: "وأما ما ذكرتم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فليس ذلك مني محض رأي، ولكن اعتمدته بحسب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع المتأخرين. وأعني بالمتأخرين: كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب١، ومن بعدهم. ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه، أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين, وأتى بعبارة خشنة، ولكنها محض النصيحة. والتساهل في النقل عن كل كتاب جاء، لا يحتمله دين"٢. وأما الذي نصحه، وقال عبارته الخشنة في حق الفقهاء المتأخرين فهو صديقه وشيخه القباب وقد كان يقول عن ابن بشير وابن شاس: "إنهم أفسدوا الفقه"٣. ولهذا جعل الشاطبي عمدته: كتب المتقدمين، بل أخذ هو أيضًا يوصي بذلك ويؤكد عليه: "فلذلك صارت كتب المتقدمين، وكلامهم، وسيرهم، أنفع

стр. 322

لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصًا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوزر الأحمى"١. وأحسب أن تشدد الشاطبي هذا، وتعميمه الحكم في كل العلوم، فيهما من المبالغة والتجني ما لا يخفى٢. وعلى كل فالذي يعنينا هو التأكد من أن الشاطبي كان يستمد أساسًا من السلف الصالح، من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين فقط حل الفقهاء والأصوليين. ولهذا جاءت نظريته -وفكره عمومًا- امتدادًا للفقه السليم، والنظر السديد، والمنهج القويم. وهذا لا ينفي أنه قد استفاد من المتأخرين توجيهات وتنبيهات، وأنه من خلالهم قد عبر إلى القرن الخامس وما قبله. وأنه استفاد من شيوخه -خاصة- ما يستفيده -عادة- كل تلميذ وطالب، من تهييء وتدريب وتوجيه.

стр. 323

جوانب التجديد مدخل ... جوانب التجديد في نظرية الشاطبي: ذكرت في أول هذا الفصل أن تجديد الشاطبي في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، أمر لا ينازع فيه أحد. وأننا لا نجد إلا من يشهد به أو يشير إليه والشاطبي نفسه هو أول متنبه، وأول منبه على ما وفق إليه في موافقاته، من وجوه التجديد والإبداع. وقد تقدم قوله "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله لما شاء منه وهدى"١. وقد كان ﵀ يخشى أن يتلقى تجديده بالنفور والإنكار، ولهذا خاطب قارئه وطمنه بقوله: "فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغر الظان أنه شيء ما سمع بمثله، ولا ألف في

стр. 324

العلوم الشرعية الأصلية على منواله، أو شكل بشكله -وحسبك من شر سماعه، ومن كل بدع في الشريعة ابتداعه- فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبار، ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبار. فإنه -بحمد الله- أمر قررته الآيات والأخبار و ... "١. وقد بلغ من تخوف الشاطبي من أن يساء فهمه، بسبب ما ألفه أهل العلم من الجمود والركود، ومن التكرار والاجترار، إلى حد التخلي عن بعض ما كان يريد ذكره من تحقيقاته، والاكتفاء ببعض الرموز والإشارات إلى ذلك فقد ختم "الموافقات" بهذه العبارات المثيرة والمشيرة: "وقد تم -والحمد لله- الغرض المقصود، وحصل -بفضل الله- إنجاز ذلك الموعود. على أنه قد بقيت أشياء لم يسع إيرادها. وقل -على كثرة التعطش إليها- ورادها. فخشيت أن لا يردوا مواردها، وأن لا ينظموا في سلك التحقيق شواردها، فثنيت من جماع بيانها العنان، وأرحت من رسمها القلم والبنان. على أن في أثناء الكتاب رموزًا مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة، فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول". وقد مر بنا أن صاحب "نيل الابتهاج" وصف كتاب "الموافقات" بأنه "لا نظير له"، ولا شك أنه يشير بهذا إلى جوانب التجديد في الكتاب، وأهمها ومعظمها هو ما يتعلق بمقاصد الشريعة. وأما حديثًا فقد توالت الإشادات والشهادات بتجديد الشاطبي وإبداعه: فقد شهد العلامة الشيخ محمد رشيد رضا بأن كتاب الموافقات "لا ند له في بابه" وأنه "لم يسبق إلى مثله سابق" وأن صاحبه "من أعظم المجددين في الإسلام"٢.

стр. 325

وكذلك فعل في كتابه "تاريخ الأستاذ الإمام"، حيث عد الشاطبي من مجددي القرن الثامن١. وتبعه في هذا صاحب كتاب "المجددون في الإسلام، من القرن الأول، إلى الرابع عشر"، فبعد أن لخص كلام الشيخ عبد الله دراز في أهمية المقاصد، ومكانة الشاطبي في إبرازها "من مقدمته للموافقات" قال: "وهذه ناحية من التجديد، لها قيمة عظيم"٢ ثم قال "وبهذا يكون للشاطبي ذلك الفضل الكبير -بعد الإمام الشافعي- لأنه سبق هذا العصر الحديث بمراعاة ما يسمى فيه روح الشريعة، أو روح القانون، وهذا باهتمامه بمقاصد الشريعة ذلك الاهتمام، وسلوكه في علم أصول الفقه ذلك المسلك"٣. وبناء على هذا، فقد عد الإمام الشاطبي من أهل التجديد في القرن الثامن، وإن كان يقدم عليه في الرتبة: ابن خلدون، وابن تيمية، وابن القيم٤. وأما الشيخ مصطفى الزرقا فيقول: "كتاب الموافقات هو أجل كتاب عرفناه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، أتى فيه مؤلفه الموفق ﵀ بعجائب التفكير السديد والبصر الفقهي، والأسلوب المبتكر"٥. وعلى هذا المنوال يقول الدكتور مصطفى سعيد الخن "لقد سلك المؤلف في كتابه هذا مسلكا فريدًا لم يسبق إليه" وسر ذلك: "أنه عرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة"٦.

