← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإذن، فنظرية المصلحة في مذهب مالك، لم ينضجها التأخر الزمني، بل أنضجها التقدم الزمني، أي أنها في الأصل نظرية ناضجة في شريعة الإسلام وأبرزها أكثر التطبيق النبوي، ثم ازدادت بروزًا واتساعًا عندما اشتدت الحاجة إليها بعد توقف الوحي، وذلك من خلال سنة الخلفاء الراشدين ﵃. وأبرزهم في ذلك عمر. ثم كان للتأخر الزمني، والبعد المكاني، عن هذه الصورة النموذجية أثرهما في التشويش والتضبيب. وبلغ ذلك إلى حد أن بعض المالكية أنفسهم أنكروا حجية المصلحة المرسلة، كالباقلاني، وابن الحاجب! والاستحسان الحنفي إنما هو قبس من نظرية المصلحة في الشريعة الإسلامية. ولست أعني -بالضوررة- أنه مأخوذ من مذهب معين أو اجتهاد معين، بل الظاهر أنه فهم أوتيه الإمام الأعظم، مباشرة لنصوص الشريعة وأحكامها ولكنه -كما أشرت- جاء أقل وضوحًا واتساعًا مما كان عليه الشأن، عند إمام المدينة. فالاستحسان عند مالك، يعني شيئًا واحدًا واضحًا محددًا: هو رعاية المصلحة. وما رواه عنه أصحابه من أن "الاستحسان تسعة أعشار العلم"١ لا يمكن أن يعني إلا مراعاة المصلحة في الأحكام الاجتهادية. وفي هذا يقول ابن رشد "الحفيد": "ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال: هو الالتفات إلى المصلحة والعدل"٢. فإذا كان الاستحسان -في نظر الإمام مالك- يمثل تسعة أعشار الاجتهاد الفقهي، وكان معنى الاستحسان هو مراعاة المصلحة والعدل، فهذا يعني أن على

стр. 72

الفقيه ألا يغيب عنه الالتفات إلى مقصود الشارع، وهو المصلحة والعدل: فإذا وجد مصالح مهملة ومضيعة، فالاستحسان يقتضيه أن يجتهد ويقرر ما يعد لها اعتبارها ويحقق حفظها. وإذا رأى أضرارًا قائمة، فالاستحسان أن يجتهد ويفتي بمنع تلك الأضرار. وإذا رأى نصوصًا شرعية تفهم على نحو يفضي إلى حصول ضرر محقق، أو إلى تفويت مصلحة محترمة في الشرع، استحسن إعادة النظر في ذلك الفهم، وإذا وجد قياسًا خرج على خلاف مقصود الشارع في العدل والمصلحة، فليعلم أنه قياس غير سليم، أو في غير محله، فيستحسن ألا يتقيد به، وأن يرجع إلى القواعد العامة للشريعة. وبهذا يكون الاستحسان -فعلًا- تسعة أعشار العلم. ومن هذا القبيل أن ابن عبد البر نقل عن مالك أحكامًا واجتهادات تتعلق بالمعاملات وحسن الجوار، ثم قال: "وهذا كله استحسان واجتهاد في قطع الضرر"١. فالاستحسان المالكي -إذن- هو الحرص على جلب المصلحة ودرء المفسدة "وكلمة الاستحسان عند مالك تعني حكم المصلحة عند عدم وجود نص شرعي. ولهذا كان مالك يترك القياس إذا خالف المصلحة الملائمة لمقاصد الشارع"٢. ويقول الدكتور وهبة الزحيلي: "والحقيقية أنني لو تعقبت جميع أنواع الاستحسان، لما وجدت فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلًا مستقلا قائمًا بذاته. وأكثر ما يعتمد على المصالح المرسلة"٣. ثم قال بعد ذلك: "وإن أكثر ما يعتمد عليه الاستحسان، هو المصلحة المرسلة، وهو الاستحسان المصلحي الذي قال به المالكية"٤.

стр. 73

فهذه لمحات عن مكانة مراعاة المصالح المقصودة للشارع، في المذهب المالكي. وقد بلغ من شدة وضوح الاربتاط بين مقاصد الشارع، ومصالح الخلق، أن نجد أحد كبار الفقهاء المالكية يقرر أن قواعد المعاملات وأسس المعارضات أربعة، هي: - قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. - وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢. - وأحاديث الغرر. - واعتبار المقاصد والمصالح٣. وأختم هذه الفقرة بإيراد بعض التعليلات المنقولة عن الإمام مالك، وهي تعليلات تربط الأحكام بمصالحها، وتفهم النصوص بمقاصدها "فضلا عما تقدم، وما سيأتي في بقية الفقرات". فمن ذلك ما أورده القرطبي في تفسيره، عن حكم الضيافة التي جاء الأمر بها في الأحاديث، ومتى تجب ومتى لا تجب؟ قال: "اختلف العلماء فيمن يخاطب بها، فذهب الشافعي ومحمد بن الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر"٤. ومعنى هذا أن مالكًا أدار الحكم على مقصوده وحكمته، وهي سد حاجة المسافر والمهاجر، فإذا كان يجد لنفسه أماكن للإقامة والمبيت وغير ذلك من ضروراته، فقد سقط وجوب استضافته، ويبقى التفضل والإحسان. وإذا لم يجد ذلك وجب على أهل البلد استضافته، وهو واجب كفائي طبعًا. بينما الشافعي

стр. 74

تمسك بظاهر الأمر، ولم يفرق بين حالة وحالة. واعتبر الضيافة واجبة في جميع الحالات. ومن ذلك أيضًا، ما جاء في الحديث من أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف. ولكن مالكًا لم يجمد عند ظاهر الحديث وإنما نظر إلى مقصوده، ففي تفسير القرطبي: قال ابن وهب قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسًا أن يزيد"١. ومن ذلك ما جاء في الحديث من الحث على السواك عند كل صلاة. قال ابن العربي: "اختلف العلماء في السواك: - فقال إسحاق: إنه واجب. ومن تركه عمدا أعاد الصلاة. - وقال الشافعي: سنة من سنن الوضوء. - واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم"٢. وفي مسألة التنشيف بعد الوضوء، ذكر ابن العربي اختلاف العلماء ما بين قائل بالكراهة في الوضوء والغسل، وقائل بالكراهة في الوضوء دون الغسل، وقائل بالجواز مطلقًا، وهذا القول الثالث "قاله مالك لما تقدم من الأحاديث، ولأن المقصود من العبادة قد حصل. فمسحه بعد ذلك لا يؤثر"٣.

стр. 75

٢- سد الذرائع: وهذا أصل آخر من الأصول التي حمل لواءها المذهب المالكي، وعمل بها أكثر من غيره، وعلى نحو أوضح من غيره. ثم تابعته فيه المذاهب الأخرى، بمقدار ما. وأقلهم في ذلك المذهب الشافعي. وهذا الأصل أيضًا من الأصول العُمَرية الواضحة. فقد عرف عمر ﵁ بسياسته الوقائية وإجراءاته الردعية.

стр. 76

وهذا الأصل أيضًا، هو وجه آخر من وجوه رعاية مقصود الشارع في حفظ المصالح، ودرء المفاسد. وهذه النقطة الأخيرة، هي ما يعنيني الآن. أما المباحث الأخرى، المتعلقة بسد الذرائع، فليس من الضروري أن أقحمها في هذا السياق. وحسبنا فيها ما هو مكتوب من قبل. فقد كتب الإمام ابن القيم فصلا مهمًّا، أظهر فيه المنزلة الكبيرة لمبدأ سد الذرائع في الدين. وانتهى فيه إلى أن سد الذرائع هو أحد أرباع التكليف١، ثم بنى عليه بحثًا مطولًا جدا في تحريم الحيل، باعتباره سدا للذريعة أيضًا. وقيل ابن القيم، أفرد شيخه الإمام ابن تيمية هذين الموضوعين بمؤلف خاص لا أدري إن كان محفوظًا أو ضائعًا، فقد قال: "وقد بسطنا الكلام على قاعدة إبطال الحيل وسد الذرائع، في كتاب كبير مفرد، وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار"٢. كما أن الموضوع تناوله بالبحث عدد من الكتاب الأصوليين اليوم، وأكتفي بذكر أوسع ما رأيته من ذلك، وهو بحث الأستاذ محمد هشام برهاني: "سد الذرائع في الشريعة الإسلامية". وقاعدة سد الذرائع تقوم مباشرة على المقاصد والمصالح، فهي تقوم على أساس أن الشارع ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها، من جلب المصالح ودرء المفاسد. فإذا أصبحت أحكامه تستعمل ذريعة لغير ما شرعت له، ويتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الحقيقية، فإن الشرع لا يقر إفساد أحكامه وتعطيل مقاصده، ولا يجوز لأهل الشريعة أن يقفوا مكتوفي الأيدي، أمام هذا التحريف للأحكام عن مقاصدها، بدعوى عدم مخالفة ظواهرها ورسومها.

