← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8345

سياست نامه = سير الملوك

نظام الملك

Полный текст (257 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثمَّ شرع أنوشروان يُرْسل الرِّجَال عشْرين عشْرين وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ إِلَى الْقصر الاخر حَيْثُ كَانَ يتولاهم رِجَاله فيأخذونهم إِلَى الميدان والسراي الصَّغِير فِيهِ ثمَّ يلقون بهم فِي الْحفر ويهيلون عَلَيْهِم التُّرَاب إِلَى أَن أهلكوا جَمِيعهم بعد أَن ألقوا جَمِيعهم فِي الْحفر قَالَ أنوشروان لِأَبِيهِ ومزدك لقد ألبس الرِّجَال الْخلْع جَمِيعًا ووقفوا فِي الميدان بانتظام أَلا تنهضان لإلقاء نظرة عَلَيْهِم فستريان زِينَة لم تريا أجمل مِنْهَا قطّ ونهض قباذ ومزدك كِلَاهُمَا وَصَارَ إِلَى الْقصر الاخر ثمَّ إِلَى الميدان والسراي الصَّغِير وسرح مزدك نظره فَلم ير على أَرض الملعب فِي شَتَّى أرجائه سوى أرجل تتمايل فِي الْهَوَاء حِينَئِذٍ الْتفت أنوشروان إِلَى مزدك وَقَالَ لَيست ثمَّة خلع أحسن من هَذِه نخلعها على جَيش أَنْت قائده لقد جِئْت لتبديد أَمْوَال النَّاس وثرواتهم وهتك نِسَائِهِم وَنزع الْملك من بيتنا وَلما كَانَت قد اقيمت بامر أنوشروان دكة عالية وحفرت حُفْرَة فِي مُقَدّمَة الميدان أَمر بِأَن يساق مزدك إِلَى الدكة ويلقى فِي الحفرة إِلَى صَدره وَاقِفًا على رجلَيْهِ وصدره ظَاهر وصب الجص من حوله فِي الحفرة ليظل مصلوبا منتصبا فِيهِ ثمَّ قَالَ أنوشروان انْظُر الان إِلَى ابتاعك وسرح نظرك فيهم قَالَ لِأَبِيهِ أَرَأَيْت رَأْي الْعُقَلَاء وتدبيرهم ان مصلحتك الان فِي أَن تلْزم الْقصر مُدَّة إِلَى أَن يسكن عَن الْجَيْش والرعية الْغَضَب لِأَن منشأ هَذَا الْفساد ضعف رَأْيك وتدبيرك وأجلس أنوشروان أَبَاهُ فِي الْقصر وَأمر بإخلاء سَبِيل الْقرَوِيين الَّذين أحضروا لحفر الْحفر وبفتح بوابة الميدان لتدخل جموع الْجَيْش وَالنَّاس للتفرج والمشاهدة فَأخذت الجموع تنتف لحية مزدك وشاربه إِلَى أَن فَارق الْحَيَاة ثمَّ وضع أنوشروان وَالِده فِي السلَاسِل والأغلال واستدعى إِلَيْهِ أَرْبَاب الدولة وعظمائها ثمَّ تبوأ الْعَرْش بِالْحجَّةِ وَالْحق وَأطلق يَده فِي الْعدْل والبذل وظلت هَذِه الْوَاقِعَة ذكرى من ذكرياته

стр. 212

الْفَصْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ خُرُوج سنباذ الْمَجُوسِيّ على الْمُسلمين من نيسابور إِلَى الرّيّ وفتنته ومنذ هَذِه الْأَيَّام عهد أنوشروان لم يرفع أحد من هَؤُلَاءِ الْقَوْم رَأسه إِلَّا مَا كَانَ من أَمر امْرَأَة مزدك خرمة بنت فاده الَّتِي كَانَت قد فرت مَعَ رجلَيْنِ من الْمَدَائِن إِلَى ضواحي الرّيّ واطرافها واخذت تَدْعُو النَّاس وَالرجلَانِ مَعهَا إِلَى مَذْهَب زَوجهَا سرا إِلَى أَن اعتنقه خلق كثير من الْمَجُوس وَأطلق النَّاس عَلَيْهِم لقب الخرمية لكِنهمْ كتموا أَمرهم وَلم يجرؤوا على إعلان مَذْهَبهم بل طفقوا طوال تِلْكَ الْمدَّة يفتشون عَن حجَّة يتسترون وَرَاءَهَا لِلْخُرُوجِ وَإِظْهَار مَذْهَبهم على رُؤُوس الأشهاد وَلما قتل أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الدوانيقي أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي صَاحب الدولة بِبَغْدَاد عَام ١٣٧ لهجرة مُحَمَّد ﷺ كَانَ فِي نيسابور رَئِيس مَجُوسِيّ اسْمه سنباذ كَانَت تربطه بَابي مُسلم صُحْبَة قديمَة وَله فِي عُنُقه حق صداقة وخدمة سالفتين فَأَبُو مُسلم هُوَ الَّذِي قربه ورقاه إِلَى دَرَجَة قَائِد جَيش فَمَا كَانَ من سنباذ بعد قتل أبي مُسلم إِلَّا أَن أعلن تمرده وَخُرُوجه وَتقدم بِجَيْش من نيسابور إِلَى الرّيّ وَأخذ يَدْعُو مجوس الرّيّ وطبرستان لِأَن نصف أهل قوهستان وَالْعراق كَانُوا رافضة ومزدكية واراد أَن يظْهر الدعْوَة فَعمد أَولا إِلَى قتل أبي عُبَيْدَة الْحَنَفِيّ عَامل الْمَنْصُور على الرّيّ وَاسْتولى على الخزائن الَّتِي كَانَ وَضعهَا أَبُو مُسلم هُنَاكَ وَلما قوي أمره خرج يطْلب دم أبي مُسلم مُدعيًا أَنه رَسُوله إِلَى أهل الْعرَاق وخرسان وَزعم ان أَبَا مُسلم لم يقتل لكنه لما هم الْمَنْصُور بقتْله دَعَا اسْم ربه الْأَعْلَى فَصَارَ حمامة بَيْضَاء وطار من بَين يَدَيْهِ إِنَّه الان فِي حصن من نُحَاس وَالْمهْدِي ومزدك مَعَه وسيظهرون ثَلَاثَتهمْ يتقدمهم أَبُو مُسلم ومزدك وزيره وَلَقَد وصل إِلَيّ قَاصد برسالة من أبي مُسلم وَلما سَمِعت الرافضة اسْم الْمهْدي وَسمع المزدكيون اسْم مزدك التف حول سنباذ

стр. 213

من الرافضة والخرمية خلق كثير فَعظم شَأْنه وتفاقم أمره إِذْ وصل عدد أَتْبَاعه إِلَى أَكثر من مئة ألف شخص بَين خيال وراجل وَكَانَ كلما اختلى بالمجوس يَقُول لَهُم لقد اذنت دولة الْعَرَب بالأفول هَذَا مَا قرأته فِي أحد كتب الساسانيين لن أَعُود إِذا لم أدمر الْكَعْبَة الَّتِي اتَّخَذُوهَا بدل الشَّمْس قبْلَة لَهُم أما نَحن فسنجعل الشَّمْس قبْلَة لنا مِثْلَمَا كَانَت الْحَال عَلَيْهِ قَدِيما وَكَانَ يَقُول للخرمية ان مزدك شيعي وَهُوَ يامركم بِأَن تضعوا أَيْدِيكُم فِي أَيدي السيعة وظل سنباذ يُوقع على هَذَا النغم نَفسه للمجوس وغلاة الشِّيعَة والخرمية إِلَى أَن اسْتَطَاعَ أَن يكْسب إِلَيْهِ الْفرق الثَّلَاث ويستميلها ثمَّ اسْتَطَاعَ أَن يقتل بعض قادة الْمَنْصُور ويهزم جيوشه إِلَى أَن ندب جهور الْعجلِيّ لحربه بعد سبع سنوات وَجمع جهور جيوش خوزستان وَفَارِس وَتقدم نَحْو أصفهان حَيْثُ ضم إِلَيْهِ مرتزقتها وعرب قُم وعجليي كرج ثمَّ مضى فِي سَبيله إِلَى أَن وصل إِلَى مشارف الرّيّ حَيْثُ اشتبك مَعَ سنباذ فِي حَرْب ضارية ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الْيَوْم الرَّابِع قتل سنباذ بيد جهور فِي أثْنَاء نزال بَينهمَا فتفرقت جموعه وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى مَكَانَهُ واختلطت الخرمدينية بالمجوسية والتشيع واخذ كل مِنْهُم يتَّصل بالاخر سرا ويقوى وينمو يَوْمًا عَن يَوْم إِلَى أَن أَخذ الْمُسلمُونَ وَالْمَجُوس يطلقون لقب الخرمدينية على هَذِه الطَّائِفَة وَبعد أَن قتل جهور سنباذ دخل الرّيّ وَقتل من وجد فِيهَا من الْمَجُوس وأغار على مَنَازِلهمْ ونهبها وسبى نِسَائِهِم وابناءهم واتحذهم عبيدا

стр. 214

الْفَصْل السَّادِس والربعون خُرُوج الباطنية والقرامطة لعنهم الله وَإِظْهَار الْمَذْهَب السيء إِن سَبَب ظُهُور مَذْهَب القرامطة هُوَ أَنه كَانَ لجَعْفَر الصَّادِق ﵁ ابْن اسْمه إِسْمَاعِيل مَاتَ قبل ابيه تَارِكًا وَرَاءه ابْنا لَهُ اسْمه مُحَمَّد لقد عَاشَ مُحَمَّد هَذَا إِلَى أَيَّام هَارُون الرشيد وَيُقَال انه لما لمح أحد الزبيريين أَمَام الرشيد بَان جعفرا الصَّادِق يبيت لِلْخُرُوجِ وَيَدْعُو النَّاس سرا وَيسْعَى للوصول الى الْخلَافَة بِغَيْر حق أَمر الرشيد بإحضار جَعْفَر من الْمَدِينَة المنورة إِلَى بَغْدَاد وسجنه فِيهَا وَمَات مُحَمَّد هَذَا فِي السجْن فَدفن فِي مَقْبرَة قُرَيْش وَكَانَ لمُحَمد بن اسماعيل مولى حجازي اسْمه مبارك كَانَ يجيد الْكِتَابَة بِخَط دَقِيق يُسمى المقرمط فاطلق عَلَيْهِ لقب قرمطوية وَكَانَ لمبارك صديق أهوازي اسْمه عبد الله بن مَيْمُون القداح يُقَال أَنه جلس يَوْمًا إِلَى مبارك وحيدا وَقَالَ لَهُ كَانَ مَوْلَاك مُحَمَّد بن اسماعيل صديقي وَقد افضى إِلَيّ باسراره الَّتِي لم يبح بهَا لَك وَلَا لغيرك فدهش مبارك لهَذَا وَرغب فِي مَعْرفَته وَأخذ عبد الله بن مَيْمُون على مبارك يَمِينا أَن

стр. 215

لَا تفش مَا أَقُول لَك لأحد لمن هُوَ أهل لَهُ وَرَاح يعرض عَلَيْهِ أقوالا عَن رموز حُرُوف المعجم على لِسَان الْأَئِمَّة مشوبة بِشَيْء من كَلَام أهل الطبائع وألفاظ الفلاسفة وَقد أَكثر فِيهَا من ذكر الرَّسُول ﷺ والأنبياء ﵈ وَالْمَلَائِكَة واللوح والقلم وَالْعرش والكرسي ثمَّ افْتَرقَا فاتجه مبارك إِلَى الْكُوفَة وَمضى عبد الله نَحْو قوهستان الْعرَاق فِي طلب أهل التَّشَيُّع لقد كَانَ مُوسَى بن جَعْفَر سجينا فِي حِين مضى مبارك فِي نشر دَعوته سرا حَتَّى نشرها فِي سَواد الْكُوفَة واطلق أهل السّنة على بعض من اسْتَجَابُوا لدعوته لقب المباركية وعَلى بَعضهم الاخر القرمطية أما عبد الله بن مَيْمُون فَكَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي قوهستان الْعرَاق وَكَانَ مشعبذا بارعا وأستاذا فِي الشعبذة وإجرائها وَقد أورد مُحَمَّد ابْن زَكَرِيَّا اسْمه فِي كتاب المخاريق وعده فِي جملَة اساتيذ الشعبذة واستخلف عبد الله بن مَيْمُون رجلا اسْمه خلف وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى الرّيّ وادع إِلَى الشِّيعَة فَالنَّاس فِي الرّيّ وقم وكاشان رافضة كلهم وسيستجيبون لدعوتك سَرِيعا

стр. 216

فيعظم أَمرك ثمَّة ويعلو شانك أما هُوَ فَتوجه إِلَى الْبَصْرَة خوف البلية وَمضى خلف إِلَى الرّيّ وَأقَام فِي قَرْيَة كلين فِي نَاحيَة بشاوية وَأخذ يشْتَغل بالطرازة الَّتِي كَانَ أستاذا فِيهَا وَمكث ثمَّة مُدَّة لم يسْتَطع أَن يُفْضِي فِيهَا باسراره لأحد إِلَى أَن تمكن بعد جهد جهيد من أَن يستميل إِلَيْهِ شخصا لقنه أصُول الْمَذْهَب مُدعيًا أَنه مَذْهَب أهل الْبَيْت وَأَنه سري لكنه سيعلن على الْمَلأ بِظُهُور الْقَائِم وَإِن ظُهُوره لقريب عَلَيْك أَن تتعرف على هَذَا الْمَذْهَب حَتَّى لَا تكون جَاهِلا بِهِ حِين يظْهر الْمهْدي ثمَّ اخذ أهل الْقرْيَة يثقفون هَذَا الْمَذْهَب إِلَى أَن تصادف وَسمع كَبِير قَرْيَة كلين وَهُوَ يتجول خَارِجهَا يَوْمًا صَوتا يخرج من أنقاض مَسْجِد هُنَاكَ فاتجه نَحوه وَأخذ ينصت إِلَيْهِ فَإِذا يشْرَح مذْهبه مَذْهَب القرامطة إِلَى أحد الرِّجَال وَلما عَاد كَبِير الْقرْيَة قَالَ لأَهْلهَا أَيهَا النَّاس أفسدوا على هَذَا الرجل أباطيله وترهاته وأحبطوها وَلَا تلتفوا حوله فانني أخْشَى بِمَا سَمِعت مِنْهُ أَن يكون دمار هَذِه الْقرْيَة على يَدَيْهِ إِن خلفا هَذَا ألكن لَا يقوى على تلفظ حُرُوف الطَّاء وَالرَّاء والحاء فَلَقَد سمعته يَقُول هَذَا بَاب باتنه الرهمة وَلما علم خلف بوقوف النَّاس على حَقِيقَة أمره فر من تِلْكَ الْقرْيَة إِلَى الرّيّ وفيهَا مَاتَ وَكَانَ قد تمكن من أَن يجر بعض أهل كلين رجَالًا وَنسَاء إِلَى مذْهبه وَخَلفه بعد مَوته ابْنه أَحْمد بن خلف الَّذِي اقتفى خطى وَالِده دون ان يعلم أحد بِالريِّ بأمرهم حَتَّى اهْتَدَى أَحْمد إِلَى رجل اسْمه غياث كَانَ حاذقا جدا بالنحو وَالْأَدب فَجعله خَلِيفَته فِي الدعْوَة وَشرع غياث هَذَا يوشي أصُول مَذْهَبهم بايات من الْقرَان واخبار الرَّسُول وأمثال