стр. 326

ولست أريد بهذه الشهادات، وبغيرها مما سيأتي، أن أثبت تجديد الشاطبي، ولكن أوردها، "ليطمئن قلبي"، وليطمئن قلب القارئ أيضًا. ذلك أن الحديث عن تجديد الشاطبي، إنما هو بالنسبة إلى تراث ضخم من المؤلفات والجهود العلمية التي سبقته في مضمار الشريعة الإسلامية أصولًا وفروعًا، وفي مجال "أصول الفقه" خصوصًا. وهذا يقتضي الاطلاع الواسع والفحص الدقيق، لمؤلفات من سبقوا الشاطبي. وهو أمر متعذر على الفرد الواحد، ولو أفنى فيه عمره خاصة وأن أكثر تلك المؤلفات ما يزال مخطوطًا ومغمورًا أو متلاشيًا أو مجهولًا. ومن هنا لا تكون شهادة باحث واحد كافية، ولا ينبغي لأحد -وخاصة إذا كان مقلا مثلي- أن يسمح بالاقتصار في مثل هذا الأمر على مجهوده الخاص في الاطلاع والفحص والمقارنة بل لا بد -ليحصل التسليم والاطمئنان- من ضم هذه الشهادة بعضها إلى بعض، حتى تعطينا نوعًا من التواتر المعنوي. على أن ما يمكن أن أضيفه إلى هذه الشهادات حول تجديد الشاطبي، هو إبراز جوانب هذا التجديد، وبشيء من التفصيل والتوضيح، وإن كان بعض هذا قد تقدم فيما مضى من الكتاب. ولكنه تقدم في إشارات متفرقة لا تفي بالمطلوب وفيما يلي أهم جوانب التجديد، التي تميز بها الشاطبي في تناوله لمقاصد الشريعة:

стр. 327

١- التوسع الكبير: وهذا هو أظهر وأشهر ما تميز به الشاطبي عمن سبقوه، من المتكلمين في مقاصد الشريعة. فقد كان السابقون يتناولون الموضوع في إشارت وكلمات، وإذا جمعت، فقد تبلغ بضع صفحات. "أعني للواحد منهم". فلما جاء الشاطبي جعل أكبر أجزاء "الموافقات" هو: "كتاب المقاصد" فأصبحت المقاصد -بهذا- شيئًا ظاهر للعيان، لا يسع أحدًا إغفاله، ولا نسيانه، ولا التقليل من شأنه. بينما كانت من قبل ضامرة خفية، لا يكاد يلتفت إليها إلا كبار العلماء، الراسخون في الشريعة وعلومها. وحتى هؤلاء، فإنما أدركوا ذلك لأنفسهم، واستناروا في علمهم واجتهادهم. ولم يخرجوا للناس -إخراجًا واضحًا صريحًا- إلا مبادئ موجزة، وتنبيهات متفرقة.

стр. 328

وقد تعرض لهذه المسألة أحد أبرز رجال المقاصد، وهو العلامة محمد الطاهر بن عاشور، فذكر نماذج من التعليلات والإشارات المقاصدية التي كان يلقي بها بعض المتقدمين، ولكنها بقيت مغمورة متناثرة، لم تجد من يجمعها ويبرزها، ثم قال: "ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، المصري الشافعي في قواعده، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، المصري المالكي، فيك تابه "الفروق" فلقد حاولا غير مرة تأسيس المقاصد الشرعية. والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين، هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي. فأنا أقتفي آثاره"١. وقد قارن الشيخ عبد الله دراز -في تقديمه للموافقات- بين عناية الشاطبي بالمقاصد وعناية سابقيه بها، فلاحظ أن السابقين لم يتجاوزوا الإشارة إليها، في سياق مباحث أخرى، ثم قال: "وهكذا بقي علم الأصول فاقدًا قسمًا عظيمًا حتى هيأ الله أبا إسحاق الشاطبي -في القرن الثامن الهجري- لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى"٢. وإذًا، فالفرق في نظره بين حجم المقاصد عند الأصوليين السابقين، وحجمها عند الشاطبي، هو الفرق بين "الإشارة" و"العمارة". وبتشبيه آخر -ولكنه يؤدي نفس المعنى- يبين الأستاذ مصطفى الزرقا، الحجم الكبير الذي أعطاه الشاطبي لمقاصد الشريعة، بالنسبة إلى من سبقوه، حيث يقول: "فقد أضاف إلى علم أصول الفقه ومؤلفاته بيانًا إبداعيا في مقاصد الشريعة، وهو الجانب الذي كان حظه من العناية في مؤلفات أصول الفقه قليلًا وضئيلًا، لا يتناسب مع عظيم أهميته في طريق استنباط الأحكام. فقد ألقى الإمام أبو حامد الغزالي قبل ذلك نواة هذا الموضوع في "مستصفاه"٣، ثم قام الشاطبي

стр. 329

باستنبات هذه النواة في "موافقاته" خير الاستنبات، حتى أصبحت حديقة وارفة الظلال"١. ويرى الدكتور عجيل النشمي أن البحث في المقاصد بدأ على يد الغزالي في "شفاء الغليل" ثم يقول "والذي تمم هذا العلم وفصله، وقعد قواعده هو الإمام الشاطبي. بل إن صنيع الشاطبي، لا يقل أهمية عن صنيع الشافعي، في كتابه "الرسالة"، حيث دون العلم وفتق أبوابه وجمع قواعد الاستنباط"٢. ويضم الدكتور عمر الجيدي شهادته إلى هذه الشهادات وغيرها، فيؤكد أن الشاطبي ضمن موافقاته "ما لم يسبقه إليه غيره، حتى إنه ليعتبر بحق المؤسس الأول لعلم مقاصد الشريعة". وبعد إشارته إلى إسهامات بعض السابقين قال: "ألا أن الشاطبي توسع في بحثها بطريقة لم يسبق إليها ولا زوحم عليها. فكان بفعله هذا أشبه بما فعله الشافعي بالنسبة لعلم أصول الفقه"٣. وأهمية هذا الجانب عندي -أعني جانب التوسع الكبير- ليست متوقفة على ما في مضمونه من نفاسة وإبداع، وإنما هي حاصلة في مجرد التوسع وإفراد الموضوع بكتاب كامل٤ يضم مئات الصفحات، كلها اهتمام بمقاصد الشريعة، وتقليب لمواضيعها من مختلف الجوانب والزوايا. فهذا في حد ذاته عمل جديد، وله أهميته البالغة في لفت الانتباه إلى مقاصد الشريعة، والحفز على العناية بها والتفكير فيها. وأظن أن هذا الجانب الكمي الظاهري -في عمل الشاطبي- هو الأكثر إثارة

стр. 330

وإفادة حتى الآن، على اعتبار أن فئة قليلة من أهل العلم وطلابه هي التي درست "الموافقات" دراسة كاملة مدققة، وأفادت منه تمام الإفادة. وقد أمرنا أن نحكم بالظاهر! على أن حجم المقاصد عند الشاطبي ليس محصورًا في:"كتاب المقاصد"، بل هي كما رأينا١، حاشرة مهيمنة على كل مباحث وأجزاء "الموافقات"، وعلى غير "الموافقات". وهذه خطوة جديدة تمامًا، على علم أصول الفقه ومؤلفاته. فقد كانت المقاصد نقطة معينة تذكر أو يشار إليها بمناسبة كذا أو كذا من المباحث الأصولية، فأصبحت عند الشاطبي روحًا يسرى في معظم أجزاء هذا العلم، ويتحفز للسريان بقوة ووضوح في علم الفقه وعالمه، وذلك من خلال إدخاله للمقاصد في مجال الاجتهاد الفقهي، سواء أكان اجتهادًا في فهم النص وتفسيره والاستنباط منه، أو كان فيما لا نص فيه على الخصوص. وسأعود إلى هذا الجانب في الفصل اللاحق والأخير بحول الله.