стр. 77

وقبل أن أذكر بعض الأمثلة الفقهية الاجتهادية -من الفقه المالكي خاصة- أذكر مثالا من السنة، أوضح من خلاله الأساس الذي يقوم عليه مبدأ سد الذرائع، وهو حكم الهدية: فالتهادي بين الناس -أقارب، وأصدقاء، وجيرانًا، وغير ذلك- من الأعمال المشروعة والمرغب فيها، لما فيه من بث المودة والألفة والتعاون. ولكن، قد تستعمل الهدية ذريعة إلى أمر غير محمود، في حاله أو مآله. وفي هذا جاء الحديث النبوي، بمنع الهدية للعمال "الموظفين"، ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ ، استعمل رجلا لجمع الزكاة. "فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا. والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه: بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار. أو شاة تيعر". ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت، مرتين". والتعليل النبوي واضح، فإن الهدايا لم تقدم لهذا الرجل، لذاته، ولا لعلاقة خاصة بينه وبين أصحابها، ولا لأن ذلك جار بينه وبينهم من قبل، وإنما أهدى له لأجل مهمته "منصبة"، "عسى أن ينفعنا"، وهذا باب من أبواب الفساد والانحراف والمحاباة. يبدأ خفيًا خفيفًا، ثم يستفحل ويستشري. وليس الخبر كالعيان. فكيف إذا اجتمع الخبر والعيان؟. وفي هذا يقول ابن القيمِ: "الوالي، والقاضي، والشافع، ممنوع من قبول الهدية. وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته. وحبك الشيء يعمي ويصم، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له"١. وعلى هذا الأساس سار الفقه المالكي، مثلما سار قبله فقه عمر وسياسته الراشدة، فبالغ في سد ذرائع الفساد وتضييق مسالك الانحراف، وفي قمع المقاصد

стр. 78

الفاسدة، رعاية للمقاصد الشرعية والمصالح المشروعة، حتى أن الإمام مالكًا -كما قرر الشاطبي- حكم قاعدة سد الذرائع في أبواب الفقه١. وهذا ما أكده الأستاذ محمد هشام البرهاني، صاحب البحث الجامع في موضع سد الذرائع، حيث قال: "سد الذرائع من أصول الاستنباط الفقهي المهمة عند المالكية. وليس في المذاهب الفقهية الأربعة المنتشرة، ولا في غيرها، من بلغ في أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي. ولهذا كان العمل بالمصلحة المرسلة أصلا مستقلا من أصول التشريع عنده. وليس سد الذرائع إلا تطبيقا عمليا من تطبيقات العمل بالمصلحة. ولذلك عدوه ضمن أصولهم وأعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم، في جمع أبواب الفقه، وفي كثير من المسائل العملية. وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات مذهب إمام دار الهجرة"٢. ولعل أكثر الأبواب الفقهية التي حكم فيها مالك والمالكية سد الذرائع هي أبواب البيوع، والعقوبات، والمناكحات. ففي مجال البيوع، يبطل المالكية -ومعهم الحنابلة- البيوع التي يظهر فيها القصد الفاسد، المخالف لقصد الشارع: كبيع العينة، فإنه يفضي إلى مفسدة الربا. وكبيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح لأعداء المسلمين، أو لأهل الفتنة والعدوان، وبيع أرض لتتخذ كنيسة: لما تجره هذه البيوع من مفاسد وأضرار ظاهرة. أما الحنفية والشافعية، ففرقوا بين صحة العقد وفساد القصد. فالعقد عندهم صحيح ما دام مستوفيًا لشروطه الظاهرية، والقصد أمره إلى الله. ومن أمثلة العينة، أن يبيع أحد سلعة بعشرة مؤجلة، ثم يشتريها بخمسة معجلة، قال القاضي أبو بكر بن العربي -بعد أن أيد تحريم هذا البيع- "فإن قيل: وأنت إنما حرمت هذا خوفًا من القصد، وأنت لم تعلم قصده. قلنا: هذه نكتة المسألة وسرها الأعظم: وذلك أنه لما كان هذا أمرًا مخوفًا، حسم الباب فيه، ومنع من صورته، لتعذر الوقوف على القصد فيه. والشريعة إذا علقت الأحكام

стр. 79

بالأسباب الباطنة، أقامت الظاهر مقامها، كالمشقة في السفر التي علقت عليها الرخص، فلما لم تنضبط، علقت على صورة السفر"١. وأما في باب النكاح، فقد حكم المالكية سد الذرائع، في أحكام كثيرة: فمنعوا نكاح المريض مرض الموت، ومنعوا التوارث به إذا وقع، وعكس ذلك يورثون المطلقة فيه ولو بانت. وقد روى الإمام مالك -في باب طلاق المريض من موطئه- آثارًا عن عثمان وعلي ﵄ في توريث المطلقة ثلاثًا في مرض الموت، ثم قال " قال مالك: وإن طلقها وهو مريض قبل أن يدخل بها، فلها نصف الصداق ولها الميراث، ولا عدة عليها. وإن دخل بها ثم طلقها، فلها المهر كله، والميراث، البكر والثيب في هذا عندنا سواء"٢. وهذه الوجهة في الاجتهاد عند مالك -وعند أهل المدينة، والصحابة قبلهم- إنما مستندها سد الذريعة، ومنع الإضرار بالزوجة، أي رعاية مصلحتها وحقها. ومن سد الذرائع في النكاح، أن المالكية -واعتمادًا على اجتهاد عمر ﵁ يحرمون تحريما مؤبدًا الزواج بين الرجل والمرأة إذا تزوجها وهي ما زالت في العدة: "فإن كان قد دخل بها وحصل منه استمتاع، والعدة لم تفرغ، فالتحريم المتأبد حاصل من غير افتقار إلى حكم حاكم به، لنص عمر بن الخطاب ﵁ على ذلك. وهو المشهور والمعمول به في مذهب مالك، وإن لم يكن منه دخول ولا استمتاع إلا بعد فراغ العدة، ولم يقع في العدة إلا العقد خاصة، فهو موضع احتمال في كلام عمر. واختلف قول مالك فيه على روايتين مشهورتين"٣. ورغم هذا المنحى المتشدد في المذهب -سدا لباب الفساد والاستخفاف بأحكام الشرع- فإن المفتي -أبا سعيد بن لب- اختار أنه إذا لم يقع الدخول إلا بعد انقضاء العدة، وكانت هناك ضرورة تخص الزوجين، أو تتعلق بوجود حمل أو

стр. 80

ولد بينهما، اختار الأخذ لهما بالتحليل، وهو القول المخفف في المذهب. وهذا وجه آخر من وجوه النظر المصلحي في المذهب المالكي، يستند إلى قاعدة من قواعد المذهب، وهي قاعدة "مراعاة الخلاف"، أي أنه اختار القول بالتحليل، للمصلحة المذكورة، ومراعاة لكون هذا هو قول جمهور العلماء من أهل المذاهب الأخرى. وقد سئل هذا الإمام عن رجل له بنت في حضانة مطلقته، فزوجها وهي سن العاشرة لينزعها من حضانة أمها ويسقط النفقة الواجبة عليه: "فأجاب: لا تسقط حضانة الأم ولا الفرض الواجب للبنت إلا بدخول الزوج بها، مع كونها تطيق الوطء، ولا تسقط بعقد النكاح على البنت، ولا يمكن الزوج منها وهي غير مطيقة للوطء، لأن ذلك إضرار بها، وحيلة على إسقاط حق الأم في حضانتها، ولا تنتزع الابنة من أمها إلا بالتزويج مع كونها تطيق الوطء"١. وقد أفتى عدد من فقهاء المذهب، فيمن هرب بامرأة وأقام معها على الزنى، ثم طلب الزواج بها، أنها تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، قال الشيخ العلمي: "وما ذلك منهم إلا مراعاة للقاعدة الجارية في سد الذرائع، وحسم مادة الفساد، وهي من أصول المذهب المالكي"٢. والغريب أن القول المشهور في المذهب -في هذه المسألة- على خلاف هذا، مع أن هذه الحالة أولى بتأييد التحريم٣ من حالة من تزوج امرأة ودخل بها قبل انقضاء عدتها، ولهذا فإن الفقهاء الذين أفتوا بتأبيد التحريم في حالة الهروب والزنى، أذهب مع قواعد المذهب امن أصحاب القول المشهور. وأما في باب العقوبات -وقد اقتربنا منه- فإن المذهب المالكي هو أشد المذاهب، وأكثرها توسعًا في الزجر، وفي سد المنافذ على المعتدين والمفسدين، حتى

