← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8345

سياست نامه = سير الملوك

نظام الملك

Полный текст (257 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدّمَة مؤلف الْكتاب رب يسر وَلَا تعسر الْحَمد الله فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض رَازِق الْعباد عَالم السِّرّ والجهر وغفار الذُّنُوب وَالسَّلَام على خير الْبَريَّة مُحَمَّد بن عبد الله ﵊ أعظم الْأَنْبِيَاء وَرَسُول الله بالفرقان للنَّاس كَافَّة وعَلى أَصْحَابه وعترته أَجْمَعِينَ يَقُول العَبْد الْفَقِير حُسَيْن الطوسي أَنه لما صدر الْأَمر الملكي العالي من لدن معز الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْفَتْح ملكشاه بن مُحَمَّد يَمِين أَمِير الْمُؤمنِينَ أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره إِلَيّ والى آخَرين غَيْرِي عَام ٤٧٩ هـ بِأَن ليقلب كل مِنْكُم صفحات فكره ويتأمل أيوجد ثمَّة شَيْء غير مَحْمُود على عهدنا أَو أَنه جرى على غير شَرطه أَو غام عَن أَعيننَا وخفي علينا تنفيذه سَوَاء فِي البلاط أم الدِّيوَان أم الْقصر أم الْمجْلس هَل من أَمر سَار فِيهِ الْمُلُوك قبلنَا سيرا صَحِيحا وفاتنا ذَلِك أنعموا النّظر فِي كل شَيْء من أنظمة الْملك وقواعده وعادات الْمُلُوك فِي عهد مُلُوك السلاجقة السالفين تأملوها جيدا وقيدوها بجلاء ثمَّ أعرضوها علينا كَيْمَا نَنْظُر فِيهَا ونأمر بِأَن تطبق الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية بعد هَذَا وفْق أُصُولهَا وقواعدها ونعرف مَا يُمكن تلافيه ونجري كل أَمر على شَرطه وقاعدته ونقضي بتنفيذ أوَامِر الله تَعَالَى وتطبيقها ونتلافى مَا نستطيع كل مَا مضى من عمل سيئ لِأَن الله تَعَالَى وهبنا الدُّنْيَا وملكها وأسبغ علينا نعْمَة كَامِلَة وقهر أعداءنا يَنْبَغِي أَلا يظل أَي شَيْء بعد الْآن فِي مملكتنا نَاقِصا أَو متزلزلا أَو أَن الْأُمُور فِيهَا تسير بِخِلَاف الشَّرْع وأوامر الله تَعَالَى لذا عَمَدت أَي نظام الْملك إِلَى درج وَشرح كل مَا كنت أعرفهُ أَو رَأَيْته أَو خبرته من

стр. 2

تجارب فِي حَياتِي أَو تعلمته من أساتذتي فِي الْمَوْضُوع فِي هَذَا الْكتاب فِي خمسين فصلا ينْطق فهرسها بموضوعات كل مِنْهَا وأوردت فِي كل فصل مَا يَلِيق بِهِ من أَخْبَار وحكايات من أَقْوَال العظماء الَّتِي لَا تبْعَث على الْملَل عِنْد الْقِرَاءَة بل تكون ألصق بالطبع وَأقرب إِن فِي هَذَا الْكتاب فَوَائِد كَثِيرَة فَمن يقرأه وَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ ينل ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَقَد ألفته لخزانة كتب السُّلْطَان المعمورة عمرها الله وقدمته إِلَيْهِ راجيا أَن يحظى بقبوله وتأييده إِن شَاءَ الله لَيْسَ لأي ملك أَو حَاكم مندوحة من اقتناء هَذَا الْكتاب وَمَعْرِفَة مَا فِيهِ خَاصَّة فِي هَذِه الْأَيَّام فَكلما قرأوه أَكثر ازدادت درايتهم بِأُمُور الدّين وَالدُّنْيَا واتسعت رُؤْيَتهمْ فِي معرفَة أَحْوَال الصّديق والعدو وانفتحت أمامهم سبل تصريف الْأُمُور وإدارتها واتضحت لَهُم قَوَاعِد تَدْبِير شؤون البلاط وَالْقصر والديوان والمجلس والميدان وَالْأَمْوَال والمعاملات والعسكر والرعية بِحَيْثُ لَا يظل فِي أرجاء المملكة شَيْء خافيا صَغِيرا كَانَ أم كَبِيرا قَرِيبا أم بَعيدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي البدء ألف نظام الْملك نور الله قَبره هَذَا الْكتاب بديهة من تِسْعَة وَثَلَاثِينَ فصلا مُخْتَصرا وَقدمه غير أَنه أعَاد النّظر فِيهِ بعد ذَلِك فأضاف إِلَيْهِ لما كَانَ يعتمل فِي صَدره من ضغن على مخالفي هَذِه الدولة أحد عشر فصلا أُخْرَى وَزَاد على كل فصل مَا يَلِيق بِهِ ثمَّ أعطانيه عِنْد خُرُوجه للسَّفر لكنني لم أجرؤ على إِظْهَاره على النَّاس للحادث الَّذِي وَقع لَهُ أَي نظام الْملك على طَرِيق بَغْدَاد وَخُرُوج الباطنية وإلحاقهم الْأَذَى بِالنَّاسِ إِلَّا فِي الْوَقْت الَّذِي قويت فِيهِ شَوْكَة الْعدْل والأنصاف وَالْإِسْلَام فِي ظلّ سيد الْعَالم خلد الله ملكه أدام الله تَعَالَى بِحَق مُحَمَّد وَآله هَذِه الدولة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة

стр. 3

الْفَصْل الأول فِي أَحْوَال النَّاس وتقلب الْأَيَّام ومدح سُلْطَان الْعَالم خلد الله ملكه يتَخَيَّر الله تَعَالَى فِي كل عصر وزمان وَاحِدًا من بَين خلقه فيضفي عَلَيْهِ فَضَائِل الْملك ويزينه بهَا ويكل إِلَيْهِ مصَالح الْبِلَاد وراحة الْعباد ويوصد بِهِ أَبْوَاب الْفساد وَالِاضْطِرَاب والفتنة ويبث هيبته ووقاره فِي أعين الورى وأفئدتهم ليقضي النَّاس أيامهم فِي ظلّ عدله ويعيشوا آمِنين متمنين دوَام ملكه فَإِذا مَا بدا وَالْعِيَاذ بِاللَّه من الْعباد عصيان واستخفاف بالشريعة أَو تَقْصِير فِي طَاعَة الله تَعَالَى وَاتِّبَاع أوامره وَأَرَادَ أَن يعاقبهم ويجازيهم بأعمالهم لَا أرانا الله مثل هَذِه الْأَيَّام وجنبنا هَذَا الإدبار فَإِنَّهُ تَعَالَى يصب عَلَيْهِم جَام غَضَبه وخذلانه بِأَن يحرمهم من ملك صَالح يختطفه من بَينهم فتشب الْفِتَن وتشرع السيوف وتهرق الدِّمَاء وَيفْعل الأقوياء مَا يشاؤون إِلَى أَن يهْلك المجرمون والعاصون جَمِيعًا فِي أتون تِلْكَ الْفِتَن ونزيف الدَّم ويخلو الْعَالم مِنْهُم ويصفو وَلَا مناص من أَن يهْلك وَالْحَال هَذِه عدد من الأبرياء بجريرة المذنبين فحين تشتعل النَّار فِي المقصبة فَإِنَّهَا تلتهم الْيَابِس كُله وقسما كَبِيرا من الْأَخْضَر أَيْضا بالمجاورة وَمن ثمَّ فَإِن الله بقدرته الربانية يخْتَص أحد عبَادَة بالسعادة وَالْملك ويمنحه مَا هُوَ أَهله من ثروة ونعمه ويهبه عقلا وعلما وَحِكْمَة يرْعَى بهَا من هم فِي إمرته ويسيرهم كل بِمَا يسْتَحق ثمَّ يضع كلا مِنْهُم فِي الْمحل وَالْمَكَان وَالْعَمَل الَّذِي يَلِيق بِهِ وَيصْلح لَهُ أما الوزراء والأكفاء من الرِّجَال فيختارهم من وسط الرّعية ويحلهم الدَّرَجَات والمنازل الرفيعة ويعتمد عَلَيْهِم فِي المهام الدِّينِيَّة والدنيوية ليجنب الرّعية الَّتِي سلكت سَبِيل الطَّاعَة وانصرفت إِلَى شؤونها وأعمالها الْخَاصَّة المتاعب والآلام ليقضوا حياتهم فِي رَاحَة وطمأنينة

стр. 4

فِي ظلّ عدله وَإِذا مَا ظهر من أحد الوزراء والعمال تَقْصِير وتطاول فارتدع بعد تأديبه ونصحه ومجازاته وَسدر عَن غيه وصحا من غفوته فَلَا بَأْس فِي الْإِبْقَاء عَلَيْهِ وَألا تجب تنحيته واستبداله بآخر لَائِق وَإِذا لم يقدر فريق من الرّعية النِّعْمَة والأمن والراحة والاستقرار حق قدرهَا فسولت لَهُم نُفُوسهم بالخيانة والتمرد وتجاوزوا حدودهم وأقدارهم فتنبغي مؤاخذتهم وتقريعهم بِقدر ذنوبهم ومجازاتهم ومعاقبتهم بِقدر جرمهم ثمَّ الْعَفو عَنْهُم وغض الطّرف عَمَّا حدث أما فِيمَا يتَّصل بالعمران فَيجب شقّ القناوات وإيجاد الجداول الجيدة النافعة وإنشاء القناطر والجسور على الْأَنْهَار الْكَبِيرَة الْعَظِيمَة وإحياء الْقرى والمزارع وإعمارها وَإِقَامَة الأسوار وتشييد المدن الجديدة وتأسيس الْأَبْنِيَة الشامخة والمجالس البديعة وَإِقَامَة الرَّبْط على الطّرق الرئيسة وَبِنَاء الْمدَارِس لطلاب الْعلم فَبِهَذَا كُله تخلد الْأَسْمَاء إِلَى الْأَبَد وينال ثَوَاب الْآخِرَة ويتوالى دُعَاء الْخَيْر وَبِمَا أَن الله تَعَالَى قضى أَن يكون هَذَا الْعَهْد مِثَالا لتواريخ العهود السالفة وزينة أَعمال الْمُلُوك الماضين وَأَن يهب الْخَلَائق سَعَادَة لم تكن لغَيرهم من قبل فقد أظهر سُلْطَان الْعَالم وَالْملك الْأَعْظَم من أصلين باسقين جمعا بِالْملكِ والسيادة كَابِرًا عَن كَابر إِلَى أفراسياب الْكَبِير وأنعم عَلَيْهِ بمكارم وجلائل لم تكن لأحد قبله من مُلُوك الأَرْض وأسبغ عَلَيْهِ تَعَالَى كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُلُوك من حسن الطلعة والخلق الْحسن وَالْعدْل والرجولة والشجاعة والفروسية وَالْعلم والتمرس بأنواع السِّلَاح وَالْأَخْذ بِكُل الْفُنُون والشفقة وَالرَّحْمَة بعباد الله وَالْوَفَاء بالنذور والوعود والتمسك بِالدّينِ الصَّحِيح والاعتقاد السَّلِيم والتفاني فِي طَاعَة الله تَعَالَى وتأدية الْفَضَائِل من مثل قيام اللَّيْل وَالصِّيَام تقربا واحترام عُلَمَاء الدّين وإكرام الزهاد والمتقين واستمالة الْعلمَاء والحكماء وبذل الصَّدقَات فِي اسْتِمْرَار وَالْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء والدراويش ومعاملة خدمه وعماله وَمن هم تَحت سلطته بِالْحُسْنَى وسجن الظَّالِمين من الرّعية وَلَا جرم فِي أَن الله تَعَالَى وهبه الْملك وَالسُّلْطَان جَزَاء وفَاقا لكفاءته وَحسن اعْتِقَاده وسخر لَهُ الدُّنْيَا وَبث هيبته وسلطته فِي شَتَّى الأقاليم حَتَّى يُؤَدِّي النَّاس كلهم لَهُ الْخراج ويأمنوا سطوته بتقربهم إِلَيْهِ

стр. 5

وَفِي حِين أَن عهود بعض الْخُلَفَاء مِمَّن رزقوا بسطة فِي الْملك وَالسُّلْطَان لم تخل فِي أَي وَقت من قلق وتخوف من خُرُوج الخارجين والمنشقين فَلَيْسَ فِي هَذَا الْعَهْد الْمُبَارك من أحد سَوَّلت لَهُ نَفسه بعصيان وتمرد أَو شقّ عَصا الطَّاعَة أدام الله هَذِه الدولة إِلَى يَوْم الدّين وجنبها حسد الحساد ليقضي النَّاس عمرهم فِي ظلّ عدل السُّلْطَان وَحكمه داعين لَهُ بِالْخَيرِ تمشيا مَعَ حَال الدولة الَّتِي أسلفنا فقد كَانَ لَهَا من الْعُلُوم والرسوم والآداب الحميدة مَا يُنَاسِبهَا وَبِمَا أَن الْعلم كالشمعة تنبثق مِنْهُ الْأَنْوَار من كل جَانب فقد خرج النَّاس بِنور الْعلم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَلم يحْتَج السُّلْطَان إِلَى أَي مشير أَو دَلِيل لكنه فكر وَقدر وَأَرَادَ أَن يمْتَحن النَّاس وَيعرف مَا هم فِيهِ من عقل وَعلم وَلما كَانَ السُّلْطَان أَمرنِي بتقييد بعض الْخلال الحميدة الَّتِي لَا غنى للملوك عَنْهَا وكل مَا كَانَ عَلَيْهِم الْقيام بِهِ وَلم ينجزوه وَمَا هُوَ مَقْبُول وَغير مَقْبُول فقد قُمْت امتثالا بِالْأَمر الْأَعْلَى بِجمع كل مَا رَأَيْته وسمعته وعرفته وقرأته ثمَّ كتبت هَذِه الْفُصُول الَّتِي يضم كل مِنْهَا مَا يُنَاسِبه بإيجاز وَعبارَة وَاضِحَة

стр. 6

الْفَصْل الثَّانِي فِي معرفَة الْمُلُوك قدر نعْمَة الله تَعَالَى إِن معرفَة قدر نعْمَة الله تَعَالَى تديم رِضَاهُ عز اسْمه الَّذِي يكون فِي الْإِحْسَان الى الْخلق وَنشر الْعدْل بَينهم فَفِي دُعَاء النَّاس بِالْخَيرِ تثبيت للْملك وازدهاره ومدعاة لتمتع الْملك بلسطانه وَملكه فيكسب بِهَذَا السمعة الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا والفوز فِي الْآخِرَة وَيكون حسابه يَسِيرا وَقد قَالَ عُلَمَاء الدّين الْملك يبْقى مَعَ الْكفْر وَلَا يبْقى مَعَ الظُّلم جَاءَ فِي الْأَخْبَار أَنه لما لَاقَى سيدنَا يُوسُف ﵇ وَجه ربه وَأَرَادُوا نَقله الى مقَام سيدنَا إِبْرَاهِيم ﵇ لدفنه فِي جوَار آبَائِهِ هُنَاكَ هَبَط جِبْرَائِيل ﵇ وَقَالَ ادفنوه هُنَا فَلَيْسَ مَكَانَهُ هُنَاكَ لِأَنَّهُ يجب أَن يسئل يَوْم الْقِيَامَة عَن الْملك الَّذِي كَانَ يديره إِن تكن هَذِه حَال يُوسُف النَّبِي فَمَا بالك بالآخرين وَورد فِي الْأَثر عَن النَّبِي ﷺ أَنه سيؤتى يَوْم الْقِيَامَة بِكُل من كَانَت لَهُ على النَّاس حُكُومَة وسلطة مغلول الْيَدَيْنِ فَإِن كَانَ عادلا فعدله هُوَ الَّذِي يفك قَيده ويدخله الْجنَّة وَإِن كَانَ ظَالِما فجوره هُوَ الَّذِي يبقيه مكبلا ويلقي بِهِ فِي النَّار وَورد عَنهُ ﷺ أَيْضا إِن كل من وكل فِي الدُّنْيَا بِأحد سَوَاء من النَّاس أم من أهل بَيته أم من هم من تَحت إمرته سيسئل عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة مِثْلَمَا يسئل الرَّاعِي عَن غنمه يُقَال أَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ سَأَلَ أَبَاهُ وَهُوَ يحتضر يَا أَبَت مَتى أَرَاك فَأجَاب فِي الدَّار الْآخِرَة فَقَالَ عبد الله أُرِيد قبل هَذَا قَالَ عمر ستراني فِي الْمَنَام اللَّيْلَة الأولى أَو الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة وَمَرَّتْ اثْنَتَا عشرَة سنة دون أَن يرَاهُ وَلما رَآهُ بعد ذَلِك قَالَ لَهُ يَا أَبَت ألم تقل أنني سأراك بعد ثَلَاث لَيَال

