Полный текст (257 стр.). Показаны 246–257 · переход к 251.
стр. 246
أما عَليّ بن مزدك فاستولى على كرج ونهبها وَقتل من وجد فِيهَا من الْمُسلمين ثمَّ سبا نسَاء العجليين وبنيهم وَأَخذهم مَعَه وتحول من هُنَاكَ إِلَى أذربيجان للالتحاق ببابك ثمَّ أَخذ الخرمية يتدفقون على بابك من شَتَّى الأرجاء لقد كَانُوا بادىء ذِي بَدْء عشرَة الاف ثمَّ غدوا خَمْسَة وَعشْرين ألفا تجمعُوا فِي الْمَدِينَة الَّتِي تدعى شارستانة بَين قوهستان وأذربيجان وَهُنَاكَ الْتحق بهم بابك واعمل جَيش إِسْحَاق سيوفهم وَأخذُوا يقتلُون فَبلغ عدد الْقَتْلَى من الخرمية غير من أعْطوا الْأمان فِي معركة وَاحِدَة مائَة ألف أما من مضوا إِلَى أصفهان مَعَ أخي عَليّ بن مزدك فَكَانَ عَددهمْ عشرَة الاف وَكَانَ أَخُو عَليّ هَذَا قد حمل مَعَه النِّسَاء والأطفال وعد بيُوت رُؤَسَاء الْمَدِينَة ملكا لَهُ وأدخلها فِي حسبانه سلفا غير أَن عَليّ بن عِيسَى أَمِير أصفهان كَانَ غَائِبا فتصدى قَاضِي الْمَدِينَة ورؤساؤها واهلها وأعيانهم لحربهم واطبقوا عَلَيْهِم من ثَلَاثَة جَوَانِب وهزموهم وأسروا نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وحملوهم إِلَى الْمَدِينَة واتخذوهم عبيدا لكِنهمْ ضربوا رِقَاب الْبَالِغين من الْأَبْنَاء وألقوا بهم فِي الْأَبَّار
بعد هَذَا بست سنوات تفرغ المعتصم للخرمية وَندب الإفشين لِحَرْب بابك فقاد الإفشين الجيوش وَمضى بهم إِلَيْهِ وهب الخرمية والباطنية لنجدة بابك من كل حدب وَصوب وباختصار فقد ظلوا يحارتون إِلَى جَانِبه سنتَيْن دارت فِي خلالهما رحى معارك طاحنة بَين الإفشين وبابك وَقتل فِيهَا عدد لَا يُحْصى من الْجَانِبَيْنِ ولجأ الإفشين فِي النِّهَايَة إِلَى الْحِيلَة فَفرق أَكثر عسكره الَّذين قوضوا خيامهم فِي عتمة اللَّيْل البهيم وتراجعوا فرسخين وحطوا الرّحال هُنَاكَ ثمَّ أرسل إِلَى بابك من يَقُول لَهُ ابْعَثْ إِلَيّ بِرَجُل عَاقل مجرب من رجالك لأكلمه فِي أُمُور فِيهَا مصلحَة الطَّرفَيْنِ مَعًا فَأرْسل إِلَيْهِ بابك رجلا قَالَ لَهُ الإفشين قل لبابك ان لكل أَمر نِهَايَة ان رَأْي الادمي لَيْسَ كراثا يَنْمُو من جَدِيد إِذا مَا قطع لقد قتل أَكثر رجالي وَلم يبْق حَتَّى وَاحِد من كل عشرَة مِنْهُم وَهَكَذَا الْحَال فِيمَا أعلم بِالنِّسْبَةِ لرجالك هيا بِنَا نتصالح فتقنع أَنْت بِالْولَايَةِ الَّتِي فِي حوزتك وتتربع عَلَيْهَا بامن وَسَلام وأعود أَنا لأحصل لَك على عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْولَايَةِ وأرسله وَإِلَّا فتعال نتحارب من جَدِيد لنرى لمن يكون الظفر
وَخرج الرَّسُول من عِنْد الإفشين وَهُوَ يسرح النّظر فِي شَتَّى الْجِهَات ليرى حد الْجَيْش لكنه لم ير سوى جنود خفاف وَكَأَنَّهُم يمتطون أَجْنِحَة الْهَزِيمَة وَلما عَاد إِلَى بابك نقل إِلَيْهِ مقَالَة الإفشين وَأخْبرهُ عَن قلَّة عدد الْجَيْش فاذا هِيَ الْأَخْبَار عينهَا الَّتِي انهاها