стр. 81

قال الونشريسي: "التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد، مهيع مألوف في الشرع وقواعد المذهب. ومنه في المذهب المالكي غير قليل. وقد أتيت في بعض ما قيدت من هذه النمط على الكثير والجم الغفير"١، وهو يشير إلى ما جمعه في موسعته "المعيار" من الفتاوى المالكية في هذا الصدد. وتشدد المذهب المالكي في العقوبات، إنما يراعي في ذلك مقصودها الأول، وهو الزجر وقطع دابر الفساد والبغي إلى أقصى حد ممكن. وما أظن أن هذا الباب -على وجه الخصوص- يحتاج مني إلى ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات، فحيثما نظر القارئ في أحكام الحدود، والقصاص، والتعازير، والسياسة الشرعية، فسيجد ذلك واضحًا، وسيرى التميز المالكي لائحًا. على أن الذي أحب التنبيه عليه -ولو من باب التذكير- هو أن هذا المنحى المالكي، يرجع أيضًا إلى فقه عمر وسياسته وأقضيته. فقد اشتهر، ﵁، بتوسعه في الزواجر والتعازير، وبشدته على أهل الفساد والانحراف والظلم.

стр. 82

٣- مراعاة مقاصد المكلفين: ولهذا الأصل تداخل كبير مع الأصل المتقدم "سد الذرائع"، ولكن هذا أعم وأوسع. فبينما سد الذرائع يراعى فيه -وقد لا يراعى- القصد الفاسد، فإننا في هذا الأصل، بإزاء مراعاة مقاصد المكلفين عمومًا، وأثر ذلك في التصرفات والمعاملات. ورغم أن قاعدة: "الأمور بمقاصدها"، تعتبر في كل المذاهب الفقهية إحدى أمهات القواعد، وقد افتتحت "مجلة الأحكام العدلية" قواعدها التسع والتسعين، بهذه القاعدة، ثم أتبعتها ببنتها، وهي: "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني".

стр. 83

أقول: رغم هذا وذاك، فإن المذهب المالكي، يظل رائد المذاهب في مراعاة مقاصد المكلفين وبناء الأحكام عليها، كما سيتضح قريبًا. بإذن الله تعالى. وأما علاقة مراعاة مقاصد المكلفين، بمراعاة مقاصد الشارع، فإنها تتمثل في أمرين: الأول، هو أنهما ينبعان من منبع واحد ويشتركان في أصل واحد، وهو: مراعاة المقاصد، وعدم الاقتصار على الظواهر والأشكال. فمن أخذ بهذا في كلام الشارع وأحكامه وتصرفاته، أخذ به أيضًا في كلام الناس وعقودهم وتصرفاتهم، ومن قصر في هذا قصر في هذا، فالنظرة واحدة والمنهج واحد. وأما الأمر الثاني الذي تتمثل فيه العلاقة بين مقاصد المكلف ومقاصد الشارع، فأترك بيانه للإمام الشاطبي، وسيأتي ذلك في حينه بحول الله تعالى. وأعود إلى مراعاة مقاصد المكلفين في المذهب المالكي، وريادته في ذلك. وقد مر معنا -من قريب- أن المالكية يبطلون البيوع والأنكحة التي يظهر فيها القصد الفاسد. وليس هذا إلا جانبًا من الأصل العام، وهو اعتبار العقود بمقاصد أهلها ونياتهم، وفي هذا يقول ابن تيمية: "والعقود: من الناس من أوجب فيها الألفاظ، وتعاقب الإيجاب والقبول ونحو ذلك. وأهل المدينة جعلوا المرجع في العقود إلى عرف الناس وعادتهم. فما عده الناس بيعًا فهو بيع، وما عدوه هبة فهو هبة. وهذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل"١. ومن الأمثلة الفقهية في هذا الباب، ما يعرف ببيع المعاطاة، ويدخل فيه كثير من البيوع الصغيرة والمعتادة عند الناس، بحيث يكتفي كل من المتبايعين بالمعاطاة، أي: هذا يعطي الثمن، والآخر يعطي السلعة. بدون إيجاب وقبول، وربما بدون كلام أصلًا، أو بكلام لا يستوفي شروط التعاقد الصحيح، أو بكلام أحدهما دون الآخر. فهذا النوع من البيوع -وقد كثر اليوم، واتسعت دائرته- اتساعًا كبيرًا جدا- في تصحيحه وإبطاله ثلاثة مذاهب٢:

стр. 84

١- مذهب الشافعية والظاهرية والشيعة: وهو الإبطال، لعدم توفر الإيجاب والقبول الدالين على التراضي! ٢- مذهب الحنفية والحنابلة: وهو التصحيح بشرط أن يكون الثمن محددًا معلومًا، وألا يصرح أحد العاقدين بما ينافي العقد. ٣- مذهب المالكية: وهو التصحيح مطلقًا، بحيث "ينعقد العقد بالفعل أو بالتعاطي، متى كان واضح الدلالة على الرضا، سواء تعارفه الناس أم لا. وهذا الرأي أوسع من سابقه وأيسر على الناس. فكل ما يدل على البيع، أو الإجارة، أو الشركة، أو الوكالة، وسائر العقود الأخرى -ما عدا الزواج- ينعقد العقد به. لأن المعول عليه: وجود ما يدل على إرادة المتعاقدين من إنشاء العقد وإبرامه والرضا به"١. وعلق الدكتور الزحيلي -أيضًا- في كتابه "نظرية الضرورة الشرعية" على مذهب الشافعية في هذه العقود بقوله: "ص٧٠": "والحق يقال: إن هذه نظرة سطحية". وفي معيار الونشريسي، أن الإمام الشاطبي سئل عن هذا النوع من التبايع "فأجاب: بأن مذهب مالك عدم الاعتبار باللفظ في العقود"٢. ويؤكد ابن العربي - قبل الشاطبي- على هذا الأصل المالكي فيقول: "ولا تتعلق الأحكام بالألفاظ، إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها مقاصدها. ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية"٣.

стр. 85

وإذن، فمتى ظهرت المقاصد، أخذ بها وبني عليها، ولا عبرة باللفظ. ومتى ثبت اللفظ، وتردد بين معنيين أو أكثر، حمل على المعنى الموافق للقصد. ومن أمثلة هذا -عند ابن العربي أيضًا- أنه وقف عند قوله تعالى في الآية ١١ من سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ، وتساءل عن لفظ الأولاد، هل يدخل فيه أولاد الأولاد كأن يحبس أحد على أولاده، فهل ينتقل ذلك التحبيس إلى أولاد الأولاد؟ وكأن يجعل أحد شيئًا من ماله صدقة لأولاده، هل تقتصر الصدقة على الأولاد الحقيقيين، أم تشمل أولادهم؟ وجوابه على هذا وذاك، يرجع إلى المقاصد، قال: "كلام الناس يرتبط بالأغراض والمقاصد، والمقصود من الحبس، التعقيب، فدخل فيه ولد الولد. والمقصود من الصدقة: التمليك، فدخل فيه الأدنى خاصة، ولم يدخل فيه من بعد إلا بدليل"١. ومن الأبواب الفقهية التي دأب المالكية فيها، على تحكيم المقاصد والنيات، باب الإيمان وما قد تشتمل عليه من التزامات. ومن أمثلة ذلك أن القاضي الفقيه أبا الوليد بن رشد سئل عن امرأة توفي عنها زوجها، وهو أمير البلدة، وكانت تسكن معه دار الإمارة. فحلفت -بعد وفاته- بأغلظ الأيمان ألا تسكن تلك الدار بعده، وأنها يلزمها كذا وكذا إذا رجعت إليها. ثم تزوجها بعد ذلك الأمير الجديد، الذي سكن تلك الدار، دار الإمارة فأرغمها على السكنى فيها معه، فماذا عليها؟ فأجاب بأن "لا حنث على هذه المرأة الحالفة في رجوعها إلى سكنى دار الإمارة مع زوجها الأمير في ذلك البلد، لأن الظاهر من أمرها أنها كرهت الرجوع إليها على غير الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفى. فلا شيء عليها في رجوعها على الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفى، إذ لم تحلف على ذلك.