стр. 7

قَالَ عمر وَكنت مَشْغُولًا إِذْ كَانَت قنطرة قد انهارت فِي سَواد بَغْدَاد فتوانى أولو الْأَمر فِي إِعَادَة بنائها وَلما كَانَ قطيع من الْغنم يمر من عَلَيْهَا علقت رجل شَاة فِي أحد جحورها فَانْكَسَرت ومنذ ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْآن وَأَنا أُجِيب عَن ذَلِك وَفِي الْحَقِيقَة أَن سُلْطَان الْعَالم يدْرك أَنه سَوف يسئل فِي ذَلِك الْيَوْم الْعَظِيم عَمَّن هم تَحت أَمرته وَأَنه لن يسمع مِنْهُ إِذا مَا أحَال الْأَمر على شخص آخر فَمَا دَامَ الْأَمر كَذَلِك يَنْبَغِي عدم الْعَهْد بِهَذِهِ المهمة لأحد وَعدم الْغَفْلَة عَن شؤون الْخلق بل يجب الاستفسار عَن أَحْوَالهم فِي اسْتِمْرَار سرا وَعَلَانِيَة بِقدر المستطاع وَالْقَضَاء على التطاول وإنفاذ المظلومين من الظَّالِمين حَتَّى تؤتي هَذِه الْأَفْعَال أكلهَا فِي عَهده وتترى أدعية الْخَيْر لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة

стр. 8

الْفَصْل الثَّالِث فِي جُلُوس الْملك للمظالم والتحلي بالخصال الحميدة لَا بُد للْملك من الْجُلُوس للمظالم يَوْمَيْنِ فِي الْأُسْبُوع لاستلال الْعدْل من الظَّالِمين وأنصاف الرّعية وَالِاسْتِمَاع إِلَى مطالبها والبت فِي أهم الشكاوى الَّتِي تعرض عَلَيْهِ وإصدار حكمه فِيهَا فَمَا إِن يشيع فِي المملكة بِأَن الْملك يَسْتَدْعِي إِلَيْهِ المتظلمين وطلاب الْعدْل يَوْمَيْنِ أسبوعيا ليستمع إِلَى مطالبهم وتظلماتهم حَتَّى يخَاف الظَّالِمُونَ فيكفوا أَيْديهم عَن النَّاس وَلَا يَجْرُؤ أحد على الظُّلم والتمادي خشيَة الْعقَاب حِكَايَة فِي هَذَا الْمَعْنى قَرَأت فِي كتب الْمُتَقَدِّمين أَن أَكثر مُلُوك الْعَجم كَانُوا يُقِيمُونَ دكة مُرْتَفعَة فِي العراء ويقفون عَلَيْهَا ممتطين الْجِيَاد ليتمكنوا من رُؤْيَة جَمِيع المتظلمين الَّذين كَانُوا يَجْتَمعُونَ هُنَاكَ لإنصافهم وَكَانَ سَبَب هَذَا أَن الْملك كَانَ يجلس فِي مَكَان موصدة أبوابه وَهُوَ البلاط حَيْثُ الدهاليز والحجب والحجاب مِمَّا يُمكن ذَوي الْأَهْوَاء والظالمين من الْحَيْلُولَة دون وُصُول المتظلم إِلَيْهِ حِكَايَة أُخْرَى وَسمعت أَن أحد الْمُلُوك كَانَ ثقيل السّمع فَكَانَ يظنّ أَن النقلَة والحجاب لَا ينقلون إِلَيْهِ شكاوى المتظلمين فِي صدق ودقة مِمَّا كَانَ يحملهُ على إصدار أَحْكَامه وأوامره بِخِلَاف مقتضيات الْأُمُور لذا أَمر بِوُجُوب ارتداء المتظلمين ثيابًا حَمْرَاء على أَن لَا يرتدي غَيرهم مثلهَا حَتَّى يعرفهُمْ ثمَّ كَانَ يجلس على فيل فِي الصَّحرَاء وينادي كل من يرَاهُ بِثَوْبِهِ الْأَحْمَر

стр. 9

الى أَن يجمعهُمْ كلهم وَمن ثمَّ يجلس وحيدا ويستدعيهم وَاحِدًا وَاحِدًا مستفسرا عَن أَحْوَالهم بِصَوْت عَال وَيَقْضِي بأنصافهم لقد اتَّخذُوا كل هَذِه الاحتياطات ابْتِغَاء الدَّار الْآخِرَة وَحَتَّى لَا يظل شَيْء خافيا عَلَيْهِم يَعْقُوب بن اللَّيْث وَخَلِيفَة بَغْدَاد كَانَ من جملَة السامانيين أَمِير يدعى إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الَّذِي كَانَ عادلا جدا وَصَاحب خِصَال حميدة مِنْهَا الِاعْتِقَاد الْخَالِص بِاللَّه وَالْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء وَكَانَ إِسْمَاعِيل هَذَا أَمِيرا على بُخَارى وَكَانَت خُرَاسَان وَالْعراق وَمَا وَرَاء النَّهر كلهَا فِي حوزة آبَائِهِ وَمن مَدِينَة سجستان خرج يَعْقُوب بن اللَّيْث وَاسْتولى على كل سجستان ثمَّ مضى إِلَى خُرَاسَان وَاسْتولى عَلَيْهَا وَتوجه مِنْهَا إِلَى الْعرَاق وَاسْتولى عَلَيْهَا جملَة وَيُقَال أَن الدعاة خدعوه فَبَايع الإسماعيلية سرا وضغن على الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد ثمَّ جمع عَسَاكِر خُرَاسَان وَالْعراق وَتوجه إِلَى بَغْدَاد للْقَضَاء على الْخَلِيفَة وتقويض أَرْكَان الْبَيْت العباسي لما بلغ الْخَلِيفَة خبر توجه يَعْقُوب إِلَى بَغْدَاد أرسل إِلَيْهِ يَقُول لَا شَأْن لَك بِبَغْدَاد فَمن الصَّوَاب أَن تحتفظ بمناطق الْعرَاق الجبلية وخراسان وتتصرف بهَا حَتَّى لَا تنشب الْفِتَن والاضطرابات فلتعد لكنه لم يصدع لِلْأَمْرِ وَقَالَ لن أَعُود مَا لم أحقق أملا يراودني وَهُوَ الْقدوم إِلَى البلاط والمثول بَين يديكم وتجديد الْعَهْد لكم وعَلى الرغم من كَثْرَة رسل الْخَلِيفَة إِلَى يَعْقُوب فَإِنَّهُ لم يجد عَن جَوَابه الأول بل جمع العساكر واتجه صوب بَغْدَاد وَظن الْخَلِيفَة بِهِ ظن السوء واستدعى عُظَمَاء العاصمة بَغْدَاد وَقَالَ أرى أَن يَعْقُوب بن اللَّيْث شقّ عَصا الطَّاعَة وَهُوَ إِنَّمَا يَجِيء إِلَيْنَا فِي خِيَانَة لأننا لم نستدعه انه يتَقَدَّم وَأَنا أمره بالعودة لكنه لَا يعود إِنَّه يضمر خِيَانَة على

стр. 10

أَيَّة حَال وأحسب أَنه بَايع الباطنية لكنه لن يظْهر هَذَا قبل وُصُوله إِلَى هُنَا علينا أَلا نَكُون فِي غَفلَة من اتِّخَاذ الحيطة والحذر فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ فاتفقوا على أَن يخرج الْخَلِيفَة من الْمَدِينَة إِلَى الصَّحرَاء وَمَعَهُ خاصته وَجَمِيع حشمه وأعيان بَغْدَاد ويعسكر فِيهَا فَإِن كَانَ يَعْقُوب يضمر الْعِصْيَان فَلَنْ يُوَافقهُ جمع أَعْيَان خُرَاسَان وَالْعراق وقادة جيوشهما أَو يرْضوا عَمَّا يُرَاوِد فكره وَإِذا مَا أعلن الْعِصْيَان فَلَا مندوحة لنا من حِيلَة نستميل بهَا جَيْشه ألينا فَإِذا فشلنا فِي هَذَا وعجزنا عَن الصمود فِي قِتَاله فستكون الطَّرِيق أمامنا ممهدة نستطيع أَن نمضي مَعهَا إِلَى الْجِهَة الَّتِي نُرِيد لآننا لن نَكُون أسرى مَحْصُورين بَين أَرْبَعَة جدران وأعجبت أَمِير الْمُؤمنِينَ الخطة فنفذوها وَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُعْتَمد على الله أَحْمد لما وصل يَعْقُوب نزل قبالة معسكر الْخَلِيفَة وعسكر هُنَاكَ فاختلط العسكران مَعًا وَفِي الْيَوْم نَفسه أعلن الْعِصْيَان وَأرْسل إِلَى الْخَلِيفَة يَقُول سلم بَغْدَاد وامض إِلَى حَيْثُ تشَاء فاستمهله الْخَلِيفَة شَهْرَيْن فَأبى وَلما أرْخى اللَّيْل ستوره بعث الْخَلِيفَة رَسُولا إِلَى جَمِيع قادة جَيش يَعْقُوب يَقُول لقد أعلن يَعْقُوب عصيانه وانضم إِلَى الشِّيعَة وَمَا جَاءَ إِلَى هُنَا إِلَّا لتقويض أَرْكَان ملكنا وَالْقَضَاء علينا وإحلال أَعْدَائِنَا ومخالفينا محلنا أتقرونه على هَذَا أم لَا فَقَالَ فريق أَنه مصدر رزقنا وكل مَا نَحن فِيهِ من جاه ونعمة وعظمة سنفعل مَا هُوَ فَاعل وَقَالَ الغالبية لَا علم لنا بِمَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا كُنَّا نحسب أَن يَعْقُوب سيخالفه أبدا أما وَقد فعل فَلَنْ نوافقه بأية حَال وَعند اللِّقَاء فَنحْن مَعَك لَا مَعَه سنقاتل إِلَى جَانِبك وننصرك وَكَانَ هَؤُلَاءِ أُمَرَاء خُرَاسَان سر الْخَلِيفَة لما سمع جَوَاب قادة يَعْقُوب على هَذَا النَّحْو فَأرْسل إِلَيْهِ فِي الْيَوْم التَّالِي برباطة جأش يَقُول الْآن أبديت كفران النِّعْمَة فخالفتنا وانحزت إِلَى مخالفينا السَّيْف بيني وَبَيْنك لَا تخيفني قلَّة جندي وَكَثْرَة عسكرك فَالله نَاصِر الْحق معي وَذَاكَ الْجَيْش الَّذِي تملك جيشي ثمَّ أَمر جَيْشه بارتداء السِّلَاح فتهيأوا لِلْقِتَالِ وأعلنوا النفير وَخَرجُوا من معسكرهم وَاصْطَفُّوا فِي الصَّحرَاء لما سمع يَعْقُوب رِسَالَة الْخَلِيفَة على ذَلِك النَّحْو قَالَ الْآن أدْركْت بغيتي ثمَّ أَمر هُوَ بإعلان النفير أَيْضا وامتطى عسكره خيولهم ومضوا إِلَى الصَّحرَاء مجهزين وَاصْطَفُّوا إزاء جَيش الْخَلِيفَة وَجَاء الْخَلِيفَة من الْجَانِب الآخر وتمركز فِي الْقلب فِي حِين كَانَ يَعْقُوب فِي الْجَانِب الْمُقَابل ثمَّ أَمر الْخَلِيفَة رجلا قوي الصَّوْت أَن يقف بَين الصفين وَيَقُول بِأَعْلَى صَوته يَا معشر الْمُسلمين اعلموا أَن يَعْقُوب بن اللَّيْث أعلن الْعِصْيَان وَأَن غَرَضه من الْمَجِيء إِلَى هُنَا

стр. 11

الْقَضَاء على بني الْعَبَّاس والمجيء بمخالفيهم مكانهم ثمَّ تنحية أهل السّنة جانبا وَإِظْهَار الْبِدْعَة ان من يُخَالف الْخَلِيفَة إِنَّمَا يُخَالف رَسُول الله وان من يخرج عَن طَاعَة رَسُول الله ﵇ إِنَّمَا يخرج عَن طَاعَة الله وَعَن حوزة الْمُسلمين وَالله يَقُول فِي مُحكم كِتَابه الْعَزِيز ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ والآن من ذَا الَّذِي يُؤثر مِنْكُم الْجنَّة على النَّار وينصر الْحق ويدير للباطل ظَهره فَيكون مَعنا لَا مَعَ مخالفنا لما سمع عَسْكَر يَعْقُوب بن اللَّيْث هَذَا الْكَلَام خرج أُمَرَاء خُرَاسَان دفْعَة وَاحِدَة واتجهوا صوب الْخَلِيفَة وَقَالُوا ظننا أَنه إِنَّمَا كَانَ يَجِيء للمثول بَين يديكم امتثالا للْحكم وَالْأَمر وَالطَّاعَة أما وَقد أظهر التمرد والعصيان الْآن فَنحْن مَعَك نحارب إِلَى جَانِبك حَتَّى الرمق الْأَخير ولإحساس الْخَلِيفَة بقوته أَمر الْجند بِأَن يحملوا جملَة فَكسر يَعْقُوب من أول حَملَة وَانْهَزَمَ باتجاه خوزستان وَاسْتولى جَيش الْخَلِيفَة على معداته ومعسكره ونهبوها فأثروا بِمَا غنموا وَلما وصل يَعْقُوب إِلَى خوزستان بعث رسلًا إِلَى كل النواحي والأطراف فِي طلب العساكر والعمال يَأْمُرهُم بإحضار مَا فِي خَزَائِن خُرَاسَان وَالْعراق من أَمْوَال وَمن فضَّة وَذهب وَلما بلغ الْخَلِيفَة خبر مقَام يَعْقُوب بخوزستان أرسل إِلَيْهِ فِي الْحَال رَسُولا برسالة تَقول تبين لنا انك رجل طيب الْقلب غير أَنَّك خدعت بأقوال الْمُخَالفين دون أَن تفكر فِي عواقب الْأُمُور أَو لم تَرَ أَن الله تَعَالَى فعل فعلته فهزمك وجندك وصان آل بيتنا وحماهم إِن مَا حدث لم يكن سوى سَهْو خَفِي عَلَيْك أنني لعلى يَقِين بأنك قد صحوت الْآن من غفوتك وندمت على فعلتك لَيْسَ ثمَّة من هُوَ أجد مِنْك بإمارة الْعرَاق وخراسان وَلنْ نقدم عَلَيْك أحدا لما لَك علينا من حق خدمات كَثِيرَة تغْفر لَك مَا ارتكبته من خطأ فبمَا أننا غضضنا الطّرف عَن فعلتك وَكَأن شَيْئا لم يكن فَمَا عَلَيْك إِلَّا أَن تنسى الْمَوْضُوع وتمضي فِي أسْرع وَقت إِلَى الْعرَاق وخراسان وتتسلم أُمُور الْولَايَة هُنَاكَ وسأرسل إِلَيْك الْعَهْد واللواء والخلعة فِي أثر هَذِه الرسَالَة حَتَّى لَا يكون ثمَّة أَي اضْطِرَاب أَو فتْنَة لما قَرَأَ يَعْقُوب الرسَالَة لم يلن قلبه أبدا وَلم ينْدَم على فعلته لكنه أَمر بإحضار شَيْء من كراث وسمك وبصل على طبق من خشب ثمَّ بِإِدْخَال رَسُول الْخَلِيفَة وإجلاسه