стр. 217

الْعَرَب الشّعْر وَألف كتابا باسم الْبَيَان ذكر فِيهِ مَعَاني الصَّلَاة وَالصَّوْم وألفاظ الشَّرْع على نَحْو ألغاز ومعميات ثمَّ دخل فِي مناظرة أهل السّنة وشاع فِي قُم وكاشان وابه هَذَا الْخَبَر لقد ظهر فِي قَرْيَة كلين رجل مناظر يُقَال لَهُ غياث يبشر باخبار سارة وَيعلم النَّاس مَذْهَب أهل الْبَيْت فقصد أهل هَذِه الْمَدِينَة غياثا وَأخذُوا يتعلمون عَلَيْهِ الْمَذْهَب إِلَى أَن لقف الْفَقِيه عبد الله الزَّعْفَرَانِي الْخَبَر وَعرف أَن الْمَذْهَب بِدعَة وألب أهل الرّيّ على غياث ففر إِلَى خُرَاسَان واطلق أهل السّنة بِالريِّ على فريق مِمَّن اتبعُوا هَذَا الْمَذْهَب الخلفية وعَلى فريق اخر الباطنية وَمَعَ حُلُول عَام ٢٠٠ هـ فَشَا هَذَا الْمَذْهَب وَخرج بِالشَّام فِي السّنة نَفسهَا رجل يُقَال لَهُ صَاحب الْخَال وَاسْتولى على معظمها اما غياث الَّذِي فر من الرّيّ إِلَى خُرَاسَان فاقام فِي مرو الروذ ودعا فِيهَا الْأَمِير حُسَيْن بن عَليّ المروروذي فَاسْتَجَاب لَهُ وَقَوي نُفُوذ حُسَيْن هَذَا فِي خُرَاسَان خَاصَّة فِي طالقان ومهنة وبارياب وعرشستان غور فَلَمَّا اعتنق هَذَا الْمَذْهَب دخله خلق كثير من تِلْكَ

стр. 218

النواحي أُسْوَة بِهِ وَعين غياث خَليفَة لَهُ فِي مرو الروذ لدَعْوَة النَّاس هُنَاكَ وَمضى هُوَ إِلَى الرّيّ وَجعل يَدْعُو أَهلهَا سرا من جَدِيد وَاتخذ لَهُ فِي نَاحيَة بشاوية خَليفَة كَانَ ذَا معرفَة وَاسِعَة بالشعر الْعَرَبِيّ وَالْأَحَادِيث الغريبة وكنيته أَبُو حَاتِم ومضيا يدعوان النَّاس وَكَانَ غياث وعد النَّاس بخراسان أَن الْقَائِم الَّذِي يدعى الْمهْدي سَيظْهر فِي وَقت قريب فِي سنة كَذَا فوطن القرامطة نُفُوسهم على هَذَا أما أهل السّنة فَبَلغهُمْ خبر عودة غياث مرّة أُخْرَى وَأَنه يَدْعُو الْخلق إِلَى مَذْهَب السبعية وأزف موعد ظُهُور الْمهْدي وَلم يظْهر فَبَان كذب غياث وَأخذ السبعيون من مذْهبه عَلَيْهِ ماخذ وعيوبا ولهذين السببين غضبوا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقُوا عَنهُ أما أهل السّنة فَمَضَوْا فِي طلبه ليقتلوه لكنه توارى عَن الأنظار مُضْطَرّا وَلم يدر ايْنَ سَارَتْ ركائبه والتف السبعيون بعد ذَلِك حول سبط من أَسْبَاط خلف وقضوا مَعَه حينا من الدَّهْر وَلما شعر بدنو أَجله نصب ابْنه أَبَا جَعْفَر الْكَبِير خلفا لَهُ لَكِن ابا جَعْفَر هَذَا ابتلى بِالسَّوْدَاءِ فأناب عَنهُ رجلا كنيته أَبُو حَاتِم الكينتي وَمَا أَن شفي أَبُو جَعْفَر وتحسنت حَاله حَتَّى قوي مَرْكَز أبي حَاتِم فاستأثر بالرياسة دون أَن يعر أَنا جَعْفَر أَي أهتمام فَخرجت الرياسة من أسرة خلف

стр. 219

وَبث أَبُو حَاتِم الدعاة فِي المدن المحيطة بِالريِّ من مثل طبرستان وجرجان وأذربيجان وأصفهان ودعا النَّاس إِلَى مذْهبه ومقالته فَاسْتَجَاب أَحْمد بن عَليّ أَمِير الرّيّ لدعوته وَصَارَ باطنيا ثمَّ تَأَلُّبُ أهل ديلمان على علويي طبرستان وَقَالُوا لَهُم أَنْتُم تدعون إِنَّمَا الْمَذْهَب هُوَ هَذَا الَّذِي نَحن عَلَيْهِ حسب غير أَن الْمُسلمين يَكْتُبُونَ إِلَيْنَا من مُخْتَلف الأرجاء بَان لَا تصغوا إِلَيْهِم أَي إِلَيْكُم فمذهبهم سيىء وهم اهل بِدعَة إِنَّكُم تحتجون بَان الْعلم قد خرج من ال بيتنا فِي حِين أَن الْعلم لَا يمْضِي مَعَ النّسَب إِن تتعلموا تعرفوا وكل من يتَعَلَّم تتاح لَهُ الْمعرفَة أَيْضا فالعلم لَا يُورث ان الله أرسل النَّبِي ﷺ وَالسَّلَام للنَّاس كَافَّة وانه ﵇ لم يَجْعَل لَهُ فِي الدّين قوما خَاصَّة واخرين عَامَّة حَتَّى يُقَال إِنَّه قَالَ للخاصة كَذَا وللعامة كَذَا لقد تبين لنا أَنكُمْ كذابون وَلما كَانَ أَمِير طبرستان شِيعِيًّا يناصر العلويين فقد عصوه أَيْضا وَقَالُوا لَهُ ائتنا بفتوى من بَغْدَاد ومدن خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر على أَن يصحبك رَسُول منا ذَهَابًا وإيابا تشهد بِأَن مذهبكم هُوَ مَذْهَب الْمُسلمين الْأَطْهَار وان مَا تَقولُونَ وتفعلون هُوَ مَا أَمر بِهِ الله وَرَسُوله لكَي نقبلكم ونعتنق مذهبكم وَإِلَّا فالسيف بَيْننَا وَبَيْنكُم فَنحْن أَبنَاء جبال وَأهل أدغال وَأفَاد أَبُو حَاتِم من هَذِه الْحَال فتحول من الرّيّ إِلَى الديلم حَيْثُ قَابل زعيمهم سيار شيروي وردادودي وأعلن انضمامه إِلَيْهِم ثمَّ شرع ينهش لُحُوم العلويين ويلتمس لَهُم المعايب وَقرر أَن دولتهم لم تكن شَرْعِيَّة فالعلوي يَنْبَغِي أَن يكون علوي دين لَا نسب ووعد الديالمة سَيظْهر قَرِيبا إِمَام أَنا على علم بدعوته ومذهبه فَرغب أهل ديلمان وجيلان فِي إجَابَته وراجت بضاعته لديهم أَيَّام سيار شيرو وردحا من عهد مرداويج بن زييار مَسَاكِين أهل ديلمان وجيلان فقد

стр. 220

كَانُوا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار كَانُوا يُرِيدُونَ أهل السّنة فوقعوا فِي شباك أهل الْبِدْعَة وَمَعَ ذَلِك فقد قضوا مَعَه ردحا من الزَّمن غير أَنهم لما راوا أَن الْوَقْت الَّذِي مُنَاهُمْ بِظُهُور الْأَمَام فِيهِ قد انْقَضى قَالُوا ان هَذَا الْمَذْهَب لَا أساس لَهُ وَلَا مراء فِي أَن هَذَا الرجيل لص طرار فَانْفَضُّوا من حوله دفْعَة وَاحِدَة وصاروا إِلَى محبَّة أهل بَيت رَسُول الله ﷺ وَالسَّلَام ومضوا فِي طلب أبي حَاتِم ليقتلوه لكنه لَاذَ بالفرار وَمَات فِي مفره فتهلهل أَمر مَذْهَب السبعية واصابه الوهن ودب فِيهِ الضعْف فتراجع عَنهُ خلق كَثِيرُونَ وَلَحِقُوا بَاهل السّنة وتابوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا أما السبعيون فهاموا على وُجُوههم حينا لكِنهمْ ظلوا بلتقون ويتفقون سرا إِلَى أَن ال أَمر الْمَذْهَب إِلَى شَخْصَيْنِ أَحدهمَا عبد الْملك الكوكبي الَّذِي كَانَ يقطن فِي كردكوه والاخر إِسْحَاق الَّذِي كَانَ يُقيم بِالريِّ فِي ظُهُور الباطنية فَفِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وأغوت الباطنية أَمِير خُرَاسَان نصر بن أَحْمد وَفِي خُرَاسَان ندب حُسَيْن بن عَليّ المروروذي الَّذِي كَانَ غياث قد صيره باطنيا وَهُوَ يحتضر مُحَمَّدًا النخشبي للدعوة وعينه خلفا لَهُ ونائبا وَكَانَ النخشبي متكلما معدودا فِي فلاسفة خُرَاسَان وَأوصى حُسَيْن المروروذي النخشبي أَن يعْمل مَا بوسعه فِي أَن ينيب عَنهُ شخصا هُنَاكَ أَي فِي خُرَاسَان ويعبر جيحون إِلَى بُخَارى وسمرقند لجر أهلهما إِلَى هَذَا الْمَذْهَب ولاستمالة بعض أَعْيَان أَمِير خُرَاسَان نصر بن أَحْمد تَقْوِيَة لأَمره وَلما مَاتَ حسن المروروذي خَلفه النخشبي فَاسْتَجَاب خلق كَثِيرُونَ من أهل

стр. 221

خراشسن بدعوته ثمَّ عين النخشبي خَليفَة لَهُ فِي مرو الروذ رجلا من زعماء الباطنية يُقَال لَهُ ابْن سوَادَة كَانَ قد فر من أَيدي سنيي الرّيّ إِلَى خُرَاسَان عِنْد حُسَيْن بن عَليّ المروروذي أما المروروذي نَفسه فَعبر جيحون إِلَى بُخَارى لكنه لما رأى أَن لَا نفع يرتجى لمذهبه هُنَاكَ وَأَنه لَا يَجْرُؤ على إِظْهَاره ترك بُخَارى إِلَى نخشب وَفِي نخشب اسْتَطَاعَ أَن يستميل إِلَيْهِ أحد ذَوي قرباه بكر النخشبي الَّذِي كَانَ نديما لأمير خُرَاسَان واستطاع بكر أَن يدْخل فِي هَذَا الْمَذْهَب صديقا لَهُ اسْمه الْأَشْعَث كَاتب الْأَمِير الْخَاص الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَة النديم وَلما دعوا أَبَا مَنْصُور الجغاني عَارض الْأَمِير وَزوج أُخْت الأشعت للدخول فِي الْمَذْهَب لبّى دعوتهم وَدخل فِي مَذْهَبهم أَيْضا ايتاش الْحَاجِب الْخَاص الَّذِي كَانَ صديقا لَهُم ثمَّ قَالَت هَذِه الثلَّة لمُحَمد النخشبي لَا دَاعِي لوجودك فِي نخشب تعال إِلَى الحضرة بخاري فستصل بدعوتك إِلَى عنان السَّمَاء فِي أقصر وَقت وندخل فِي مذهبك العظماء والأعيان وَترك النخشبي نخشب الى بُخَارى وَأخذ يُجَالس فِيهَا هُوَ وثلته الْأَعْيَان والعظماء ويدعوهم إِلَى مذهبَة وَكَانَ يَأْخُذ على كل من يستجيب لَهُ عهدا بَان لَا تبح بِشَيْء لأحد مَا لم أقل لَك وَكَانَ النخشبي يَدْعُو النَّاس إِلَى الشِّيعَة أَولا ثمَّ يجرهم تدريجيا إِلَى السبعية إِلَى أَن دخل فِي مذْهبه رَئِيس بُخَارى وَصَاحب خراجها ووجوه الْمَدِينَة وتجارها وادخل فِي مذهبَة أَيْضا حسن ملك الَّذِي كَانَ من خَاصَّة الْأَمِير ووالي إيلاق وعليا الزراد الَّذِي كَانَ الْوَكِيل الْخَاص وَلَقَد كَانَ أَكثر من ذكرنَا من مقربي الْأَمِير ومعتمديه وَبعد أَن كثر اتِّبَاع النخشبي وَجه اهتمامه إِلَى الْأَمِير نَفسه فاوعز إِلَى خاصته بِأَن يذكروه بِالْخَيرِ أَمَام نصر بن أَحْمد فِي صحوه وسكره وَذكر أُولَئِكَ مَرَّات أَمَام نصر الَّذِي أنابهم بَان ينقلوا إِلَيْهِ أَنه أَي نصر يرغب فِي رُؤْيَته ولقائه ثمَّ مضوا بِهِ إِلَى نصر وَأخذُوا يشيدون بِعِلْمِهِ ويثنون عَلَيْهِ أَمَامه حَتَّى شغف بِهِ أَمِير خُرَاسَان فقربه وأعزه وَكَانَ النخشبي يلقِي على مسامع الْأَمِير شَيْئا من مقَالَته فِي كل مرّة يجلس إِلَيْهِ وَكَانَ الندماء والمقربون مِمَّن اتبعُوا مذْهبه يكيلون لَهُ عِبَارَات الْمَدْح وَالِاسْتِحْسَان والإعجاب كلما فَاه