стр. 331

٢- مقاصد المكلف: وهذا جانب آخر من جوانب الإلهام والإبداع في نظرية الشاطبي، ذلك أن "مقاصد الشارع" لا تتم ولا تتحقق إلا بتصحيح "مقاصد المكلف". فكان من شدة عناية الشاطبي بمقاصد الشارع أن اهتدى لتتويج الكلام فيها بالكلام في مقاصد المكلفين. وهذا أمر جديد تمام الجدة في الموضوع، أعني إلحاق الكلام في مقاصد المكلفين بالكلام في مقاصد الشريعة، وربط هذا بذاك، وبيان ما بينهما من تلازم وتكامل. ولقد تكلم العلماء -علماء التوحيد، وعلماء التربية، "أو التخلق"، وعلماء الفقه- تكلموا في هذا الموضوع تحت باب النية، واعتنوا به العناية اللازمة، حتى قال ابن أبي جمرة، الأندلسي المالكي "وددت لو كان من الفقهاء من ليس له شغل،

стр. 332

إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك"١. ولا شك أن الشاطبي قد استفاد مما كتبه العلماء في موضوع النيات والمقاصد، وبنى عليه. ولكنه مدين في هذا -على وجه الخصوص- لمذهبه المالكي، الذي لم يقف عند حد العناية بمقاصد المكلفين فيما يسمى بالعبادات، ولكنه أولى العناية البالغة لمقاصد المكلفين في جميع أقوالهم وأفعالهم وعقودهم وتصرفاتهم, وقد سبق أن بينت هذا في موضعه بما يكفي. ومع هذا وذاك، فإن الشاطبي كان مجددًا متفردًا، في ربطه بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، ودمج بعضها مع بعض في كتاب المقاصد الشرعية، وفي تناوله لمقاصد المكلف من خلال النظر إلى مقاصد الشارع.

стр. 333

٣- بماذا تعرف مقاصد الشارع ١: وهذا أيضًا من المباحث الحديدة تمامًا عند الشاطبي، وبقدر ما في هذا الموضوع من جدة، بقدر ما له من الأهمية والخطورة؛ لأن كل كلام في المقاصد، وكل توسع في بحثها، وكل اكتشاف جديد لكلياتها، كل هذا متوقف على إيجاد وضبط المنهاج الصحيح لمعرفة مقاصد الشارع. ومن هنا ندرك أي خدمة جليلة قدمها الشاطبي، عندما فتح هذا الموضوع. وعندي أن فتح الشاطبي للموضوع، وفي مبحث خاص، أهم مما قاله فيه، على أهميته. وتناوله لهذا الموضوع في مبحث خاص، يشبه إلى حد كبير، تناوله لموضوع المقاصد في كتاب خاص. وما بثه حول كيفية تعرف مقاصد الشارع، في مختلف المناسبات، شبيه أيضًا بما بثه من الآراء والتنبيهات المقاصدية، في غير كتاب المقاصد.

стр. 334

ولئن كان الشاطبي في إفراده المقاصد بكتاب خاص، إنما طور الموضوع، ونقله نقلة بعيدة عما كان عليه، فإنه في إفراده لموضوع "كيف تعرف مقاصد الشارع" بمبحث خاص، ووضعه ضمن مباحث المقاصد، كان مبدعًا غاية الإبداع، ومجددًا بأوسع معاني التجديد. وهو بهذا المبحث -أكثر من أي مبحث آخر- قد فتح للعلماء، الباب الحقيقي لولوج عالم المقاصد واستخراج كنوزه وخفاياه. وعلى كل، فالموضوع ما زال بحاجة إلى مزيد بحث، وإلى توسيع وضبط. وقد رأينا أنه قد حظي -بعد الشاطبي- باهتمام الشيخ ابن عاشور، فقدم فيه تنبيهات جديدة، وأمثلة جديدة. وقد أحسن الدكتور عبد المجيد النجار، في كتابته مقالًا خاصا في الموضوع "وقد تقدم ذكره".

стр. 335

٤- تقديم ثروة من القواعد: وللشاطبي ولع وعناية بتحرير القواعد الجامعة، وصياغتها صياغة دقيقة مركزة. ومعلوم أن القواعد الجامعة -في أي علم من العلوم- هي الركائز التي يقوم عليها، وينضبط بها. وفي إطارها تنتظم جزئياته، وتنمو نظرياته. وفي موضوعنا خاصة، نجد إمامنا الملهم، قد قدم لنا برهانًا آخر على أنه كان مبدعًا ومؤسسا، وذلك من خلال بثه لعشرات من القواعد، التي تختصر لنا الكثير من جوانب نظرية المقاصد، وتنير لنا الطريق للسير فيها. وقد جمعت منها قدرًا، بدا لي أكثر نضجًا ووضوحًا، وصنفته ورتبته على ما سيأتي. علمًا بأن بعض هذه القواعد قد تقدم في ثنايا الفصول السابقة. أما الصياغة، فهي في غالب الأمر للشاطبي نفسه. وقد أتصرف فيها جمعًا أو تتميمًا أو اختصارًا، ولكنه تصرف قليل، ولا يمس المعنى لا قليلًا ولا كثيرًا. وكل قاعدة متبوعة برقم الجزء ثم الصفحة من "الموافقات" وقد يتعدد ذلك بتعدد مواضع ورودها أو توضيحاتها، وإذا أضفت إلى رقم الجزء حرف "ع" فمعناه الإحالة على كتاب "الاعتصام". وفيما يلي تلك القواعد:

стр. 336

قواعد المقاصد: أولًا- مقاصد الشارع: ١- وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا: ٢/ ٦. ٢- باستقراء أدلة الشريعة -الكلية والجزئية- ثبت قطعًا أن الشارع قاصد إلى حفظ المصالح الضرورية، والحاجية، والتحسينية: ٢/ ٤٩-٥١. ٣- الضروريات: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين: ٢/ ٨. ٤- الحاجيات: هي المفتقر إليها لتوسعة ورفع الضيق والحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح: ٢/ ١١. ٥- التحسينيات: هي الأخذ بما يليق من محاسن العبادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق: ٢/ ١١. ٦- مجموع الضروريات خمسة، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. ٢/ ١٠. ٧ أجمعت الأمة، بل سائر الملل، على حفظ هذه الأصول الخمسة: ١/ ٣٨ و٢/ ٢٥٥- وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينيات: ٣/ ١١٧. ٨- هذه الضروريات تأصلت في القرآن وتفصلت في السنة: ٤/ ٢٧. ٩- المقاصد الضرورية في الشريعة، أصل للحاجيات والتحسينية: ٢/ ١٦. ١٠- لكل مرتبة من المراتب الثلاث مكملات، بحيث لو فقدت لم يخل ذلك بحكمتها الأصلية: ٢/ ١٢.