стр. 12

وَبعد ذَلِك الْتفت نَحوه وَقَالَ إذهب وَقل للخليفة أَنا ابْن صفار تعلمت الصفارة عَن أبي كَانَ طَعَامي خبز الشّعير والسمك والبصل والكراث أما الْملك والكنوز والثروة فنلتها بجدي وجهدي وشجاعتي لَا إِرْثا عَن أبي وَلَا هبة مِنْك إِنَّه لن يقر لي قَرَار مَا لم أبْعث برأسك إِلَى المهدية وأقض على آلك فإمَّا أَن أنفذ مَا قلت وَإِمَّا أَن أبقى على مَا أَنا فِيهِ من أكل خبز الشّعير والسمك والبصل لقد فتحت الْكُنُوز واستدعيت الجيوش وهأنذا قادم فِي أثر هَذَا الرَّسُول وَهَذِه الرسَالَة وَبعث برَسُول الْخَلِيفَة وعَلى الرغم من كَثْرَة مَا أرسل الْخَلِيفَة من رسائل إِلَى يَعْقُوب فَإِنَّهُ لم ينثن عَن عزمه أَو يتراجع عَن مطلبه إِنَّمَا جمع الجيوش واتجه بهَا من خوزستان إِلَى بَغْدَاد وَلم يكد يقطع من الطَّرِيق سوى مراحل ثَلَاث حَتَّى أَصَابَهُ مغص أوصله إِلَى حَال أَيقَن مَعهَا أَن لَا خلاص لَهُ فِيهَا من الْأَلَم فعهد بِولَايَة الْعَهْد إِلَى أَخِيه عَمْرو بن اللَّيْث وَسلمهُ ثَبت الْكُنُوز ثمَّ أسلم الرّوح وَعَاد عَمْرو من هُنَاكَ متجها صوب مناطق الْعرَاق الجبلية وَمكث فِيهَا مُدَّة ثمَّ مضى مِنْهَا إِلَى خُرَاسَان وملكها جَمِيعًا بَاقِيا على طَاعَة الْخَلِيفَة كَانَ الْجَيْش والرعية يحبونَ عمرا أَكثر من يَعْقُوب لِأَنَّهُ كَانَ عالي الهمة معطاء وسياسيا يقظا وَقد بلغت مروءته وسخاوته حدا أَن مُؤَن مطبخه كَانَت تحْتَاج إِلَى أَرْبَعمِائَة بعير لحملها وَقس على هَذَا أما الْخَلِيفَة فَكَانَ يخْشَى أَن ينهج عَمْرو نهج أَخِيه وَيفْعل مَا فعل وَمَعَ أَن عمرا لم يكن يَدُور بخلده شَيْء من هَذَا الْقَبِيل إِلَّا أَن الْمَوْضُوع كَانَ يشغل تفكير الْخَلِيفَة الدَّائِم فَكَانَ يُرْسل إِلَى إِسْمَاعِيل بن أَحْمد ببخارى فِي اسْتِمْرَار أَن أخرج واحمل بجيشك على عَمْرو بن اللَّيْث وخلص الْملك مِنْهُ إِنَّك أَحَق بإمارة خُرَاسَان وَالْعراق اللَّذين كَانَا ملك آبَائِك سنوات عديدة بعد أَن استولوا عَلَيْهِمَا عنْوَة وَإنَّك صَاحب الْحق أَولا وخصالك حميدة ثَانِيًا وَأَنا أَدْعُو لَك ثَالِثا وَلست أَشك لهَذِهِ الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة فِي أَن الله تَعَالَى سينصرك عَلَيْهِ لَا تنظر إِلَى قلَّة عددك وجيشك بل أنظر إِلَى قَوْله ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ وَأثر كَلَام الْخَلِيفَة فِي نفس إِسْمَاعِيل بن أَحْمد فعقد الْعَزْم على الانتفاض على

стр. 13

عَمْرو بن اللَّيْث ثمَّ جمع مَا كَانَ لَدَيْهِ من جيوش وَعبر بِهِ نهر جيحون لهَذَا الْغَرَض وَأخذ يعد الْجند بِطرف سَوْطه فبلغوا عشرَة آلَاف كَانَت ركائب أَكْثَرهم خشبية حَتَّى أَنه لم يكن ثمَّة ترس وَاحِد مَعَ كل عشرَة مِنْهُم وَلَا درع وَاحِدَة مَعَ كل عشْرين وَلَا سهم وَاحِد مَعَ كل خمسين أما من كَانَ مِنْهُم بِغَيْر مَطِيَّة فَكَانَ يرْبط درعه بِحَلقَة سرج حصان آخر ثمَّ مضى بهم من مَدِينَة آموي إِلَى بَلخ لما اخبر عَمْرو بن اللَّيْث الَّذِي كَانَ آنذاك بنيسابور بعبور إِسْمَاعِيل بن أَحْمد جيحون ووصوله إِلَى بَلخ فِي طلب الْملك وبفرار شحنة سرخس ومرو جهز سبعين ألف رجل بكامل أسلحتهم وعددهم وَمضى بهم إِلَى بَلخ وَلما تقَابل الجيشان واشتبكا مَعًا هزم عَمْرو بن اللَّيْث عِنْد مشارف بَلخ وفر جُنُوده جَمِيعهم دون أَن يجرح أحد مِنْهُم أَو يؤسر أما عَمْرو نَفسه فَوَقع فِي قَبْضَة خصومه الَّذين مَا إِن اقتادوه إِلَى إِسْمَاعِيل حَتَّى عهد بِهِ إِلَى الحرس وَهَذَا النَّصْر من عجائب الدُّنْيَا حِين كَانَ أحد فِرَاشِي عَمْرو بن اللَّيْث السَّابِقين يتجول فِي المعسكر عصرا وَقعت عينه عَلَيْهِ فتألم وَتقدم نَحوه فَقَالَ لَهُ عَمْرو لقد تركت وحيدا فابق معي اللَّيْلَة وَقَالَ انني جَائِع فَهَل لَك أَن تهيئ لي شَيْئا آكله إِذْ لَا غنى للْإنْسَان عَن الطَّعَام مَا دَامَ حَيا واستطاع الْفراش أَن يحصل على من من اللَّحْم ثمَّ اسْتعَار مقلاة حديدية من الْجنُود وَأخذ يَدُور فِي كل جَانب إِلَى أَن جمع كمية قَليلَة من رَوْث الْحَيَوَانَات الجاف ثمَّ نصب ثَلَاث أثافي وَوضع عَلَيْهِ المقلاة ليقلي اللَّحْم وَتركهَا وَمضى فِي طلب شَيْء من الْملح وَكَانَ النَّهَار فِي أخرياته فَإِذا بكلب يَسْطُو على المقلاة لانتشال مَا فِيهَا فلذعت فَمه وَلما رفع رَأسه علقت حَلقَة المقلاة بعنقه ففر بهَا من شدَّة الْأَلَم لما رأى عَمْرو بن اللَّيْث هَذَا المنظر الْتفت نَحْو الْجند والحراس وَقَالَ لتعتبروا فَأَنا الَّذِي كَانَ يحمل مُؤَن مطبخي أَرْبَعمِائَة بعير كل صباح صرت إِلَى حَال ينهب فِيهَا كلب مَا لدي فِي لَحْظَة لَيْلًا وَقَالَ أَصبَحت أَمِيرا وأمسيت أَسِيرًا وَهَذِه من عجائب الدُّنْيَا أَيْضا

стр. 14

قصَّة عَمْرو بن اللَّيْث وأعجب من هَذَا الْحَال أَيْضا مَا كَانَ من أَمر الْأَمِير إِسْمَاعِيل وَعَمْرو بن اللَّيْث التَّالِي فَلَمَّا أسر عَمْرو الْتفت إِسْمَاعِيل نَحْو العظماء وَقَالَ ان الله هُوَ الَّذِي وهبني هَذَا النَّصْر وَلَيْسَ لأحد سواهُ عز اسْمه من فضل عَليّ فِي هَذِه النِّعْمَة وَقَالَ أَيْضا اعلموا أَن عَمْرو بن اللَّيْث كَانَ رجلا عالي الهمة معطاء كثير السِّلَاح وَالْعدة صَاحب رَأْي وتدبير يقظا فِي كل شَيْء وكريما عَارِف للحق إِنَّنِي أرى أَن أسعى جاهدا لإنقاذ حَيَاته وفكاكه من الْأسر فَقَالُوا الرَّأْي مَا يرَاهُ الْأَمِير يقْضِي بِمَا يرَاهُ مناسبا فَأرْسل إِسْمَاعِيل إِلَى عَمْرو بن اللَّيْث يَقُول ليهدأ بالك فأنني بصدد الشَّفَاعَة لَك لَدَى الْخَلِيفَة لإنقاذ حياتك وَلنْ أُبَالِي فِي أَن أنْفق كل مَا فِي خزينتي فِي هَذَا السَّبِيل لِتَقضي بَقِيَّة عمرك سالما لما سمع عَمْرو بن اللَّيْث هَذَا الْكَلَام قَالَ أنني أعلم ان لَا خلاص لي من هَذَا الْأسر أبدا وَأَنه لم يبْق من الْعُمر إِلَّا أَقَله وَأَن الْخَلِيفَة لن يرضى بِغَيْر موتِي بديلا وَلَكِن أرسل أَنْت يَا إِسْمَاعِيل شخصا ثِقَة أفضي إِلَيْهِ بِمَا لدي من كَلَام على أَن ينْقل إِلَيْك مَا يسمع مني فَعَاد رَسُول الْأَمِير اسماعيل وَأخْبرهُ بِكُل مَا قيل فَأرْسل إِسْمَاعِيل إِلَى عَمْرو بن اللَّيْث شخصا مُعْتَمدًا فِي الْحَال فَقَالَ لَهُ عَمْرو قل لإسماعيل إِنَّك لم تهزمني بل إِن تدينك واعتقادك وَحسن سيرتك وَعدم رضى أَمِير الْمُؤمنِينَ عني هِيَ الَّتِي هزمتني إِن الله هُوَ الَّذِي سلبني الْملك من جَدِيد ووهبك إِيَّاه وَأَنت بِهَذِهِ الْهِبَة وَالنعْمَة والخيرات جدير أما أَنا فقد قبلت قَضَاء الله وَحكمه وَلَا أبغي لَك سوى الْخَيْر لقد صرت الْآن إِلَى ملك جَدِيد دون أَن تكون لَك خَزَائِن وثروة فِي حِين أَن لي ولأخي كنوزا ودفائن كَثِيرَة معي ثَبت بهَا جَمِيعهَا وَقد وَهبتك إِيَّاهَا كلهَا لتَكون لَك ثروة تقَوِّي بهَا نَفسك وتهيئ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من عدَّة وعتاد وتملأ خزانتك ثمَّ أخرج الثبت من كمه وناوله الرَّسُول ليعطيه إِسْمَاعِيل فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول إِلَى إِسْمَاعِيل وَأعَاد على مسامعه كل مَا سمع وَوضع الثبت أَمَامه الْتفت إِسْمَاعِيل نَحْو وجهاء الْقَوْم وَقَالَ إِن عَمْرو بن اللَّيْث يُرِيد بحنكته وذكائه أَن يحرز قصب السَّبق على الأذكياء فيوقعهم فِي الفخ ويبتليهم بمحنة أبدية ثمَّ تنَاول الثبت وَألقى بِهِ أَمَام الرَّسُول وَقَالَ أعده إِلَيْهِ وَقل لَهُ إِنَّك تُرِيدُ بِمَا أَنْت فِيهِ من جلد وذكاء أَن تحرز قصب السَّبق على الْجَمِيع أَنى لَك ولأخيك هَذِه الْكُنُوز فوالدكما كَانَ صفارا وَقد ثقفتما هَذِه المهنة عَنهُ أما الْملك فَشَاءَتْ الأقدار أَن تصلوا إِلَيْهِ عنْوَة وتفقدوه تهورا وَأما كنوز

стр. 15

الذَّهَب وَالْفِضَّة فَلَيْسَتْ سوى مَا سلبتموه من النَّاس ظلما وَدون حق إِنَّهَا من أَثمَان مَا يغزل الشُّيُوخ والأرامل من النِّسَاء وَمن أقوات الغرباء والمسافرين وأموال الْيَتَامَى والضعفاء وسوف تسئلان غَدا أَمَام الله عَن كل صَغِيرَة مِنْهَا وتتحملان وحدكما عِقَاب الله وعذابه إِنَّك تُرِيدُ الْآن بذكائك ومكرك أَن تلقي على كاهلنا بِكُل هاتيك الْمَظَالِم حَتَّى إِذا مَا جاءكما الْخُصُوم يَوْم الْقِيَامَة يسْأَلُون مَا أَخذ مِنْهُم غصبا تقولان لَهُم أعطينا إِسْمَاعِيل كل مَا غصبنا مِنْكُم فَاسْأَلُوهُ عَنهُ فتحيلانهم عَليّ جَمِيعًا وَلَا طَاقَة لي آنذاك على جوابهم وعَلى غضب الله وسؤاله ورد الثبت إِلَيْهِ خشيَة من الله تَعَالَى وَلما كَانَ عَلَيْهِ من تدين وَلم تغره الدُّنْيَا الغرورة فَأَيْنَ من هَذَا صَنِيع وُلَاة هَذَا الزَّمَان الَّذين لَا يَخْشونَ لدينار حرَام وَاحِد من أَن يحلوا عشرَة محارم ويجعلوا عشرَة حُقُوق بَاطِلا دون النّظر فِي العواقب عدل إِسْمَاعِيل الساماني كَانَ من عَادَة إِسْمَاعِيل بن أَحْمد أَن يركب وحيدا فِي الْيَوْم الْبَارِد جدا الَّذِي تتساقط فِيهِ الثلوج بِكَثْرَة ويمضي إِلَى الميدان ويظل ممتطيا صهوة جَوَاده إِلَى صَلَاة الظّهْر وَكَانَ يَقُول رب متظلم لَا سكن لَهُ أَو نفقات يرغب فِي الْمَجِيء إِلَى الْقصر فِي حَاجَة لَهُ لكنه لَا يَسْتَطِيع الْوُصُول ألينا بِسَبَب الْبرد والثلج فينثني عَن الْمَجِيء وَيبقى حَيْثُ هُوَ وَإِذا مَا جَاءَ فَإِنَّهُ يتكبد مشاق كَثِيرَة أما إِذا مَا علم بوقوفنا هُنَا فسيجيء لَا محَالة فتقضى لَهُ حَاجته وَيعود بالسلامة وثمة حكايات كَثِيرَة من هَذَا الْقَبِيل لم يذكر إِلَّا قليلها وَلم يكن الحذر والحيطة فِيهَا إِلَّا خشيَة جَوَاب سُؤال الدَّار الْآخِرَة