стр. 222

بِشَيْء وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأخذ بن أَحْمد يُكرمهُ ويرقع من قدره أَكثر فَأكْثر يوميا حَتَّى أَنه أضحى لَا يُطيق دونه صبرا وباختصار فقد انْتهى الْأَمر باستجابة نصر بن أَحْمد لدعوته وهيمنة النخشبي ونفوذه حَتَّى أصبح تعْيين الوزراء وتنحيتهم رهن إِرَادَته وَرَاح الْأَمِير ينفذ كل مَا يَقُول وَلما وصل أَمر النخشبي إِلَى هَذَا الْحَد جاهر بدعوته فسانده أَتْبَاعه وأظهروا مَذْهَبهم عَلَانيَة وازدادوا قُوَّة وجرأة وَصَارَ الْأَمِير يُجَالس السبعيين غير أَن التّرْك وقادة الْجَيْش لم يرق لَهُم أَن يتَحَوَّل الْأَمِير إِلَى القرمطية فقد كَانَ لقب قرمطي يُطلق فِي تِلْكَ الْأَيَّام على من يعتنق هَذَا الْمَذْهَب أما عُلَمَاء الْمَدِينَة وضواحيها وقضاتها فَجمعُوا أنفسهم ومضوا جَمِيعًا إِلَى الْقَائِد الْأَعْلَى للجيش وَقَالُوا لَهُ حذار فالإسلام فِي مَا وَرَاء النَّهر فِي محنة وضياع لقد أضلّ هَذَا النخشبي الحقير الْأَمِير وَجعله قرمطيا وحرف النَّاس عَن سَبِيل الْحق وَلَقَد ال أمره إِلَى أحد يَدْعُو فِيهِ النَّاس إِلَى مذْهبه جهارا وَعَلَانِيَة لَا نستطيع أَن نلوذ بِالصَّمْتِ أَكثر من هَذَا فَقَالَ لَهُم إِنِّي شَاكر لكم هَذَا عودا واهدأوا بَالا فَسَيَأْتِي الله تَعَالَى بِمَا فِيهِ الصّلاح إِن شَاءَ الله وَفِي الْيَوْم التَّالِي كلم قَائِد الْجَيْش نصر بن أَحْمد فِي الْأَمر دون جدوى وثارت ثائرة الْجند فَقَالُوا لن نوافق باية حَال على مَا اخْتَار الْأَمِير أَو نسهم فِيهِ اما قادة الْجَيْش فبدأوا يتبادلون الرسائل سرا بَان مَا الْحِيلَة واستطاعوا أَن يعرفوا مَا يكنه كل وَاحِد مِنْهُم وَهُوَ أَنهم لن يرْضوا بِمَا أَخذ الْأَمِير نَفسه بِهِ لقد كَانُوا كلهم من ذَوي العمائم سوى أميرين تركيين دخلا فِي هَذَا الْمَذْهَب واخيرا اتّفق قادة الْجَيْش على أَن لَا نُرِيد أَمِيرا كَافِرًا سنقتل الْأَمِير ونجعلك أَنْت يَا قَائِد الْجَيْش الْأَعْلَى أَمِيرا ونقسم لَك بأننا لن نتراجع عَن هَذَا واستجاب الْقَائِد الْأَعْلَى لَهُم تدينا وَطَمَعًا فِي الحكم وَقَالَ ان أول مَا يَنْبَغِي أَن نتدبره هُوَ أَن نَجْتَمِع نَحن قادة الْجَيْش مَعًا ونتعاهد ثمَّ نتداول فِي كَيْفيَّة الِاسْتِيلَاء على زِمَام الْأُمُور بِنَحْوِ لَا يدْرِي بِهِ الْأَمِير فَقَالَ قَائِد عَجُوز يُقَال لَهُ طلن أوكا تَدْبِير الْأَمر أَن تخبر أَنْت يَا قَائِد الْجَيْش الْأَمِير ان قادة الجيشش يطْلبُونَ إِلَيّ ان أقيم لَهُم مأدبة وَلنْ يَقُول بأية حَال لَا تفعل بل سَيَقُولُ وَلم لَا أَن تستطع حِينَئِذٍ قل لَهُ انني لست عَاجِزا من حَيْثُ الطَّعَام وَالشرَاب لكنني لَا أقدر على إعداد مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمجْلس من سجاد وفراش والة وأدوات زِينَة ذهبية وفضية وسيقول لَك خُذ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من خزانتنا وَبَيت شرابنا وَدَار

стр. 223

فراشنا فَقل لَهُ انني سأقيم لَهُم مأدبة على أَن يتجهوا بعد الطَّعَام لغزو الْكفَّار فِي بلاساغون الَّتِي استولى عَلَيْهَا كفرة التّرْك وَجَاوَزَ صُرَاخ المتظلمين مداه كَيْمَا لَا يسيئ بك الظَّن ثمَّ هيىء نَفسك لإعداد مستلزمات الْوَلِيمَة وَمر الْجنُود أَن اسْتَعدوا لضنك يَوْم كَذَا ثمَّ استعر كل مَا فِي خزانَة الْملك وَبَيت شرابه وفراشه من الة ذهبية وفضية وفرش الديباج والتحف وخذها إِلَى قصرك وَفِي الْيَوْم الْمَوْعُود وَبعد أَن يَجِيء الْجند جَمِيعهم إِلَى قصرك أغلق بَابه بِدَعْوَى كَثْرَة النَّاس ثمَّ ادْع إِلَى إِحْدَى الحجرات قادة الْجَيْش لشرب الْجلاب وفاتحهم فِي الْأَمر تَوْطِئَة قتل الْأَمِير ومبايعة الْقَائِد الْأَعْلَى إننا وَنحن الأَصْل مَعَك أما الاخرون وهم الْفَرْع فَإِنَّهُم سيوافقوننا بعد أَن يسمعوا رَأينَا ايضا وينضمون إِلَيْنَا حِينَئِذٍ نعاهدك ونغلظ لَك الْأَيْمَان ونعقد لَك الْبيعَة بالإمارة ثمَّ نخرج من الْحُجْرَة ونجلس إِلَى الخوان وَبعد الطَّعَام ننتقل إِلَى مجْلِس الشَّرَاب فيشرب كل منا ثَلَاثَة أقداح ثمَّ نهب انية الْمجْلس ذهبيها وفضيها قادة الْجَيْش وَنخرج حَالا ونتوجه إِلَى قصر الْأَمِير فنقبض عَلَيْهِ ونقتله وَلَا نؤمن أحد من ندمائه وَاتِّبَاع مذْهبه بل نقتلهم جميها ثمَّ ننهب كل مَا فِي خزينته وإصطبله وقصره ونجلسك على الْعَرْش فَوْرًا بعد ذَلِك نأمر الْجَيْش بِأَن يشرعوا سيوفهم ويمضوا إِلَى الْمَدِينَة والريف ليقتلوا كل من يَجدونَ من القرامطة كَافَّة ويحرقوهم وينهبوا ثرواتهم وممتلكاتهم فَقَالَ الْقَائِد الْأَعْلَى هَذَا هُوَ التَّدْبِير وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَالَ الْقَائِد الْأَعْلَى لنصر بن أَحْمد ان قادة الْجَيْش يريدونني أَن أقيم لَهُم وَلِيمَة ويطالبونني بهَا يوميا فَقَالَ نصر ان تستطع فَلَا تقصر قَالَ الْقَائِد الْأَعْلَى لست عَاجِزا من حَيْثُ الطَّعَام وَالشرَاب لكنه يتَعَذَّر عَليّ أَن أهيىء مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمجْلس من فرش والة وزينة ذهبية وفضية فإمَّا أَن يولم الْمَرْء وَلِيمَة جَيِّدَة وَإِلَّا فَلَا قَالَ نصر خُذ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ لهَذَا الْغَرَض من خزانتنا وبيوت شرابنا وَبَيت فراشنا فَقبل الْقَائِد الأَرْض بَين يَدي نصر بن أَحْمد وَانْصَرف وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَالَ للجند عَلَيْكُم أَن تجهدوا يَوْم كَذَا ثمَّ حمل كل مَا فِي خزانَة نصر بن أَحْمد وبيتي شرابه وفراشه من أطباق الذَّهَب وضروبها وَأقَام وَلِيمَة لم ير أحد مثلهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَأم قصره جَمِيع قادة الْجَيْش كل وفوجه ثمَّ أَمر الْقَائِد الْأَعْلَى

стр. 224

بإغلاق بَاب الْقصر ودعا إِلَيْهِ كبار رجال الْجَيْش وقادته فِي حجرَة خَاصَّة فَبَايعُوهُ وَعَاهَدُوهُ ثمَّ خَرجُوا إِلَى الخوان مُبَاشرَة بيد أَن أحدهم تسلل من الْقصر عَن طَرِيق السّقف وخف إِلَى نوح بن نصر وَأخْبرهُ بِمَا حاكه قادة الْجَيْش فامتطى نوح صهوة جَوَاده حَالا وَمضى الى قصر وَالِده على جنَاح السرعة وَقَالَ لَهُ علام الحلوس وقادة الْجَيْش قد عقدوا الْبيعَة والعهد للقائد الْأَعْلَى السَّاعَة إِنَّهُم سيتحولون بعد الطَّعَام إِلَى مجْلِس الشَّرَاب فيشرب كل مِنْهُم ثَلَاثَة أقداح ثمَّ ينهبون كل مَا فِي الْمجْلس من الة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَمَا أخذُوا من خزانتك وَيخرجُونَ إِلَى قَصرنَا فيقتلونك ويقتلونني وَيقْتلُونَ كل من يَجدونَ فِيهِ ان الْغَرَض من وَرَاء هَذِه الْوَلِيمَة هُوَ هلاكنا فَقَالَ نصر لنوح فَمَا الْحِيلَة الان قَالَ نوح أَن ترسل الان اثْنَيْنِ من خَاصَّة خدمك إِلَى الْقَائِد الْأَعْلَى وَقبل أَن ينْهض الْجمع عَن الطَّعَام إِلَى الشَّرَاب ليهمسا فِي أُذُنه يَقُول لَك الْأَمِير بَلغنِي أَنَّك تكلفت كثيرا وأقمت مأدبة فِي غَايَة الْبَهَاء وَالْعَظَمَة أما وَعِنْدنَا بضعَة كراس ذهبية مرصعة لَا قبل لأحد الْمُلُوك الْيَوْم بهَا فِي مَكَان خَارج الخزانة نسيت أَن أَقُول لَك بَان تحملهَا إِلَى مجلسك أَيْضا لتضفي عَلَيْهِ زِينَة مَا بعْدهَا زِينَة ان ثمنهَا عشرَة أَضْعَاف ألف ألف دِينَار هَلُمَّ لآسلمك إِيَّاهَا يدا بيد ايضا قبل أَن يصير الضيوف إِلَى مجْلِس الشَّرَاب وَسَيَأْتِي لَا محَالة طَمَعا بِالْمَالِ وَحين يَجِيء نقطع رَأسه ثمَّ نتداول فِيمَا يجب فعله بعد وَأرْسل نصر فِي الْحَال اثْنَيْنِ من خَاصَّة خدمه يبلغان الْقَائِد الْأَعْلَى هَذَا وَفِي حِين كَانَ المدعوون منهمكين فِي الطَّعَام قَالَ الْقَائِد لوَاحِد أَو اثْنَيْنِ مِنْهُم لأي شَيْء يستدعيني الْأَمِير السَّاعَة قَالُوا لَهُ اذْهَبْ وأحضر الكراسي أَيْضا فَكل شَيْء يَلِيق بِنَا الْيَوْم وَمضى الْقَائِد ألى قصر الْأَمِير مسرعا فاستدعى إِلَى إِحْدَى الْحجر وَأمر الْأَمِير غلمانه على الْفَوْر بفصل رَأسه عَن جسده وَوَضعه فِي مخلاة ثمَّ قَالَ نوح لِأَبِيهِ لنركب نَحن الِاثْنَيْنِ وَنَذْهَب والمخلاه مَعنا إِلَى قصر الْقَائِد الان ولتتنح أَنْت عَن الْعَرْش أَمَام قادة الْجَيْش وتجعلني وليا للْعهد لأتولى جوابهم عَنْك لكَي يظل الْملك فِي بيتنا ان الْجَيْش لن يكون على وفَاق مَعَك بعد الان وَإنَّك ستنجو بِهَذَا من قَتلهمْ وَتَمُوت موتا عاديا وركبا ومضيا إِلَى قصر الْقَائِد على وَجه السرعة والتفت قادة الْجَيْش فَإِذا الْأَمِير وَابْنه يدخلَانِ الْقصر فنهضوا جَمِيعًا وتقدموا إِلَى الْأَمَام ترحيبا بهما وَلم يكن أحد

стр. 225

يدْرِي بِمَا جرى وَقَالا رُبمَا رغب الْأَمِير فِي حُضُور الحفل ونهض نصر بن أَحْمد وَجلسَ فِي مَكَانَهُ ووقف حَملَة السِّلَاح من خَلفه وَجلسَ نوح من عَن يَمِينه وَقَالَ اجلسوا جَمِيعًا وَأَتمُّوا طَعَامكُمْ فَجَلَسَا وعاودوا الْأكل فالتهموا مَا على الخوان فَقَالَ نصر بن أَحْمد اعلموا أنني قد أبلغت بِمَا حاكته أَيْدِيكُم وتواطأتم عَلَيْهِ فنفرت مِنْكُم لأنكم كُنْتُم تبغون قَتْلِي ان قُلُوبكُمْ مني نافرة وَأَنْتُم ضاغنون عَليّ الان وَلنْ تأمنوا بعد الْيَوْم جَانِبي أَو امن جانبكم فَإِذا مَا كنت قد حدت عَن جادة الْحق أَو اعتنقت مذهبا سَيِّئًا أَو بدا مني ذَنْب وَهُوَ مَا جعلكُمْ تتوقدون عَليّ غيظا فها هوذا ابْني نوح أفيه عيب قَالُوا لَا فَقَالَ لَسْتُم تعد الان جيشي وَلست أميركم لقد جعلت نوحًا وليا لعهدي وَهُوَ الان أميركم أما أَنا فساشغل نَفسِي سَوَاء كنت على صَوَاب أم بَاطِل باستغفار الله وَالتَّوْبَة إِلَيْهِ وَأما من حملكم على مَا أَنْتُم فِيهِ فقد نَالَ جزاءه وَأمر بِإِخْرَاج راس الْقَائِد من المخلاة وَوَضعه أمامهم ثمَّ نزل من على سَرِيره وَجلسَ على الْمصلى وتحول نوح إِلَى السرير وَجلسَ مَكَان أَبِيه دهش قادة الْجَيْش فَأَخَذتهم الْحيرَة لما سمعُوا وراوا وَلم يَأْتُوا بِأَيّ عذر وَحجَّة بل انحنوا لنوح وهنأوه تهنئة خَالِصَة وألصقوا الجرم كُله بالقائد الْأَعْلَى وَقَالُوا أَنْت سيدنَا وَنحن مواليك فَالْأَمْر لَك فَقَالَ نوح لِتَعْلَمُوا أنني فِي كل شَيْء نوح لَا نصر لقد فَاتَ مَا فَاتَ وحملت خطأكم هَذَا محمل مائَة صَوَاب سأحقق لكم كل رغباتكم فاصدعوا لأمري وَانْصَرفُوا إِلَى شؤونكم ومعاشكم حسب ثمَّ طلب قيدا وَأمر بِوَضْعِهِ فِي رجْلي أَبِيه وَنَقله إِلَى قهندز حَالا وحبسه فِيهَا ثمَّ قَالَ والان هيا بِنَا إِلَى الشَّرَاب وَلما جَلَسُوا إِلَى الشَّرَاب وَشرب كل مِنْهُم ثَلَاثَة أقداح قَالَ نوح كُنْتُم قد عقدتم الْعَزْم بعد أَن تشْربُوا ثَلَاثَة أقداح على أَن تنهبوا كل مَا فِي الْمجْلس انني لَا أرتضي النهب وَلَا امْر بِهِ لكنني وهبتكم كل مَا فِيهِ هبة فخذوها جَمِيعًا وتقاسموها كل حسب مرتبته حَتَّى ينَال كل وَاحِد مِنْكُم نصِيبه مِنْهَا فَأَخَذُوهَا ووضعوها فِي الجوالق فختموها وأودعوها شخصا مُعْتَمدًا ثمَّ قَالَ نوح إِن كَانَ الْقَائِد الْأَعْلَى ظن بِنَا ظن السوء فقد نَالَ عِقَابه وان كَانَ أبي قد حاد عَن طَرِيق الصَّوَاب فها هوذا الان يتلَقَّى جَزَائِهِ أما أَنْتُم فاتفقتم على أَن تصيروا بعد الطَّعَام إِلَى غَزْو بلاساغون لقِتَال