стр. 247
عُيُون بابك إِلَيْهِ وَاتفقَ بابك ورهطه على أَن يشعلوها حَربًا شعواء بعد ثَلَاثَة أَيَّام أما الإفشين فَأرْسل إِلَى جيوشه الَّتِي كَانَ قد أمرهَا بالتراجع يَقُول تَعَالَوْا يَوْم لنزل لَيْلًا واختبئوا على بعد فَرسَخ وَنصف من على يَمِين الْجبَال والأدوية ويسارها وَحين أتظاهر بالهزيمة وابتع عَن الجيوش مَسَافَة بعيدَة فَإِن قسما من جَيش بابك سيلاحقني ويتفرغ الْقسم الاخر للإغارة على المعسكر ونهبه حِينَئِذٍ اخْرُجُوا من وَرَاء الْجبَال واستلموا طَرِيق الْوَادي لِئَلَّا يتمكنوا من العودة والوصول إِلَيْهِ وساعود حِين ذَاك
وَفِي يَوْم الْحَرْب أخرج بابك جَيْشه من الْمضيق وَكَانَ عدده أَكثر من مائَة ألف خيال وراجل فَبَدَا جَيش الإفشين حَقِيرًا ضئيلا فِي أَعينهم لِأَنَّهُ كَانَ قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ لما كَانُوا قد رَأَوْهُ من جيوش ودارت المعركة وَحَارب الجانبان بضراوة وَقتل مِنْهُمَا عدد كَبِير فَلَمَّا رنحت شمس الْأَصِيل إِلَى المغيب لَاذَ الإفشين بالفرار عمدا وَلما ابتعد عَن المعسكر فرسخا قَالَ لحامل الرَّايَة قف وانصب الرَّايَة هُنَا وَأخذ كل من يصل إِلَى هَذَا الْمَكَان من الْجند يتَوَقَّف عِنْده اما بابك فَقَالَ لجنده لَا تشْغَلُوا أَنفسكُم بالغارة والغنائم قبل أَن نرتاح بَالا من الإفشين وجيشه نهائيا وَمضى الخيالة مَعَ بابك فِي إِثْر الإفشين أما الرجالة فعاثوا فِي المعسكر نهبا حِينَئِذٍ خرج الْعشْرُونَ ألف خيال من جَيش الإفشين من وَرَاء الْجبَال عَن الْيَمين وَعَن الْيَسَار وأذا الصَّحرَاء تموج بالخرمية فاستلموا طَرِيق الْوَادي وقطعوها عَلَيْهِم أَولا ثمَّ شرعوا سيوفهم وَعَاد الإفشين بِعشْرين ألف خيال فاحاطوا بِهَذَا بابك وَجُنُوده وَلم تفلح كل محاولاته فِي الْوُصُول إِلَى سَبِيل للفرار وَلما وصل الإفشين قبض على بابك وظل جنده يعبثون فِي الخرمية قتلا إِلَى صَلَاة الْعَصْر حَتَّى ناف مَا قتل مِنْهُم على ثَمَانِينَ ألف رجل ثمَّ ترك الإفشين على قلعة بابك غُلَاما بِعشْرَة الاف خيال وراجل وَعَاد هُوَ بالأسرى وبابك إِلَى بَغْدَاد الَّتِي أدخلوه إِلَيْهَا موسوما بعلامة خَاصَّة وَلما وَقعت عين المعتصم عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا الْكَلْب لماذا أضرمت نَار الْفِتْنَة فِي الأَرْض وَلم قتلت الاف الْمُسلمين فَلم ينبس بابك ببنت شفة وَأمر المعتصم بِقطع يدية وَرجلَيْهِ جَمِيعًا وَلما قطعُوا إِحْدَى يَدَيْهِ وضع يَده الْأُخْرَى فِي الدَّم ولطخ بِهِ وَجهه إِلَى ان صيره أَحْمَر كُله فَقَالَ المعتصم يَا كلب أَي علم هَذَا أَيْضا قَالَ بابك إِن فِي هَذَا لحكمة فَقيل لَهُ قل أَيَّة حِكْمَة هَذِه قَالَ إِنَّكُم تُرِيدُونَ قطع يَدي ورجلي جَمِيعًا ان الدَّم هُوَ الَّذِي يَجْعَل وجنات النَّاس حمرا لكنه حِين ينْفد من الْجِسْم يصفر الْوَجْه وَأَنا إِنَّمَا حمرت وَجْهي بِالدَّمِ كي لَا يُقَال عِنْدَمَا ينْفد دمي إِن وَجهه غَدا أصفر خوفًا وخشية