стр. 16

الْفَصْل الرَّابِع فِي عُمَّال الْخراج والتقصي الدَّائِم لأحوالهم وأحوال الوزراء يجب أَن يُوصي عُمَّال الْخراج بِأَن يحسنوا مُعَاملَة خلق الله تَعَالَى وَألا يحصلوا مِنْهُم سوى مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِم من أَمْوَال حَتَّى هَذِه تجب الْمُطَالبَة بهَا بِرِفْق وأدب وَألا تُؤْخَذ مِنْهُم قبل جني المحاصيل وَالثِّمَار لَان فِي تَحْصِيلهَا قبل الأوان إرهاقا للزراع وتضييقا عَلَيْهِم يضطرهم إِلَى بيع محصولاتهم قبل أَوَان نضجها بِنصْف الثّمن وَفِي هَذَا من الظُّلم والجور مافيه وعَلى عُمَّال الْخراج أَن يقرضوا كل من يحْتَاج من النَّاس إِلَى البذار والأبقار مَالا يسد بِهِ حَاجته وَيَقْضِي بِهِ عوزه ليظل فِي حبور وطمأنينة وَيبقى فِي أرضه ووطنه لَا يغترب عَنْهُمَا حِكَايَة فِي هَذَا الْمَعْنى سَمِعت أَنه لما حل الْقَحْط الَّذِي دَامَ سبع سنوات فِي عهد الْملك قباذ وانقطعت خيرات السَّمَاء أَمر عماله بِبيع مَا كَانَ لديهم من غلات وَالتَّصَدُّق بِبَعْضِهَا ومساعدة الْفُقَرَاء من الخزينة وَبَيت المَال حَتَّى إِن شخصا وَاحِدًا لم يمت جوعا فِي أرجاء مَمْلَكَته فِي تِلْكَ الْمدَّة وَعلة هَذَا تحريه لعماله ومتابعته لَهُم وتوجيههم وتقريعهم وَيَنْبَغِي الاستفسار الدَّائِم عَن كل عَامل وتقصي أخباره فَإِن كَانَ يسير على النَّحْو الَّذِي ذكرنَا فليحتفظ بِهِ وَإِلَّا فليستبدل بآخر مُنَاسِب وَأَن كَانَ غصب النَّاس شَيْئا دون حق يجب اسْتِرْدَاده مِنْهُ ورده الى من غصبه مِنْهُم ثمَّ مصادرة مَا يتبقى لَدَيْهِ من مَال وتحويله إِلَى الخزينة وعزله بعد ذَلِك على أَلا يسند اليه أَي عمل الْبَتَّةَ ليَكُون عِبْرَة للآخرين من المتطاولين واللصوص

стр. 17

وَيجب الاستفسار عَن أَحْوَال الوزراء سرا لمعْرِفَة مَا إِذا كَانُوا يَسِيرُونَ الامور على النَّحْو الصَّحِيح أم لَا لَان صَلَاح الْملك والمملكة أَو فسادهما منوطة بهم فباستقامة الْوَزير وَحسن مسلكه إعمار للمملكة وتقدمها وإسعاد للرعية والجيش ورفاههما وراحة الْملك واطمئنانه وبانحراف الْوَزير يتسرب التصدع الَّذِي لَا يُمكن رأبه الى المملكة فتظل فِي اضْطِرَاب دَائِم ويظل الْملك حيران مضطربا بهْرَام جور والوزير الخائن يُقَال انه كَانَ لبهرام جور وَزِير يدعى راست روشن اعْتمد عَلَيْهِ وَسلمهُ كل مقاليد المملكة وَلم يكن يلْتَفت لكَلَام أحد فِيهِ أما هُوَ نَفسه فَكَانَ يجْرِي ليل نَهَار وَرَاء ملذاته من تنزه وصيد وشراب وَحدث أَن قَالَ راست روشن لوكيل بهْرَام جور مرّة ان الرّعية أخذُوا لِكَثْرَة عدلنا يتجرأون علينا ويتمادون فَإِذا لم يعاقبوا فإنني أخْشَى وَالْملك فِي شغل بِالشرابِ وَالصَّيْد عَن شؤون الرّعية أَن يحدث مَالا تحمد عقباه فلتعاقبهم أَنْت إِذن قبل أَن يفسدوا وعقابهم إِنَّمَا يكون بِأحد امرين أَحدهمَا التَّخَلُّص من الأشرار وَالْآخر غصب أَمْوَال الأخيار والفضلاء ولتقبض على من أُشير عَلَيْك بِهِ وَأخذ راست روشن كلما قبض وَكيل بهْرَام على أحد وحبسه يتدخل شخصيا وَيَأْخُذ مِنْهُ رشوة وَيَقُول للْوَكِيل أطلق سراح هَذَا إِلَى أَن نهبوا كل مَا كَانَ لَدَى النَّاس من أَمْوَال وخيول وغلمان وَجوَار وأملاك وضياع فأفقرت الرّعية وشتت الْفُضَلَاء والمشاهير وَلم يعد يدْخل الخزانة من شَيْء بعد مُضِيّ فَتْرَة على هَذَا طلع لبهرام جور أحد أعدائه فَأَرَادَ أَن يصل جَيْشه بصلات وهبات ويقويه ثمَّ يوجهه لمقابلة عدوه لكنه لما صَار الى الخزانه لم يجد فِيهَا شَيْئا وَلما سَأَلَ مشاهير الْمَدِينَة ورستاق الْبِلَاد ورؤسائهما قَالُوا لقد ترك فلَان وَفُلَان ممتلكاتهم وثروتهم مُنْذُ سنوات ومضوا إِلَى الْولَايَة الْفُلَانِيَّة فَقَالَ لماذا قَالُوا لَا نَدْرِي وَلم يَجْرُؤ أحد على أَن يَقُول لَهُ الْحَقِيقَة خوفًا من الْوَزير وَقضى بهْرَام جور يَوْمه وَلَيْلَته تِلْكَ يفكر فِي الْأَمر لكنه لم يسْتَطع الاهتداء إِلَى مَوَاطِن الْخلَل فَركب فِي الْيَوْم التَّالِي لقلقه واضطرابه إِلَى الصَّحرَاء وحيدا وَرَاح يقطعهَا بالتفكير حَتَّى أَنه لم يدر كَيفَ أَن الشَّمْس توسطت كبد السَّمَاء وَكَيف أَنه قطع سِتَّة أَو سَبْعَة فراسخ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر وغلبه الْعَطش فَاحْتَاجَ إِلَى جرعة مَاء وَلما مد بَصَره فِي الصَّحرَاء رأى دخانا يتصاعد من بعيد فَقَالَ لَا بُد من وجود أنَاس هُنَاكَ واتجه

стр. 18

نَحوه فَلَمَّا دنا من الْمَكَان وَرَأى قطيعا هاجعا من الْغنم وخيمة مَضْرُوبَة وكلبا مُعَلّقا تملكه الْعجب واقترب من الْخَيْمَة فَخرج مِنْهَا رجل سلم عَلَيْهِ وحياه وأنزله من على فرسه وَقدم إِلَيْهِ مَا كَانَ يحضرهُ من طَعَام دون أَن يعرف أَنه بهْرَام فَقَالَ بهْرَام أَخْبرنِي عَن أَمر هَذَا الْكَلْب قبل أَن أتناول الطَّعَام لاكون على بَيِّنَة مِنْهُ فَقَالَ الشَّاب كَانَ هَذَا الْكَلْب أميني على غنمي وَكنت اعْلَم أَنه يَسْتَطِيع لقدرته أَن يصاول عشرَة رجال ويتغلب عَلَيْهِم وَأَن أَي ذِئْب لم يكن يَجْرُؤ أَن يحوم حول القطيع خوفًا مِنْهُ حَتَّى إِنَّنِي كنت أذهب إِلَى الْمَدِينَة مَرَّات عديدة فِي شغل لي وأعود فِي الْيَوْم التَّالِي وَكَانَ هُوَ يرْعَى الْغنم وَيعود بهَا سَالِمَة وَمَضَت على هَذِه الْحَال مُدَّة فَلَمَّا عددت الْغنم يَوْمًا وَجدتهَا نَاقِصَة ثمَّ تبين لي أَن عَددهَا أَخذ يتناقص تدريجيا كل عدَّة أَيَّام وَلم أستطع أَن أفهم عِلّة هَذَا مَعَ أَنه لَا وجود للصوص هُنَا لقد وصلت الْحَال بالقطيع فِي تناقصه إِلَى حد أَن عَامل الضرائب جَاءَنِي وَأَرَادَ مِثْلَمَا هِيَ الْعَادة ضَرَائِب القطيع كُله فَدفعت كل مَا تبقى مِنْهُ ضَرَائِب والان أَنا رَاع لذَلِك الْعَامِل مَا حدث أَن الْكَلْب صَادِق ذئبة ثمَّ تزَوجهَا وَكنت فِي غَفلَة من أمره وَذَات يَوْم خرجت للاحتطاب وسلكت فِي عودتي طَرِيقا خلف مُرْتَفع كَانَ يطلّ على القطيع فرأيته يرْعَى وَإِذا بذئبة تعدو نَحوه حِينَئِذٍ اختفيت خلف أجمة شوك فَلَمَّا رأى الْكَلْب الذِّئْب هرع إِلَيْهَا وهز ذَنبه فوقفت فِي هدوء ووثب على ظهرهها وَقضى مِنْهَا وطره ثمَّ انتحى جانبا ونام فِي حِين راحت هِيَ تصول وتجول فِي الْغنم فقبضت على شَاة وافترستها دون أَن ينبح الْكَلْب أَو يُبْدِي حراكا لما رَأَيْت موقفه من الذئبة أدْركْت أَن مصدر بلائي لم يكن سوى تواطؤ الْكَلْب وانحرافه فقبضت عَلَيْهِ وعلقته بخيانته عجب بهْرَام جور لهَذَا الحَدِيث وَقطع طَرِيق عودته يفكر فِي الْأَمر فَانْتهى بِهِ تفكيره الى أَن رعيتنا هِيَ قطيعنا ووزيرنا هُوَ أميننا انني لأرى أُمُور المملكة فِي اضْطِرَاب وأحوال الرّعية فِي اختلال وانني كلما أسأَل أحدا لَا يصدقني القَوْل ويخفي عني الْحَقِيقَة والحل أَن أحقق فِي أَحْوَال الرّعية وراست روشن وَلما عَاد إِلَى مقره كَانَ أول مَا فعله أَن طلب لوائح المسجونين اليومية فَكَانَت كلهَا من فجائع راست روشن وجرائمه فأيقن آنذاك أَن الرجل لم يسس النَّاس بِالْحَقِّ بل سامهم ظلما وخسفا ثمَّ قَالَ هُوَ لَيْسَ راست روشن انه كذب وظلمة وَقَالَ مستشهدا بِأحد الْأَمْثَال

стр. 19

الْحق مَا قَالَت الْحُكَمَاء من أَن الْجُوع مصير كل من تخدعه شهرته ويركب غروره بهَا والعدم مصير كل من يخون الْخبز الَّذِي يَأْكُلهُ مَعَ الآخرين أَنا الَّذِي شددت أزر هَذَا الْوَزير حَتَّى يرَاهُ النَّاس بِهَذَا الجاه وَالْعَظَمَة لكِنهمْ لَا يجرؤون ألآن على أَن يفضوا إِلَيّ بِمَا فِي نُفُوسهم خوفًا مِنْهُ لَا بُد من أَن أَقبض عَلَيْهِ حِين يَأْتِي إِلَى الْقصر غَدا فأبدد حرمته وجلاله على مرأى وجهاء الْبِلَاد وعظمائها وامر بغله فِي الاغلال الثَّقِيلَة ثمَّ أستدعي السجناء وأسألهم عَن أَحْوَالهم وامر من يُنَادي فِي النَّاس لقد نحينا راست روشن عَن الوزارة وقبضنا عَلَيْهِ وحبسناه وَلم نعيده إِلَى الْعَمَل فعلى كل من ألحق بِهِ أَذَى أَو لَدَيْهِ شكاية ضِدّه أَن يَأْتِ إِلَيْنَا ويطلعنا على حَاله بِنَفسِهِ لننصفه مِنْهُ وَلَا بُد أَن النَّاس سيخبروننا بِكُل شَيْء بعد سَماع هَذَا فَإِن يكن سلوكه مَعَ النَّاس حسنا حميدا وَلم يغصب مِنْهُم مَالا بل شكروه وأثنوا عَلَيْهِ سأحسن مُعَامَلَته وأعيده إِلَى منصبه وَإِلَّا فسأعاقبه وأقتص مِنْهُ وَفِي الْيَوْم التَّالِي جلس بهْرَام جور للنَّاس وَجلسَ العظماء فِي الْمُقدمَة وَدخل الْوَزير وَاتخذ مَكَانَهُ فَالْتَفت بهْرَام جور نَحوه وَقَالَ مَا هَذَا الِاضْطِرَاب الَّذِي أوجدته فِي المملكة فقد أبقيت الْجَيْش دون سلَاح ومؤونة وأفقرت الرّعية لقد أمرناك أَن توصل أرزاق النَّاس إِلَيْهِم فِي أَوْقَاتهَا وَألا تغفل عَن إعمار الْبِلَاد وَألا تحصل من النَّاس إِلَّا مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِم من خراج وَأَن تملا الخزانة لكننا الان لَا نرى سوى خزينة خَالِيَة وجيش دون عتاد ومؤونه وأنقاض رعية لقد ظَنَنْت أنني شغلت بِالشرابِ وَالصَّيْد وأهملت شؤون المملكة وأحوال الرّعية وَأمر بتنحيته دون أَن تراعى لَهُ حُرْمَة فاقتيد إِلَى حجرَة وَوضعت الأغلال فِي قَدَمَيْهِ وَوضع على بَاب الْقصر مناديا يَقُول إِن الْملك عزل راست روشن عَن الوزارة وَغَضب عَلَيْهِ وَلنْ يوليه أَي عمل بعد فَمن كَانَ قد أوذي مِنْهُ أَو أَن لَدَيْهِ شكوى ضِدّه فليأت إِلَى الْقصر دونما خوفًا أَو وَجل للإفصاح عَن حَاله بِنَفسِهِ ختى ينصفه الْملك ثمَّ أَمر بِفَتْح أَبْوَاب السجْن حَالا وَجِيء إِلَيْهِ بالسجناء وَاحِدًا وَاحِدًا وَكَانَ يسألهم بِمَ سجنت قَالَ أحدهم كَانَ لي أَخ ثري وَكَانَت لَهُ أَمْوَال وخيرات جمة قبض عَلَيْهِ راست روشن وسلبه كل أَمْوَاله وعذبه إِلَى أَن مَاتَ وَلما سَأَلُوهُ لماذا قتلت هَذَا الرجل قَالَ كَانَت لَهُ مَعَ أَعدَاء الْملك مراسلات ثمَّ حَبَسَنِي حَتَّى لَا أشكوه وأتظلم مِنْهُ وَحَتَّى تظل هَذِه الْمَسْأَلَة طي الكتمان وَقَالَ اخر كَانَت لي مزرعة جميلَة جدا ورثتها عَن وَالِدي وَكَانَت لراست روشن