стр. 86

هذا الذي أراه وأقول به في ذلك وأتقلده. لأن الإيمان تحمل على بساطها، وعلى المعاني المفهومة من قصد الحالف بها لا على ما تقتضيه ألفاظها في اللغة. وهو أصل مذهب مالك ﵀"١. وقد دعم فتواه بنظائر لها عن الإمام مالك، وتلميذه ابن القاسم، ثم قال: "وأهل العراق يخالفون في ذلك ويرون الحالف حانثًا، لما لفظ به في يمينه، ولا يعتبرون في ذلك نية ولا بساطا ولا معنى. وذلك خطأ بين في الفتوى. لأن الأحكام إنما هي لمعاني الألفاظ المعتبرة المفهومة منها، دون ظواهرها. ولو اتبعت ظواهرها دون معانيها المفهومة منها في كل موضع لعاد الإسلام كفرا، والدين لعبًا"٢. ثم مثل لهذا المآل الشنيع الذي يفضي إليه التمسك بالظاهر، وإهمال المقاصد، بقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، بحيث إذا أخذ على ظاهره أدى إلى الكفر والشرك ولكن مقصوده النهي والوعيد. وذكر نظائر أخرى لهذا، من الآي الكريمة. ومثل الحلف: النذر، فإنه لا يلزم عند مالك بمجرد اللفظ الخالي عن القصد الصحيح. ومن ذلك ما رواه ابن حبيب، أن أعرابيا نفرت ناقته وهربت، فقال لها: أنت بدنة، يعني هديا إلى بيت الله. ثم سأل مالكًا، فقال له مالك -ليتأكد من قصده قبل إفتائه-: أردت زجرها بذلك؟ فقال: نعم. قال: لا شيء عليك. قال: أرشدك يابن أنس. وعلق ابن رشد على فتوى مالك هذه بقوله: "لم يوجب إخراجها، إذ لم تكن له نية في ذلك، إنما قصد زجرها لا القربة إلى الله تعالى في إخراجها. وهو الأظهر، لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"٤. ومن الأحكام التي بناها المالكية على مراعاة قصد المكلف: إبطالهم نكاح المحلل، خلافًا للحنفية والشافعية، لأن القصد في نكاح المحلل قصد فاسد، ليس

стр. 87

من مقاصد النكاح الصحيح في شيء، قال ابن تيمية: "وأما المناكح: فلا ريب أن مذهب أهل المدينة في بطلان نكاح المحلل، وكاح الشغار، أتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن المحلل والمحلل له. وثبت عن أصحابه، كعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، أنهم نهوا عن التحليل، لم يعرف عن أحد منهم الرخصة في ذلك. وهذا موافق لأصول أهل المدينة، فإن من أصولهم: أن المقصود في العقود معتبرة"١. ومن أقوال الإمام مالك المراعية لقصد المكلف في الفعل، ما جاء في الموطأ، في: باب القصاص في القتل "قال مالك في الرجل يمسك الرجل للرجل، فيضربه فيموت مكانه: أنه إن أمسكه، وهو يرى أنه يريد قتله، قتلا به جميعًا. وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب مما يضرب به الناس، لا يرى أنه عمد لقتله، فإنه يقتل القاتل، ويعاقب الممسك أشد العقوبة، ويسجن سنة، لأنه أمسكه، ولا يكون عليه القتل". ومرة أخرى: فإن هذا النظر إلى مقاصد المكلفين في أفعالهم وأقوالهم، دون الاقتصار على ظواهرها، إنما هو منهج عمر، وجمهور الصحابة ﵃. وقد روى مالك في موطئه: "أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب. فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية. فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب. فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا. نرى أن تجلده الحد. فجلده عمر الحد ثمانين. قال مالك: لا حد عندنا إلا في نفي، أو قذف، أو تعريض يرى أن قائله إنما أراد بذلك نفيًا أو قذفًا. فعلى من قال ذلك: الحد تاما"٢. وهذا النص يلخص لنا ما حاولت بيانه في هذا الفصل برمته: - ففيه أن الإمام مالكًا يصدر عن مذهب قائم: لا حد عندنا

стр. 88

- وفيه أن المذهب يأخذ بالاحتياط وسد الذرائع. - وأنه ينظر إلى مقاصد الأقوال والأفعال ولا يقف عند ظاهرها. - وأن هذا المذهب يستمد من عمر وأفعاله. - وأن عمر كان يستند إلى رأي أهل الشورى من الصحابة. - وفيه معنى عام: هو أن الناس في نظرهم إلى الأمور نوعان، أو مرتبتان: مرتبة من يقفون عند ظواهر الأقوال والتصرفات "فقال قائل"، ومرتبة من يتطلعون إلى البواطن وينظرون إلى المقاصد "وقال آخرون"، وأن هذا التمايز كان في الصحابة كما هو سائر الناس. غير أن عمر وجمهور الصحابة كانوا من أهل المرتبة الثانية، ولم يقف عند المرتبة الأولى إلا واحد منهم، إن كان صحابيا. وقد صاغ الفقيه المالكي الكبير أبو عبد الله المقري، بعض جوانب التوجه المالكي في مراعاة المقاصد، في شكل قواعد ضمنها كتابه الضخم في "قواعد الفقه"١ ومنها: القاعدة ٢٩٦: "من أصول المالكية: المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، كحرمان القاتل من الميراث، وتوريث المبتوتة في المرض المخوف". القاعدة ٧٢٣: "كل ما خرج على قصد المبالغة أو الكناية، فالمعتبر معناه لا لفظه". القاعدة ١٠٨٢: "لسان الحال يتنزل منزلة لسان المقال عند المالكية، خلافًا للأئمة". وبعد هذا كله، فما أظن أن الأستاذ عبد الله الداودي، كان مجرد ناصر منتصر لمذهب وإمامه، حين قال: "مالك العالم الجليل، الإمام برئاسته في الحديث والأثر، وبزعامته المشهودة في الاجتهاد والرأي، وهو فقيه الإسلام الذي أفاض على الفقهاء في عصره والعصور بعده من نور المعرفة بمقاصد الشريعة وحكمها"٢ ولكن بشرط واحد هو اعتبار ما قدمته عن حقيقة "مذهب مالك".

стр. 89

الباب الثاني: الشاطبي ونظريته الفصل الأول: تعريف بالشاطبي مدخل ... الباب الثاني: الشاطبي ونظريته الفصل الأول: تعريف بالشاطبي لعل أوسع ترجمة منشورة -اليوم- عن الشاطبي، هي تلك التي أعدها الأستاذ محمد أبو الأجفان، وقدم بها لكتابي: "الإفادات والإنشادات" للشاطبي، و"فتاوي الإمام الشاطبي" التي جمعها وحققها"١. وقد استقصى -جهده- المصادر والمراجع التي ترجمت للشاطبي، أو تحدثت عنه، كثيرًا أو قليلًا، وقدم لائحة بها٢. وحسب الأستاذ أبي الأجفان فإن أهم من ترجموا للشاطبي هما: تلميذه أبو عبد الله المجاري في "برنامجه" الذي حققه أبو الأجفان نفسه، وأحمد بابا التنبكتي في كتابيه "نيل الابتهاج" و"كفاية المحتاج". وحديثي-في هذا الفصل- لن يقف طويلًا مع المعلومات المعروفة عن الشاطبي، وخاصة بعد أن جمعها ويسرها الأستاذ أبو الأجفان. بل سأكتفي بذكر سريع لأهمها، ثم أنصرف إلى غيرها، مما هو غير معروف، أو غير محرر، حتى تكون لهذا الجهد فائدته وإضافته. وسيتم تعريفي بالشاطبي من خلال الفقرات التالية: ١- خلاصة ترجمة الشاطبي. ٢- الشاطبي يتحدث عن نفسه. ٣- مراسلات الشاطبي.