стр. 248
وَأمر المعتصم بسلخ جلد ثَوْر بقرنيه وَأَن يُؤْتى بِهِ طريا وَلما جِيءَ بِهِ وضع بابك فِيهِ بِحَيْثُ ظهر فِيهِ قرنا الثور بمحاذاة أذنبه ثمَّ خيط الْجلد وَلما جف علقوه عرضوا بابك فِيهِ حَيا على هَذَا النَّحْو إِلَى أَن مَاتَ ميتَة شنعاء
ان أَمر بابك من بَدْء خُرُوجه إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ يَتَّسِع لمجلد كَبِير جدا وَلَقَد سُئِلَ اُحْدُ جلاديه بعد أسره كم شخصا قتلت قَالَ كَانَ لبابك عدَّة جلادين اما عدد من قَتلتهمْ أَنا فَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف مُسلم فضلا عَمَّن قتل الجلادون الاخرون من الْمُسلمين فِي ساحات الْقِتَال
لقد تمت على يَد المعتصم ثَلَاثَة فتوح وانتصارات كَانَت كلهَا قُوَّة للأسلام وحصنا أَولهَا بِلَاد الرّوم وَثَانِيها قَضَاؤُهُ على بابك وَثَالِثهَا واخرها انتصاره على المازيار الْمَجُوسِيّ بطبرستان وَلَو أَن أَحدهَا لم يتم لفت فِي عضد الْإِسْلَام كثيرا حِكَايَة حول المعتصم
فِي حِين كَانَ المعتصم جَالِسا للشراب يَوْمًا وَكَانَ القَاضِي يحيى بن أَكْثَم حَاضرا نَهَضَ الْخَلِيفَة وَدخل إِحْدَى الحجرات ثمَّ خرج وَتَنَاول شَيْئا من الشَّرَاب ونهض من جَدِيد وَدخل حجرَة أُخْرَى ثمَّ نَهَضَ للمرة الثَّالِثَة وَدخل الْحمام فاغتسل وَخرج من الْحمام بِسُرْعَة وَطلب مصلى فصلى رَكْعَتَيْنِ وَعَاد إِلَى الْمجْلس ثمَّ قَالَ للْقَاضِي يحيى أَتَدْرِي مَا الصَّلَاة الَّتِي صليتها قَالَ يحيى لَا قَالَ المعتصم صَلَاة شكر لنعمة من نعم الله أسبغها عَليّ الْيَوْم قَالَ يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ماهذه النِّعْمَة قَالَ المعتصم فِي هَذِه السَّاعَة افتضضت ثَلَاث فتيات هن بَنَات ثَلَاثَة كَانُوا خصوما لي أحداهما بنت ملك الرّوم وَالثَّانيَِة ابْنة بابك وَالْأُخْرَى كَرِيمَة المازيار الْمَجُوسِيّ
стр. 249
خُرُوج الخرمية فِي عهد الواثق
وَفِي أَيَّام الواثق خرج الخرمية فِي نَاحيَة أصفهان وعاثوا فِيهَا فَسَادًا وظلوا يخرجُون إِلَى سنة ثَلَاثمِائَة هجرية وأغاروا على كرج ونهبوها مرّة أُخْرَى وَقتلُوا خلقا كثيرا لكنه قضي عَلَيْهِم أَيْضا
وَمِمَّنْ خَرجُوا باريزدشاه الَّذِي اتخذ من جبال أضفهان معقلا لَهُ فالتف حوله الخرمية والباطنية وَأخذُوا يسطون على القوافل وينهبون الْقرى وَيقْتلُونَ الشُّيُوخ والشباب والأطفال ودامت فتنته مَا يزِيد على ثَلَاثِينَ سنة لم تستطع الجيوش فِي خلالها أَن تحرز أَي نصر عَلَيْهِ بل عجزت عَن رده والتغلب عَلَيْهِ لاستحكامه فِي جبال حَصِينَة جدا وَلَكِن تَكُ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي نِهَايَة المطاف وعلق رَأسه فِي أصفهان وَأرْسلت كتب إِلَى شَتَّى أقطار الْإِسْلَام تبشر الْمُسلمين بِهَذَا النَّصْر