стр. 20

ضَيْعَة بجوارها وَلما دخل مزرعتي يَوْمًا راقت لَهُ فَأَرَادَ أَن يَشْتَرِيهَا لكنني لم أبعه فَقبض عَليّ وحبسني بِحجَّة إِنَّك تحب ابْنة فلَان فثبتت عَلَيْك الْخِيَانَة تخل عَن هَذِه المزرعة وأكتب بِنَفْسِك إِقْرَارا ينص على أَنه لَا حق لي فِي هَذِه المزرعة وَهِي ملك راست روشن غير أَنِّي لم أفعل وَالْيَوْم تمر خمس سنوات على سجني وَقَالَ اخر انني تَاجر كنت أجوب الافاق برا وبحرا وَكنت أَشْتَرِي بِمَا لدي من مَال مَا أَجِدهُ فِي أَيَّة مَدِينَة من نَوَادِر الْأَشْيَاء وأبيعه فِي مَدِينَة أخرة قانعا بِرِبْح قَلِيل وَاتفقَ أَن وَقعت على عقد لُؤْلُؤ عرضته للْبيع لما جِئْت هَذِه الْمَدِينَة فَلَمَّا بلغ الْوَزير الْخَبَر ارسل إِلَيّ يطلبني فَاشْترى العقد مني وأرسله إِلَى خزانته دون أَن يدْفع ثمنه وترددت عَلَيْهِ مَرَّات للسلام فَلم يبد مِنْهُ مَا يدل على أَنه يرغب فِي دفع ثمن العقد ونفد صبري وَكنت على أَبْوَاب سفر فَذَهَبت إِلَيْهِ يَوْمًا وَقلت إِن يكن العقد مناسبا فأرجو الايعاز بِدفع ثمنه وَإِلَّا فبرده فإنني عزمت على الْمسير فَلم يجيني وعدت إِلَى دَاري فَإِذا ب سرهنك وَأَرْبَعَة جنود راجلين فَقَالُوا لي هيا بِنَا فالوزير يطلبك فَفَرِحت وَقلت سيدفع ثمن العقد فَنَهَضت وَذَهَبت مَعَهم لكِنهمْ مضوا بِي إِلَى السجْن اللُّصُوص وَقَالُوا للسجان اسجن هَذَا الرجل وكبله بالأغلال الثَّقِيلَة ومنذ سنة وَنصف وَأَنا فِي السجْن وَقَالَ اخر أَنا رَئِيس النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة كَانَ بَيْتِي مَفْتُوحًا دَائِما فِي وَجه الضيوف والغرباء وَأهل الْعلم وَكنت أواسي النَّاس والمعوزين وأوزع الصَّدقَات والخيرات على الْمُسْتَحقّين باستمرار أُسْوَة بابائي من قبل وَكنت أنْفق مَا يَتَأَتَّى من أملاكي وضياعي الموروثة فِي سبل الْخَيْر والضيافة قبض عَليّ الْوَزير بِحجَّة أنني عثرت على كنز فعذبني وصادر أَمْوَالِي وأودعني السجْن وَكنت أبيع ملكي وضياعي للضَّرُورَة بِنصْف ثمنهَا وأعطيه إِيَّاهَا وَهَا هِيَ ذِي أَربع سنوات تمر على سجني وتكبيلي بالقيود وَلَا ألوي على شَيْء وَقَالَ اخر أَنا ابْن الزعيم فلَان صادر الْوَزير أَمْلَاك أبي وَقَتله بِشدَّة التعذيب ثمَّ حَبَسَنِي ومنذ سبع سنوات وَأَنا أعاني من عَذَاب السجْن وَقَالَ اخر أَنا عسكري خدمت وَالِد الْملك سنوات عديدة ورافقته فِي عدد من

стр. 21

أَسْفَاره وَكنت وَمَا أَزَال فِي خدمَة الْملك مُنْذُ سنوات وأتقاضى راتبي من الدُّيُون غير أَن شَيْئا مِنْهُ لم يصل إِلَيّ السّنة الْمَاضِيَة وقابلت الْوَزير هَذَا الْعَام وَقلت لَهُ انني صَاحب عِيَال لم يصل إِلَيّ راتبي فِي الْعَام المنصرم فادفعوه هَذِه السّنة لاسدد بِبَعْضِه مَا عَليّ من دُيُون وأعيش بِالْبَاقِي فَقَالَ لَيْسَ فِي نِيَّة الْملك أَن يحارب أحدا حَتَّى تكون لَهُ فِي الْجَيْش حَاجَة لذا ان وجودك وَوُجُود أمثالك وَعَدَمه فِي الْخدمَة سَوَاء إِن أردْت أَن تكسب عيشك فَعَلَيْك بالطيانة قلت لن أشتغل بالطيانة لَان لي على الدولة حقوقا أما أَنْت فَعَلَيْك ان تتعلم كَيْفيَّة تسيير شؤون الْملك انني فِي الضَّرْب بِالسَّيْفِ أمهر مِنْك فِي تنَاول الْقَلَم وأنني أفتدي الْملك بنفسي وَقت النزال وَلَا أعصي أوامره أما أَنْت فتقطع أرزاقنا من الدِّيوَان وَلَا تنفذ أوَامِر الْملك وَلست تَدْرِي أننا نَحن الِاثْنَيْنِ خدم لَهُ أَنْت فِي وزارتك وَأَنا فِي عَمَلي غير أَن الْفرق بَيْننَا هُوَ أنني أطيع الاوامر وأنفذها وَأَنت تعصاها وتنبذها ظهريا إِن يكن الْملك لَيْسَ فِي حَاجَة إِلَى أمثالي فَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَى أمثالك أَيْضا وان يَأْمر بِإِخْرَاج مثلي فَهُوَ لَا شكّ فَاعل بأمثالك أَيْضا إِن يكن لديك مرسوم ملكي بِحَذْف اسْمِي من الدِّيوَان فأرنيه وَإِلَّا فادفع مَا قدر الْملك لي من راتب فَقَالَ اخْرُج فَأَنا الَّذِي أحميك وأحمي الْملك ولولاي لكنتم طعمة للنسور مُنْذُ زمن بعيد وَفِي الْيَوْم نَفسه أودعني السجْن الَّذِي مرت عَليّ فِيهِ أَرْبَعَة شهور لقد كَانُوا أَكثر من سَبْعمِائة وَكَانَ أقل من عشْرين مِنْهُم سفاحين ولصوصا ومجرمين أما الْبَاقُونَ فَأُولَئِك هم الَّذين زج بهم الْوَزير بالسجن ظلما وعدوانا طَمَعا بِالْمَالِ وَمَا إِن سمع النَّاس فِي المدن والنواحي بِخَبَر مُنَادِي الْملك حَتَّى هرعت جموع المظلمين الغفيرة إِلَى الْقصر لما رأى بهْرَام جور حَال النَّاس وَمَا ألحقهُ بهم الْوَزير من ظلم وعنت وإجحاف قَالَ فِي نَفسه إِن فَسَاد الرجل فِي المملكة أَكثر مِمَّا أرى انه يفوق الْوَصْف ان جرأته على الله تَعَالَى وعَلى عباده وَعلي بلغت حدا أكبر مِمَّا كنت أَظن يجب التَّأَمُّل فِي المسالة بعمق أَكثر ثمَّ أَمر بالذهاب إِلَى سراي راست روشن وإحضار جَمِيع دفاتره وإغلاق أَبْوَاب السراي جَمِيعهَا وشمعها وَذهب رجال الْملك المعتمدون فنفذوا الْأَمر واحضروا الدفاتر وَفِي حِين كَانُوا ينظرُونَ فِيهَا وجدوا أَحدهَا يغص برسائل بعث بهَا أحد الْمُلُوك إِلَى

стр. 22

راست روشن يُخبرهُ بِخُرُوجِهِ على بهْرَام جور والتوجه نَحوه ووجدوا رِسَالَة بِخَط راست روشن مُرْسلَة إِلَيْهِ فِيهَا مَا هَذَا التباطؤ فقد قَالَت الْحُكَمَاء الْغَفْلَة تدمر الدولة لقد عملت لهواي مَعَك وطاعتي إياك كل مَا بوسعي فكسبت فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا من قادة الْجَيْش إِلَى جَانِبي وَأخذت لَك الْبيعَة مِنْهُم وَجعلت أَكثر الْجَيْش دون مؤونة وعتاد وَأرْسلت بعضه إِلَى أَمَاكِن ونقاط أُخْرَى فِي مهام لَا طائل من وَرَائِهَا أما الرّعية فجوعتها وأضعفتها وَفرقت شملها وشتت الكثيرين مِنْهَا وَأما مَا اسْتَطَعْت جمعه فِي هَذِه الْمدَّة من أَمْوَال فَهُوَ لَك ولخزانتك الَّتِي لَا قبل لأي ملك بهَا وأعددت لَك تاجا ومنطقة وجبة مرصعة لم ير أحد مثلهَا إِن حَياتِي مهدده بالخطر من هَذَا الرجل الْملك بهْرَام الميدان خَال والخصم لاه فاغتنم الفرصة وسارع بالمجيء قبل أَن يصحو الرجل من غفوته لما رأى بهْرَام جور الرسائل قَالَ اه إِنَّه هُوَ الَّذِي ألب علينا هَذَا الْخصم الَّذِي يتَقَدَّم الان بعد أَن غرر بِهِ وَلَيْسَ ثمَّة من شكّ فِي خبث معدنه وعداوته ومخالفته لنا وَأمر بتحويل ثروته كلهَا إِلَى الخزانة والاستيلاء على عبيده ومواشيه اما مَا أَخذه من النَّاس رشوة فَأمر بِأَن تبَاع أملاكه وضياعه ليسترد النَّاس أسلابهم مِنْهَا وَأما قصره ومتاعه فدكت دكا ثمَّ أَمر انذاك بِإِقَامَة مشنقة عالية على بَاب قصره وَثَلَاثِينَ أُخْرَى خلفهَا وَكَانَ راست روشن أول من علق عَلَيْهَا تَمامًا مِثْلَمَا علق ذَلِك الرجل الَّذِي تقدم خَبره كَلْبه وَمن ثمَّ علق أَتْبَاعه وَمن دخلُوا فِي بيعَته وَأمر الْملك مناديا يُنَادي لمُدَّة سَبْعَة أَيَّام هَذَا جَزَاء من يَحِيق بِالْملكِ سوءا وينحاز إِلَى أعدائه ويوافقهم ويؤثر الْخِيَانَة على الْأَمَانَة وَيظْلم الْعباد ويتجرأ على الله وعَلى أسياده بعد هَذَا الْجَزَاء الرادع خَافَ المفسدون الْملك بهْرَام الَّذِي عزل كل من عينهم راست روشن أَو ولاهم شغلا وَلم يولهم أَي عمل بعد وَأعَاد كل من نحاهم عَن مراكزهم إِلَيْهَا وَبدل جَمِيع الْكتاب وحكام الولايات وَلما وصل الْخَبَر إِلَى الْملك الَّذِي كَانَ قد خرج على بهْرَام جور وَتوجه إِلَيْهِ عَاد من حَيْثُ وصل نَادِما على فعلته ثمَّ أرسل الْأَمْوَال والهدايا الثمينة إِلَى الْملك بهْرَام ملتمسا الْعذر مُعْلنا الطَّاعَة وَقَالَ ان عصيان الْملك لم يخْطر لي ببال قطّ بل ان وزيركم هُوَ الَّذِي جعلني أسلك هَذِه الطَّرِيق لِكَثْرَة مَا كَانَ يكْتب من رسائل وَيُرْسل من رسل وَفِي ظَنِّي أَنه

стр. 23

لم يكن سوى مجرم يبْحَث لَهُ عَن ملْجأ وَقبل الْملك بهْرَام عذره وَصرف النّظر عَن الْمَسْأَلَة ثمَّ قلد الوزارة رجلا حسن الِاعْتِقَاد يخْشَى الله فانتظمت شؤون الْجَيْش والرعية واستقامت الْأَعْمَال وَصَارَت الْبِلَاد إِلَى الْعمرَان وتخلص النَّاس من الْجور وَالظُّلم اما عَن الرجل الَّذِي علق كَلْبه فَكَانَ الْملك بهْرَام حِين خرج من خيمته يُرِيد العودة أخرج من كِنَانَته سَهْما أَلْقَاهُ أَمَامه وَقَالَ أكلت طَعَامك وَعرفت مَا نزل بك من أَذَى وأصابك من ضَرَر فَإِن لَك عَليّ لَحقا إعلم أنني أحد حجاب الْملك بهْرَام جور وان كل كبار رجال قصره وحجابه أصدقائي وهم يعرفونني جيدا عَلَيْك أَن تذْهب إِلَى قصر الْملك بهْرَام بِهَذَا السهْم فَإِن كل من سيراه مَعَك سَيَأْتِي بك إِلَيّ لكَي أَقْْضِي لَك بِشَيْء يعوض عَلَيْك شَيْئا مِمَّا لحق بك من ضَرَر وَعَكَفَ رَاجعا بعد أَيَّام قَالَت زوج ذَلِك الرجل لَهُ أنهض وامض إِلَى الْمَدِينَة وَخذ السهْم مَعَك فَلَا إخال ذَلِك الْفَارِس بطلعته تِلْكَ إِلَّا رجل ثريا ووجيها حَتَّى لَو أَعْطَاك شَيْئا قَلِيلا فَإِنَّهُ كثير علينا فِي هَذِه الْأَيَّام إذهب وَلَا تتوان فَكَلَام الرجل لم يكن جزَافا فَنَهَضَ الرجل وَمضى إِلَى الْمَدِينَة ونام ليلته تِلْكَ ثمَّ ذهب فِي صباح الْيَوْم التَّالِي إِلَى قصر الْملك بهْرَام الَّذِي كَانَ أوصى حجاب قصره وَمن فِيهِ إِذا مَا أم الْقصر رجل باوصاف كَذَا وَكَذَا ورأيتم سهمي بِيَدِهِ فأتوني بِهِ حَالا لما راى الْحجاب الرجل والسهم مَعَه نادوا عَلَيْهِ وَقَالُوا أَيْن أَنْت أَيهَا الرجل الْحر فَنحْن فِي انتظارك مُنْذُ أَيَّام استرح هُنَا إِلَى أَن نأخذك إِلَى صَاحب هَذَا السهْم وَمَضَت فَتْرَة خرج بعْدهَا بهْرَام جور وَجلسَ على سَرِيره وَعقد الْمجْلس فَأخذ الْحجاب بيد الرجل وأدخلوه إِلَى الْمجْلس فَوَقَعت عينه على الْملك وعرفه وَقَالَ اه لقد كَانَ الْملك بهْرَام ذَلِك الْفَارِس وَلم أقِم بِالْوَاجِبِ الْمَطْلُوب نَحوه فضلا عَن أنني كنت أحدثه بجسارة لَعَلَّه أَلا يكون قد ضغن عَليّ وَلما قربه الْحجاب من سَرِير الْملك وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ الْتفت بهْرَام جور نَحْو العظماء وَقَالَ لقد كَانَ هَذَا الرجل سَبَب تنبهي لأحوال المملكة وقص عَلَيْهِم قصَّة الْكَلْب والذئبة ثمَّ قَالَ وتفاءلت بِهَذَا الرجل ثمَّ أَمر لَهُ بخلعة وَسَبْعمائة شَاة كَبِيرَة ينتخبها هُوَ بِنَفسِهِ وَلَا يدْفع عَنْهَا ضريبة طوال حَيَاة بهْرَام جور