стр. 90

١- خلاصة ترجمة الشاطبي: هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الغرناطي، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبي "الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد"١ إلى نعوت أخرى كثيرة من هذا القبيل. وبمثلها بصفة مترجموه اللاحقون كالشيخ مخلوف٢، والأستاذ الحجوي٣، وغيرهم، على ما سيأتي. لم يذكر أحد من مترجميه لا زمان ولادته ولا مكانها. أما سنة ولادته، فقد اجتهد الأستاذ أبو الأجفان في تقديرها. والأمر لا يكتسي أي أهمية. وأما مكان ولادته -وهو أهم- فقد تحاشى الأستاذ أبو الأجفان التعرض له -ربما لعدم توفر شيء عن الموضوع- حيث قال: "وبغرناطة نشأ الشاطبي وترعرع"٤. والذي جعلني أتساءل عن مكان ولادته، هو اسمه المشهور "الشاطبي" نسبة إلى "شاطبة"٥، فلم ينسب إليها؟ وعلى كل، فالأظهر أنه ولد بغرناطة. وأما كونه نشأ بها وقضى فيها كل حياته، فأمر لا يذكر غيره؛ فلا تذكر له أسفار ولا رحلات، ولا يذكر هو أيضًا شيئًا من هذا القبيل. بل حتى الرحلة المعتادة للعلماء، ولغيرهم -وهي رحلة الحج- لا نجد لها ذكرًا!

стр. 91

شيوخ الشاطبي: ميز الأستاذ أبو الأجفان بين شيوخه الغرناطيين، وشيوخه الوافدين على غرناطة وهو تمييز له فائدته. فمن جهة، يتأكد لنا أن الشاطبي لم يتتلمذ خارج غرناطة. ومن جهة أخرى ينبهنا إلى الجهات التي تلقى منها الشاطبي علومه١، إلى جانب غرناطة نفسها. فمن شيوخه الغرناطيين: ١- ابن الفخار البيري: وصفه التنبكتي بأنه: الإمام المفتوح عليه في العربية بما لا مطمح فيه لسواه، وذكر أن الشاطبي لازمه إلى أن مات٢. وقرأ عليه بالقراءات السبع في سبع ختمات٣. ٢- أبو جعفر الشقوري: وهو نحوي، وفقيه فرضي. ٣- أبو سعيد بن لب: مفتي غرناطة، وخطيبها، ومدرسها الشهير. وقد كان للشاطبي معه خلافات مشهورة سيأتي ذكر بعضها. ٤- أبو عبد الله البلنسي: مفسر ونحوي. ومن شيوخه الوافدين على غرناطة: ١- أبو عبد الله، الشريف التلمساني: الإمام المحقق، أعلم أهل وقته٤. وهو صاحب كتاب: "مفتاح الوصول، إلى بناء الفروع على الأصول". ٢- أبو عبد الله المقري "وهو تلمساني أيضًا". صاحب الكتاب الجليل "قواعد الفقه"٥ وغيره.

стр. 92

٣- أبو القاسم السبتي، وصفة التبكتي بأنه رئيس العلوم اللسانية١. ٤- أبو علي الزواوي: درس ببجاية وتلمسان، وهو شيخ الشاطبي في الأصول. قال الشاطبي: "حدثنا شيخنا الأصولي أبو علي الزواوي"٢. وقال في موضع آخر: "مثل لنا شيخنا الأستاذ العالم أبو علي الزواوي في أثناء القراءة عليه لكتاب ابن الحاجب الفروعي"٣. ونقل الأستاذ أبو الأجفان عن "برنامج المجاري" "ص١١٩"، أنه قرأ عليه المختصر الأصولي أيضًا لابن الحاجب٤. ٥- ابن مرزوق الخطيب "الجد"، وهو تلمساني أيضًا، وصفة الونشريسي بأنه "مالك" زمانه ومكانه٥، ولقبه في موضع آخر بشيخ الإسلام٦. سمع منه الشاطبي موطأ مالك، وصحيح البخاري، بقراءة ابن عبد الله الحفار٧. ويمكن الاطلاع على أسماء شيوخ آخرين يذكرهم الشاطبي، أو يروي عنهم، وذلك في كتابه "الإفادات والإنشادات". تلاميذ الشاطبي: وقد ذكر منهم التنبكتي ثلاثة٨، وهم: ١- أبو يحيى بن عاصم، العلامة الشهيد في ساحة المعركة٩، يوصف بأنه "صاحب الإمام أبي إسحاق الشاطبي ووارث طريقته"١٠.

стр. 93

٢- أخوه القاضي الفقيه أبو بكر بن عاصم، صاحب المنظومة الفقهية الشهيرة "تحفة الحكام". ٣- الشيخ الفقيه أبو عبد الله البياني. وأضاف الأستاذ أبو الأجفان١، إلى هؤلاء الثلاثة تلميذين آخرين هما: - أبو جعفر القصار، الذي يذكر أن الشاطبي كان أثناء تأليفه لكتاب "الموافقات"، يعرض عليه بعض مسائله، ويباحثه فيها، ثم يدونها. - وأبو عبد الله المجاري، السالف ذكره أول هذا الفصل. مؤلفات الشاطبي: أ- المطبوعة: لا شك أن أهم ما خلفه الشاطبي من مؤلفات هو كتابه الشهير "الموافقات"٢ ذكر في مقدمته أنه كان قد اختار له اسم "عنوان التعريف بأسرار التكليف" نظرا لما تضمنه من "الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية"، ثم عدل عن هذا الاسم إلى اسم "الموافقات" بناء على رؤيا رآها أحد الشيوخ من ذوي الحظوة والاحترام عنده٣. وقد جعله خمسة أقسام، هي: - القسم الأول: في المقدمات المحتاج إليها في تمهيد المقصود. - القسم الثاني٤: في الأحكام وما يتعلق بها من حيث تصورها والحكم بها

стр. 94

أو عليها، كانت من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف. - القسم الثالث: في المقاصد الشرعية وما يتعلق بها من الأحكام. - القسم الرابع: في حصر الأدلة الشرعية١، وبيان ما ينضاف إلى ذلك فيها على الجملة وعلى التفصيل، وذكر مآخذها وعلى أي وجه يحكم بها على أفعال المكلفين. - القسم الخامس: في أحكام الاجتهاد والتقليد والمتصفين بكل واحد منهما، وما يتعلق بذلك من التعارض والترجيح، والسؤال والجواب. وقد حظي كتاب الموافقات، بالتقدير الكبير، والعناية الفائقة، قديمًا وحديثًا، وإن لم يأخذ مكانته الحقيقية إلا حديثًا، وما زال يسمو يومًا بعد يوم. فقديمًا، ومنذ عصر الشاطبي، قام تلميذه أبو بكر بن عاصم بتلخيصه، وسمي تلخيصه "المنى في اختصار الموافقات" وقام تلميذ آخر له بنظمه، وسمي منظومته: "نيل المنى من الموافقات"٢. وقد وصفه أحمد بابا التنبكتي بأنه: جليل القدر جدا، لا نظير له. يدل على إمامته وبعد شأوه في العلوم، سيما علم الأصول٣". وقد طبع وصدر في مطلع القرن الهجري الماضي بتونس "صدر سنة ١٣٠٢هـ". وعلى إثر ذلك قام الشيخ ماء العينين بن مامين بنظمه. وسمي منظومته

стр. 95

"موافق الموافقات" ثم شرح المنظومة وسمي الشرح "المرافق على الموافق". وطبع هذا الشرح وصدر بفاس عام ١٣٢٤هـ. الاعتصام: في جزئين، وهو في البدع والمحدثات. عالج موضوعه بمنهاج أصولي رصين، وضمنه مباحث نفيسة في أصول الفقه كمبحث المصالح المرسلة والاستحسان١. وقد نشره لأول مرة الشيخ محمد رشيد رضا، وقدم له، وراجع نصوصه. وهي مراجعة مستعجلة غير كافية. وقد ذكر في نهايته أنه لم يتمه. الإفادات والإنشادات٢: "فيه طرف وتحف وملح أدبية وإنشادات" وقد حققه -كما تقدم- الأستاذ أبو الأجفان، وصدر منذ بضع سنوات. هذا كل ما هو مطبوع ومعروف اليوم من مؤلفات الشاطبي. أما "فتاوي الإمام الشاطبي" التي جمعها وحققها الأستاذ محمد أبو الأجفان، فليست مؤلفًا للشاطبي، وإنما هي فتاوٍ متفرقة أجاب بها الشاطبي سائليه، وسجلت هنا وهناك من كتب النوازل، وفي مقدمتها معيار الونشريسي. ب- غير المطبوعة: أما كتبه غير المطبوعة، فأكثرها لا يذكر له اليوم وجود. ولعل أهمها هو: "كتاب المجالس" الذي شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري. وأهمية هذا الكتاب تتجلى فيما قاله عنه صاحب "نيل الابتهاج": "فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله". وتتجلى أيضًا في كونه الكتاب الوحيد الذي يذكر للشاطبي في الفقه. ومن هنا أظن أن منزلته ستكون مباشرة بعد منزلة "الموافقات"؛ فهذا في الأصول ومقاصد الشريعة، والآخر في التطبيق الفقهي.