إِنَّه ليطول بِي الْمقَام لَو ذكرت أخبارهم كلهَا فَهِيَ كَثِيرَة وَمهما ذكرت مِنْهَا فكأنني لم أذكر شَيْئا وَمن يَشَأْ الْوُقُوف على ثورات الباطنية والخرمية ومفاسدهم فليقرأ تَارِيخ الطَّبَرِيّ وتاريخ أصفهان وتاريخ خلفاء بني الْعَبَّاس
أصُول مَذْهَب الخرمية
الركيزة الَّتِي بنى عَلَيْهَا الخرمية مَذْهَبهم هِيَ أَنهم ألقوا عَن كواهلهم كل ضروب الإجهاد والإرهاق ونبذوا شَعَائِر الدّين الإسلامي وفرائضة من قيام وَصَلَاة وَصِيَام وَحج ومجاهدة أَعدَاء الله والاغتسال من الْجَنَابَة وَتَحْرِيم الْخمْرَة والتمسك بالزهد وَالتَّقوى وكل مَا هُوَ فَرِيضَة
انهم لم يسعوا فِي أُمُور الشَّرِيعَة وَلم يحاولوا سلوك سَبِيل دين الْمُصْطَفى ﵇ فِي شَيْء لقد كَانَ اول مَا يتفوهون بِهِ فِي محافلهم ولقاءاتهم إِظْهَار الأسف وَالْحَسْرَة على قتل أبي مُسلم صَاحب الدولة وَلعن قتلته دَائِما وَالصَّلَاة على الْمهْدي بن فَيْرُوز ابْن فَاطِمَة بنت أبي مُسلم الَّذِي كَانُوا يَدعُونَهُ الطِّفْل الْحَكِيم أَو الْفَتى الْعَالم
стр. 250
ويبدو أَن أصل الْمذَاهب الثَّلَاثَة المزدكية والخرمية والباطنية وَاحِد وانهم كَانُوا يسعون دَائِما لتقويض دعائم الْإِسْلَام لقد كَانُوا يتظاهرون بِالصّدقِ والزهد وَالْعِبَادَة وَالتَّقوى ومحبة ال الرَّسُول ﷺ أَمَام الْمُسلمين بادىء بَدْء لإيقاعهم فِي حبائلهم لكِنهمْ كَانُوا يسعون بعد أَن يقوى عودهم وَيكثر أتباعهم إِلَى الإطاحة بِأمة مُحَمَّد ﵇ وَدينه وتقويضهما حَتَّى أَن الْكفَّار كَانَت تأخذهم الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة على امة مُحَمَّد ﵇ أَكثر من هَؤُلَاءِ
وَلَقَد ذكرت هَذَا الْقدر من أَقْوَالهم لأَنهم كَانُوا يحفرون بِئْرا ويحاولون إخفاء أَمر جلي والتستر عَلَيْهِ أما من اسْتَجَابُوا بدعوتهم فَكَانُوا ييسرون لَهُم أُمُورهم ويخدمون أغراضهم ويمدون إِلَيْهِم يَد العون ويساند كل مِنْهُم الاخر
لقد جعلُوا سيد الْعَالم خلد الله ملكه الَّذِي لَهُ كل مَا فِيهِ وَالَّذِي كل الْعَالمين عبيده حَرِيصًا على جمع المَال المَال الَّذِي كَانُوا يسلبونه من الْمُسْتَحقّين ويظهرونه على أَنه توفير انه لَا يُمكن عمل ثوب من قصاصات ستْرَة أَو وصل كمين مَعًا سيتذكر سيد الْعَالم دَامَ سُلْطَانه مقَالَة مَوْلَاهُ حِين يقذف شرهم وفتنتهم وَاضحا للملأ وسيتذكر إبان هَذَا الْفساد ان مَا قلته هُوَ الصَّوَاب عينه وانني لم أضن مَا أمكنني ذَلِك فِي تَقْدِيم النصح وَإِظْهَار الحدب والخشية وَلم ال جهدا فِي تَنْفِيذ شُرُوط طَاعَتي وهواي لهَذِهِ الدولة الْقَاهِرَة ثَبت الله أَرْكَانهَا
وقى الله تَعَالَى عهد مولَايَ عين السوء وَيَد الشَّرّ وَحَال بَين أعدائه وَبَين تحقييق ماربهم وامالهم الشريرة ووشح قصره وبلاطه وديوانه بِأَهْل الدّين إِلَى يَوْم الدّين وَلَا أخلى هَذِه الدولة مِمَّن هواهم مَعهَا ووهب ملكه النَّصْر وَالظفر كل يَوْم