стр. 24

لقد هزم الاسكندر دَارا لِأَن وَزِير الْأَخير تحالف سرا مَعَ الأول قلبا وقالبا وَلما قتل دَارا قَالَ الْإِسْكَنْدَر قد انهار الْملك بغفلة الْأَمِير وخيانة الْوَزير على الْملك أَي ملك أَلا يغْفل عَن أَحْوَال عماله فِي أَي وَقت وَعَلِيهِ أَن يتقصى تصرفاتهم وسلوكهم وسيرهم دَائِما ويتحراها وَإِذا مَا بَدَت مِنْهُم خِيَانَة أَو انحراف تجب تنحيتهم وعزله ومعاقبة كل مِنْهُم بِقدر ذَنبه وجرمه ليكونوا عِبْرَة للأخرين وَحَتَّى لَا تسول لأحد نَفسه بِالْملكِ سوءا خوفًا من الْعقُوبَة أما أَصْحَاب المناصب الهامة الرفيعة فَيجب أَن يعين عَلَيْهِم من يراقبهم سرا دون أَن يعلمُوا ليكونوا على اطلَاع دَائِم بأعمالهم وأحوالهم فقد قَالَ أرسطو طاليس للإسكندر الْملك لَا تسند أَي منصب لأهل الْقَلَم فِي مملكتك بعد إيذائهم لأَنهم سيتواطئون مَعَ أعدائك ويتحالفون سرا ويعملون على هلاكك وَقَالَ أبرويز الْملك على الْملك أَلا يعْفُو عَن ذنُوب أَرْبَعَة من النَّاس الطامع فِي ملكه والطامع فِي حرمه وَالَّذِي يذيع أسراره وَلَا يكتمها وَمن هُوَ مَعَه بِلِسَانِهِ وَمَعَ أعدائه بِقَلْبِه يكيد لَهُ سرا إِن فعل الْمَرْء يدل على سره وَالْملك اليقظ لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء أَو يفوتهُ

стр. 25

الْفَصْل الْخَامِس فِي المستقعطين والتحقق من معاملتهم الرّعية ليعلم المستقطعون أَن لَا شان لَهُم على الرعايا سوى تَحْصِيل الْأَمْوَال الْمُسْتَحقَّة عَلَيْهِم بِالْحُسْنَى على أَن يَكُونُوا بعد ذَلِك امنين على أنفسهم واموالهم وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وضياعهم وَمَا يملكُونَ دون ان يكون لأَصْحَاب الإقطاعات عَلَيْهِم من سَبِيل أَو أَن يمنعوهم من الذّهاب إِلَى الْقصر لبسط أَحْوَالهم بانفسهم إِذا مَا رَغِبُوا فِي ذَلِك أما من لَا يلْتَزم بِهَذَا أَو يتَقَيَّد بِهِ فَيَنْبَغِي الضَّرْب على يَده وَنزع إقطاعاته مِنْهُ ومجازاته ليَكُون عِبْرَة للأخرين على أَصْحَاب الإقطاعات أَن يعلمُوا أَيْضا أَن الْملك والرعية جَمِيعًا فِي حَقِيقَة الْأَمر للسُّلْطَان وَعَلَيْهِم وعَلى الْوُلَاة وهم رُؤَسَاء ومسؤولون أَن يعاملوا النَّاس مُعَاملَة الْملك للرعية ليحظوا بتأييده وقبوله ويسلموا من عِقَابه وينجوا من عَذَاب الأخرة حِكَايَة الْملك الْعَادِل أنوشروان يُقَال انه لما توفّي قباذ الْملك تولى ابْنه أنوشروان الْعَادِل الْملك من بعده وعمره ثَمَانِي عشرَة سنة لقد كَانَ الْعدْل متأصلا فِيهِ مُنْذُ نعومة أَظْفَاره فَكَانَ يُقَابل الإساءه بالإساءة وَالْإِحْسَان بِالْإِحْسَانِ وَكَانَ يَقُول إِن وَالِدي ضَعِيف رَأْيه طيب قلبه يخدع بِسُرْعَة سلم مقاليد المملكة لعمال وولاة يَفْعَلُونَ مَا يشاؤون فخربت الْبِلَاد ونفذت خزائنها الَّتِي نهبوا مَا فِيهَا من أَمْوَال اما هُوَ فَلم يعلق بِهِ ويبق لَهُ سوى الظُّلم والسمعة السَّيئَة

стр. 26

لقد خدع مرَّتَيْنِ الأولى باقوال مزدك ذِي الِاعْتِقَاد السيىء وَالْمذهب الْخَبيث وحيله وَالْأُخْرَى بيد الْعَامِل فلَان والوالي فلَان اللَّذين دمرا الْولَايَة بِمَا فرضاه عَلَيْهَا من ضَرَائِب بَاطِلَة أفقرت الرّعية وضيقت عَلَيْهَا الخناق لقد خدعاه لحبه المَال ببدرة ذهب أحضراها إِلَيْهِ ففرح بهَا كثيرا دون أَن يفكر بكثرتها أَو يسال الْوَالِي مثلا أَنْت أَمِير تِلْكَ الْولَايَة وواليها وَقد أنفذت إِلَيْك مبالغ من المَال رواتب ونفقات لَك لمن مَعَك أرى أَنَّك غصبتهم أعطياتهم وَإِلَّا فانى لَك هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي أحضرتها إِلَيّ وَهَذَا النَّعيم والثروة الطارئة الَّتِي لَا عهد لَك بهَا من قبل أوليست هِيَ الْأَمْوَال الَّتِي استوليت عَلَيْهَا من النَّاس ظلما وعدوانا أَو وَأَن يَقُول لِلْعَامِلِ ان أَمْوَال الْولَايَة على أَقسَام بَعْضهَا مَا أنفقته فِي سبل الْخَيْر والاخر مَا دفعت بِهِ إِلَى خزينة الدولة فَمن أَيْن لَك هَذِه المبالغ الَّتِي أَرَاهَا مَعَك أليست الْأَمْوَال الَّتِي أَخَذتهَا دون حق إِن وَالِدي نَفسه لم يكن يتحَرَّى الْأُمُور أَو يدقق فِيهَا حَتَّى يَسْتَقِيم الاخرون فِي أَعْمَالهم وَمَرَّتْ ثَلَاث أَو أَربع سِنِين على حكم أنوشروان وَأَصْحَاب الإقطاعات والولاة والحكام ماضون فِي تجاوزهم وتماديهم وجموع المتظلمين تترى على الْقصر تَشْكُو وتصرخ وتتظلم وَذَات يَوْم جلس أنوشروان الْعَادِل للمظالم فَحَضَرَ جَمِيع رجالات المملكة وأعيانها ثمَّ اسْتَوَى الْملك على سَرِيره فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ اعلموا أَن الله هُوَ الَّذِي وهبني الْملك أَولا وانني ورثته عَن وَالِدي ثَانِيًا وَأَن عمي خرج عَليّ فحاربته واسترجعت الْملك مِنْهُ بِالسَّيْفِ ثَالِثا وَلما ملكني الله الْملك جعلت لكم فِيهِ نَصِيبا فوليت كلا مِنْكُم ولَايَة وَلم أغمط أحدا فِي هَذِه الدولة حَقه بل كَانَ لكل نصيب وأبقيت الْكِبَار والمعروفين مِمَّن كَانَت لَهُم الْولَايَة والمقامات الرفيعة فِي عهد وَالِدي فِي مناصبهم وَلم أبخسهم أَرْزَاقهم وأشياءهم لقد أوصيتكم وَمَا أَزَال بِالنَّاسِ خيرا فِي الْمُعَامَلَة وَحسن التَّصَرُّف وَعدم تَحْصِيل الْأَمْوَال من ضَرَائِب وخراج إِلَّا بِالْحَقِّ أحفظ لكم حرماتكم وأصونها وَلَا تصونون بل تعرضون عَن كَلَامي لَا تخشون الله وَلَا تستحون من الْعباد إِنَّنِي أَخَاف عِقَاب الله وعذابه واخشى أَن تكون عَاقِبَة ظلمكم وبالا على عهدي إِن الْعَالم صَاف من الْأَعْدَاء والمخالفين وَأَنْتُم فِي رَاحَة وكفاف عَيْش والانصراف إِلَى شكر الله وحمده على نعمه الَّتِي وهبنا جَمِيعًا هُوَ البديل الوحيد وَالْأَفْضَل للظلم وكفران النِّعْمَة وجحودها فالظلم يقوض الْملك وكفران النِّعْمَة يمحقها

стр. 27

عَلَيْكُم مُنْذُ الان أَن تحسنوا مُعَاملَة خلق الله وتخففوا الْوَطْء على الرّعية وَألا تُؤْذُوا الضُّعَفَاء وَأَن ترعوا للْعُلَمَاء والحكماء حرماتهم وتخالطوا الأخيار وتجالسوهم وتتجنبوا الأشرار وعشراء السوء وَألا تسيئوا إِلَى الْمُتَّقِينَ والزهاد وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته على نَفسِي بانني سأنحيي كل من لايسير على هَذَا النهج وَلنْ أبقيه فَقَالُوا جَمِيعًا سمعا وَطَاعَة سننفذ هَذَا بحذافيره وَبعد أَيَّام عَاد الْجَمِيع إِلَى أَعْمَالهم واستمروا فِي ديدنهم السَّابِق ظلما ونهبا غير ابهين بأنوشروان الَّذِي مَا انفكوا يعدونه طفْلا وَكَانَ كل وَاحِد من أُولَئِكَ العصاة يظنّ أَنه هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى الْعَرْش وَأَن بَقَاءَهُ ملكا أَو عَدمه رهن إِرَادَته وَلزِمَ أنوشروان الصمت وَسكت عَنْهُم سنوات على مضض كَانَ لأنوشروان قَائِد كَبِير هُوَ وَالِي أذربيجان الَّذِي لم يكن فِي المملكة كلهَا أَمِير أَو قَائِد أقوى مِنْهُ أَو أَكثر نعْمَة وَلم يكن لأحد مَا كَانَ لَهُ من الات وَعدد وجند وممتلكات وَكَانَ مِمَّا يُرَاوِد نفس ذَلِك الْقَائِد أَن يُقيم لنَفسِهِ مقرا وبستانا فِي ضواحي الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ فِيهَا لقد كَانَت فِي تِلْكَ الْبقْعَة قِطْعَة أَرض لإمرأة عَجُوز لَا يتَجَاوَز نتاجها السنوي حِصَّة الْملك وزارعها وشيئا ضئيلا يبْقى لَهَا هُوَ عبارَة عَن أَرْبَعَة أرغفة من خبز الشّعير يوميا على مدَار السّنة كلهَا فَكَانَت الْعَجُوز تشتري بأحدها طَعَاما وباخر زيتا لسراجها وتحتفظ بالثالث لفطورها وَالرَّابِع والأخير لعشائها وَكَانَ النَّاس يتصدقون عَلَيْهَا بملابسها وثيابها وَلم تكن المسكينة تَبْرَح بَيتهَا وَكَانَت تقضي عمرها فِي مشقة وفاقة وعوز وَرَأى الْقَائِد أَنه من الْمُنَاسب أَن يضم قِطْعَة الأَرْض تِلْكَ لتصبح فِي جملَة بستانه وقصره فَأرْسل إِلَى الْعَجُوز شخصا يَقُول لَهَا بيعيني قِطْعَة أَرْضك فإنني فِي حَاجَة إِلَيْهَا قَالَت لَا أبيعها فإنني أحْوج إِلَيْهَا لأنني لَا أملك من الدُّنْيَا سواهَا وَمِنْهَا أعيش وَالْإِنْسَان لَا يَبِيع مصدر رزقه قَالَ ادْفَعْ إِلَيْك ثمنهَا أَو أعوضك بهَا قِطْعَة أُخْرَى تعدلها محصولا قَالَت الْعَجُوز إِن أرضي هَذِه حَلَال ورثته عَن وَالِدي وَهِي قريبَة من مصدر الْمِيَاه وانني على وفَاق مَعَ جيراني الَّذين يحترمونني ويحبونني وَلَيْسَت لأرضك هَذِه الميزات فَكف عَن أرضي غير أَن الْقَائِد لم يعر اهتماما لكلامها بل استولى على الأَرْض ظلما وعنوة وسحب عَلَيْهَا سور بستانه وَضمّهَا إِلَيْهِ فأسقط فِي يَد الْمَرْأَة ورضخت لقبُول ثمن الأَرْض أَو ابدلها وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا امامة قائلة الثّمن أَو البديل فَلم يصغ إِلَيْهَا أَو يُكَلف نَفسه

стр. 28

النّظر فِيهَا وَلم يأبه بهَا وَخرجت من عِنْده قانطة وَلم يعد يسمح لَهَا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ لَكِنَّهَا ظلت تجْلِس لَهُ فِي الطَّرِيق كلما ركب للتنزه وَالصَّيْد وتصرخ فِي وَجهه حِين يقترب مُطَالبَة بِثمن الأَرْض فَكَانَ يمر عَنْهَا دون أَن يُجيب بِشَيْء وَإِذا مَا طلبت إِلَى خاصته وندمائه وحجابه أَن ينقلوا إِلَيْهِ طلبَهَا قَالُوا نعم سنقول لَكِن أحدا لم يكن يَقُول لَهُ شَيْئا وَمَضَت على هَذَا الْمَوْضُوع سنتَانِ واملقت الْعَجُوز وَلم تَجِد من ينصفها ونفضت يَدهَا مِنْهُ وَقَالَت فِي نَفسهَا إِنَّنِي أضْرب فِي حَدِيد بَارِد مَا من يَد إِلَّا وَجعل الله يدا فَوْقهَا وأخيرا أَمَام جبروت خَادِم أنوشروان الْعَادِل وَعَبده والحل أَن أتحمل مشاق السّفر وأذهب إِلَى الْمَدَائِن وادخل إِلَى أنوشروان وأعلمه حَقِيقَة حَالي فقد أجد عِنْده إنصافا وَدون ان تخبر احدا مَضَت فَجْأَة من أذربيجان إِلَى الْمَدَائِن متحملة الْمَشَقَّة والتعب فَلَمَّا رات قصر أنوشروان قَالَت فِي نَفسهَا من ذَا الَّذِي سيتيح لي الدُّخُول إِلَى هُنَا إِنَّه لم يكن يسمح لي بِدُخُول سراي وَالِي أذربيجان وَهُوَ خَادِم الْملك فَكيف يُمكن أَن يسمح لي بِالدُّخُولِ إِلَى قصر الْملك نَفسه والمثول بَين يَدَيْهِ وَهُوَ سيد الدُّنْيَا باسرها إِن من الْأَفْضَل ان آوي إِلَى مَكَان قريب هُنَا وأكتم أَمْرِي فَرُبمَا أَسْتَطِيع أَن أظفر بلقاء الْملك وَهُوَ خَارج وأقص عَلَيْهِ قصتي وَحدث أَن جَاءَ الْقَائِد الَّذِي سلبها أرْضهَا إِلَى الْقصر وعزم أنوشروان على الْخُرُوج للصَّيْد ولقفت الْعَجُوز خبر خُرُوج الْملك للصَّيْد إِلَى الْمَكَان الْفُلَانِيّ فِي يَوْم كَذَا فمضت واخذت تسْأَل هُنَا وَهُنَاكَ إِلَى أَن وصلت إِلَى ذَلِك الْمَكَان بِمَشَقَّة وَجهد وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا خلف دمنة هُنَاكَ ونامت لَيْلَتهَا تِلْكَ وَفِي الْيَوْم التَّالِي وصل أنوشروان وتفرق من كَانَ مَعَه من كبار القادة فِي طلب الصَّيْد وَبَقِي هُوَ يتجول قي الْمَكَان وَمَعَهُ أحد الموكلين بِالسِّلَاحِ فَقَط اغتنمت الْعَجُوز الفرصة ونهضت من مكمنها وأسرعت نَحْو الْملك وأخرجت شكواها وَهِي تَقول أَيهَا الْملك إِن تكن مَالك الدُّنْيَا فأنصف هَذِه الْعَجُوز الضعيفة واقرأ شكواها وتعرف على حَالهَا لما رأى أنوشروان الْعَجُوز وَسمع مَا تَقول أَيقَن أَنَّهَا لم تأت إِلَى هُنَا لَو لم تكن ثمَّة ضَرُورَة قصوى فاتجه بفرسه نَحْوهَا وَأخذ شكواها وَقرأَهَا واستمع إِلَى حَدِيثهَا