стр. 96

وقد بحثت، وسألت عنه عددًا من الخبراء في المخطوطات فلم أجد عندهم شيئًا عنه. وأرجو -مع ذلك- أن يقيض الله له من فرسان هذا الميدان من يكشف عنه، ويخرجه للمسلمين، ولطلاب العلم خاصة. على أن الشاطبي نفسه، لم يذكره نهائيا في كل ما هو منشور له الحد الآن. وهذا يفيد أنه ربما كتبه في أواخر عمره. وهناك احتمال آخر معاكس، وهو أن يكون ألفه في وقت مبكر من حياته١، ثم أتلفه مثلما أتلف غيره. فقد ذكر التنبكتي ضمن مؤلفاته: "عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق" وكتاب "أصول النحو" ثم قال: "وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية، ورأيت في موضع آخر أنه أتلف الأول في حياته وأن الثاني أتلف أيضًا"٢. وشرح الألفية، الذي يشير إليه التنبكتي، وهو أيضًا في النحو، فهو شرح لألفية ابن مالك المعروفة. وقد ذكر الأستاذ أبو الأجفان أن نسخة خطية منه، توجد بالخزانة الملكية بالرباط برقم ٢٧٦. وأن مركز البحوث بجامعة أم القرى بمكة يقوم بتحقيقه ونشره٣. "شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار. لم يؤلف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم"٤. وقد ختم التنبكتي كلامه عن مؤلفات الشاطبي بقوله: "وله غيرها، وفتاوي كثيرة"٥. وهذا يفتح باب التساؤل عن هذه المؤلفات الأخرى التي لم يذكرها على أن الشاطبي قد ذكر في "الاعتصام" أنه يعتزم تأليف كتاب في بيان حقيقة التصوف وكيف كان أئمته المتقدمون. قال: "وفي غرضي -إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله ويسر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجًا

стр. 97

يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما داخلتها المفاسد، وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم، عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها"١. وفي موضع آخر من "الاعتصام" عبر عن عزم أقوى وأوضح على تأليف هذا الكتاب فقال: "وإن فسح الله في المدة، وأعان بفضله، بسطنا الكلام في هذا الباب، في كتاب "مذهب أهل التصوف" وبينا ما أدخل فيه مما ليس بطريق لهم"٢. وإذا علمنا أنه ﵀ لم يتم كتاب "الاعتصام" نفسه، لم يبق أمامنا إلا أن نتساءل: هل عاجلته المنية قبل تأليف هذا الكتاب؟ أم يكون ألفه وهو يؤلف الاعتصام؟ أم يكون جمع مادته، أو شرع فيه دون أن يتمكن من إتمامه؟ وأخيرًا: فلا خلاف أن وفاته ﵀ كانت عام تسعين وسبعمائة "سنة ١٣٨٨ ميلادية" ونص التنبكتي أنها كانت في شعبان٣.

стр. 98

٢- الشاطبي يتحدث عن نفسه: ألمحت في أول هذا الفصل إلى عدم توفر ترجمات مطولة لإمامنا أبي إسحاق، وأن ما كتبه عنه السبقون -لو جمع- لا يتجاوز بضع صفحات، على ما فيها من تنويه كبير بإمامة الشاطبي وبمؤلفاته الفريدة. وهذا ما يدعو إلى التنقيب وإمعان النظر فيما كتبه الشاطبي نفسه، لعلنا نوسع دائرة معرفتنا بمعالم شخصية هذا الرجل الفذ. ومن هذا المنطلق كانت هذه الفقرة، وكان التوقف عند هذه اللقطات مما كتبه الشاطبي.

стр. 99

معالم في مسيرته العلمية: روى الشاطبي في "الإفادات" قال: "كثيرا ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي يقول: قال بعض العقلاء: لا يسمى العالم بعلم ما، عالمًا بذلك العلم على الإطلاق، حتى تتوفر فيه أربعة شروط: أحدها: أن يكون قد أحاط علمًا بأصول ذلك العلم على الكمال. والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم. والثالث: أن يكون عارفًا بما يلزم عنه. والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم. قلت: وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر، محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه"١. ولا شك أن الشاطبي كان يضع هذه الوصية، نصب عينيه ويعمل -في طلبه العلم -بمقتضاها. فهي وصية من أحد أكبر شيوخه، وكان هذا الشيخ يكثر من إسماعه إياها وتذكيره بها. وإلى هذا، فهو قد قرأها في بعض كتب الفيلسوف الكبير، أبي نصر الفارابي، الملقب بالمعلم الثاني. والشاطبي يصرح -أو يكاد- بوفائه وتمسكه بهذه الشروط، المطلوبة في العالم بأي علم. ولا شك أنه قد حقق -أكثر ما حقق- هذه الشروط، في علم الشريعة أصولًا وفروعًا، وقد رأينا أنه يشترط في قارئ "الموافقات" أن يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، هذا عن قارئ الكتاب، فكيف بمؤلفه! ويتحدث -في مقدمته "الاعتصام"- عن هذا الموضوع، فيقول: "وذلك أني -ولله الحمد- لم أزل منذ فتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في

стр. 100

عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت من أنواعه نوعًا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء إلى أن منَّ عليَّ الرب الكريم، الرءوف الرحيم، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي. فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه، فابتدأت بأصول الدين عملًا واعتقادًا، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول١. ولا شك أن هذا السير المتأني الصبور، وهذا السعي الحريص على الإحاطة والإتقان، لا شك أن هذه الصفات -بعد توفيق الله الذي لا يفتأ يذكره- هي التي هيأت له ذلك السمو وذلك النضج، اللذين تميزت بهما كتاباته، وخاصة في "الموافقات". ومما رواه الشاطبي في "الإفادات" أن أبا الحسين البصري -الأصولي النظار المعتزلي - كان يقول فيه بعض الشيوخ: إذا خالف أبو الحسين البصري في مسألة، صعب الرد عليه فيها٢. وهذا لا يكون -طبعًا- إلا إذا أتقن الرجل مسألته وأحكم حججه. وقد سقت هذه لأقول: إن الشاطبي أيضًا -بتأنيه وإتقانه وإحاطته- إذا قرر أمرًا، صعبت زعزعته، فضلًا عن إبطاله. ولعل هذا هو ما يفسر لنا قلة مؤلفات الشاطبي -بالنسبة إلى مكانته العلمية- وكونه أتلف بعضها بنفسه، لأنه -ربما- كتبها في وقت متقدم من حياته، ثم رآها لا تستوفي الشروط المطلوبة لبثها في الناس.

стр. 101

ولعل هذا أيضًا، هو سر هذا القبول الواسع، الذي يحظى به الشاطبي اليوم، وبشكل متزايد. على أن من المعالم المشعة -أيضًا- في حياة الشاطبي العلمية طريقته في التأليف، والتي تمتاز بأمرين، يعتبران امتداد لما تقدم، وهما: ١- التأني والتتبع على مدى طويل، قبل الإقدام على التأليف. ٢- المشاورة في ذلك. ففيما يخص تأليف "الموافقات" أشار إلى معاناته الطويلة في ذلك، ثم قال: "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده، وأضم من شوارده، تفاصيل وجملا، وأسواق من شواهده في مصادر الحكم وموارده، مبينًا لا مجملا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينًا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة. ثم استخرت الله تعالى في نظم تلك الفرائد، وجمع تلك الفوائد، إلى تراجم تردها إلى أصولها، وتكون عونًا على تعقلها وتحصيلها. فانضمت إلى تراجم الأصول الفقهية، وانتظمت في أسلاكها السنية البهية، فصار كتابًا منحصرًا في خمسة أقسام"١. ثم قال في آخر المقدمة: "وعند ذلك فحق على الناظر المتأمل، إذا وجد فيه نقصًا أن يكمل. وليحسن الظن بمن حالف الليالي والأيام، واستبدل التعب بالراحة، والسهر بالمنام، حتى أهدى إليه نتيجة عمره، ووهب له يتيمة دهره"٢. وفي قصة تأليفه لكتاب "الاعتصام" نجده يقول: "لم أزل أتتبع البدع التي نبه عليها رسول الله ﷺ ، وحذر منها.