стр. 337

١١- كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال: ٢/ ١٣. ١٢- مجموع الحاجيات، ومجموع التحسينيات، يصح اعتبار كل منهما بمثابة فرد من أفراد الضروريات: ٢/ ٢٣. ١٣- القواعد الكلية من الضروريات والحجيات والتحسينات، لم يقع فيها نسخ، وإنما وقع النسخ في الجزئيات: ٣/ ١٠٥ و١١٧. ١٤- المصلحة إذا كانت هي الغالبة -عند مناظرتها بالمفسدة في حكم الاعتياد- فهي المقصودة شرعًا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. وكذلك المفسدة، إذا كانت هي الغالبة -بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد- فرفعها هو المقصود شرعًا، ولأجله وقع النهي: ٢/ ٢٦-٢٧. ١٥- المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية، تعظم بحسب عظم المصلحة الناشئة عنها. وقد علم أن أعظم المصالح: جريان الأمور الضرورية الخمسة، المعتبرة في كل ملة، وأن أعظم المفاسد ما يكر بالإخلال عليها: ٢/ ٢٩٨-٢٩٩. ١٦- بحسب عظم المفسدة، يكون الاتساع والتشدد في سد ذريعتها: ع١ / ١٠٤. ١٧- اجتناب النواهي آكد وأبلغ في القصد الشرعي من فعل الأوامر، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح: ٤/ ٢٧٢. ١٨- الأصل في العبادات -بالنسبة إلى المكلف- التعبد دون الالتفات إلى المعاني. والأصل في أحكام العادات، الالتفات إلى المعاني: ٢/ ٣٠٠ وع ٢/ ١٣٥. ١٩- المقاصد العامة للتعبد هي: الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع، والتعظيم لجلاله، والتوجه إليه: ٢/ ٣٠١. ٢٠- خلق الدنيا مبني على بذل النعم للعباد، ليتناولوها ويتمتعوا بها، وليشكروا الله عليها، فيجازيهم في الدار الآخرة. وهذان القصدان من أظهر مقاصد الشريعة: ٢/ ٣٢١.

стр. 338

٢١- المقصد الشرعي من وضع الشريعة: إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد الله اضطرارًا: ٢/ ١٦٨. ٢٢- وضعت الشريعة على أن تكون أهواء العباد تابعة لمقصود الشارع فيها وقد وسع الله على العباد في شهواتهم وتنعماتهم بما يكفيهم، ولا يفضي إلى مفسدة ولا إلى مشقة: ١/ ٣٧٧. ٢٣- مشقة مخالفة الهوى، ليست من المشاق المعتبرة، ولا رخصة فيها البتة: ١/ ٣٣٧ و٢/ ١٥٣. ٢٤- تخيير المستفتي١ مضاد لقصد الشريعة، لأنه يفتح له باب اتباع الهوى، وقصد الشارع إخراجه عن هواه: ٤/ ٢٦٢. ٢٥- الشارع لا يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه: ٢/ ١٢١. ٢٦- لا نزاع في أن الشارع قاصد إلى التكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما. ولكنه لا يقصد نفسه المشقة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف: ٢/ ١٢٣-١٢٤. ٢٧- إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد، بحيث يحصل بها للمكلف فساد ديني أو دنيوي، فمقصود الشارع فيها، الرفع على الجملة: ٢/ ١٥٦. ٢٨- وإذا كانت من المشاق المعتادة، فالشارع وإن كان لا يقصد وقوعها، فليس بقاصد إلى رفعها أيضًا. ٢/ ١٥٦. ٢٩- العزيمة أصل، والرخصة استثناء. ولهذا فالعزيمة مقصودة للشارع بالقصد الأول، والرخصة مقصودة بالقصد الثاني: ١/ ٣٥١-٣٥٣. ٣٠- أسباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع، ولا مقصودة الرفع: ١/ ٣٥٠. ٣١- إذا ظهر من الشارع- في بادئ الرأي- القصد إلى تكليف ما لا يطاق، فذلك راجع -في التحقيق- إلى سوابقه، أو لواحقه، أو قرائنه: ٢/ ١٠٧. ٣٢- الأصل في الأحكام الشرعية الاعتدال والتوسط بين طرفي التشديد

стр. 339

والتخفيف. فإذا رأيت ميلًا إلى أحد الطرفين، فذلك لمقابلة ومعالجة ميل مضاد -واقع أو متوقع- في المكلفين: ٢/ ١٦٣-١٦٧. ٣٣- من مقصود الشارع في الأعمال، دوام المكلف عليها: ٢/ ٢٤٢. ثانيًا: مقاصد المكلف: ٣٤- الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات: ٢/ ٣٢٣. ٣٥- المقاصد أرواح الأعمال: ٢/ ٣٤٤. ٣٦- قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، وألا يقصد خلاف ما قصد: ٢/ ٣٣١. ٣٧- من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له، فعمله باطل: ٢/ ٣٣٣. ٣٨- من سلك إلى مصلحة، غير طريقها المشروع، فهو ساع في ضد تلك المصلحة: ١/ ٣٤٩. ٣٩- القصد إلى المشقة باطل، لأنه مخالف لقصد الشارع، ولأن الله لم يجعل تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده: ٢/ ١٢٩ و١٣٤ وع١/ ٣٤١. ٤٠- ليس للمكلف أن يقصد المشقة لعظم أجرها، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل: ٢/ ١٢٨. ٤١- التكاليف العادية "تكاليف العادات والمعاملات" يكفي لصحتها ألا يكون القصد فيها مناقضًا لقصد الشارع، ولا يشترط فيها ظهور الموافقة: ١/ ٢٥٧. ٤٢- لا فرق بين القصد وعدم القصد في الأمور المالية. والخطأ فيها مساو للعمد في ترتيب الغرم على إتلافها: ٢/ ٣٤٧. ٤٣- لا يلزم في تعاطي الأسباب من قبل المكلف، القصد إلى مسبباتها. وإنما عليه الجريان تحت الأحكام المشروعة لا غير: ١/ ١٩٣. ٤٤- إيقاع السبب، بمنزلة إيقاع المسبب، قصد ذلك المسبب أم لا: ١/ ٢١١.