стр. 226

كفار التّرْك ان فِي أَرْضنَا لكفارا أولى بَان يقاتلوا هبوا إِلَى جهادهم وغزوهم واقتلوا كل من دخل فِي الْإِلْحَاد واعتنق الْمَذْهَب الذبي اعتنقه أبي فِي مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وحلال عَلَيْكُم ثرواتهم وَأَمْوَالهمْ ونعمهم لقد وهبتكم الْيَوْم مَا كَانَ فِي الْمجْلس من أَمْوَال وَالِدي وساهبكم غَدا مَا فِي الخزانة فَإِن ثروة الباطنية جديرة بالنهب أريدكم ان تَأْتُونِي الان بِمُحَمد النخشبي وجلساء أبي وتضربوا أَعْنَاقهم ثمَّ تنتشروا فِي الْمَدِينَة والنواحي فحملوا حَالا وأحضروا مُحَمَّدًا المخشبي الَّذِي كَانَ الداعية وضربوا عُنُقه وأعناق حسن ملك وَأبي مَنْصُور الجغاني والأشعت وَعدد من الْأُمَرَاء الَّذين دخلُوا فِي الباطنية ثمَّ انبثوا فِي الْمَدِينَة وشرعوا يقتلُون كل من كَانُوا يجدونه مِنْهُم فقد كَانُوا يعرفونهم جَمِيعًا لِأَن الباطنية كَانُوا بِقُوَّة الْأَمِير وعزمه يجاهرون بمذهبهم وَيدعونَ النَّاس إِلَيْهِ عَلَانيَة وَفِي الْيَوْم نَفسه أرسل نوح أَمِيرا على رَأْي جَيش يعبر بِهِ جيحون إِلَى مرو الروذ باقصى سرعَة ليقْبض على ابْن سوَادَة وَقَتله ثمَّ يشرعون سيوفهم فيقتلون كل من يتعرفون عَلَيْهِ ويجدونه من الباطنية فِي خُرَاسَان سَوَاء كَانَ من الْجَيْش أم من الرّعية وأوصاهم بِأَن يُؤمنُوا النَّاس لِئَلَّا يقتل مُسلم خطأ وَأقسم بِأَن من يقتل مُسلما سأقتله وَلَا أقبل لَهُ عذرا وَقضى رجال نوح سَبْعَة أَيَّام بلياليها يطوفون فِي بُخَارى ونواحيها يقتلُون الباطنية وينهبون ثرواتهم حَتَّى لم يبْق مِنْهُم أحد فِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر سوى أُولَئِكَ الَّذين لم يجرؤوا على المجاهرة باعتناقهم الباطنية وَقضي على هَذَا الْمَذْهَب بخراسان خُرُوج الباطنية بِالشَّام وَالْمغْرب وفسادهم ونأتي إِلَى الْكَلَام على الشَّام فَنَقُول كَانَ لعبد الله بن مَيْمُون ابْن اسْمه أَحْمد فَلَمَّا مضى عبد الله إِلَى الْبَصْرَة وَأخذ يَدْعُو النَّاس فِيهَا سرا ثمَّ مَاتَ هُنَاكَ والقي بِرُوحِهِ الخبيثة فِي جَهَنَّم نَهَضَ ابْنه أَحْمد وَصَارَ إِلَى الشَّام وَمِنْهَا إِلَى الْمغرب وَلما لم يلق فِيهَا اذانا صاغية عَاد إِلَى الشَّام وَأقَام فِي مَدِينَة يُقَال لَهَا سليمَة يشْتَغل

стр. 227

بالبزازة وَولد لَهُ ثمَّة ابْن اسماه مُحَمَّدًا وَأسلم أَحْمد الرّوح فمضت مسرعة إِلَى النَّار أَيْضا وَلما كَانَ ابْنه مُحَمَّد صَغِيرا خَلفه أَخُوهُ سعيد بن الْحُسَيْن الَّذِي ترك الشَّام إِلَى الْمغرب حَيْثُ غير اسْمه إِلَى عبد الله ين الْحُسَيْن ثمَّ بعث بِرَجُل من أَصْحَابه وَهُوَ أَبُو عبد الله الْمُحْتَسب نَائِبا عَنهُ إِلَى بني الْأَغْلَب وَكَانَ أَكْثَرهم بادية فِي النواحي الَّتِي كَانُوا يقطنونها ودعا أهل تِلْكَ المناطق إِلَى هَذَا الْمَذْهَب فَدخل فِيهِ مِنْهُم عدد كَبِير حِينَئِذٍ أَمرهم بَان ادعوا إِلَى الْمَذْهَب بِالسَّيْفِ واقتلوا كل من لَا تجدونه عَلَيْهِ فصدعوا لِلْأَمْرِ وَتجمع خلق كثير من بني الْأَغْلَب وشرعوا يهاجمون المدن والنواحي ويغيرون عَلَيْهَا ويدخلونها ويعيثون فِي أَهلهَا قتلا ويستولون على الْمَدّ الْوَاحِدَة تلو الأخرة إِلَى أَن دَانَتْ أَكثر بِلَاد الْمغرب لَهُم وخضعت لسيطرتهم فَمَا كَانَ من زكروية الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ صَاحب الْخَال وَالَّذِي كَانَ يحكم بعض مدن الشَّام إِلَّا ان ارسل عَليّ وهسودان الديلمي قَائِد جَيْشه الْأَعْلَى وَكَانَ سنيا بِجَيْش الشَّام إِلَى أبي عبد الله الْمُحْتَسب فَجْأَة ففر أَبُو عبد الله وأعمل جَيش عَليّ السَّيْف فِي بني الْأَغْلَب وَقتلُوا مِنْهُم مَا اسْتَطَاعُوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا وشتتوا شملهم فِي بقاع الأَرْض أما أَبُو عبد الله فَنزل فِي مَدِينَة من مدن بني الْأَغْلَب وَألقى عَنهُ الطيلسان وَأخذ يعِيش عيشة المتعبدين الصَّالِحين وَكَانَ أهل تِلْكَ الْمَدِينَة يعاملونه مُعَاملَة حَسَنَة ويكرمزنه وَصَاحب الْخَال يُرْسل رسله إِلَيْهِم باستمرار ليبعثوا بِهِ إِلَيْهِ لكِنهمْ لم يرسلوه بل كَانُوا يَلْتَمِسُونَ لذَلِك الْأَعْذَار فِي حِين كَانَ أَبُو عبد الله يخْشَى أَن يخَاف بَنو الْأَغْلَب من صَاحب الْخَال ويسلموه اليه وَاسْتقر بِهِ الْمقَام أخيرا فِي جَزِيرَة من جزر بني الْأَغْلَب وَبنى لَهُ فِيهَا منزلا وظل بَنو الْأَغْلَب يبعثون إِلَيْهِ بزكاتهم وَلما مَاتَ خَلفه ابْنه وظلت قَاعِدَة الْمَذْهَب وأساسه هُنَاكَ أمدا طَويلا

стр. 228

خُرُوج الباطنبة فِي نواحي هراة وغور وهلاكهم وَفِي عَام ٢٩٥ هـ لهجرة النَّبِي ﷺ أرسل وَالِي هراة مُحَمَّد بن هرثمة إِلَى الْأَمِير الْعَادِل إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الساماني يَقُول ان رجلا يكنى بِأبي بِلَال خرج فِي سفوح جبال غور وغرجه مجاهرا بِمذهب القرامطة وَإِن النَّاس من كل الطَّبَقَات قد التفوا حوله لقد سمي دَاره دَار الْعدْل وهرع إِلَيْهِ خلق كثير من نواحي هراة يزِيد عَددهمْ على عشرَة الاف لمبايعته ان تتجاهل أمره أَو تهمله فسيلتف حوله أَضْعَاف هَذَا الْعدَد وَحِينَئِذٍ يَتَفَاقَم الْأَمر وتشتد البلية وَيُقَال إِن أَبَا بِلَال هُوَ أحد ندامى يَعْقُوب بن اللَّيْث وَهُوَ يَدْعُو إِلَى الْمَذْهَب نِيَابَة عَنهُ فَلَمَّا بلغ الْأَمِير إِسْمَاعِيل هَذَا قَالَ يَبْدُو أَن دم أبي بلاف هَذَا يغلي ثمَّ أَمر زكري الْحَاجِب أَن تخير خَمْسمِائَة غُلَام من بَين الغلمان جَمِيعًا كل وَاحِد مِنْهُم أجلد من الاخر وَأَشْجَع وليعطوا مَالا ثمَّ اجْعَل عَلَيْهِم تيفش قائدا فَهُوَ غُلَام ألمعي وليعط عشرَة الاف دِرْهَم وَحمل خَمْسمِائَة درع على البغال ثمَّ إيت بهم غَدا إِلَى جوي موليان كَيْمَا أَرَاهُم ولكي تذْهبُوا من أَمَامِي إِلَى هُنَاكَ وَنفذ الْحَاجِب زكري مَا أَمر بِهِ ثمَّ أَمر الْأَمِير إِسْمَاعِيل أَيْضا بِكِتَابَة رِسَالَة إِلَى أبي عَليّ المروروذي تَقول زود أعوانك بِالْمَالِ وَأخرج من الْمَدِينَة قبل ان يصل غلماني إِلَيْك ثمَّ امْضِ مَعَهم إِلَى هراة والتحقوا جَمِيعًا بِمُحَمد بن هرثمة وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن هرثمة جهز جيشك وَأخرج من الْمَدِينَة إِلَى أَن يصل إِلَيْك تيقش وَأَبُو عَليّ وَقطع لتيقش عهدا على نَفسه فَقَالَ سأوليك ولَايَة حِين تصل إِلَيّ من مُحَمَّد بن هرثمة رِسَالَة تنبىء بَان الْفَتْح قد تمّ على يَديك أما الغلمان الاخرون فخاطبهم ان هَذِه الْحَرْب لَيست كالحرب مَعَ عَليّ بن شروين أَو عَمْرو بن اللَّيْث أَو

стр. 229

مُحَمَّد بن هَارُون فقد كَانَ لنا هُنَاكَ عدد وعدة لقد اعتمدتكم وحدكم فِي مهمة وَهِي أَن خَارِجا ظهر فِي سفوح جبال هراة وَأظْهر مَذْهَب القرامطة عَلَانيَة ان مُعظم أَتْبَاعه من الرُّعَاة الزراع سأخلع عَلَيْكُم الْخلْع وأصلكم جَمِيعًا بالصلات وَأَرْفَع من مراتبكم ودرجاتكم بعد الِانْتِصَار والقتح الْكَبِير ثمَّ ندب كَاتبا ذكيا بارعا لتولي شؤونهم الديوانية لما وصل تيقش بالغلمان على مشارف مرو الروذ انْضَمَّ إِلَيْهِم أَبُو عَليّ بِرِجَالِهِ فِي الْحَال واستلم مفارق الطّرق حَتَّى لَا يلقف الخارجون أخبارهم وَلما وصلوا إِلَى هراة خرج مُحَمَّد بن هرثمة بجيشة حَالا واستولوا على مفارق الطّرق لِئَلَّا يعلم أَبُو بِلَال بأمرهم ثمَّ صَارُوا جَمِيعهم إِلَى الْجَبَل وقضوا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها يخترقون المسالك الصعبة والمنافذ الوعرة والقرامطة فِي سبات وغفلة وشرعوا سيوفهم وأعملوها فِي القرامطة إِلَى أَن قتلوهم جَمِيعًا وقبضوا على أبي بِلَال وحمدان وتوزكارا ولى عشرَة اخرين من زعمائم ثمَّ عَادوا إِلَى بُخَارى فِي سبعين يَوْمًا واقتيد أَبُو بِلَال إِلَى سجن قهندز وظل رهينة إِلَى ان مَاتَ أما الاخرون فأرسلوا إِلَى بَلخ وسمرقند وفرغانة وخوارزم ومرو ونيسابور وَغَيرهَا من المدن الْأُخْرَى وأعدموا فِيهَا شنقا فاستؤصلت بِهَذَا جذورهم من غور وغرجه مرّة وَاحِدَة وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا مَاتَ الْأَمِير الْعَادِل إِسْمَاعِيل فَتَوَلّى مَكَانَهُ أهوه نصر بن أَحْمد الَّذِي أسلفنا الْكَلَام عَلَيْهِ وَالَّذِي كَانَ قد صَار إِلَى الباطنية

стр. 230

خُرُوج الباطنية من جَدِيد بخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وهلاكهم لما وضع نوح بن نصر وَالِده فِي الأغلال وَألقى بِهِ فِي السجْن سقَاهُ السم هُنَاكَ ليأمن قادة الْجَيْش شَره ويرتاحوا مِنْهُ إِلَى الْأَبَد وظل نوح يُدِير دفة الحكم سنوات لما انْتقل إِلَى جوَار ربه تولى ابْنه ممنصور الحكم بعده وَسَار سيرته وَبعد مُرُور خَمْسَة عشر عَاما على عَهده أَخذ الدعاه يبثون من جَدِيد دعوتهم فِي خُرَاسَان وبخارى ويحرفون النَّاس عَن سَوَاء السَّبِيل فَكَانَ من قتل اباؤهم وأجدادهم فِي سَبِيل هَذَا الْمَذْهَب أَكثر النَّاس استجابة لَهُم وَفِي عهد الْأَمِير السديد مَنْصُور كَانَ أَبُو عَليّ البلعمي وزيره والبتكين والخواجة سبكتكين قائدي جَيش خُرَاسَان وَمَنْصُور بايقرا الْحَاجِب الْكَبِير وَأَبُو يحيى بن الْأَشْعَث واليا هلة فرغانه والسرهنك حُسَيْن واليا على اسبيجاب