стр. 102

وعلى طول العهد، ودوام النظر، اجتمع لي في البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشريعة، وفروع طالت أفنانها، لكنها تنتظمها تلك الأصول، وقلما توجد على الترتيب الذي سنح في الخاطر، فمالت إلى بثها النفس"١. وأما مشاوراته فيما يؤلف ويكتب، فقد تقدم منها "في الفقرة السابقة" أنه كان أثناء تأليفه "الموافقات" يطالع تلميذه النبيه أبا جعفر القصار ببعض مسائلها ويباحثه فيها، قبل أن يدونها. وعندما بدأ يفكر في تأليف كتاب "الاعتصام"، وتردد في ذلك بين الإقدام والإحجام، أخذ يستشير في الأمر بعض أحبائه وخواصه، من أهل العلم. وحكى ذلك بقوله: "ثم إني أخذت في ذلك مع بعض الإخوان، الذين أحللتهم من قلبي محل السويداء، وقاموا لي في عامة أدواء نفسي مقام الدواء. فرأوا أنه من العمل الذي لا شبهة في طلب الشرع نشره، ولا إشكال في أنه -بحسب الوقت- من أوجب الواجبات، فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب٢. محنة الشاطبي: ومحنة الشاطبي، هي أيضًا مما نستفيده -أساسًا- من كتاباته. فمترجمه الرئيسي -أحمد بابا التنبكتي- لم يذكر عن الموضوع إلا إشارة خاطفة، هي التي تضمنها قوله عنه: "ومن شعره لما ابتلي بالبدع: بليت يا قوم والبلوى منوعة ... بمن أداريه حتى كاد يرديني دفع المضرة لا جلب لمصلحة ... فحسبي الله في عقلي وفي ديني٣

стр. 103

وقد تحدث الشاطبي عن محنته مع البدع وأهلها في مقدمة كتابه "الاعتصام"١: وذلك أنه قد تولى بعض خطط الجمهور، من الخطابة والإمامة ونحوهما. وأراد أن يسير فيها على ما يقتضيه العلم والحق. ولكنه اصطدام بما فشا في الناس من سيئ العادات، ومنكر البدع المحدثات. ووجد ذلك كله قد رسخ واستقر، فشب عليه الصغير وشاب عليه الكبير. ووقف حائرًا مترددًا: هل يساير الناس على ما هم عليه، ويستسلم لعاداتهم وبدعهم، أم يتمسك بالأدلة وما تقتضيه، وينتصر للسنة وما تمليه؟ ولم يظل به التردد، فالحق أبلج. وهكذا قام لأداء رسالته، وقد أيقن -كما يقول- "إن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة. وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور. فقامت عليَّ القيامة، وتواترت عليَّ الملامة، وفوق إليَّ العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل البغاوة والجهالة"٢. وتوالت عليه الاتهامات والتلفيقات: ١- فقد نسب إليه القول بأن الدعاء لا ينفع، ولا فائدة فيه، بينما هو -فقط- لم يلتزم الدعاء الجماعي في إمامته للناس. ٢- ونسب إلى التشيع والرفض وبغض الصحابة، فقط لأنه لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين، في الخطبة على الخصوص. ٣- ونسب إليه تجويز الخروج على الأئمة، لأنه لا يذكرهم في الخطبة، كما كان شأن السلف.

стр. 104

٤- واتهم بالغلو والتشديد، وإنما ذلك، لأنه كان يلتزم الفتوى بمشهور المذهب، ويتجنب الفتوى بالأقوال الضعيفة والشاذة، وهو ما عليه أهل العلم في المذهب. ٥- واتهم بمعاداة أولياء الله الصالحين، وهو لم يزد على الإنكار على "الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية، ولم يتشبهوا بهم"١. ٦- كما رمي بمخالفة السنة والجماعة. "بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها -وهي الناجية- ما عليه العموم. ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي ﷺ ، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان"٢. ورغم هذه الحملة الشعواء، وهذه الاتهامات الخطيرة، فإن الشاطبي لم ينثن عن مواقفه التي يمليها عليه وفاؤه لعلمه واستشعاره لواجبه. ففي هذا الجو المشحون ضده، عمد إلى تأليف كتابه "الاعتصام" الذي يعتبر أهم ما كتب في موضوع البدع٣. وفي هذا الكتاب نجد مناقشة مطولة لأحد "شيوخ العصر" في فتوى أصدرها ضد "إمام مسجد" ترك الدعاء الجماعي في أدبار الصلوات زاعمًا أن ذلك ليس من عمل النبي ﷺ والأئمة. فتصدى له الشيخ المشار إليه، ورد عليه ردا "أمرع فيه على خلاف ما عليه الراسخون، وبلغ من الرد -على زعمه- إلى أقصى غاية ما قدر عليه٤. والغريب أن الشاطبي لم يسم هذ االشيخ نهائيا، رغم أن المناقشة له استغرقت نحو عشرين صفحة٥.

стр. 105

والحقيقة أن هذا الشيخ، ليس سوى شيخه أبي سعيد بن لب، مفتي غرناطة الشهير، الذي ورد ذكر رده على الإمام المذكور، في السؤال السابع من الأسئلة الثمانية الموجهة لابن عرفة والتي سيأتي الحديث عنها قريبًا، في الفقرة التالية "مراسلات الشاطبي". فكلام ابن لب المذكور هناك١، هو الكلام نفسه الذي يفنده الشاطبي في "الاعتصام"، جملة جملة، ودليلًا دليلًا. ومنه قولته الطريفة في تسويغ البدع وتحسينها: "كما تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور٢. وفي هذا الجو المشحور يستمر أيضًا في فتاويه المنكرة للبدع. وقد أورد منها صاحب "المعيار" الشيء الكثير، وخاصية في الجزء الحادي عشر٣. ويبدو أن موقف الشاطبي هذا كان قد أصبح معروفًا في زمانه، فقد قال -جوابًا لبعض سائليه٤: "وقد عرفتم مذهبي في هذه المحدثات فلا أعيده٥". ويبدو -أيضًا- أن مواقف الشاطبي في إنكار المنكر، والذب عن السنة، كانت ذات أثر ملموس في حياته. فقد أورد الونشريسي مكاتبات أخرى، كانت تجري بين الشاطبي و"بعض أصحابه" في هذا الشأن، من ذلك قوله: "وكتب الأستاذ أبو إسحاق لبعض أصحابه: أما سائر ما كتبتم به في الكتاب، من طوارق عرضت، وامتحانات تواترت واعتراضات أوردت، فحاصله راجع إلى ضرب واحد، وهو أن طالب الحق في زماننا غريب، والقائل به مهتم الجانب فلنا في سلفنا الصالح أسوة٦.

стр. 106

"ثم وصلني بعد ذلك أنكم أخرتم عن الإمامة بموضعكم وتقديم غيركم. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعملون"١. وقد حث الشاطبي صاحبه على الاستمرار في إعلان الحق وأداء أمانة العلم ما دام يجد له قابلا، ويرى لذلك أثرًا، فقال: "وقد ظهر لكلامكم في كثر من هذه الأمور أثر٢ صالح، فكيف لنا بالسكوت عن الحق! هذا لا يسمع حتى لا تجد أحدًا يقبل الحق، عياذًا بالله من ذلك الزمان أن نصل إليه"٣. وبلغه عن بعض أصحابه أنه ترك السنة بعد أن كان التزمها، وعاد إلى مسايرة الجمهور في بدعته، فكتب إليه في ذلك كتابًا جاء فيه "فإن كان ذلك لأنكم ظهر لكم الصواب فيه، فما بالكم لم تعرفوا محبكم بوجه صوابه، فيكون تعاونًا على البر والتقوى. وإن كان ذلك لأجل المعيشة، فقد اتهمتم الرب سبحانه في ضمان الرزق، أو لغير ذلك، فعرفوني به"٤. ثم قال الونشريسي: "وكان ﵀ يحمل أصحابه على الصبر على البلاء في بث الحق، ويقوي عزيمتهم: كتب إليه بعض أصحابه متشكيًا بما لقيه في هذا الغرض، فأجابه: فلا عليكم، فإن الله معكم ما قصدتم وجه الله بأعمالكم، وثابرتم على اتباع الحق والمشي على طريق الصواب. ورضي المخلوق لا يغني من الله شيئًا. والله سبحانه يتولاني وإياكم بما تولى به عباده الصالحين"٥.