стр. 340

ثالثًا: كيف تعرف مقاصد الشارع؟ ٤٥- تحديد مقاصد الشارع لا ينبني على ظنون وتخمينات غير مطردة: ١/ ٨٠. ٤٦- الأمر بالفعل يستلزم قصد الشارع إلى وقوع ذلك الفعل، والنهي يستلزم القصد إلى منع وقوع المنهي عنه: ٢/ ٣٩٣ و٣/ ١٢٢. ٤٧- علل الأحكام تدل على قصد الشارع فيها، فحيثما وجدت اتبعت: ٢/ ٣٩٤ و٣/ ١٥٤. ٤٨- مدح الفعل دليل على قصد الشارع إلى إيقاعه، وذمه دليل على القصد إلى عدم إيقاعه: ٢/ ٢٤٢. ٤٩- الامتنان بالنعم، يشعر بالقصد إلى تناولها والتمتع بها مع الشكر عليها: ١/ ١١٧ و١٢٦. ٥٠- كل أصل ملائم لتصرفات الشارع، وكان معناه مأخوذًا من مجموعة أدلة، حتى بلغ درجة القطع، يبني عليه ويرجع إليه، ولو لم يشهد له نص معين: ١/ ٣٩. ٥١- وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع "وهو الله تعالى" إلى المسببات: ١/ ١٩٤. ٥٢- كل ما كان مكملا ومقويا لمقصود شرعي، فهو مقصود تبعًا: ٢/ ٣٩٧. ٥٣- إذا سكت الشارع عن أمر، مع وجود داعي الكلام فيه، دل سكوته على قصده إلى الوقوف عندما حد وشرع: ٢/ ٤١٠ وع١/ ٣٦١. ٥٤- إذا فهمنا من الحكم الشرعي حكمة مستقلة لشرعه، فلا يلزم ألا يكون ثم حكمة أخرى، ومصلحة ثانية، وثالثة، أو أكثر من ذلك: ٢/ ٣١١.

стр. 341

الفصل الثاني: المقاصد والاجتهاد مدخل ... الفصل الثاني: المقاصد والاجتهاد تقدمت إشارات وتوضيحات فيما يخص أهمية نظرية المقاصد عند الشاطبي: سواء أثناء عرض النظرية، أو أثناء بيان امتداداتها وأبعادها في مختلف المباحث الأصولية، أو من خلال مناقشة قضاياها الأساسية، أو من خلال إبراز جوانب التجديد فيها. غير أننا الآن بصدد أهم ما في نظرية المقاصد، وهي الغاية القصوى لها، والفائدة الكبرى منها وأعني بذلك أثرها في فهم الشريعة والاجتهاد في أحجامها، والاهتداء بهديها، والسير في ضوء مقاصدها. وههنا فإن "الشاطبي النجم"١ فلقد فتح الباب واسعًا لأهل الشريعة وفقهها، للتطلع إلى أسرارها وحكمها، ومهد لهم طريق التعامل مع مقاصدها وكلياتها، جنبًا إلى جنب مع نصوصها وجزئياتها، فأعطي بذلك للفقه الإسلامي، وللفكر الإسلامي مصدر انبعاث وتجدد، كان قد افتقده إلى حد كبير. وقد تحدث أحد المشتغلين بهذا المجال -وهو الشيخ مصطفى الزرقاء- تحدث عن الدور الكبير الذي أصبح الشاطبي يؤديه اليوم لعلماء الشريعة وطلابها، فقال: "ومنذ أن نشر كتابه "الاعتصام" في البدع، وكتابه الآخر: "الموافقات في أصول الشريعة"٢، وكانا من الكنوز الدفينة، أخذ اسم الشاطبي يدور على ألسنة.

стр. 342

العلماء والفقهاء، وأصبح الكتابان -ولا سيما الموافقات- من ركائز التراث الأساسية التي يلجأ إليها أساتذة الشريعة وطلابها المتقدمون، تفهمًا في دراساتهم، وعزوًا وتوثيقًا لأفهامهم فيما يكتبون. ولمع نجم الشاطبي منذئذ بالمشرق في هذا الأفق العلمي، ثم أخذ يزداد سطوعًا حتى أصبح يستضاء في بحوث أصول الشريعة ومقاصدها، وتوضح به الحجة، وتقام بما فيه المحجة١. وتذكرني الكلمات الأخيرة للشيخ الزرقاء، بكلمات أخرى للشاطبي، ومن غريب الأقدار أنها -فيما يظهر- هي آخر ما كتبه ﵀، وأعني بذلك الكلمات التي وقف عندها -وتوفي بعدها- من كتابه "الاعتصام" وهي: "إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضًا لا يعرف دون وسائطهم، بل بهم يتوصل إليه. وهو الأدلاء على طريقه"٢. وبمقتضى هذه الحقيقة الثابتة في التاريخ البشري عامة، وفي الميدان العلمي خاصة، فقد أصبح الشاطبي حجة من حجج الشريعة وعلمًا من أعلام مقاصدها، ودليلًا من الأدلاء على حكمها وأسرارها. يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، عن كتاب الموافقات: "لقد بنى الشاطبي -حقا- بهذا التأليف هرمًا شامخًا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يشرف منه على مسالك وطرق لتحقيق خلود الدين وعصمته، قل من اهتدى إليه قبله. فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالة عليه، وظهرت مزية كتابه ظهورًا عجيبًا في قرننا الحاضر والقرن قبله، لما أشكلت على العالم الإسلامي -عند نهضته من كبوته- أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية، فكان كتاب الموافقات للشاطبي هو المفزع، وإليه المرجع٣.

стр. 343

والشاطبي لم يكتف بالتوسع والتعمق في مقاصد الشريعة، وبناء نظرية متكاملة في ذلك، وشق مسالك البحث والكشف عن المقاصد، لم يكتف بهذا ليترك أمر الاستفادة من ذلك لفهم الفاهمين ومبادرة المتفقهين، بل حرص بنفسه على أن يوصل الأمر إلى غايته، وينتهي به إلى ثمرته. فلم يبرح حتى أدخل المقاصد في عالم الاجتهاد، وأدخل الاجتهاد في عالم المقاصد، فأحيا صلة الرحم ووثقها بينهما.