стр. 231

وَإِسْمَاعِيل واليا على الشاش وَأَبُو مَنْصُور عبد الرَّزَّاق واليا على طوس ووشمجير واليا على جرجان أما الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا فِي البلاط فهم ينداج وَنصر ملك وَحسن ملك وَأَبُو سعيد ملك وحيدر الجغاني وابو الْعَبَّاس الْجراح وبكتوزون وتكينك وخمارتكين وأضرابهم وباختصار فَإِن مَنْصُور بايقرا وَأَبا سعيد ملك وَأَبا الْعَبَّاس الْجراح وخمارتكين وتكينك وَأَبا عبد الله الجيهاني وجعفرا قد صَارُوا إِلَى الباطنية سرا وَكَانَ لهَذَا الْفَرِيق داعيان احدهما أَبُو الْفضل رنكرز الرديجي والاخر رجل اعور اسْمه عَتيق لقد كَانَت شؤون الْقصر والبلاط والديوان ومقاليدها بيد هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي كَانَت تمسك على أزمة الْأُمُور فِي المملكة لقد كَانُوا يمدون يَد العون إِلَى اتِّبَاع مَذْهَبهم سرا وَكَانُوا يصرفون الْأَعْمَال بإنفسهم وَلَا يولون أحدا غَيرهم عملا مالم تزد الْأَعْمَال فِي كثرتها وتراكمها على طاقتهم وكانو يشدون أزر بَعضهم فِي الدِّيوَان وَغير الدِّيوَان ويتعاونون ويتكاتفون فَكَانُوا إِذا مَا تورط أحدهم فِي شَيْء يقفون إِلَى جَانِبه ويخرجونه من ورطته فَكَانَت النتيجة أَن قوتهم وعددهم جعل يزْدَاد يوميا لقد كَانَ مِنْهُم وَاحِد فِي كل مَكَان من خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فاتفقوا جَمِيعًا وتمكنوا بمساعدتهم أَن يجهروا بدعوتهم وذاع أَمرهم فَظن النَّاس فِي النواحي والأطراف أَن أهل الحضرة جَمِيعًا أَصْبحُوا باطنية ثمَّ دخل ابو مَنْصُور عبد الرَّزَّاق فِي الباطنية أَيْضا

стр. 232

وَكتب باطنية الحضرة إِلَى المبيضة فِي فرغانه وخجند وكاشان رِسَالَة تَقول لتخرجوا فمقالتنا ومقالتكم فِي أَصْلهَا سَوَاء وسنخرج نَحن أَيْضا لتكن خطتنا الْقَبْض على الْأَمِير أَولا ثمَّ ننضم إِلَى بَعْضنَا ونخضع الولايات الْوَاقِعَة على هَذَا الْجَانِب من جيحون ونستولي عَلَيْهَا وَبعد ذَلِك نتوجه إِلَى خُرَاسَان وتازروا ووحدوا مَعَ ابْن بايقرا كلمتهم ثمَّ نموا على ابي عَليّ البلعمي الْوَزير وعَلى الْأَمِير بكتوزون إِلَى الْأَمِير السديد مَنْصُور وأوغروا صَدره عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسلمين صالحين وَلِأَن الغلمان جَمِيعهم كَانُوا بإمرة بكتوزون فَمَا كَانَ إِلَّا أَن أَمر مَنْصُور بسجن الِاثْنَيْنِ فِي قهندز وَوَضعهمَا فِي السلَاسِل والأغلال فاختلت بذلك شؤون الدولة أَيّمَا اختلال لما رأى البتكين أَن أَكثر الْأُمَرَاء الْخَواص وأرباب الْقصر وَأهل الحضرة قد اعتنقوا مَذْهَب القرامطة وان هذَيْن الرجلَيْن الْمُسلمين محبي خير الْملك كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ هم أوصدا فِي الأغلال بسعاية القرامطة ترك نيسابور إِلَى بُخَارى ليطلع الْأَمِير على حَقِيقَة الْأَمر كَيْمَا يتدبر الْأُمُور ويمسك بازمتها غير أَن أَبَا مَنْصُور عبد الرَّزَّاق الَّذِي كَانَ أَمِيرا على طوس وَكَانَ ذَا نُفُوذ وَصَاحب جَيش عَرَمْرَم والات وعدة وفير سارع فِي التصدي لألبتكين ورصد لَهُ الطَّرِيق ليحول دون وُصُوله إِلَى البلاط وليشتبك فِي حَرْب مَعَه فَلَمَّا علم البتكين بِهَذَا غير طَرِيقه إِلَى طَرِيق شيرورره إِلَى أَن وصل إِلَى سَاحل جيحون وَنزل فِي اموي امل وَعَاد أَبُو مَنْصُور عبد الرَّزَّاق ثمَّ كتب ملطفة إِلَى ابْن يقرا ورهطه فِيهَا إِنَّمَا جَاءَ البتكين ليفسد عَلَيْكُم أَمركُم فتوحد الْقَوْم وزينوا للأمير ان البتكين قد عصاك لِأَنَّهُ لم يكن ليأت إِلَى الْقصر قطّ إِلَّا بعد أَن تستدعيه عدَّة مَرَّات انه إِنَّمَا يَجِيء الان عَاصِيا مُخَالفا وَلَقَد وصل إِلَى شاطىء جيحون فَجْأَة وَهُوَ يَنْوِي العبور كل هَذَا دون أَن تستدعيه فَوجه الْأَمِير بك ارسلان الْحميدِي وَحسن ملك على رَأس

стр. 233

جَيش صوب جيحون فسحبوا السفن من الطّرف الاخر للنهر حَتَّى يفوتوا على البتكين فرْصَة العبور لما رأى البتكين أَنهم لن يمكنوه من العبور كتب إِلَى الْأَمِير رِسَالَة بَين فِيهَا سَبَب مَجِيئه قَالَ لقد اعتنق أَكثر خاصتك وارباب بلاطك وديوانك مَذْهَب القرامطة الَّذِي صَار إِلَيْهِ الْعَظِيم والحقير وهم يدبرون لِلْخُرُوجِ لقد كَانَ فِي دولتك كلهَا رجلَانِ مسلمان محبان خيرك ونفعك بقَوْلهمْ هم لكنك غيبتهما فِي السجْن بوشاية القرامطة إِنَّمَا جِئْت لأتدبر أَمرهم فَإِذا مَا أَعرَضت عَن كَلَامي وألقيت إِلَى القرامطة أذنا صاغية فستلقى جزاءك غَدا اللَّهُمَّ إِنِّي قد بلغت الْأَمِير وهأنذا ذَاهِب إِلَى بَلخ ثمَّ كتب رِسَالَة أُخْرَى إِلَى قَاضِي بُخَارى وعلمائها لقد اشتدت شَوْكَة القرامطة وان خُرُوجهمْ لوشيك جدا والأمير فِي غَفلَة لقد كتبت إِلَيْهِ اما أَنْتُم فَمَا عَلَيْكُم إِلَّا أَن تنصحوه كَيْمَا يظل الدّين وَالْملك ثابتين على مَا هما عَلَيْهِ وَمضى إِلَى بَلخ ووصلت الرسالتان لفد كَانَ القَاضِي ابو أَحْمد وأئمة بُخَارى على علم بِهَذِهِ الْحَال لكِنهمْ لم يجرؤوا على قَول أَي شَيْء فِي الْمَوْضُوع انذاك لِأَن أغلب خَاصَّة الْأَمِير كَانُوا من هَذِه الْفرْقَة وَقَالُوا رُبمَا لَا يصغي الْأَمِير إِلَى أقوالنا فيهم فيتحولون وَلكُل مِنْهُم ولَايَته وجيشه ونعمه وحشمته إِلَى خصوم لنا غير أَن القَاضِي أَبَا أَحْمد ذهب مَعَ صَلَاة الْعَصْر هَذِه الْمرة إِلَى قصر الْأَمِير وَالْتمس الاختلاء بِهِ فاستدعاه الْأَمِير وَجلسَ إِلَيْهِ وحيدا فَقَالَ القَاضِي النصح والإرشاد من وَاجِب الْعلمَاء لقد كَانَ أَبوك الْأَمِير الحميد نوح ﵀ يُجَالس الْعلمَاء دَائِما وَلم يقم باي عمل دون أَن يتدبره مَعَهم وَلَا جرم أَن استقام بِهِ مَا كَانَ قد اعوج من الْأُمُور أَنا أَنْت فلأنك لَا تجَالس أهل الْعلم إِلَّا قَلِيلا فقد اعوج على عَهْدك مَا قومه هُوَ وَعرض عَلَيْهِ رِسَالَة البتكين ورسالة أُخْرَى موقعة من الائمة فِي هَذَا الْمَعْنى ليعلم الْأَمِير أَنه أَي القَاضِي لَا يَقُول هَذَا الْكَلَام من تِلْقَاء نَفسه ثمَّ نصحه هُوَ أَيْضا وحدثه فِي أَشْيَاء ايقظه بهَا من سباته وَفِي الْيَوْم التَّالِي وصل خبر خروخ المبيضة بفرغانه وَأَنَّهُمْ يقتلُون من يَجدونَ من الْمُسلمين وَفِي الْيَوْم التَّالِي لَهُ وصل من خُرَاسَان خبر إعلان القرامطة مَذْهَب السبعية فِي طالقان وسفوحها وانهم كَانُوا يعيثون فِيهَا فَسَادًا وقتلا فَمَا كَانَ من الْأَمِير السديد مَنْصُور إِلَّا ان عرض الوزارة على القَاضِي أبي أَحْمد لكنه ابى ذَلِك وَقَالَ ان أتربع على الوزارة فَأنى للأمير الْيَوْم من يمحضه النصح والإرشاد خَالِصا لوجه الله ثمَّ إِن ذَوي المارب والأطماع الْخَاصَّة سيقولون ان القَاضِي لم يفعل

стр. 234

ذَلِك إِلَّا طَمَعا بالوزارة لَا حبا فِي الدّين والأمير فِرَاق مَنْصُور هَذَا وَقَالَ كَيفَ السَّبِيل إِذن إِلَى الْوَزير الَّذِي نُرِيد قَالَ القَاضِي ان للأمير وزيرا مُسلما كُفؤًا وَابْن وَزِير وَأهلا للوزارة أَيْضا قَالَ مَنْصُور أَيْن قَالَ القَاضِي سِجِّين فِي قهندز فَأمر مَنْصُور بإحضار أبي عَليّ البلعمي وبكتوزون من السجْن وسير إِلَيْهِمَا فِي الْيَوْم نَفسه من أَتَى بهما فأعيدا إِلَى عمليهما السَّابِقين بأتم ايات الاحترام والاعزاز وَالْقُوَّة وَفِي الْيَوْم التَّالِي اختلى الْأَمِير الْوَزير وَالْقَاضِي وبكتوزون فَاعْلَم الْأَمِير بالأحوال من قريب وَمن بعيد وَاتَّفَقُوا على التَّخَلُّص أَولا من مقنعي فرغانه والصغد الَّذين كَانُوا يعْرفُونَ بالمبيضة وَمن قرامطة الطالقان ثمَّ التفرغ إِلَى أبي مَنْصُور عبد الرَّزَّاق وأخيرا إِلَى الْخَاصَّة ومتصدي سدنة الْقصر وَفِي الْيَوْم الثَّانِي مضى الْعلمَاء إِلَى سراي الْوَزير برسائل الْعمَّال فِي الْمَدِينَة متظلمين وطلبوا إِلَيْهِ أَن يوافي الْأَمِير بِخُرُوج القرامطة غير أَن أَبَا عَليّ تباطأ عمدا حَتَّى قَالَ الْعلمَاء انه لَا يتوانى إِذا لم يكن يناصرهم ويساندهم فَأخْبر أَبُو عَليّ الْأَمِير أَمَام الْمَلأ فامره بِإِقَامَة محفل يحضرهُ زعماء القرامطة وَالْعُلَمَاء ليتناظروا فِيمَا بَينهم ثمَّ تطبق عَلَيْهِم مَا يَتَرَتَّب على ذَلِك مِمَّن أَحْكَام الشَّرِيعَة وَالْإِسْلَام وَفِي الْيَوْم التَّالِي أَقَامَ أَبُو عَليّ البلعمي محفلا فِي قصر الْأَمِير دَعَا إِلَيْهِ أَبَا أَحْمد المرغزي قَاضِي الحضرة وأئمتها وأعيانها كَافَّة وَأرْسل من أَتَى بزعماء القرامطة والمعروفين من متكلميهم وبدا من المناظرة انه لم تكن لَدَى القرامطة أَقْوَال تتفق هِيَ وأصول الشَّرْع فَكَانَ أَن جلد عَتيق الْأَعْوَر مائَة جلدَة وَأرْسل إِلَى خوارزم ليَمُوت فِي سجنها وَجلد أَبُو الْفضل رنكرز مائَة جلدَة أَيْضا وَأرْسل وزوجه وَأَوْلَاده مَعَه إِلَى اموي حَتَّى يَمُوت هُنَاكَ كَذَلِك ثمَّ أرسل بكتوزون وَأَبُو الْقَاسِم الَّذِي كَانَ وَكيلا لفارس وخوزستان بِجَيْش إِلَى طالقان وَلَقَد قبضا علاوة على من قتل على أَرْبَعمِائَة رجل معروفي مِمَّن اعْتَرَفُوا

стр. 235

بقرمطيتهم وَغنما سِتِّينَ ألف دِينَار وَأَتيا بِمِائَة ألف دِرْهَم إِلَى بَيت المَال وَأرْسل الأسرى بامر من الْقصر إِلَى قَضَاهُ فَارس وخوزستان إِلَى الحضرة حَيْثُ أعدم قسم مِنْهُم وأودع الاخرون السجْن إِلَى أَن مَاتُوا وَلما فرغوا من أَمر طالقان ندبوا إِسْحَاق الْبَلْخِي وَبِك ارسلان إِلَى فرغانه وَأرْسل مَعَهم الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد لتبصيرهم بِأُمُور الشَّرْع وَبعد الْفَتْح دخلا إِسْحَاق الْبَلْخِي وَبِك أرسلان فرغانه وهزما جموع القرامطة فَقتلُوا بَعضهم وصادروا أَمْوَال اخرين فِي حِين أقرّ بَعضهم بجهلهم وخطأهم وأعلنوا تَوْبَتهمْ وَلما عرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام قبلوه ودخلوا فِيهِ وَارْتَدوا عَن ذَلِك الْمَذْهَب ثمَّ عَاد الْجَيْش إِلَى بُخَارى بالغنائم الوفيرة وَلما سُئِلَ أَبُو مُحَمَّد الْفَقِيه كَيفَ كَانَ مَذْهَب المقنعية أجَاب كَانُوا يبيحون الْفروج فِيمَا بَينهم دونما حرج وَكَانَ إِذا مَا أَرَادَ أحدهم أَن يتَزَوَّج امْرَأَة فَلَا مندوحة من أَن يدْخل بهَا رئيسهم أَولا ثمَّ زَوجهَا لقد أحلُّوا الْخمر وَلم يَكُونُوا يغتسلوا من الْجَنَابَة وَلَقَد أباحوا مُوَاصلَة الْأُم وَالْأُخْت والابنة وأنكروا الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْجهَاد وَلما فرغوا من هَؤُلَاءِ جَمِيعًا اجْتمع الْأَمِير السديد مَنْصُور والوزير وبكتوزون وَالْقَاضِي فَقَط للتداول فِي الْقَضَاء على من فِي البلاط والديوان وخواص الْأَمِير مِمَّن اعتنقوا مَذْهَب القرامطة وَالْقَضَاء على أبي مَنْصُور عبد الرَّزَّاق وتطهير خُرَاسَان وَالْعراق وَمَا وَرَاء النَّهر من القرامطة دفْعَة وَاحِدَة وَاتَّفَقُوا لخُرُوج البتكين من خُرَاسَان واقامته بغزنين وَلِأَنَّهُ لَيْسَ ثمَّة فِي خُرَاسَان الْيَوْم من هُوَ أقوى من أبي مَنْصُور عبد الرَّزَّاق أَمِير طوس على تَطْهِير الحضرة وَهِي مقرّ الْأَمِير من القرامطة أَولا ثمَّ التفرغ لأبي مَنْصُور والأماكن الاخرى ثمَّ أسندت قيادة جَيش خُرَاسَان إِلَى نَاصِر الدولة أبي الْحسن سيمجور واستدعى بِجَيْش خُرَاسَان كُله إِلَى الْقصر وَلما وصل إِلَى الحضرة اسْتَطَاعَ الْأَمِير وأعوانه أَن يقبضوا بقوته على كل من صَار إِلَى القرامطة من الْخَاصَّة والكتبة جَمِيعًا وسلبوهم أَمْوَالهم كَافَّة وقتلوهم كلهم ثمَّ بعثوا أَبَا الْحسن سيمجور بِجَيْش خُرَاسَان لقِتَال أبي مَنْصُور عبد الرازق وَالْقَبْض عَلَيْهِ وَكَتَبُوا رسائل الى أُمَرَاء الْأَطْرَاف وَإِلَى وشمجير ليَأْتِي من جرجان بِجَيْش تنصم اليه سَائِر الجيوش ثمَّ تمْضِي مَعًا لمحاصرة