стр. 251
الْفَصْل الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ
فِي امتلاك الخزائن ورعاية قواعدها وأنظمتها
كَانَ للملوك دَائِما خزانتان إِحْدَاهمَا الخزانة الأَصْل وَالْأُخْرَى خزانَة الْإِنْفَاق لقد كَانُوا يحولون الْأَمْوَال المتحصلة غَالِبا إِلَى الخزانة الأولى وقليلا مَا حولوها إِلَى الْأُخْرَى وَلم يَكُونُوا يُنْفقُونَ من الخزانة الأَصْل الا لضَرُورَة قصوى وعَلى سَبِيل قرض يُعَاد اليها بعد ذَلِك وَلَو لم يفكروا على هَذَا النَّحْو لأنفق كل مَا كَانَ يحصل من أَمْوَال حَتَّى إِذا مَا احْتِيجَ إِلَى المَال بَغْتَة وَلم يكن متوافرا فَلَا ينشأ عَنهُ سوى الْحيرَة وإنشغال البال وَالتَّقْصِير فِي مُوَاجهَة ذَلِك المهم والتأخر فِي قَضَائِهِ
وَلم يكن الْمُلُوك يُنْفقُونَ مِمَّا كَانَ يدْخل الخزانة من دخل الْولَايَة الْبَتَّةَ لكَي تُؤَدّى النَّفَقَات فِي أَوْقَاتهَا وَلَا يحدث أَي إخلال أَو تَقْصِير فِي أَدَاء الصلات والهبات والأعطيات وَحَتَّى تظل الخزانة عامرة دَائِما
التون تاش وَأحمد بن الْحسن الميمندي
سَمِعت أَن الْأَمِير التون تاش الَّذِي كَانَ الْأَمِير الْحَاجِب للسُّلْطَان مَحْمُود ندب حَاكما لخوارزم وَأرْسل إِلَيْهَا وَكَانَ معدل دخل حاصلات خوارزم سِتِّينَ ألف دِينَار فِي حِين كَانَت رواتب جَيش التون ضعف هَذَا الملبغ وَذهب التون تاش إِلَى خوارزم وَبعد سنة على وجوده فِيهَا أرسل إِلَيْهِ من يطْلب مَالا فَأرْسل معتمديه إِلَى غزنين يلْتَمس أجعلوا سِتِّينَ الْألف دِينَار هَذِه وَهِي أحمال خوارزم رواتب لجندي بَدَلا عَمَّا يدْفع لي من الدِّيوَان
стр. 252
وَلما قَرَأَ شمس الكفاة أَحْمد بن الْحسن الميمندي وَكَانَ وزيرا الرسَالَة كتب فِي الْحَال الْجَواب التَّالِي
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
إعلم ان التون تاش لَا يُمكن أَن يكون مَحْمُودًا باية حَال احْمِلْ مَا تعهدت بِهِ من أَمْوَال وهاتها إِلَى خزانَة السُّلْطَان ثمَّ اجْلِسْ إِلَى النَّاقِد والوزان وَسلم الذَّهَب وَخذ سندا بِهِ وَحِينَئِذٍ اطلب رواتب جندك حَتَّى يكْتب لَك وَلَهُم عهد بمحاصيل بست وسجيتان ثمَّ امضوا إِلَيْهِمَا وأحضروا محاصيلهما إِلَى خوارزم كل هَذَا ليمتاز الْفرق بَين الْمولى وسيده وَبَين مَحْمُود والتون تاش وليظهر رونق السُّلْطَان وَيعرف حد الْجند يجب ان يكون كَلَام خوارزمشاه فِي منأى عَن الخطل فَإِن التماسه لَا يعدو أحد أَمريْن اثْنَيْنِ فإمَّا أَنه ينظر إِلَى السُّلْطَان بِعَين الصغارة والهوان وَإِمَّا أَنه يعد أَحْمد بن الْحسن الميمندي غافلا مبتدئا جَاهِلا لقد عجبنا لكَمَال عقل خوارزمشاه وفصاحته وَقد عجب كل من سمع التماسه أَيْضا عَلَيْك أَن تعتذر وتلتمس الْعَفو فَإِن سعي الْمولى لمشاركة سَيّده فِي الْملك لخطر عَظِيم وَالسَّلَام