стр. 344

المقاصد وشروط المجتهد: فلأول مرة -في حدود ما يعلم- نجد أن أول شرط لبلوغ درجة الاجتهاد هو "فهم مقاصد الشريعة على كمالها١ ونجد أن الشرط الثاني -والأخير- لا يخرج أيضًا عن المقاصد، وهو: "التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها"٢. أي في المقاصد. ولقد ظل الأصوليون -لعدة قرون- يسطرون لائحة طويلة بشروط المجتهد وما ينبغي أن يحصله من الدرجات العلمية، وبعضهم يزيد فيها، وبعضهم ينقص منها٣. ثم جاء الشاطبي، فأعرض عن تلك اللوائح، طويلها وقصيرها، وحصر درجة الاجتهاد في أمر جامع: هو فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وإلى حد التمكن من الاستنباط في ضوئها. ولست أعني -أبدًا- أن السابقين، من فقهاء وأصوليين، لم يكونوا على بال من أمر المقاصد وضرورتها للمجتهد، وإنما أعني -فقط- أن بين الشاطبي وسابقيه

стр. 345

ممن تكلموا في الاجتهاد وشروطه، فروقًا كبيرة، ستزداد وضوحًا خلال الصفات الآتية. كما أني لا أقول بما ذهب إليه الشيخ عبد الله دراز -تعليقًا على اشتراط الشاطبي فهم المقاصد لبلوغ درجة الاجتهاد- حيث قال: "لم نر من الأصوليين من ذكر هذا الشرط الذي جعله الأول، بل جعله السبب. أما التمكن من الاستنباط، فهو الذي اقتصرت عليه كتب الأصول المشتهرة، وجعلوه يتحقق بمعرفة الكتاب والسنة، أي ما يتعلق منهما بالأحكام، ثم بمعرفة مواقع الإجماع وشرائط القياس، وكيفية النظر وعلم العربية، والناسخ والمنسوخ، وحال الرواة، ثم رأيت في إرشاد الفحول للشوكاني: نقل الغزالي عن الشافعي، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا، ويقدمها على الجزئيات"١. والحق أن الشاطبي مسبوق باشتراط العلم بمقاصد الشرعية، بكيفية صريحة أحيانًا، وبشكل ضمني أحيانًا أخرى. وقد ورد التصريح بهذا الشرط في بضع "كتب الأصول المشتهرة". ولا أحسب كتاب "جمع الجوامع" إلا أشهرها إلى أيام الشيخ دراز، ولعله قد حفظه في شبابه، ثم لعله قد نسيه بعد قراءته الموافقات! فقد تحدث ابن السبكي عن العلوم التي تلزم المجتهد، ثم نقل عن والده في تعريف المجتهد: "وقال الشيخ الإمام: هو من هذه العلوم ملكة له. وأحاط بمعظم قواعد الشرع، ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع"٢. وفي شرحه للمنهاج، صرح أن العالم إذا تحققت له رتبة الاجتهاد، ومنها "الاطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها"٣ جاز تقليده كما قلد الشافعي وغيره من الأئمة.

стр. 346

وواضح أن عبد الوهاب السبكي -كما صرح بنفسه- تابع في اشتراط العلم بالمقاصد، لأبيه "علي بن عبد الكافي: ت ٧٥٦"، وقد صرح الأب في مقدمة شرح المنهاج بأن كمال رتبة الاجتهاد يتوقف على ثلاثة أشياء، وجعل ثالثها: "أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها موارد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكمًا لها في ذلك المحل، وإن لم يصرح به"١. وأما ما قرأه الشيخ دراز عند الشوكاني، نقلًا عن الغزالي، من كون الإمام الشافعي كان يلاحظ القواعد الكلية ويقدمها على الجزئيات، فقد أورده الغزالي في "المنخول، ص: ٣٦٦-٣٦٧". ومعلوم أن المنخول مأخوذ كله عن إمام الحرمين. وفعلا فقد أورد الجويني هذه المسألة في البرهان، حيث ذكر مصادر الاجتهاد عند الشافعي، وأنه يعتمد على الكتاب، ثم الأخبار المتواترة، ثم الآحاد، ثم ظواهر الكتاب إلا أن تكون مخصصة، ثم ظواهر الأخبار، المتواترة فالآحاد، ثم قال: "فإن عدم المطلوب في هذه الدرجات، لم يخض في القياس بعد، ولكنه ينظر في كليات الشرع ومصالحها العامة. وعد الشافعي من هذا الفن: القصاص في المثقل، فإن نفيه٢ يخرم قاعدة الزجر. ثم إذا لم يجد في الواقعة مصلحة عامة، التفت إلى مواضع الإجماع. فإن عدم ذلك خاض في القياس"٣. ولا يهمني الآن هذا الترتيب للأدلة، وتقديم بعضها على بعض، وما إن كان هذا الترتيب يمثل حقيقة الأمر في اجتهاد الإمام الشافعي، أم أنه -فقط- استنتاج لإمام الحرمين، وإنما الذي يهمني في هذا النص، هو أن الإمام الشافعي كان -في اجتهاده "ينظر في كليات الشرع ومصالحها العامة" أي أنه -بعبارة أخرى- ينظر

стр. 347

في المقاصد العامة للشريعة، ويبني عليها اجتهاده. هذا مع العلم أن الإمام الشافعي هو أقل الأئمة الأربعة اعتمادًا على المصالح والمقاصد. وتنصيص الأصوليين الشافعية على هذا المسلك الاجتهادي عند الإمام الشافعي، هو اشتراط ضمني لمعرفة مقاصد الشريعة وضرورة مراعاتها والبناء عليها. ومما ينسجم مع هذا المسلك، ما ذهب إليه إمام الحرمين من أن المصالح الضرورية إذا جاء القياس بخلافها، ترك وقدمت عليه القواعد العامة التي تقتضي حفظ الضروريات. قال: "ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي فيه -وإن كان جليا- إذا صادم القاعدة الكلية، ترك القياس الجلي للقاعدة الكلية"١. وقد مثل هذا بقتل الجماعة بالواحد، فإنه خلاف القياس الذي يقتضي المماثلة "النفس بالنفس"، ولكن حفظ الأنفس، الذي هو من أبرز مقاصد الشارع، اقتضى قتل الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد. لأنه لو لم يقتلوا، لكان ذلك مغريًا باللجوء إلى القتل المشترك، تهربًا من القصاص. وهذا اعتماد واضح على المقاصد الضرورية وتقديم لها على القياس الجزئي، ولو كان جليا. وقال الإمام الغزالي: "ونحن نجعل المصلحة تارة علمًا للحكم، ونجعل الحكم أخرى علمًا لها"٢. وقد رأينا أن الغزالي لا يعتد بالمصلحة، إلا إذا ظهر أنها مقصودة للشارع فمعنى نصه هذا: أن مقاصد الشارع تتخذ دليلًا على الحكم، مثلما يتخذ الحكم دليلًا على مقصود الشارع. وهذا يستلزم معرفة المجتهد لمقاصد الشريعة. ورأينا أيضًا أن الأصوليين، أدخلو المقاصد في باب التراجيح، ونصوا على ترجيح المقاصد الضرورية على الحاجية، والحاجية على التحسينية، كما