стр. 236

طوس وَالْقَبْض على أبي مَنْصُور وَقتل من تَجدهُ من القرامطة فِيهَا لما راى أَبُو مَنْصُور وَقد كَانَ مَرِيضا الجيوش تضرب الْحصار على طوس فر إِلَى جرجان غير أَن وشهجير طلع لَهُ فِي الطَّرِيق فاشتبكا فِي قَالَ ضار من الضُّحَى إِلَى صَلَاة الْعَصْر خارت مَعَه قوى أبي مَنْصُور وفت فِي عضدع لضَعْفه ومرضه فَنزل عَن جَوَاده وأيند رايه إِلَى أحد غلمانه وَأسلم الرّوح حَالا فَانْهَزَمَ جَيْشه وَأطلق السيقان للريح وَأمر وشمجير بفصل رَأس أبي مَنْصُور عَن جسده ثمَّ أَخذ جَيْشه يطاردون فلول المنهزمين يقتلُون وَيَأْسِرُونَ إِلَى صَلَاة الْمغرب واستولوا على مَتَاع أبي مَنْصُور وخزانته جَمِيع فَبعث بِهِ وشمجير وَمَعَهَا مائَة وَثَمَانُونَ أَسِيرًا إِلَى الْأَمِير السديد فِي الحضرة ثمَّ أطبق أَبُو الْحسن سيمجور على الولايات من طرف ووشمجير وقابوس ابْنه من الطّرف الاخر وَأخذُوا يقتلُون القرامطة حَتَّى أَنه لم يبْقى فِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر قرمطي وَاحِد وغار هَذَا الْمَذْهَب فِي بطن الأَرْض دفْعَة وَاحِدَة وَلم يبْق لأحد من معتنقيه أثر خُرُوج مُحَمَّد البرقعي بِمذهب الباطنية فِي خوزستان وَالْبَصْرَة بِجَيْش من الزنج وَفِي سنة مئتين وَخمْس وَخمسين هجرية ٢٥٥ هـ خرج مُحَمَّد بن عَليّ البرقعي الْعلوِي بالأهواز بعد أَن أغوى زنوج خوزستان وَأهل الْبَصْرَة عدَّة سنوات ودعاهم ومناهم بالوعود لقد خرج مُفِيدا من تِلْكَ الوعود وانضم إِلَيْهِ الونوج فاستولى على الأهواز أَولا ثمَّ الْبَصْرَة وخوزستان جَمِيعهَا أما الزنوج فَقتلُوا خواجاتهم وَوَضَعُوا أَيْديهم على ثرواتهم وَنِسَائِهِمْ وَبُيُوتهمْ وهزموا جيوش الْمُعْتَمد مَرَّات وظل البرقعي يسود على الْبَصْرَة وخوزستان أَربع عشرَة سنة وَأَرْبَعَة شهور وَسِتَّة أَيَّام إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ فِي النِّهَايَة وَقضي على الزنوج جَمِيعًا وَفِي اخر صفر من عَام ٢٧٠ هـ

стр. 237

اقتيد مُحَمَّد البرقعي إِلَى بَغْدَاد وفيهَا قتل أما مذْهبه فَكَانَ كمذهب مزدك وبابك وَأبي زَكَرِيَّا والخرمية والقرامطة فِي كل شَيْء خُرُوج أبي سعيد الجنابي وَابْنه أبي طَاهِر خذلهما الله فِي الْبَحْرين والأحساء وَفِي عهد المعتضد ايضا خرج أَبُو سعيد الْحسن بن بهران الجنابي فِي الْبَحْرين والأحساء ودعا أهلهما إِلَى مَذْهَب السبعية الَّذِي نسمية نَحن الباطنية فأضلهم وَقَوي أمره وَلما استحكم شَأْنه هُنَاكَ أَخذ يقطع الطّرق ويغير على النواحي والأطراف وَأظْهر الْإِبَاحَة علنا وَاسْتمرّ على هَذَا المنوال شطرا من الزَّمن إِلَى أَن اغتاله أحد الخدم مِمَّا حدا بِهَذِهِ الطَّائِفَة أَن لَا تعتمد الخدم أَو تركن إِلَيْهِم فِي الْبَحْرين والأحساء من بعد وَتَوَلَّى بعد أبي سعيد ابْن لَهُ كَانَ يكنى بَابي طَاهِر الَّذِي اخذ نَفسه بالصلاح حينا وَكَانَ يعرف شَيْئا من مقَالَة السبعية وَأرْسل أَبُو طَاهِر إِلَى الدعاة يستفسر عَن غَايَة كِتَابهمْ البلاغة السَّابِع فَأَرْسلُوهُ إِلَيْهِ وَلما قَرَأَ الْكتاب أضحى وَكَأَنَّهُ كلب ضار فَدَعَا كل من كَانَ فِي الْبَحْرين والاحساء من الشَّبَاب وعشاق السِّلَاح هلموا إِلَيّ فَإِن لي بكم حَاجَة وَكَانَ ذَلِك قبيل موسم الْحَج فتجمع حوله خلق لَا يُحصونَ عدا مضى بهم إِلَى مَكَّة وَوصل فِي وَقت أَدَاء الْفَرِيضَة وَقد كَانَ الحجيج محرمين فَأمر رِجَاله أَن اشرعوا سُيُوفكُمْ واقتلوا كل من تصادفونه وأطلقوا أَيْدِيكُم بالمكيين والمجاورين واستلوا سيوفهم وأعملوها فِي النَّاس قتلا فَلَمَّا رَأَتْ الْخَلَائق هَذَا فزعت إِلَى دَاخل الْحرم وَوضعت الْمَصَاحِف أمامها أما المكيون فهرعوا الى السِّلَاح وتأزر كل من كَانَ لَدَيْهِ سلَاح بِهِ وَمضى إِلَى ساحة الوغى فَلَمَّا رأى أَبُو طَاهِر الْأَمر على هَذِه الْحَال أخرج إِلَى وسط ساحة الْقِتَال رَسُولا يَقُول لقد جِئْنَا لِلْحَجِّ لَا لِلْقِتَالِ وَكَانَ الذَّنب ذنبكم إِذْ أفسدتم علينا

стр. 238

إحرامنا وقتلتم وَاحِد من دون ذَنْب فاضطررتمونا إِلَى حمل السِّلَاح وَإِذا مَا ذاع فِي الْعَالم أَن المكيين يتأبطون الأسلحة ويعبثون فِي الحجيج قتلا فسيعزف النَّاس عَن الْحَج وتوصد طَرِيقه وتسوء سمعتكم لَا تفسدوا علينا حجنا بل دَعونَا نُؤَدِّي الْفَرِيضَة وخيل للمكيين صدق قَوْله وَلم يستبعدوا أَن أحد قد تحرش بهم فشهر سلاحه عَلَيْهِم وَقتل وَاحِد مِنْهُم وَاتَّفَقُوا على أَن يُعِيد الجانبان السيوف إِلَى أغمادها وأقسما بالقران الْكَرِيم يَمِينا لَا رَجْعَة فِيهَا بألا يعودا إِلَى الْقِتَال ثَانِيَة وأ يتراجع المكيون ويعيدوا الْمَصَاحِف إِلَى امكنتها فِي الْحرم حَتَّى يتَمَكَّن الجانبان من زِيَارَة الْكَعْبَة وتأدية مَنَاسِك الْحَج وَأقسم الْمُسلمُونَ من المكيين وَالْحجاج كَمَا أقسم أبوطاهر وَرِجَاله وفْق إرادتهم ثمَّ تراجعوا وألقوا السِّلَاح وَعَاد المكيون ثمَّ أعادوا الْمَصَاحِف إِلَى أماكنها واستأنف الحجيج تأدية مناسكهم وطوافهم وَلما راى أَبُو طَاهِر أَن حَملَة السِّلَاح قد تفَرقُوا أَمر أعوانه أَن هبوا إِلَى السِّلَاح واندفعوا إِلَى الْحرم واقتلوا كل من تلقونه فِي دَاخله وخارجه واندفعوا بسيوفهم ورماحهم إِلَى الْحرم بَغْتَة وَأخذُوا يقتلُون كل من يجدونه فِي طريقهم إِلَى ان قتلوا المجاورين جَمِيعًا وخلقا كثيرين غَيرهم وَجعل النَّاس يلقون بِأَنْفسِهِم فِي الابار ويقرون إِلَى رُؤُوس الْجبَال خوفًا من السَّيْف وَأخرج القرامطة الْحجر الْأسود من الْكَعْبَة وصعدوا إِلَى سطحها وخلعوا ميزابها الذَّهَبِيّ وهم يرددون لقد صَار ربكُم إِلَى الساء وخلى بَيته الْكَعْبَة نهبا مضاعا فِي الأَرْض انهبوه ودمروه ثمَّ نزعوا كسْوَة الْكَعْبَة عَنْهَا ونهبوها قِطْعَة قِطْعَة وهم يرددون باستهزاء بعض الْآيَات الْكَرِيمَة ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ ﴿وآمنهم من خوف﴾ وَيَقُولُونَ أَيْضا لماذا لم تأمنوا شَرّ سُيُوفنَا وَقد دَخَلْتُم الْكَعْبَة لَو كَانَ لكم إِلَه لوقاكم جراحات سُيُوفنَا وأمنكم من خوفها وَغير هَذَا من عِبَارَات الْكفْر ثمَّ استولوا على نسَاء المكيين وَأَبْنَائِهِمْ وأخذوهم سَبَايَا مَعَهم أما الْقَتْلَى فَتَجَاوز عَددهمْ عشْرين ألفا فضلا عَمَّن ألقوا بانفسهم فِي الابار أَحيَاء حَتَّى هَؤُلَاءِ أَمر أَبُو طَاهِر بإلقاء الْقَتْلَى فَوْقهم ليلقوا حتفهم أَيْضا واما غنائمهم فَكَانَت مائَة ألف بعير ومقادير لَا حصر لَهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالدَّنَانِير والقصب والمسك والعنبر وطرائف أُخْرَى ثمينة وَلما عَادوا إِلَى الاحساء بعثوا

стр. 239

بِهَدَايَا من هَذِه الْأَمْوَال إِلَى الدعاة فِي كل مَكَان لقد مزلت هَذِه الكارثة بِالْإِسْلَامِ فِي عهد المقتدر سنة ثَلَاثمِائَة وَسبع عشرَة هجرية ثمَّ أرسل أَبُو طَاهِر هَدِيَّة إِلَى أبي سعيد بالمغرب وَكَانَ غُلَاما يَهُودِيّا رباه أحد ابناء عبد الله بن مَيْمُون القداح واسنه أَحْمد الَّذِي كَانَ قد تزوج أمه أم أبي سعيد ثمَّ علمه الْأَدَب والفضيلة وهيأ لَهُ سَبِيل الجاه والثروة وَجعله ولي عَهده ولقنه أصُول الدعْوَة وبصره برموزها واياتها ثمَّ مضى أَبُو سعيد إِلَى الْمغرب وَأقَام بِمَدِينَة سجلماس وتعاظم أمره ثمَّة وَفرض الْمَذْهَب على رِقَاب الْخلق بِالسَّيْفِ وَادّعى انه الْمهْدي وَأَنه علوي ثمَّ فرض على النَّاس خراجا باهضا وَأحل الْخمْرَة وأباح الْأُم وَالْأُخْت والابنه وَجعل يلعن المروانيين والعباسيين على رُؤُوس الاشهاد وَأمر اتِّبَاعه بلعنهم أَيْضا وَيطول ينا الْمقَام لَو ذكرنَا الدِّمَاء الَّتِي سفكها بِغَيْر حق والعادات السَّيئَة الَّتِي سنّهَا فَهَذَا الْمُخْتَصر لَا يَتَّسِع لَهَا وَقد ورد فِي كتب التَّارِيخ أَن هَؤُلَاءِ الَّذين يتسنمون سدة الحكم فِي مصر من أَبنَاء أبي سعيد وَلما جَاءَ أَبُو طَاهِر بن أبي سعيد إِلَى الأحساء جمع الْكتب السماوية من قرَان وتوراة وزبور وإنجيل أَنى وجدت وَرمى بهَا فِي الصَّحرَاء وَقَالَ لقد دمر النَّاس فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة راعي غنم وطبيب وراعي إبل اني لفي غيظ شَدِيد على الْأَخير خَاصَّة فقد كَانَ أذكاهم وادهاهم واكثرهم شعبذة وحيلة ثمَّ أَبَاحَ الْأُخْت وَالأُم والإبنة وشق الْحجر الاسود نِصْفَيْنِ وَوَضعه على حافتي مرحاض وَكَانَ يضع إِحْدَى رجلَيْهِ حِين يجلس على نصفه وَالْأُخْرَى على النّصْف الآخر وَأمر بسب الْأَنْبِيَاء ﵈ ولعنهم عَلَانيَة وساء الْعَرَب جدا امْرَهْ النَّاس باباحة الْأُم ومواصلتها