وَبعث الميمندي الرسَالَة بيد أحد رُؤَسَاء الحرس وَمَعَهُ عشرَة غلْمَان إِلَى خوارزم فاتوا بستين ألف دِينَار وزنت وأودعت خزانَة مَحْمُود وأعطوا من ديوَان غزنين عَنْهَا عهدا بمحاصيل بست وسجستان من البلوط وقشور الرُّمَّان والقطن وَمَا إِلَيْهَا وَذهب التون تاش ورهطه إِلَيْهِمَا فاخذوا المحاصيل وباعوها وجاؤوا بستين ألف دِينَار من بِشَتٍّ إِلَى خوارزم
لقد حَافظ الْملك على هَذَا النظام وَهَذِه الْقَاعِدَة من قَوَاعِد الْملك لِئَلَّا يتسرب الانفصام إِلَى شؤون المملكة ومصالحها وَحَتَّى يظل صَلَاح الرّعية وَعمْرَان الخزانة على حَالهمَا وتقطع الأطماع فِي أَمْوَال السُّلْطَان والرعية
стр. 253
الْفَصْل التَّاسِع والآربعون
فِي إِجَابَة المتظلمين وَقَضَاء مطالبهم وإنصافهم
يغص الْقصر دَائِما بالمتظلمين الَّذين لَا يغادرونه قبل أَن يتسلموا أجوبة شكاياتهم ان هَذَا قد يبْعَث كل رَسُول أَو غَرِيب يفد إِلَيْهِ على الظَّن حِين يسمع صُرَاخ المتجمعين وجلبتهم بَان ظلما عَظِيما ينزل بِالنَّاسِ فحتى يوصد الْبَاب دون هَذَا الظَّن يَنْبَغِي أَن تجمع شكاوى أهل كل مَدِينَة وناحية من الْحَاضِرين على حِدة وتوضع فِي مَكَان وَاحِد ثمَّ يَأْتِي خَمْسَة مِنْهُم إِلَى الْقصر لبَيَان أَمرهم وَعرض أَحْوَالهم ويتلقون الْجَواب ويتسلمون الحكم ويعودون حَالا وَهَذِه هِيَ السَّبِيل للْقَضَاء على الجلبة والضوضاء والصراخ الَّتِي لَا أساس لَهَا
كتاب يزدجرد إِلَى عمر وَجَوَابه عَنهُ
يرْوى أَن الْملك يزدجرد أرسل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ رَسُولا يَقُول لَيْسَ فِي الْعَالم الْيَوْم مملكة أَكثر سكانا من مملكتنا وخزانة أعمر من خزانتنا وجيش اكثر من جيشنا وَلَيْسَ لأحد من الة وعدة
فَأَجَابَهُ عمر أجل إِن مملكتك مكتظة لَكِن بالمتظلمين وَإِن خزانتك مترعة لَكِن بِالْمَالِ الْحَرَام وَأَن جيشك كثير لكنه شاق عَصا الطَّاعَة وَإِذا مَا دالت الدولة فَإِن الالة وَالْعدة لَا يغنيان فتيلا ان فِي هَذَا كُله لدليلا على انحطاط دولتكم وَقرب زَوَال ملككم وَهَكَذَا كَانَ
إِن الطَّرِيقَة الأمثل أَن يبْدَأ سيد الْعَالم خلد الله ملكه بالإنتصاف من نَفسه حَتَّى يصير الْجَمِيع منصفين ويقطعوا دابر الطمع مِمَّا هُوَ محَال وَغير حق مِثْلَمَا فعل السُّلْطَان مَحْمُود
стр. 254
رِسَالَة السُّلْطَان مَحْمُود الشَّدِيدَة
يُقَال إِن تَاجر أَتَى بلاط السُّلْطَان مَحْمُود وتظلم إِلَيْهِ من ابْنه مَسْعُود فِي حسرة وتوجع وَقَالَ امْرُؤ تَاجر مَضَت عَليّ مُدَّة هُنَا أَرغب فِي العودة إِلَى مدينتي لكنني لَا استطيع لِأَن الْأَمِير مسعودا اشْترى مني بضَاعَة واقمشة بستين ألف دِينَار دون أَن يدْفع ثمنهَا أُرِيد أَن ترسلني والأمير مسعودا إِلَى القَاضِي