стр. 348

تعرضوا لترجيح الضروريات فيما بينها، وهذا اشتراط ضمني للعلم بالمقاصد في حق كل من يجتهد ويرجح بين العلل والمقاصد. فلا يمكن أن يرجح بين المقاصد إلا عالم بها. ولقد كان الإمام القرافي صريحًا في اشتراط معرفة المقاصد، ليس في المجتهد فحسب، بل حتى في حق الفقيه المقلد، وإن كان لكل منهما مرتبته. قال: "ولكنه "أي الفقيه المقلد" إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه، لا يخرجها على محفوظاته، ولا يقول: هذه تشبه المسألة الفلانية، لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة، ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية، وهل هي من باب المصالح الضرورية، أو الحاجية، أو التتمية، وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول إمامه: نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده"١. وإذًا، فالمقاصد يجب أن يعرفها المجتهد ليتأتى له التخريج عليها، ويجب أن يعرفها الفقيه المقلد، لأن فقه إمامه قد بني عليها، فلا يستطيع هو أن يفتي بذلك الفقه ويخرج عليه حتى يعرف المقاصد التي بني عليها، والمصالح التي راعاها. وأعود إلى شيخ المقاصد. فقد تقدم أنه جعل الشرط الأول والأعظم لبلوغ مرتبة الاجتهاد هو معرفة المقاصد على كمالها، قال: "فإذا بلغ الإنسان مبلغًا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله"٢.

стр. 349

فالصفة الحقيقية التي تؤهل صاحبها لأن ينوب عن غيره، ويتكلم باسمه، هي أن يكون عارفًا خبيرًا بمقاصده على الجملة وعلى التفصيل. وأما ما عدا ذلك فأمور مساعدة. فالمجتهد، الذي يحكم ويفتي باسم الشارع، لا بد وأن يكون -أول ما يكون- عالمًا تمام العلم بمقاصده العامة، وأن يكون عالمًا بمقصده -أو مقاصده- في المسألة التي يجتهد فيها ويحكم عليها. وهكذا ارتفع أبو إسحاق بمنزلة المقاصد في الاجتهاد، إلى أعلى المنازل. فلم تبق عبارة عن كلمات عابرة غامضة، تقال -أو لا تقال- في أواخر لائحة طويلة من الشروط المطلوبة في المجتهد، لا يكاد يلتفت إليها الدارس، فضلًا عن القاري العابر، حتى رأينا الشيخ دراز -وهو الأصولي المتمرس- قد غفل عنها ونفاها. وقد عمل الشاطبي على تأكيد وترسيخ أهمية المقاصد وضرورتها للمجتهد في مناسبات عدة، وبأساليب شتى. حتى إنه نبه على أن العالم المجتهد، وإن كان عالمًا بالمقاصد، فإنه إذا غفل عنها زل في اجتهاده. قال: "فزلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه"١. وإذا كان هذا شأن المجتهد الخبير بمقاصد الشرع، فما بالك بمن قصروا عن هذه المرتبة! ولهذا تجده كلما حمل على المنحرفين في فهم الدين وشريعته، وضع إصبعه على الجهل، بمقاصد الشريعة، أو نص على أنه السبب، أو أحد الأسباب على الأقل. فمن هؤلاء ناس يرون أنفسهم أهلًا للاجتهاد في الدين، فيتجرءون على أحكامه وشريعته، حتى لتجد أحدهم "آخذًا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها. حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه، من غير إحاطة بمعانيها ولا راجع رجوع الافتقار إليها، ويعين على هذا: الجهل بمقاصد الشريعة، وتوهم بلوغ مرتبة الاجتهاد"٢.

стр. 350

ومن هؤلاء أيضًا: بعض أهل البدع والأهواء١، فإنهم وقفوا عند "اتباع ظواهر القرآن، على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده"٢. ومن هؤلاء أيضًا: أتْباع المتشابهات، الذين يعمدون إلى بعض النصوص، فيعزلونها عن أصول الدين وكلياته، ثم يضربون بها محكماته ومسلماته. قال الشاطبي: "ومدار الغلط في هذا الفصل، إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض. فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها، وجزئياتها المرتبة عليها" إلى أن قال: "فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة. وشأن متبعي المتشابهات: أخذ دليل ما -أي دليل كان- عفوًا وأخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيا"٣. فالنظرة الشمولية المنسجمة للشريعة وأحكامها، لا تتأتى إلا لمن خبروا المقاصد وأحكموا الكليات، ثم نظروا في الأحكام من خلال ذلك. ومن فاته هذا المستوى، وأهمل هذا النوع من النظر، وقع في التخبط والاضطراب، وأتى بالأقوال الشاذة المجافية لمقاصد الشارع، أو انتهى إلى العجز والانكماش، تاركًا ما ليس لقيصر، لقيصر. فالمقاصد ليست -فحسب- أداة لإنضاج الاجتهاد وتقويمه، ولكنها -أيضًا- أداة لتوسيعه وتمكينه من استيعاب الحياة بكل تقلباتها وتشعباتها ... ، وفي هذا