стр. 240

حَتَّى ان كثيرين مِنْهُم تجرعوا شَيْئا من الزرنيخ والكبريت الْأَصْفَر حبا فِي الْمَوْت على أَن يواصلوا أمهاتهم إِلَّا أَن أهل الْمغرب تلقوا لجهلهم هَذَا الْأَمر تلقيا طبيعيا وَأخذُوا بِهِ وَعَاد أَبُو طَاهِر فهاجم قوافل الحجيج مرّة أُخْرَى نَاكِثًا أيمانه ضَارِبًا بهَا عرض الْحَائِط وَقتل خلقا كثيرا غير أَنه لما علم هُوَ ورهطه بتجمع الْمُسلمين بخراسان وَالْعراق وعزمهم على التَّوَجُّه إِلَى الْحَج برا وبحرا خَافُوا فَأَعَادُوا الْحجر الْأسود وَلما صَار الْمُسلمُونَ إِلَى مَسْجِد الْكُوفَة الْجَامِع إِذا الْحجر الْأسود ملقى هُنَاكَ فَأَخَذُوهُ ورتقوه بقضيب حَدِيد وَحَمَلُوهُ إِلَى مَكَّة وأعادوه إِلَى مَكَانَهُ واستقدم أَبُو طَاهِر زكيره كبر الْمَجُوسِيّ منم أصفهان إِلَى الأحساء وولاه الْحُكُومَة فِيهَا فشمر الرجل عَن سَاقه وَقتل سَبْعمِائة من رُؤَسَاء القرامطة وَأَرَادَ أَن يقتل أَبَا طَاهِر وإخوانه فَعلم أَبُو طَاهِر بِالْأَمر وَقَتله بحيلة من الْحِيَل وتسلم زِمَام السلطة من جَدِيد وَلَو ذكرنَا جَمِيع مفاسد هَذَا الْكَلْب وفتنه فِي الأسلام الَّتِي امتدت الى خلَافَة الراضي لناء الْكتاب بِحمْلِهِ وَفِي عهد الراضي خرج الديالمة أَيْضا وَلَقَد ذكرت هَذَا الْقدر ليعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه حَقِيقَة مَذْهَب هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين لَا يركن إِلَى وعودهم وَأَيْمَانهمْ فَمَا أَكثر مَا قَامَت بِهِ الباطنية من فَسَاد وأعمال بذيئة فِي كل الْأَوْقَات الَّتِي طَالَتْ فِيهَا أَيْديهم على الْمُسلمين وديار الْإِسْلَام انهم قوم شُؤْم كلهم وأعداء أَي أَعدَاء لِلْإِسْلَامِ وَالْملك خُرُوج الْمقنع فِي مَا وَرَاء النَّهر وَفِي هَذِه الاونة أَيْضا خرج الْمقنع المرغزي فِي بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر ونفض الشَّرِيعَة من أَيدي قومه دفْعَة وَاحِدَة فَبَدَأَ أول الْأَمر بالدعوة إِلَى الْمَذْهَب الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ

стр. 241

الباطنية مِثْلَمَا يفعل أَبُو سعيد الجنابي وَأَبُو سعيد المغربي وَمُحَمّد الْعلوِي البرقعي ودعاتهم كَانَ الْمقنع معاصرا لأبي سعيد الجنابي وَأبي سعيد المغربي وَكَانَت بيينهم مكاتبات ومراسلات لقد خرج الْمقنع على النَّاس بطلسم سحرِي فِي مَا وَرَاء النَّهر إِذْ أخرج من كل جبل شَيْئا على غرار الْقَمَر وَكَانَ أهل تِلْكَ النواحي يرَوْنَ تِلْكَ الأشكال يوميا فِي موعد طُلُوع الْقَمَر تَمامًا وَمَضَت على هَذَا مُدَّة طَوِيلَة وَلما تمكن الْمقنع من إِخْرَاج سكان تِلْكَ الْولَايَة من دَائِرَة الشَّرِيعَة وَالْإِسْلَام وَقَوي شَأْنه ادّعى الألوهية فأريقت لهَذَا الدِّمَاء وَظَهَرت الْمَفَاسِد وَتَقَدَّمت جيوش الْمُسلمين من شَتَّى الْأَطْرَاف لقتاله واشتبكت مَعَه فِي حروب دَامَت سنوات لَو نذْكر أَخْبَارهَا لاحتاجت إِلَى مجلدات ان أخباره وأخبار كل وَاحِد من الْكلاب الَّذين ذكرت تحْتَاج إِلَى كتاب ضخم كَبِير مَكْتُوب بِخَط دَقِيق وَلَقَد اكتفيت بِالْقدرِ الَّذِي ذكرت حَتَّى لَا يَخْلُو ذكر الْمقنع من بَين هَؤُلَاءِ تعدد أَسمَاء الباطنية لقد كَانَ للباطنية فِي كل وَقت خَرجُوا فِيهِ اسْم ولقب يخْتَلف عَنهُ فِي وَقت اخر وَعرفُوا بأسماء وألقاب مُتَفَاوِتَة فِي كل مَدِينَة وَولَايَة وَإِن تكن مَعَ ذَلِك وَاحِدَة فِي مَعْنَاهَا فقد كَانَ يُقَال لَهُم الإسماعلية فِي حلب ومصر والسبعية فِي قُم وكاشان وطبرستان وسبزوار والقرامطة فِي بَغْدَاد وَمَا وَرَاء النَّهر وغزنين والمباركية فِي الْكُوفَة والراوندية والبرقعية فِي الْبَصْرَة والخلفية فِي الرّيّ والمحمرة فِي جرجان والمبيضة فِي الشَّام والسعيدية فِي الْمغرب

стр. 242

والجنابية فِي الأحساء والباطنية فِي أصفهان أما هم فَكَانُوا يطلقون على أنفسهم التعليمية وأمثال هَذَا وَكَانَ هدفهم تقويض دعائم الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وَالْعَمَل على غواية الْخلق وضلالهم

стр. 243

الْفَصْل السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ فِي خُرُوج الخرمدينية خذلهم الله وَاذْكُر الان نبذا مختصرة فِي مَوْضُوع الخرمدينية ليَكُون سيد الْعَالم خلد الله ملكه على علم بأحوالهم وأخبارهم كلما خرج الخرمية كَانَ الباطنية ينضمون إِلَيْهِم ويشدون أزرهم ويقوونهم وَكَانَت الخرمية أَيْضا تنضم إِلَى الباطنية كلما خَرجُوا وتمدهم بِالْمَالِ وَالرِّجَال لِأَن أصل مَذْهَبهم وَاحِد فِي مَوْضُوعه وفساده وموقفه من الدّين فَفِي سنة مائَة واثنتين وَسِتِّينَ ١٦٢ هـ فِي خلَافَة الْمهْدي قوي كثيرا أَمر باطنية جرجان الَّذين كَانَ يُطلق عَلَيْهِم أَصْحَاب الرَّايَات الْحمر أَي المحمرة ووحدوا كلمتهم مَعَ الخرمية وَزَعَمُوا ان أَبَا مُسلم حَيّ وسنخلص نَحن الْملك ونعيده إِلَيْهِ ثَانِيَة ثمَّ رئسوا ابْن ابي الغزا حفيد أبي مُسلم عَلَيْهِم ومضوا إِلَى الرّيّ فأحلوا الْمُحرمَات كلهَا وأباحوا نِسَاءَهُمْ فِيمَا بَينهم

стр. 244

وَكتب الْمهْدي كتبا إِلَى الْأَطْرَاف يَأْمُرهُم فِيهَا بالانضواء بحت لِوَاء عمر بن الْعَلَاء وَالِي طبرستان والتوجه إِلَى حَرْب الخرمدينية فانصاعوا لِلْأَمْرِ وتوجهوا لقتالهم فشتتوا جموعهم وَحين كَانَ هَارُون الرشيد بخراسان خرج الخرمدينيون مرّة أُخْرَى فِي ترمدين وكابله وفابك ونواح أُخْرَى من أصفهان وتوجهت إِلَيْهِم أعداد كَبِيرَة من الرّيّ وهمذان ودشت بيه والتحقت بهم فَصَارَ عَددهمْ أَكثر من مائَة ألف شخص وَندب هَارُون الرشيد عبد الله بن مَالك بِعشْرين ألف مقَاتل من خُرَاسَان لحربهم فخافوه وَعَاد كل قوم إِلَى مكانهم وَكتب عبد الله إِلَى الرشيد لَا مندوحة لي من مدد أبي دلف وجاءه الْجَواب لتنضو تَحت لوائه فاتحد الطرفان وَكَانَ الخرمدينية قد جمعُوا من جَدِيد عددا غفيرا من النَّاس بتدبير من الباطنية وخداعها وأطلقوا أَيْديهم فِي الْفساد النهب وَالسَّلب فهاجمهم أبودلف الْعجلِيّ وَعبد الله بن مَالك بَغْتَة وَكَانُوا غافلين وَقتلُوا مِنْهُم خلقا لَا يعد وَلَا يُحْصى وحملوا نِسَاءَهُمْ وأبناءهم إِلَى بَغْدَاد وباعوهم خُرُوج بابك وَبعد تسع سنوات خرج بابك من اذربيجان فقصده الباطنية للألتحاق بِهِ لكِنهمْ لما سمعُوا بَان جَيْشًا أرسل ليعترض طريقهم خَافُوا وعادوا أدراجهم وَتَفَرَّقُوا وَفِي عَام ٢١٢ هـ فِي أَيَّام الْمَأْمُون خرج الخرمدينية من نواحي أصفهان

стр. 245

وترمدين وكابله وكرج وانضم إِلَيْهِم الباطنية وعاثوا فِي الْبِلَاد فَسَادًا ثمَّ مضوا إِلَى أذربيجان والتحقوا ببابك وَأرْسل الْمَأْمُون مُحَمَّد بن حميد الطَّائِي لقِتَال بابك والخرمية وَأمره أَولا بِحَرب زُرَيْق بن عَليّ صَدَقَة الَّذِي كَانَ قد عصى وَتَوَلَّى ولَايَة قوهستان الْعرَاق وَأخذ يُغير على القوافل ويستولي عَلَيْهَا وسير مُحَمَّد بن حميد الطَّائِي جَيْشًا بِمَالِه الْخَاص وَمضى بِهِ دون أَن يطْلب من خزانَة الْمَأْمُون شَيْئا وَصَارَ إِلَى حَرْب زُرَيْق فَقبض عَلَيْهِ وَأهْلك قومه وشتت جمعهم فولاه الْمَأْمُون لذَلِك قزوين ومراغة وَأكْثر أذربيجان ثمَّ مضى مُحَمَّد إِلَى قتال بابك فدارت بَينهمَا معارك ضارية استمرت سِتَّة أشهر قتل مُحَمَّد بن حميد فِي نهايتها دون أَن يحرز على البابكية نصرا وتفاقم أَمر بابك فَأرْسل خرمية أصفهان إِلَيْهَا أما الْمَأْمُون فعز عَلَيْهِ مقتل قائده مُحَمَّد حميد حميد الطَّائِي جدا وَندب فِي الْحَال عبد الله بن طَاهِر الَّذِي كَانَ واليا على خُرَاسَان لِحَرْب بابك وولاه ولَايَة قوهستان كلهَا وَمَا كَانَ قد تمّ فَتحه والاستيلاء عَلَيْهِ من أذربيجان وَتوجه عبد الله إِلَى أذربيجان فَلم يسْتَطع بابك أَن يثبت أَمَامه بل فر إِلَى قلعة حَصِينَة وتشتت جموع الخرمية وبحلول سنة ٢١٨ هـ خرج خرمية فَارس وأصفهان وكل قوهستان وأذربيجان منتهزين ذهَاب الْمَأْمُون إِلَى بِلَاد الرّوم وتواعدوا جَمِيعًا على لَيْلَة بِعَينهَا خَرجُوا فِيهَا جَمِيعهم فِي كل المدن والولايات بإيعاز من بابك وتدبيره فَقتلُوا عُمَّال المدن وأعدادا غفيرة من الْمُسلمين ونهبوا مَنَازِلهمْ وَسبوا أَبْنَاءَهُم وأخذوهم عبيدا لَهُم لَكِن مُسْلِمِي فَارس جمعُوا أنفسهم فانتصروا على الخرمية فِيهَا وَقتلُوا وأسروا مِنْهُم كثيرا أما خرمية أصفهان فَجمعُوا أنفسهم فِي دَار وترمدين وحشد رئيسهم الَّذِي كَانَ يدعى عَليّ بن مزدك عشْرين ألف رجل على مشارف الْمَدِينَة ثمَّ مضى بهم وَأَخُوهُ مَعَه إِلَى كرج وَكَانَ أبودلف غَائِبا وَلم يكن فِي الْمَدِينَة حينذاك سوى أَخِيه معقل الَّذِي لم يسْتَطع أَن يُقَاوم بِخَمْسِمِائَة خيال ففر إِلَى بَغْدَاد

стр. 246

أما عَليّ بن مزدك فاستولى على كرج ونهبها وَقتل من وجد فِيهَا من الْمُسلمين ثمَّ سبا نسَاء العجليين وبنيهم وَأَخذهم مَعَه وتحول من هُنَاكَ إِلَى أذربيجان للالتحاق ببابك ثمَّ أَخذ الخرمية يتدفقون على بابك من شَتَّى الأرجاء لقد كَانُوا بادىء ذِي بَدْء عشرَة الاف ثمَّ غدوا خَمْسَة وَعشْرين ألفا تجمعُوا فِي الْمَدِينَة الَّتِي تدعى شارستانة بَين قوهستان وأذربيجان وَهُنَاكَ الْتحق بهم بابك واعمل جَيش إِسْحَاق سيوفهم وَأخذُوا يقتلُون فَبلغ عدد الْقَتْلَى من الخرمية غير من أعْطوا الْأمان فِي معركة وَاحِدَة مائَة ألف أما من مضوا إِلَى أصفهان مَعَ أخي عَليّ بن مزدك فَكَانَ عَددهمْ عشرَة الاف وَكَانَ أَخُو عَليّ هَذَا قد حمل مَعَه النِّسَاء والأطفال وعد بيُوت رُؤَسَاء الْمَدِينَة ملكا لَهُ وأدخلها فِي حسبانه سلفا غير أَن عَليّ بن عِيسَى أَمِير أصفهان كَانَ غَائِبا فتصدى قَاضِي الْمَدِينَة ورؤساؤها واهلها وأعيانهم لحربهم واطبقوا عَلَيْهِم من ثَلَاثَة جَوَانِب وهزموهم وأسروا نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وحملوهم إِلَى الْمَدِينَة واتخذوهم عبيدا لكِنهمْ ضربوا رِقَاب الْبَالِغين من الْأَبْنَاء وألقوا بهم فِي الْأَبَّار بعد هَذَا بست سنوات تفرغ المعتصم للخرمية وَندب الإفشين لِحَرْب بابك فقاد الإفشين الجيوش وَمضى بهم إِلَيْهِ وهب الخرمية والباطنية لنجدة بابك من كل حدب وَصوب وباختصار فقد ظلوا يحارتون إِلَى جَانِبه سنتَيْن دارت فِي خلالهما رحى معارك طاحنة بَين الإفشين وبابك وَقتل فِيهَا عدد لَا يُحْصى من الْجَانِبَيْنِ ولجأ الإفشين فِي النِّهَايَة إِلَى الْحِيلَة فَفرق أَكثر عسكره الَّذين قوضوا خيامهم فِي عتمة اللَّيْل البهيم وتراجعوا فرسخين وحطوا الرّحال هُنَاكَ ثمَّ أرسل إِلَى بابك من يَقُول لَهُ ابْعَثْ إِلَيّ بِرَجُل عَاقل مجرب من رجالك لأكلمه فِي أُمُور فِيهَا مصلحَة الطَّرفَيْنِ مَعًا فَأرْسل إِلَيْهِ بابك رجلا قَالَ لَهُ الإفشين قل لبابك ان لكل أَمر نِهَايَة ان رَأْي الادمي لَيْسَ كراثا يَنْمُو من جَدِيد إِذا مَا قطع لقد قتل أَكثر رجالي وَلم يبْق حَتَّى وَاحِد من كل عشرَة مِنْهُم وَهَكَذَا الْحَال فِيمَا أعلم بِالنِّسْبَةِ لرجالك هيا بِنَا نتصالح فتقنع أَنْت بِالْولَايَةِ الَّتِي فِي حوزتك وتتربع عَلَيْهَا بامن وَسَلام وأعود أَنا لأحصل لَك على عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْولَايَةِ وأرسله وَإِلَّا فتعال نتحارب من جَدِيد لنرى لمن يكون الظفر وَخرج الرَّسُول من عِنْد الإفشين وَهُوَ يسرح النّظر فِي شَتَّى الْجِهَات ليرى حد الْجَيْش لكنه لم ير سوى جنود خفاف وَكَأَنَّهُم يمتطون أَجْنِحَة الْهَزِيمَة وَلما عَاد إِلَى بابك نقل إِلَيْهِ مقَالَة الإفشين وَأخْبرهُ عَن قلَّة عدد الْجَيْش فاذا هِيَ الْأَخْبَار عينهَا الَّتِي انهاها