стр. 107

٣- مراسلات الشاطبي: ومراسلات الشاطبي، ظاهرة تستلفت قارئ "الموافقات" و"الاعتصام". فهو مرارًا يذكر أنه راسل بعض الشيوخ، أو راسل شيوخ المغرب وإفريقية "تونس" في مسألة كذا، أو مسألة كذا. ورغم أن التنبكتي قد ذكر محاورة الشاطبي لعدد من علماء وقته، فإنه لم يصرح بأن ذلك كان -أو كان كثير منه على الأقل- عن طريق المكاتبة. بل إن عبارته توحي أن الحوار كان مباشرًا، فهو يقول: "وتكلم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل، من شيوخه وغيرهم، كالقباب، وقاضي الجماعة الفشتالي، والإمام ابن عرفة، والولي الكبير أبي عبد الله بن عباد. وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته"١. وبالمتابعة والتحقيق يتبين أن التكلم مع هؤلاء وغيرهم -من أهل المغرب وإفريقية- قد تم عن طريق المراسلة، كما سيتضح ذلك من خلال الصفحات التالية. وقد استفزني أمر هذه المراسلات، لمتابعته والنظر فيه، خصوصًا وأنها -كما يشير التنبكتي- تناولت مشكلات المسائل، وجرت فيها أبحاث ومراجعات، وكل هذا مع أئمة المذهب في زمانهم. ومما أصفى على الموضوع أهمية خاصة، هو كون الشاطبي -كما قدمت- يتعرض كثيرًا لهذه المكاتبات، ويؤسس عليها قواعد وآراء في غاية الأهمية. ولكنه -مع هذا- لا يذكر منها أو عنها، إلا لقطات وإشارات! ومن هنا وجدتني مدفوعًا إلى متابعة هذه المراسلات، وجمع ما تيسر من خيوطها.

стр. 108

وقد استفدت الفائدة العظمى -في هذا الموضوع- من كتاب "المعيار"١، لأبي العباس الونشريسي. ولنبدأ من جزئه السادس، حيث نجد ما يلي: "هذه أسئلة كتب فيها بعض فقهاء غرناطة بمدينة تونس للسيد الفقيه الإمام العالم العلامة المفتي الخطيب المدرس المقرئ المحقق الأكمل أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة ﵁"٢. غير أن هذا التقديم، قد ترك -كما هو واضح- عدة تساؤلات: هل هذه الأسئلة كتبها واحد أو أكثر؟ ومن هو أو من هم؟ وهل الأسئلة كتبت "بمدينة تونس"؟ أم أن هذا مجرد خطأ؟ ٣ وتبدأ الأسئلة -أو المسائل- الثمانية وتنتهي، وتبدأ أجوبة ابن عرفة عليها٤، ثم تنتهي، دون ذكر صاحب الأسئلة. ولكن، بعد قراءة الأسئلة، وإعادة قراءتها، ومقارنتها بغيرها، تجمع لي من الأدلة والقرائن ما جعلني أجزم -بكل اطمئنان- أن صاحب الأسئلة، هو أبو إسحاق الشاطبي٥. ونظرًا لأهمية الأسئلة، فيما تكشفه لنا من اهتمامات الشاطبي، ومن شخصيته العلمية، ولأهميتها الذاتية، لأنها ليست أسئلة فحسب، بل هي وجهات نظر، مدعمة بأقوى الأدلة، في مسائل علمية هامة، "وإن كان بعضها قد نقصت أهميته اليوم" نظرًا لهذه الأهمية، أقدم فيما يلي خلاصة لها:

стр. 109

- المسألة الأولى: أن فقهاء المذهب المالكي، يجدون في المسألة الواحدة أقوالًا متعارضة، كلها مروي عن إمام المذهب، وقد تصل هذه الأقوال إلى ثلاثة أو أربعة، وهم يفتون بجميع هذه الأقوال، ويعتمدونها على ما بينها من تعارض يقتضي أن بعضها مرجوع عنه، فلا عمل به، فهو كالدليل الشرعي المنسوخ، مع أن أهل الأصول متفقون على أنه إذا ورد من العالم قولان متضادان، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، لم يؤخذ له بواحد منهما، لاحتمال أن يكون المأخوذ به هو المرجوع عنه. - المسألة الثانية: وهي شبيهة بالأولى، ومبنية عليها، وهي: إذا اختلفت الروايات في المذهب، فهل يصح للقائل أن يقول: هذا مذهب مالك في المسألة، وهو إنما يعني إحدى تلك الروايات فقط؟ وهل يكون في ذلك بريء الذمة، في نسبة ما نسب إلى مالك، وهو غير متأكد منه؟ - المسألة الثالثة: كثيرًا ما يعمد الفقهاء إلى أقوال "المدونة" أو غيرها، فيستنبطون من ألفاظها ما تحتمله، ويأخذون بمفهوماتها، بل كثيرًا ما يستدلون بمفهوم كلام ابن القاسم وغيره، فضلا عن مالك. مع العلم أن الأخذ بالمفهوم -في كلام الشارع- فيه ما هو معلوم من الخلاف، فكيف بكلام البشر وفيه ما فيه من القصور والغفلة والحشو؟ - المسألة الرابعة: اشتهر عن مالك ومذهبه، مراعاة الخلاف، وأن ذلك من الأصول التي قد تبنى عليها بعض الفتاوي المالكية. ومراعاة الخلاف، هي أن يكون المذهب في المسألة: كذا وكذا. فإذا وقعت على خلاف ما في المذهب، ولكن على وفق ما في مذهب آخر، أو قول آخر من أقوال أهل العلم، فإن الفتوى في المذهب -بعد الوقوع- تكون بتصحيح ما وقع وإمضائه١، عملا بالمذهب المخالف الذي يصحح ذلك أصلًا.

стр. 110

والإشكال الوارد هنا -من الشاطبي طبعًا- هو أن المالكي -في هذه الحالة- يتنازل عن الدليل الذي يعتقد صحته -أو رجحانه على الأقل- ويعمل بدليل يعتقد بطلانه -أو مرجوحيته على الأقل- ويجوز -بعد الوقوع- ما لم يكن جائزًا قبله! - المسألة الخامسة: أن الغزالي وابن رشد، وغيرهما كالقرافي، جعلوا من الورع، الخروج من الخلاف، بناء على أن الأمور المختلف فيها "أي في جوازها وعدمه" هي نوع من الشبهات التي جاء في الحديث الحث على اتقائها، فيكون من الورع واتقاء الشبهات: الخروج من الخلاف، بترك ما اختلف فيه. وهذا الرأي يؤدي إلى إشكالات وصعوبات: منها أننا سنجعل قسمًا كبيرًا من الشريعة، من المتشابهات، مع العلم أن المتشابهات إنما هي استثناءات في الشريعة؟ ومنها الحرج الكبير الذي سيقع فيه المكلفون من أجل أن يكونوا ورعين، والحرج الكبير العسير منفي عن الشريعة قطعًا؟ - المسألة السادسة: قد يعمل المكلف عملًا، بالجهل، ومجرد التخمين، من غير علم بالحكم الشرعي فيما عمل -سواء كان ذلك في العبادات أو في غيرها- ويجبيء عمله على صورة يصححها بعض العلماء، ويبطلها بعضهم. فهل يكون عمله ذاك مجزئًا تبرأ به ذمته أم لا؟، علمًا بأن ذمته مشغولة -يقينًا- بذلك العمل. - المسألة السابعة: أن إمامًا -بغرناطة١- ترك الدعاء الجماعي في أعقاب الصلوات، على أساس أن تلك الهيئة بدعة مخالفة لما هو معروف من فعل النبي
следующие страницы →