стр. 29

فترقرقت الدُّمُوع فِي عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهَا ليهدأ بالك فقد كَانَ الْمَوْضُوع يخصك وَحدك أما وَقد علمناه الان فَهُوَ مَنُوط بِنَا نَحن وعلينا عبئه سأوصلك إِلَى بغيتك وحقك أَولا ثمَّ أرسلك بعد ذَلِك إِلَى مدينتك لتستريحي عندنَا أَيَّامًا فقد قطعت طَرِيقا طَوِيلَة ثمَّ تلفت حواليه فَرَأى أحد فراشيه اتيا على بغله الموكبي فَقَالَ لَهُ أنزل وأركب هَذِه الْمَرْأَة وامض بهَا إِلَى إِحْدَى الْقرى وَسلمهَا إِلَى كبيرها ثمَّ عد وَحين نرْجِع من الصَّيْد خُذْهَا من الْقرْيَة إِلَى الْمَدِينَة واسكنها فِي بَيْتك وَاجعَل لَهَا من خزانتنا منوي خبز وَمن لحم يوميا وَخَمْسَة دَنَانِير ذهب شهريا إِلَى أَن نطلبها مِنْك فنفذ الْفراش مَا أَمر بِهِ وَلما عَاد أنوشروان من الصَّيْد أمضى سَحَابَة يَوْمه يفكر فِيمَا يجب فعله لمعْرِفَة حَقِيقَة الْمَوْضُوع دون أَن يشْعر بِهِ أحد من كبار الدولة فَفِي قيلولة أحد الْأَيَّام وَالنَّاس نيام وَالْقصر خَال قَالَ الْملك لأحد خدمه اذْهَبْ إِلَى الْحُجْرَة الْفُلَانِيَّة وجيئني بالغلام فلَان فَذهب الْخَادِم واحضر الْغُلَام فَقَالَ لَهُ الْملك يَا غُلَام أَنْت تعلم أَن غلماننا اللائقين كَثِيرُونَ لكنني اخْتَرْتُك من بَينهم جَمِيعًا واعتمدت عَلَيْك فِي أَمر خُذ نفقات سفرك من الخزانة وامض إِلَى أذربيجان وَأنزل بِالْمَدِينَةِ الْفُلَانِيَّة فِي الْمحلة الْفُلَانِيَّة واقم هُنَاكَ عشْرين يَوْمًا ولتتظاهر أَمَام النَّاس إِنَّك جِئْت فِي طلب غُلَام فار وحيثما اسْتَطَعْت أَن تجالسهم وتعاشرهم وتختلط بهم وتتحدث إِلَيْهِم فِي سكر وصحو اسألهم لقد كَانَت فِي محلتكم هَذِه عَجُوز اسْمهَا فُلَانَة أَيْن ذهبت فَلَيْسَ من خبر عَنْهَا وماذا فعلت بارضها الَّتِي كَانَت تَملكهَا اضغ إِلَى كل مَا يَقُولُونَ واحفظه ثمَّ عد إِلَيّ بِحَقِيقَة الْأَمر إِنِّي مرسلك فِي هَذِه المهمة لكنني ساطلبك إِلَى البلاط غَدا وَأَقُول لَك فِي صَوت عَال يسمعهُ الْجَمِيع إذهب وَخذ نفقاتك من الخزانة وامض إِلَى أذربيجان فَكلما وصلت إِلَى مَدِينَة أَو نَاحيَة سل عَن غلات هَذَا الْعَام وفواكهه أنزلت بهَا الافات أم لَا كَذَلِك المراعي وأماكن الصَّيْد ثمَّ عد بِسُرْعَة وأطلعنا على مَا وجدت الْأُمُور عَلَيْهِ كل هَذَا حَتَّى لَا يعرف أحد بِالْأَمر الَّذِي ارسلك من اجله فَقَالَ الْغُلَام سمعا وَطَاعَة وَفِي الْيَوْم التَّالِي نفذ أنوشروان مَا قَالَ وَمضى الْغُلَام فوصل إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة وَأقَام فِيهَا عشْرين يَوْمًا كَانَ يسْأَل كل من جلس إِلَيْهِ عَن أَحْوَال الْمَرْأَة الْعَجُوز فَكَانَ جوابهم جَمِيعًا لقد كَانَت إمرأة مستورة وأصيلة كُنَّا نرها فِي نعْمَة مَعَ زَوجهَا وَأَوْلَادهَا

стр. 30

لَكِن زَوجهَا وَأَوْلَادهَا مَاتُوا جَمِيعهم فَبَقيت وحيدة والت نعمتها إِلَى زَوَال وَلم يبْق لَهَا سوى قِطْعَة أَرض عهِدت بهَا إِلَى زارع يَزْرَعهَا فَكَانَ نتاجها عبارَة عَمَّا تَدْفَعهُ من خراج وَنصِيب الزَّارِع وَمَا يتبقى حصَّتهَا إِلَى الْمَوْسِم القادم وَهُوَ أَرْبَعَة أرغفة يوميا كَانَت كل رزقها أَحدهَا لطعامها وَالثَّانِي لزيت سراجها وَالثَّالِث لفطورها والأخير لعشائها وَلما أَرَادَ الْوَالِي أَن ينشىء لنَفسِهِ متنزها وبستانا استولى على أرْضهَا عنْوَة وَضمّهَا إِلَى أرضه دون أَن يدْفع لَهَا ثمنهَا أَو يعوضها مِنْهَا وظلت المسكينة طوال سنتَيْن تَتَرَدَّد على قصره تصرخ وتستغيث مُطَالبَة الثّمن غير أَن أحدا لم يلْتَفت إِلَيْهَا ومنذ مُدَّة لم يرهَا أحد فِي هَذِه الْمَدِينَة ولسنا نَدْرِي أَيْن ذهبت أميتة هِيَ أم حَيَّة وَعَاد الْغُلَام وَمضى إِلَى الْقصر وَجلسَ أنوشروان الْعَادِل للنَّاس فَمثل الْغُلَام وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أنوشروان لَهُ قل كَيفَ وجدت الْأُمُور فَقَالَ الْغُلَام يَا مولَايَ إِن المحاصيل جَيِّدَة السّنة فِي شَتَّى أرجاء مملكتكم إِذْ لم تصب بأية افة والمراعي مخضرة وأمكنة الصَّيْد عامرة قَالَ أنوشروان الْحَمد لله يَا لَهُ من خبر سَار وَلما انفض الْمجْلس وخلا الْقصر من غير أَهله أَمر أنوشروان بأستدعاء الْغُلَام ثمَّ سَأَلَهُ عَن الْأَحْوَال هُنَاكَ فَنقل إِلَيْهِ الْغُلَام كل مَا سمع فَثَبت لأنوشروان أَن كل مَا قالته الْمَرْأَة كَانَ صَحِيحا وَلم ينم يَوْمه وَلَيْلَته تِلْكَ لِكَثْرَة تفكيره وَشدَّة أسفه وَفِي صَبِيحَة الْيَوْم التَّالِي الباكر استدعى حَاجِبه الْكَبِير وَقَالَ لَهُ عِنْدَمَا يبْدَأ العظماء بالحضور وَيَأْتِي فلَان احجزه فِي الدهليز إِلَى أَن أخْبرك بِمَا يَنْبَغِي عمله لما حضر العظماء والموبذون إِلَى البلاط خرج أنوشروان وَجلسَ إِلَيْهِم ثمَّ الْتفت نحوهم وَقَالَ إِنِّي سَائِلكُمْ شَيْئا فاجيبوا بِصدق عَمَّا تعرقون وَلَو حدسا وتخمينا قَالُوا سمعا وَطَاعَة قَالَ بِمَ تقدرون ثروة فلَان أَمِير أذربيجان ذَهَبا نَقْدا قَالُوا فِي حُدُود مِائَتي ألف ألف دِينَار مكدسة لَا حَاجَة لَهُ بهَا قَالَ وَمن وَسَائِل الْجُلُوس والأثاث قَالُوا خَمْسمِائَة ألف دِينَار من الذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ وَمن الْجَوَاهِر قَالُوا سِتّمائَة ألف دِينَار قَالَ وَمن السَّجَّاد ووسائل الزِّينَة قَالُوا ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار قَالَ وَمن الْأَمْلَاك والمستغلات والضياع وَالْعَقار قَالُوا مَا من مَدِينَة وناحية فِي خُرَاسَان وَالْعراق وَفَارِس وأذربيجان إِلَّا وَله فِيهَا عشر أَو سبع أَو

стр. 31

ثَمَان من الْقرى والأملاك والقصور ومنازل القوافل والحمامات والمطاحن قَالَ وَمن الْخَيل وَالْبِغَال قَالُوا ثَلَاثُونَ ألفا قَالَ وَمن الأغنام قَالُوا حوالي مِائَتي ألف قَالَ وَمن الْجمال قَالُوا عشرُون ألفا قَالَ وَمن الرَّقِيق قَالُوا ألف وَسَبْعمائة غُلَام تركي ورومي وَحبشِي وَأَرْبَعمِائَة جَارِيَة حسناء قَالَ فَكيف يعتدي من عِنْده هَذِه النعم وَمن يَأْكُل عشْرين ضربا من اللحوم والأطعمة والمقالي والشحوم والحلوى يوميا على ادمية مثله من عباد الله الْمُتَّقِينَ ضَعِيفَة لَا حول لَهَا وَلَا قُوَّة وَلَيْسَ لَهَا من حطام الدُّنْيَا سوى رغيفين جافين أَحدهمَا لنهارها والاخر لليلها ثمَّ يَأْتِي هُوَ فيسلبها رغيفيها ظلما ويحرمها إيَّاهُمَا فَمَا جَزَاؤُهُ قَالُوا جَمِيعًا إِنَّه يسْتَحق كل عُقُوبَة وَإِن كل مَا يتَّخذ من عقوبات فِي حَقه لقَلِيل قَالَ أنوشروان أريدكم أَن تسلخوا جلده عَن جِسْمه وتطعموا الْكلاب لَحْمه وتحشوا جلده تبنا وتعلقوه على مدْخل الْقصر وَأَن يُنَادى بِالنَّاسِ لمُدَّة سَبْعَة أَيَّام بِأَن من يظلم أحد بعد الْيَوْم أَو ياخذ مِنْهُ حَتَّى مخلاة تبن أَو دجَاجَة أَو قَبْضَة كراث ظلما أَو أَن يؤم الْقصر متظلم فسيكون مصير المعتدي والظالم مصير هَذَا الرجل وَنفذ مَا أَمر بِهِ ثمَّ قَالَ أنوشروان لذَلِك الْفراش أحضر الْمَرْأَة الْعَجُوز وَلما جيئ بهَا قَالَ أنوشروان لعلية الْقَوْم وكبار دولته هَذِه هِيَ المظلومة وَذَلِكَ هُوَ الظَّالِم الَّذِي لَقِي جزاءه ثمَّ قَالَ للغلام الَّذِي كَانَ قد أرسل إِلَى أذربيجان يَا غُلَام لم أرسلتك إِلَى أذربيجان وَكَانَ حَاضرا فِي الْمجْلس قَالَ لأتقصى أَحْوَال هَذِه الْعَجُوز وأتبين مَا نزل بهَا من ظلم وأعود إِلَى مولَايَ بِحَقِيقَة الْأَمر فَقَالَ أنوشروان للحاضرين لِتَعْلَمُوا أنني لم أجَازه جزَافا وأنني لن أكلم الظَّالِمين بعد الْيَوْم بِغَيْر السَّيْف وسأحمي الشَّاة وَالْحمل من الذئاب وأضرب على الْأَيْدِي الباغية المتطاولة وأخلص الأَرْض من المفسدين وأملؤها حَقًا وعدلا وَأمنا فَمن أجل هَذَا خلقت لَو أتيح للنَّاس أَن يَفْعَلُوا مَا يشاؤون لما أظهر الله الْمُلُوك من بَينهم ووكل إِلَيْهِم أَمرهم إيَّاكُمْ أَن تَفعلُوا مَا تستحقون عَلَيْهِ مَا لقِيه هَذَا الظَّالِم الَّذِي لَا يخْشَى الله فهاب كل من كَانَ فِي الْمجْلس وتلاشت جرأته بِإِزَاءِ هَيْبَة أنوشروان وعقابه الصارم وَقَالَ أنوشروان للْمَرْأَة لقد جازيت من ظلمك ووهبتك الْقصر والبستان اللَّذين

стр. 32

فِي أَرْضك وَأمرت لَك بمواش وَنَفَقَة لتعودي بعهدتي سَالِمَة إِلَى مدينتك وأرضك ثَانِيَة وتذكريني بِدُعَاء الْخَيْر ثمَّ قَالَ لماذا يفتح بَاب قَصرنَا للظالمين ويوصد فِي وَجه المظلومين فالجيش والرعية كِلَاهُمَا عمالنا وَتَحْت إمرتنا بل الرّعية هِيَ الَّتِي تُعْطِي والجيش هُوَ الَّذِي يَأْخُذ فَمن الأولى أَن تفتح الْأَبْوَاب فِي وَجه المعطين أَكثر من الاخذين ان من أَمْثِلَة ممارستهم الْبَاطِل وارتكابهم الظُّلم وعبثهم بالقوانين وَعدم الاكتراث بهَا أَنه مَا جَاءَ الْقصر متظلم حالوا بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَيّ للإدلاء بأَمْره بِنَفسِهِ فَلَو وجدت هَذِه الْمَرْأَة طريقها إِلَيّ لما كَانَت فِي حَاجَة إِلَى الذّهاب إِلَى المصطاد ثمَّ أَمر بِإِقَامَة سلسة تعلق فِيهَا أَجْرَاس تصل إِلَيْهَا حَتَّى يَد الطِّفْل ابْن سبع سنوات حَتَّى لَا تكون لأي متظلم يؤم الْقصر ثمَّة حَاجَة للحاجب فَمَا أَن تهتز السلسة وتقرع الْأَجْرَاس فَيسمع أنوشروان صَوتهَا يَسْتَدْعِي الطارق المظلم ليسمع مِنْهُ وينصفه وَنفذ هَذَا الْأَمر ايضا وَلما خرج كبار رجال الدولة من عِنْده وعادوا إِلَى مَنَازِلهمْ وقصورهم استدعوا وكلاءهم وفرسانهم وَمن هم تَحت إمرتهم فِي الْحَال وَقَالُوا لَهُم لتنظروا فِي كل من سلبتموه شَيْئا دون حق أَو عذبتموه أَو اذيتموه فِي صحو أَو سكر فِي عشر السنوات الْأَخِيرَة علينا جَمِيعًا نَحن وَأَنْتُم أَن نهتم بِالْأَمر ونرضي الْخُصُوم كلهم قبل أَن يذهبوا إِلَى الْقصر يتظلمون منا فهبوا جَمِيعًا وَأخذُوا يستدعون الْخُصُوم بامثل وَجه ويذهبون إِلَى مَنَازِلهمْ ويسترضونهم بالأعذار وَالْأَمْوَال ثمَّ يَأْخُذُونَ على كل وَاحِد مِنْهُم إِقْرَارا بِخَط يَده بِأَن فلَانا رَضِي عَن فلَان وَلَيْسَ ثمَّة بَينهمَا خُصُومَة أَو نزاع بِهَذِهِ السياسة الَّتِي سنّهَا أنوشروان بِالْحَقِّ استقامت شؤون مَمْلَكَته كلهَا وَضرب على أَيدي المتطاولين واللصوص وارتاح النَّاس أَجْمَعِينَ حَتَّى أَن سبع سنوات مرت دون أَن يؤم أحد الْقصر متظلما أنوشروان وسلسلة الْعَدَالَة فِي ظهيرة أحد الْأَيَّام بعد سبع سنوات وَفِي الْوَقْت الَّذِي ذهب فِيهِ الْجَمِيع ونام الخفر ارْتَفع صَوت الْأَجْرَاس فَسَمعهُ أنوشروان الَّذِي أرسل خادمين فَوْرًا وَقَالَ لَهما انْظُر من ذَا الَّذِي جَاءَ يتظلم فَلَمَّا وصلا إِلَى مدْخل الْقصر إِذا بِحِمَار هرم ضَعِيف اجرب قد مر من هُنَاكَ وحك ظَهره بالسلسلة فارتفع صَوت الْأَجْرَاس وَعَاد