ورق قلب السُّلْطَان مَحْمُود لكَلَام التَّاجِر وَبعث رِسَالَة شَدِيدَة إِلَى مَسْعُود أمره فِيهَا أُرِيد أَن تقضي لَهُ حَقه الان وَإِلَّا تعال لتمثل مَعَه أَمَام الْقَضَاء لتطبق عَلَيْكُمَا أَحْكَام الشَّرِيعَة وَمضى التَّاجِر إِلَى مجْلِس القَاضِي فِي حِين قصد الرَّسُول مسعودا وَأدّى الرسَالَة وَأسْقط بيد مَسْعُود فَقَالَ للْمُوكل بالخزانة انْظُر مَا فِي الخزانة من الذَّهَب نَقْدا فَذهب وَنظر وَعَاد فَقَالَ لَيْسَ ثمَّة أَكثر من عشْرين ألف دِينَار قَالَ مَسْعُود خُذْهَا وامض بهَا إِلَى التَّاجِر واستمهله ثَلَاثَة أَيَّام لباقي الْمبلغ ثمَّ قَالَ لرَسُول السُّلْطَان قل للسُّلْطَان إِنَّنِي دفعت إِلَى الرجل عشْرين ألف دِينَار فِي الْحَال وسأعطيه حَقه كَامِلا بعد ثَلَاثَة أَيَّام وإنني لأقف الان مرتديا قبائي منتعلا موزجي فِي انْتِظَار مَا يَأْمر بِهِ السُّلْطَان فَذهب الرَّسُول لكنه عَاد إِلَى مَسْعُود مرّة أُخْرَى وَقَالَ يَقُول السُّلْطَان إِمَّا أَن تتَوَجَّه إِلَى مجْلِس الْقَضَاء وَأما أَن تدقع مَال التَّاجِر إِلَيْهِ وَاعْلَم أَنَّك لن ترى لي وَجها مَا لم تُؤَد حق الرجل إِلَيْهِ كَامِلا وَلم يَجْرُؤ مَسْعُود على أَن يضيف إِلَى كَلَامه السَّابِق حرفا وَأرْسل رسلًا إِلَى مُخْتَلف النواحي يطْلب قرضا فَمَا أَن تأزف وَقت صَلَاة الْعَصْر حَتَّى وصلت إِلَى التَّاجِر السِّتُّونَ ألف دِينَار وَلما تناهى هَذَا الْخَبَر إِلَى أَطْرَاف الْعَالم أَخذ التُّجَّار ينالون على غزنين من الصين وخطا ومصر وعدن يحملون إِلَيْهِ مَا فِي الْعَالم من تحف ونفائس أما مُلُوك هَذَا الزَّمَان فَإِنَّهُ لَو أَمر أحدهم أدنى فرَاش أَو ركابدار بِأَن أمثل فِي مجْلِس الْقَضَاء مَعَ عميد بَلخ وَرَئِيس مرو لما صدع لأَمره أَو أَعَارَهُ أدنى اهتمام
جَوَاب عمر بن عبد الْعَزِيز لعامل حمص
كتب عَامل حمص إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز لقد انهار سور حمص ورمه وَاجِب فيمَ تَأمر فَكتب إِلَيْهِ عمر سور حمص بِالْعَدْلِ وطهر طرقاتها من الْخَوْف وَالظُّلم
стр. 255
وَلَا حَاجَة بعد إِلَى الطين وَاللَّبن وَالْحجر والجص
وَأمر الله داودعليه السَّلَام ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ وَيَقُول تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾
وَيَقُول مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ من اسْتعْمل على الْمُسلمين عَاملا وَهُوَ يعلم أَن فِي الْمُسلمين من هُوَ خير مِنْهُ فقد خَان الله وَرَسُوله وَجَمِيع الْمُسلمين
ان هَذَا الْعَالم صحيفَة الْمُلُوك يذكر الْأَخْبَار مِنْهُم بِالْخَيرِ ويثني عَلَيْهِم وَيذكر الأشرار بِالشَّرِّ وَالسوء ويلعنهم يَقُول العنصري ... ستؤول ألى حِكَايَة وَذكر وَلَو شدت سريرك فِي السَّمَاء
وَلنْ يبْقى مِنْك سوى الذّكر وَلَو تمنطقت بِالثُّرَيَّا
فحاول أَن تخلف ذكرا حسنا مَا دمت ستؤول ذكرا
وَاسع فِي أَن تكون حِكَايَة جَيِّدَة مَا دمت ستصير حِكَايَة ...