стр. 351

يقول الشاطبي "فالمجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على وفق المصالح إلا بنص أو إجماع"١، فالنصوص إذا أخذت بظاهرها وحرفيتها فقط. ضاق نطاقها وقل عطاؤها وإذا أخذت بعللها ومقاصدها، كانت معينًا لا ينضب، فينفتح باب القياس، وينفسح باب الاستصلاح، وتجري الأحكام مجراها الطبيعي في تحقيق مقاصد الشارع، بجلب المصالح ودرء المفاسد. وبعد أن أعطى الشاطبي للمقاصد هذه المرتبة العليا، وهذا الوزن الثقيل في ممارسة الاجتهاد، أخذ العلماء -اليوم- يسلكون مسلكه في إبراز ضرورة المقاصد للمجتهدين في أحكام الشرع، وفي بيان أهميتها وفائدتها في أي اجتهاد فقهي أو فكري. فقد أكد الأستاذ علال الفاسي: "أن مقاصد الشريعة هي المرجع الأبدي لاستقاء ما يتوقف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي، وأنها ليست مصدرًا خارجيا عن الشرع الإسلامي، ولكنها من صميمه. وليست غامضة غموض القانون الطبيعي الذي لا يعرف له حد ولا مورد. وأن المقاصد تؤثر حتى على ما هو منصوص عليه عند الاقتضاء"٢. وقد مثل لهذا، بتوقيف عمر حد السرقة عام المجاعة، لأنه ﵁ كان يعلم أن مقصود الشارع بهذا الحد هو عقوبة المعتدين وزجرهم عن الاعتداء. والسارق المضطر ليس معتديًا، بل المعتدي من كان غنيا والناس من حوله جياع إلى حد الضرورة. وقد أعذر الله المضطرين، فكيف يقام عليهم الحد؟ وقد انتقد الأستاذ علال الفاسي "ص٤١" الدكتور صبحي محمصاني، لكونه اعتبر مقاصد الشريعة، من المصادر الخارجية للتشريع الإسلامي٣.

стр. 352

وأما العلامة ابن عاشور، فقد تعرض مرارًا لبيان أهمية المقاصد في الاجتهاد الفقهي. فقد كتب فصلا سماه: "احتياج الفقيه إلى إلى معرفة مقاصد الشريعة"، بين فيه أن الاجتهاد في الشريعة يكون على خمسة أوجه هي: ١- فهم أقوالها ونصوصها بمقتضى اللغة والاصطلاح الشرعي. ٢- النظر يما يعارض النص من نسخ، أو تقييد، أو تخصيص، أو نص راجح. ٣- تعرف علل الأحكام ثم القياس عليها. ٤- الحكم فيما لا يشمله نص خاص ولا قياس. ٥- تقرير الأحكام التعبدية على ما هي عليه. فهذه خمسة مجالات لاجتهاد الفقهاء. ثم قال: "فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها"١. ثم وضح ذلك، مما يطول نقله، غير أني أنقل شيئًا من بيانه لأهمية المقاصد للنوع الرابع من أنواع الاجتهاد، وهو الاجتهاد فيما لا يدخل تحت نص خاص ولا قياس. قال: "أما في النحو الرابع: فاحتياجه فيه ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا. وفي هذا النحو أثبت مالك ﵀ حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجية والتحسينية"٢. وكتب فصلًا آخر بعنوان "أدلة الشريعة اللفظة لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية" أكد فيه ضرورة أخذ النصوص بمقاصدها، التي تدل عليها القرائن والأمارات الخارجة عن النص، ونعى فيه على من يتعاملون مع النصوص

стр. 353

مجردة ومقطوعة عن الدلائل التي ترشد إلى مقاصدها ومعانيها الحقيقية. قال: "ومن هنا يقصر بعض العلماء، ويتوحل في خضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يقلبه ويحلله ويأمل أن يستخرج لبه. ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق"١.

стр. 354

مسالك الاجتهاد المقاصدي النصوص والأحكام بمقاصدها ... مسالك الاجتهاد المقاصدي: رغم أنه قد تقدم الشيء الكثير من أوجه الاجتهاد المراعي لمقاصد الشريعة والمنبني عليها، مع أمثلة توضح ذلك، وتشير إلى أن هذا النهج الاجتهادي عريق في تراثنا الفقهي، وأنه نابع من طبيعة الشريعة نفسها، ومشهود له في نصوصها وقواعدها. أقول: رغم ما تقدم من ذلك، فإن هذه هي المناسبة الخاصة، لجمع ما تفرق من هذا الموضوع، وإضافة ما يمكنني -الآن- إضافته، عسى أن أقترب -مجرد اقتراب- من تحصيل المقصود. أعني: تحديد أهم مسالك الاجتهاد المقاصدي. فليس يكفي أن نظل نؤكد على أهمية المقاصد. وأنها ضرورية للمجتهد، وأن كبار الأئمة كانوا مقاصديين في اجتهاداتهم، بل لا بد من العمل -شيئًا فشيئًا- على تحديد المجالات ووضع المعالم الهادية في هذا الطريق. وهو أمر لا تخفى صعوبته وخطورته، ولكن لا بد من اقتحام العقبة، ولو في مرحلة أولى منها. والاعتماد على العلماء يشجع ويساعد. ١- النصوص والأحكام بمقاصدها: وهذا هو ما عليه الجمهور، خلافًا للظاهرية. ولكن هذا الجمهور يتفاوت في مدى الأخذ بهذا المبدأ، وفي مدى الاطراد في العمل به. والتفاوت هنا هو بين الفقهاء أفرادًا، أكثر مما هو بين مذهب وآخر.

стр. 355

وكون النصوص والأحكام ينبغي أن تؤخذ بمقاصدها دون الوقوف عند ظواهرها وألفاظها وصيغها، يستند إلى ما تقرر في مسألة التعليل، من كون نصوص الشريعة وأحكامها معللة، بمصالح ومقاصد وضعت لأجلها. فينبغي عدم إهمال تلك المقاصد ولا الغفلة عنها عند تقرير الأحكام، وعند النظر في النصوص. ومن هذا الباب -إضافة إلى ما مضى من أمثلة- ما قرره أبو زيد الدبوسي "ت٤٣٢"، حيث قال: "الأصل عند علمائنا١ أن من وجبت عليه الصدقة، إذا تصدق على وجه يستوفي به مراد النص منه أجزأه عما وجب عليه. وعند٢ لا يجزيه. قال أصحابنا: إذا وجبت الزكاة في الدراهم، فأدى بدلها حنطة أو غيرها، جاز عندنا، لأن مراد النص سد خلة الفقير ودفع حاجته وقد حصل. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي لا يجوز"٣. وقد طرد هذا الأصل في جميع الواجبات المالية، من زكاة فطر، أو كفارات أو نذور، بحيث تقوم الأموال بعضها مقام بعض بشرط التعادل وعدم الإضرار بحق الأخذ. وعلى هذا الأصل مضى ابن القيم في عدد من اجتهاداته، فقد قال عن صدقة الفطر التي فرضها النبي ﷺ صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط، قال: "وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأمل أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم. إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد"٤. ومثل هذا قاله في مسألة التصرية٥، حيث إن النبي ﷺ نص على رد صاع من تمر مقابل ما حلب. وبناء على لفظ الحديث ذهب أكثر الشافعية والحنابلة إلى
следующие страницы →