стр. 247

عُيُون بابك إِلَيْهِ وَاتفقَ بابك ورهطه على أَن يشعلوها حَربًا شعواء بعد ثَلَاثَة أَيَّام أما الإفشين فَأرْسل إِلَى جيوشه الَّتِي كَانَ قد أمرهَا بالتراجع يَقُول تَعَالَوْا يَوْم لنزل لَيْلًا واختبئوا على بعد فَرسَخ وَنصف من على يَمِين الْجبَال والأدوية ويسارها وَحين أتظاهر بالهزيمة وابتع عَن الجيوش مَسَافَة بعيدَة فَإِن قسما من جَيش بابك سيلاحقني ويتفرغ الْقسم الاخر للإغارة على المعسكر ونهبه حِينَئِذٍ اخْرُجُوا من وَرَاء الْجبَال واستلموا طَرِيق الْوَادي لِئَلَّا يتمكنوا من العودة والوصول إِلَيْهِ وساعود حِين ذَاك وَفِي يَوْم الْحَرْب أخرج بابك جَيْشه من الْمضيق وَكَانَ عدده أَكثر من مائَة ألف خيال وراجل فَبَدَا جَيش الإفشين حَقِيرًا ضئيلا فِي أَعينهم لِأَنَّهُ كَانَ قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ لما كَانُوا قد رَأَوْهُ من جيوش ودارت المعركة وَحَارب الجانبان بضراوة وَقتل مِنْهُمَا عدد كَبِير فَلَمَّا رنحت شمس الْأَصِيل إِلَى المغيب لَاذَ الإفشين بالفرار عمدا وَلما ابتعد عَن المعسكر فرسخا قَالَ لحامل الرَّايَة قف وانصب الرَّايَة هُنَا وَأخذ كل من يصل إِلَى هَذَا الْمَكَان من الْجند يتَوَقَّف عِنْده اما بابك فَقَالَ لجنده لَا تشْغَلُوا أَنفسكُم بالغارة والغنائم قبل أَن نرتاح بَالا من الإفشين وجيشه نهائيا وَمضى الخيالة مَعَ بابك فِي إِثْر الإفشين أما الرجالة فعاثوا فِي المعسكر نهبا حِينَئِذٍ خرج الْعشْرُونَ ألف خيال من جَيش الإفشين من وَرَاء الْجبَال عَن الْيَمين وَعَن الْيَسَار وأذا الصَّحرَاء تموج بالخرمية فاستلموا طَرِيق الْوَادي وقطعوها عَلَيْهِم أَولا ثمَّ شرعوا سيوفهم وَعَاد الإفشين بِعشْرين ألف خيال فاحاطوا بِهَذَا بابك وَجُنُوده وَلم تفلح كل محاولاته فِي الْوُصُول إِلَى سَبِيل للفرار وَلما وصل الإفشين قبض على بابك وظل جنده يعبثون فِي الخرمية قتلا إِلَى صَلَاة الْعَصْر حَتَّى ناف مَا قتل مِنْهُم على ثَمَانِينَ ألف رجل ثمَّ ترك الإفشين على قلعة بابك غُلَاما بِعشْرَة الاف خيال وراجل وَعَاد هُوَ بالأسرى وبابك إِلَى بَغْدَاد الَّتِي أدخلوه إِلَيْهَا موسوما بعلامة خَاصَّة وَلما وَقعت عين المعتصم عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا الْكَلْب لماذا أضرمت نَار الْفِتْنَة فِي الأَرْض وَلم قتلت الاف الْمُسلمين فَلم ينبس بابك ببنت شفة وَأمر المعتصم بِقطع يدية وَرجلَيْهِ جَمِيعًا وَلما قطعُوا إِحْدَى يَدَيْهِ وضع يَده الْأُخْرَى فِي الدَّم ولطخ بِهِ وَجهه إِلَى ان صيره أَحْمَر كُله فَقَالَ المعتصم يَا كلب أَي علم هَذَا أَيْضا قَالَ بابك إِن فِي هَذَا لحكمة فَقيل لَهُ قل أَيَّة حِكْمَة هَذِه قَالَ إِنَّكُم تُرِيدُونَ قطع يَدي ورجلي جَمِيعًا ان الدَّم هُوَ الَّذِي يَجْعَل وجنات النَّاس حمرا لكنه حِين ينْفد من الْجِسْم يصفر الْوَجْه وَأَنا إِنَّمَا حمرت وَجْهي بِالدَّمِ كي لَا يُقَال عِنْدَمَا ينْفد دمي إِن وَجهه غَدا أصفر خوفًا وخشية

стр. 248

وَأمر المعتصم بسلخ جلد ثَوْر بقرنيه وَأَن يُؤْتى بِهِ طريا وَلما جِيءَ بِهِ وضع بابك فِيهِ بِحَيْثُ ظهر فِيهِ قرنا الثور بمحاذاة أذنبه ثمَّ خيط الْجلد وَلما جف علقوه عرضوا بابك فِيهِ حَيا على هَذَا النَّحْو إِلَى أَن مَاتَ ميتَة شنعاء ان أَمر بابك من بَدْء خُرُوجه إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ يَتَّسِع لمجلد كَبِير جدا وَلَقَد سُئِلَ اُحْدُ جلاديه بعد أسره كم شخصا قتلت قَالَ كَانَ لبابك عدَّة جلادين اما عدد من قَتلتهمْ أَنا فَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف مُسلم فضلا عَمَّن قتل الجلادون الاخرون من الْمُسلمين فِي ساحات الْقِتَال لقد تمت على يَد المعتصم ثَلَاثَة فتوح وانتصارات كَانَت كلهَا قُوَّة للأسلام وحصنا أَولهَا بِلَاد الرّوم وَثَانِيها قَضَاؤُهُ على بابك وَثَالِثهَا واخرها انتصاره على المازيار الْمَجُوسِيّ بطبرستان وَلَو أَن أَحدهَا لم يتم لفت فِي عضد الْإِسْلَام كثيرا حِكَايَة حول المعتصم فِي حِين كَانَ المعتصم جَالِسا للشراب يَوْمًا وَكَانَ القَاضِي يحيى بن أَكْثَم حَاضرا نَهَضَ الْخَلِيفَة وَدخل إِحْدَى الحجرات ثمَّ خرج وَتَنَاول شَيْئا من الشَّرَاب ونهض من جَدِيد وَدخل حجرَة أُخْرَى ثمَّ نَهَضَ للمرة الثَّالِثَة وَدخل الْحمام فاغتسل وَخرج من الْحمام بِسُرْعَة وَطلب مصلى فصلى رَكْعَتَيْنِ وَعَاد إِلَى الْمجْلس ثمَّ قَالَ للْقَاضِي يحيى أَتَدْرِي مَا الصَّلَاة الَّتِي صليتها قَالَ يحيى لَا قَالَ المعتصم صَلَاة شكر لنعمة من نعم الله أسبغها عَليّ الْيَوْم قَالَ يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ماهذه النِّعْمَة قَالَ المعتصم فِي هَذِه السَّاعَة افتضضت ثَلَاث فتيات هن بَنَات ثَلَاثَة كَانُوا خصوما لي أحداهما بنت ملك الرّوم وَالثَّانيَِة ابْنة بابك وَالْأُخْرَى كَرِيمَة المازيار الْمَجُوسِيّ

стр. 249

خُرُوج الخرمية فِي عهد الواثق وَفِي أَيَّام الواثق خرج الخرمية فِي نَاحيَة أصفهان وعاثوا فِيهَا فَسَادًا وظلوا يخرجُون إِلَى سنة ثَلَاثمِائَة هجرية وأغاروا على كرج ونهبوها مرّة أُخْرَى وَقتلُوا خلقا كثيرا لكنه قضي عَلَيْهِم أَيْضا وَمِمَّنْ خَرجُوا باريزدشاه الَّذِي اتخذ من جبال أضفهان معقلا لَهُ فالتف حوله الخرمية والباطنية وَأخذُوا يسطون على القوافل وينهبون الْقرى وَيقْتلُونَ الشُّيُوخ والشباب والأطفال ودامت فتنته مَا يزِيد على ثَلَاثِينَ سنة لم تستطع الجيوش فِي خلالها أَن تحرز أَي نصر عَلَيْهِ بل عجزت عَن رده والتغلب عَلَيْهِ لاستحكامه فِي جبال حَصِينَة جدا وَلَكِن تَكُ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي نِهَايَة المطاف وعلق رَأسه فِي أصفهان وَأرْسلت كتب إِلَى شَتَّى أقطار الْإِسْلَام تبشر الْمُسلمين بِهَذَا النَّصْر إِنَّه ليطول بِي الْمقَام لَو ذكرت أخبارهم كلهَا فَهِيَ كَثِيرَة وَمهما ذكرت مِنْهَا فكأنني لم أذكر شَيْئا وَمن يَشَأْ الْوُقُوف على ثورات الباطنية والخرمية ومفاسدهم فليقرأ تَارِيخ الطَّبَرِيّ وتاريخ أصفهان وتاريخ خلفاء بني الْعَبَّاس أصُول مَذْهَب الخرمية الركيزة الَّتِي بنى عَلَيْهَا الخرمية مَذْهَبهم هِيَ أَنهم ألقوا عَن كواهلهم كل ضروب الإجهاد والإرهاق ونبذوا شَعَائِر الدّين الإسلامي وفرائضة من قيام وَصَلَاة وَصِيَام وَحج ومجاهدة أَعدَاء الله والاغتسال من الْجَنَابَة وَتَحْرِيم الْخمْرَة والتمسك بالزهد وَالتَّقوى وكل مَا هُوَ فَرِيضَة انهم لم يسعوا فِي أُمُور الشَّرِيعَة وَلم يحاولوا سلوك سَبِيل دين الْمُصْطَفى ﵇ فِي شَيْء لقد كَانَ اول مَا يتفوهون بِهِ فِي محافلهم ولقاءاتهم إِظْهَار الأسف وَالْحَسْرَة على قتل أبي مُسلم صَاحب الدولة وَلعن قتلته دَائِما وَالصَّلَاة على الْمهْدي بن فَيْرُوز ابْن فَاطِمَة بنت أبي مُسلم الَّذِي كَانُوا يَدعُونَهُ الطِّفْل الْحَكِيم أَو الْفَتى الْعَالم

стр. 250

ويبدو أَن أصل الْمذَاهب الثَّلَاثَة المزدكية والخرمية والباطنية وَاحِد وانهم كَانُوا يسعون دَائِما لتقويض دعائم الْإِسْلَام لقد كَانُوا يتظاهرون بِالصّدقِ والزهد وَالْعِبَادَة وَالتَّقوى ومحبة ال الرَّسُول ﷺ أَمَام الْمُسلمين بادىء بَدْء لإيقاعهم فِي حبائلهم لكِنهمْ كَانُوا يسعون بعد أَن يقوى عودهم وَيكثر أتباعهم إِلَى الإطاحة بِأمة مُحَمَّد ﵇ وَدينه وتقويضهما حَتَّى أَن الْكفَّار كَانَت تأخذهم الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة على امة مُحَمَّد ﵇ أَكثر من هَؤُلَاءِ وَلَقَد ذكرت هَذَا الْقدر من أَقْوَالهم لأَنهم كَانُوا يحفرون بِئْرا ويحاولون إخفاء أَمر جلي والتستر عَلَيْهِ أما من اسْتَجَابُوا بدعوتهم فَكَانُوا ييسرون لَهُم أُمُورهم ويخدمون أغراضهم ويمدون إِلَيْهِم يَد العون ويساند كل مِنْهُم الاخر لقد جعلُوا سيد الْعَالم خلد الله ملكه الَّذِي لَهُ كل مَا فِيهِ وَالَّذِي كل الْعَالمين عبيده حَرِيصًا على جمع المَال المَال الَّذِي كَانُوا يسلبونه من الْمُسْتَحقّين ويظهرونه على أَنه توفير انه لَا يُمكن عمل ثوب من قصاصات ستْرَة أَو وصل كمين مَعًا سيتذكر سيد الْعَالم دَامَ سُلْطَانه مقَالَة مَوْلَاهُ حِين يقذف شرهم وفتنتهم وَاضحا للملأ وسيتذكر إبان هَذَا الْفساد ان مَا قلته هُوَ الصَّوَاب عينه وانني لم أضن مَا أمكنني ذَلِك فِي تَقْدِيم النصح وَإِظْهَار الحدب والخشية وَلم ال جهدا فِي تَنْفِيذ شُرُوط طَاعَتي وهواي لهَذِهِ الدولة الْقَاهِرَة ثَبت الله أَرْكَانهَا وقى الله تَعَالَى عهد مولَايَ عين السوء وَيَد الشَّرّ وَحَال بَين أعدائه وَبَين تحقييق ماربهم وامالهم الشريرة ووشح قصره وبلاطه وديوانه بِأَهْل الدّين إِلَى يَوْم الدّين وَلَا أخلى هَذِه الدولة مِمَّن هواهم مَعهَا ووهب ملكه النَّصْر وَالظفر كل يَوْم
следующие страницы →