стр. 256
الْفَصْل الْخَمْسُونَ
فِي تدوين حِسَاب أَمْوَال الولايات ونسقه
إِن فَائِدَة تدوين حِسَاب أَمْوَال الولايات وَمَعْرِفَة الدخل والإنفاق تكمن فِي التَّأَمُّل الدَّقِيق فِي الْإِنْفَاق فيلغى عندئذ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا ويحذف وَإِذا مَا كَانَ لأحد رَأْي فِي مَجْمُوع الدخل كَأَن أظهر رَغْبَة فِي التوفير فَيَنْبَغِي الإصغاء إِلَيْهِ حَتَّى إِذا تبين صِحَة مَا يَقُول يجب السَّعْي فِي إِثْر ذَلِك المَال وتوفيره فَبِهَذَا يُمكن الْقَضَاء على مَا قد يحدث من إخلال أَو تبذير فِي الْأَمْوَال وتضييعها وَلَا يظل ثمَّة شَيْء خافيا بعد ذَلِك
أما موقف الْملك أَي ملك من حَال الدُّنْيَا وشؤونها الْأُخْرَى فَيجب أَن يكون منصفا فِي كل حَال وَأَن يجْرِي وفْق السّنَن الْقَدِيمَة وعَلى قري الْمُلُوك الصَّالِحين الأخيار وعَلى الْملك أَلا يسن سنة سَيِّئَة أَو يرضى بالبدع وَمن واجبه كَذَلِك مراقبة الْعمَّال والمعاملات وَمَعْرِفَة الدخل والخرج والحفاظ على الْأَمْوَال وتأسيس الخزائن والإدخار كل هَذَا لتوفير المَال وَدفع أَذَى الْأَعْدَاء ومضارهم وَلَا يَعْنِي هَذَا أَن يمسك يَده ويغلها إِلَى عُنُقه فيصمه النَّاس بالبخل وينسبونه إِلَى الدُّنْيَا والتكالب عَلَيْهَا وَلَا يَعْنِي كَذَلِك أَن يتمادى فِي الْإِسْرَاف فَيَقُول عَنهُ النَّاس إِنَّه مبذر للأموال مذربها عَلَيْهِ أَن يعرف عِنْد الْعَطاء للنَّاس مَنَازِلهمْ وأقدارهم فَلَا يهب مائَة دِينَار من لَا يسْتَحق سوى عشرَة أَو يمنح ألف دِينَار من يسْتَحق مائَة لِأَن هَذَا يحط من أقدار العظماء والمشهورين ومراتبهم ويفسح المجال للاخرين بِأَن يدعوا ان هَذَا الْملك لَا يُرَاعِي أقدار النَّاس ومنازلهم وَلَا يعرف لأَصْحَاب الخدمات وَالْفضل والمهارات والفنون أقدارهم لذَلِك يضغنون دونما سَبَب ويقصرون فِي الْقيام بواجباتهم
وَيجب على الْملك كَذَلِك أَن يحارب الْأَعْدَاء حَربًا تتْرك بَاب الصُّلْح مَفْتُوحًا وَأَن يصالحهم صلحا لَا يوصد بَاب الْحَرْب وَأَن يوطد علاقاته مَعَ الصّديق والعدو بِنَحْوِ يُمكنهُ
стр. 257
من أَن يفصم عراها أَو يُعِيد بناءها أَنى يَشَاء
وَمِمَّا يجب عَلَيْهِ أَيْضا أَلا يشرب الْخمر حبا فِي السكر وَإِلَّا يفرد وَجهه دَائِما أَو يعبس دَفعه وَاحِدَة ومثلما يشغل نَفسه بالصيد والتنزه وَالشرب أَحْيَانًا يجب أَن يَأْخُذهَا بَين الْحِين والحين بالشكر وبذل الصَّدقَات بِاللَّيْلِ وَالصِّيَام وَفعل الْخَيْر ليجمع بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَعَلِيهِ أَن يتوسط فِي كل الْأُمُور عملا بقول الرَّسُول ﵇ خير الْأُمُور أوسطها وَألا ينسى نصيب الْحق تَعَالَى فِي كل أَمر لِئَلَّا يكون ذَلِك وبالا عَلَيْهِ وَمن واجبه أَن يسْعَى فِي إطاعة أوَامِر الله تَعَالَى وتطبيق أَحْكَام الدّين وشرائعه وَأَن يحرص عَلَيْهَا حَتَّى يَهبهُ الله الْكِفَايَة فِي أُمُوره الدِّينِيَّة والدنيوية ويحقق لَهُ مُرَاد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ويوصله إِلَى مَا يصبو إِلَيْهِ من آمال وأماني