стр. 33

الخادمان وَقَالا لم يَأْتِ أحد متظلما غير ان حمارا ضَعِيفا خرما أجرب مر بمدخل الْقصر وَلما لامس ظَهره السلسلة راقه ذَلِك فَأخذ لجربه يحكه بهَا فَقَالَ أنوشروان أَيهَا الأحمقان مَا أجهلكما لَيْسَ الْأَمر فِيمَا تظنان إِن تنعما النّظر يَتَّضِح لَكمَا أَن هَذَا الْحمار أَيْضا جَاءَ يطْلب عدلا أريدكما أَن تسوقاه إِلَى وسط الْمَدِينَة وتسألا النَّاس عَن أمره ثمَّ تعودا إِلَيّ بِالْحَقِيقَةِ فَانْصَرف الخادمان وذهبا بالحمار إِلَى السُّوق فِي وسط الْمَدِينَة وطفقا يسألان النَّاس أفيكم من يعرف هَذَا الْحمار فَكَانَ جوابهم جَمِيعًا أَي وَالله قلَّة هم الَّذين لَا يعرفونه قَالَ الخادمان مَا تعرفُون عَنهُ قُولُوا فَقَالُوا إِن صَاحبه فلَان الغسال ومنذ حوالي عشْرين سنة وَنحن نرَاهُ ينْقل عَلَيْهِ ملابس النَّاس إِلَى مغسله يوميا وَيعود بهَا مسَاء كَانَ يعلفه فِي صغره إِلَى الْوَقْت الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ عمله لكنه بعد أَن هرم وَعجز عَن الْعَمَل أطلقهُ على رَأسه وطرده من بَيته فِيمَا تريان والان تمر سنة على طرده وتجوله فِي الحارات والأزقة والأسواق وَالنَّاس يقدمُونَ لَهُ الْعلف وَالْمَاء والعشب ابْتِغَاء ثَوَاب الله تَعَالَى وَيُقَال إِنَّه هام على وَجهه مُنْذُ يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ لم يجد علفا وَمَاء وَلما كَانَت أَقْوَال النَّاس وَاحِدَة عَاد الخادمان بِسُرْعَة واخبرا الْملك أنوشروان فَقَالَ ألم أقل لَكمَا إِن هَذَا الْحمار جَاءَ يطْلب عدلا أَيْضا اعتنيا بِهِ اللَّيْلَة جيدا وَعلي بالغسال وَأَرْبَعَة من كيار محلته وَالْحمار غَدا لأقضي بالعقاب الْمُنَاسب وَفِي الْيَوْم التَّالِي نفذ الخادمان الْأَمر فاحضرا الْحمار والغسال ورجالا أَرْبَعَة إِلَى أنوشران إبان انْعِقَاد الْمجْلس فَقَالَ أنوشروان للغسال لما كَانَ هَذَا الْحمار صَغِيرا يُؤَدِّي لَك أعمالك كنت تقدم لَهُ الْعلف وتعتني بِهِ وَلما أضحى هرما لَا طَاقَة لَهُ على الْعَمَل فبدلا من تَنْفِيذ الْوَاجِب الَّذِي يقْضِي عَلَيْك بِتَقْدِيم الْعلف إِلَيْهِ جعلت تطلقه وتخرجه من مَأْوَاه أَيْن هُوَ حق أتعابه وَعَمله عشْرين سنة وَأمر بضربه أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَقَالَ أريدك مَا دَامَ الْحمار حَيا أَن تقدم لَهُ على مرأى من هَؤُلَاءِ الرِّجَال الْأَرْبَعَة مَا يسْتَطع أكله من التِّبْن وَالشعِير وَالْمَاء كل يَوْم وَلَيْلَة وَإِن بَلغنِي عَنْك أَي تَقْصِير فِي هَذَا فسامر بعقابك عقَابا أَشد

стр. 34

ولتعلم أَن الْمُلُوك كَانُوا يفكرون فِي حُقُوق الضُّعَفَاء دَائِما وكانو يحتاطون فِي أُمُور المسؤولين والمستقطعين والعمال ويرقبون أَعْمَالهم ليكسبوا السمعة الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا ويفوزوا بِثَوَاب الاخرة يَنْبَغِي استبدال الْعمَّال والمستقطعين كل سنتَيْن أَو ثَلَاث قبل أَن يثبتوا أَقْدَامهم ويحصنوا أنفسهم أَو يصبحوا مبعث قلق وَحَتَّى يحسنوا مُعَاملَة النَّاس وتظل الْولَايَة عامرة

стр. 35

الْفَصْل السَّادِس فِي الْقُضَاة والخطباء والمحتسبين ورونق أَعْمَالهم وأهميتها الْقُضَاة يَنْبَغِي التعرف على أَحْوَال قُضَاة المملكة وَاحِدًا وَاحِدًا والإبقاء على الْعلمَاء والزهاد والأمناء مِنْهُم وعزل كل من لَا يَتَّصِف بِهَذِهِ الصِّفَات وَتَعْيِين اخر صَالح مَكَانَهُ وَيجب أَن يكون للْقَاضِي راتب شَهْري يَكْفِيهِ أُمُور معاشه حَتَّى لَا تكون بِهِ حَاجَة إِلَى الْخِيَانَة إِن هَذَا الْعَمَل هام ودقيق لِأَن دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ بيد الْقُضَاة فَإِذا مَا حكم أحدهم حكما عَن جهل وطمع وَعمد فعلى الْقُضَاة الاخرين عدم تَنْفِيذ الحكم وإجرئه وإخبار الْملك بِهِ لعزل ذَلِك الشَّخْص ومعاقبته وعَلى وُلَاة الْأَمر وَالْحَاكِم أَن يشدوا من أزر الْقُضَاة ويحفظوا للعدالة هيبتها ورونقها فَإِذا مَا امْتنع شخص أَو تَأَخّر عَن الْحُضُور فَيجب إِحْضَاره عنْوَة وقسرا إِن يكن من المزهوين بعظمتهم وحشمتهم فَلَقَد كَانَ صحابة رَسُول الله ﷺ يتولون الْقَضَاء بانفسهم وَلم يعهدوا بِهِ لأحد لكَي لَا يسود غير الْعدْل وَالْحق وَلَا يَسْتَطِيع اُحْدُ أَن يفر من ساحة الْعَدَالَة ومنذ عهد ادم ﵇ إِلَى الْيَوْم والممالك كلهَا تقيم الْعدْل وتحكم بِهِ وتحق الْحق وتخلصه للمظلومين فبه دَامَ الْملك وَالسُّلْطَان فِي أسراتهم سنوات كَثِيرَة عدل مُلُوك الْعَجم يُقَال أَنه كَانَ من عَادَة مُلُوك الْعَجم أَن يجلس الْملك مِنْهُم لعامة النَّاس فِي يومي

стр. 36

المهرجان والنيروز لَا يمْنَع من ذَلِك أحد وَكَانَ يامر مناديا يُنَادي فِي النَّاس قبل أَيَّام من حُلُول كل من الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورين ليعدوا أنفسهم لَهُ حَتَّى يتَمَكَّن كل شخص من أَن يهييء أمره وَيكْتب شكواه بِنَفسِهِ يشْرَح فِيهَا حَاله ويعرض حَاجته ويسلمها بِيَدِهِ هُوَ وَحَتَّى يتدبر الْخُصُوم أَمرهم أَيْضا وَفِي الْيَوْم الْمَوْعُود يُنَادي الْمُنَادِي خَارج الْقصر إِن الْملك بَرِيء من دم كل من يمْنَع أحدا من عرض حَاجته فِي هَذَا الْيَوْم ثمَّ يجمع الْملك شكاوى النَّاس جَمِيعهَا ويضعها أَمَامه وَينظر فِيهَا وَاحِدَة تلو أُخْرَى فَإِذا مَا كَانَ بَينهَا وَاحِدَة ضد الْملك نَفسه فَإِنَّهُ ينزل عَن سَرِيره ثمَّ يجثو على رُكْبَتَيْهِ أَمَام موبذ الموبذين أَي قَاضِي الْقُضَاة بلغتهم الَّذِي كَانَ يجلس من عَن يَمِينه عَادَة وَيَقُول لَهُ انصف هَذَا الرجل مني دون ميل أَو مُحَابَاة قبل أَن تنظر فِي أَيَّة قَضِيَّة أُخْرَى وَحِينَئِذٍ يَأْمر الْمُنَادِي بَان يُنَادي على من لَهُم شكاية ضد الْملك أَن ينتظموا صفا وَاحِدًا للفصل فِي قضاياهم أَولا ثمَّ يَقُول الْملك للموبذ لَيْسَ ثمَّة ذَنْب أعظم من ذنُوب الْمُلُوك عِنْد الله تَعَالَى إِن معرفَة حق نعْمَة الله على الْمُلُوك إِنَّمَا تكون فِي الْمُحَافظَة على الرّعية وإنصافها وكف أَيدي الظَّالِمين عَنْهَا وَإِذا مَا جَار الْملك وظلم فسيضحي الْجَيْش كُله ظالمين ينسون الله تَعَالَى ويكفرون النِّعْمَة فَيصب الله عَلَيْهِم غَضَبه وخذلانه وَلنْ يمْضِي طَوِيل وَقت على اضْطِرَاب الْملك وخرابه فَيقْتل الكثيرون لفساد الْمُجْرمين وعبثهم ويتحول الْملك من أسرة لأخرى والان أَيهَا الموبذ اتَّقِ الله وَإِيَّاك أَن تؤثرني على نَفسك لأنني سأسألك عَن كل شَيْء يسألني الله تَعَالَى عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَأُلْقِي بتبعته عَلَيْك ويشرع الموبذ ينظر فِي القضايا فَإِذا مَا ثَبت لأحد على الْملك حق أنصفه إنصافا تَاما وَإِذا مَا اتَّضَح بطلَان دَعْوَى اخر ضِدّه وَلم تكن لَدَيْهِ حجَّة دامغة أنزل بِهِ أقْصَى الْعُقُوبَات وَأمر مناديا يُنَادي هَذَا جَزَاء من يترصد الْعُيُوب على الْملك والمملكة ويفتري عَلَيْهِمَا الْكَذِب بِهَذِهِ الجسارة والجرأة وَبعد انْتِهَاء الْحُكُومَة كَانَ الْملك يعود إِلَى سَرِيره وَيَضَع التَّاج ثمَّ يلْتَفت نَحْو رِجَاله وكبار دولته وَيَقُول إِنَّمَا بدأت بنفسي أَولا لتقطعوا عَنْكُم دابر الطمع فِي ظلم

стр. 37

الاخرين إِن على كل من لَهُ خصم مِنْكُم أَن يسترضيه الان وَفِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ أبعدهم مِنْهُ وَأَقْوَاهُمْ أضعفهم ومنذ عهد اردشير إِلَى أَيَّام يزدجرد الأثيم يزدجرد الأول والملوك يَسِيرُونَ على ذَلِك المنوال إِلَّا أَن يزدجرد استبدل سنَن ابائه باخرى سَيِّئَة وَجعل الظُّلم شَرِيعَة فِي الأَرْض فسيم النَّاس الْخَسْف وَمنعُوا النّصْف وراحت أدعية الشَّرّ تترى عَلَيْهِ من كل حدب وَصوب وَحدث أَن دخل إِلَى قصر يزدجرد فرس معرى فَجْأَة أقرّ كل من كَانَ حَاضرا من عُظَمَاء الدولة بِحسن شياته وعبثا حاولوا إيقافه إِلَى أَن انْتهى إِلَى يزدجرد نَفسه ووقف امامه بِجَانِب الإيوان هادئا فَقَالَ يزدجرد قفوا بَعيدا فَمَا هَذِه إِلَّا هَدِيَّة بعث بهَا الله تَعَالَى إِلَيّ وَتقدم مِنْهُ رويدا رويدا واستلم عنانه وَأخذ يربت على وَجهه وظهره ثمَّ امتطى صهوته فَلم يبد حراكا وظل هادئا كَمَا كَانَ وَطلب يزدجرد لجاما وسرجا فألجمه وأسرجه وَأحكم حزمه وَلما هم بِوَضْع المذيلة رفسه الْفرس على رَأس قلبه فَجْأَة فَقتله وَمضى خَارِجا دون ان يعْتَرض سَبيله أحد وَلم يسْتَطع أحد أَن يعرف من أَيْن جَاءَ وَإِلَى أَيْن ذهب وَأجْمع النَّاس على أَن الْفرس لم يكن سوى ملك من ملائك الله تَعَالَى ارسله لتخليصنا من هَذَا الظَّالِم همة عالية قيل أَن عمَارَة بن حَمْزَة كَانَ فِي مجْلِس الدوانيقي يَوْم الْمَظَالِم إِذْ نَهَضَ أحد المظلومين فَشَكَاهُ مُدعيًا أَنه غصبه ضيعته فَقَالَ الدوانيقي لعمارة قُم واجلس قبالة الْخصم وادل بحجتك قَالَ عمَارَة لست خَصمه إِن تكن الضَّيْعَة من أملاكي فقد وهبته إِيَّاهَا على أَن أقوم من الْمَكَان الَّذِي خصني بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وأجلسني فِيهِ أَو ان أفرط بجاهي ومكانتي فِي ضَيْعَة فأعجب الْحَاضِرُونَ من كبار رجال الدولة بهمته الْعَالِيَة وليعلم أَن الْملك يَنْبَغِي أَن يتَوَلَّى الْقَضَاء بِنَفسِهِ وَأَن يسمع حجج الْخُصُوم بأذنيه

стр. 38

هُوَ فَإِن يكن تركيا أَو فارسيا اَوْ مِمَّن لَا يعْرفُونَ الْعَرَبيَّة وَلم يقْرَأ أَحْكَام الشَّرِيعَة فَهُوَ فِي حَاجَة إِلَى نَائِب يتَوَلَّى الأمرعنه والقضاة كلهم نواب للْملك الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يشد أزرهم ويسندهم ويحفظ لَهُم حرماتهم ومنازلهم كَامِلَة فهم نوابه الَّذين ينفذون دستوره ووكلاؤه الَّذين يصرفون أَعماله الخطباء كَذَلِك يَنْبَغِي اختبار الخطباء الَّذين يصلونَ بِالنَّاسِ فِي الْمَسَاجِد الجامعة للتأكد من تقواهم وحفظهم الْقرَان فَالصَّلَاة من الْأُمُور الدقيقة وَصَلَاة النَّاس مَرْهُونَة بالأمام فَإِذا مَا اختلت صلَاته اختلت صلَاتهم أَيْضا المحتسبون وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي تعْيين محتسب فِي كل مَدِينَة تكون مهمته مراقبة الأوزان والأسعار وَمَعْرِفَة المبيعات والمشتريات للسير بموجبها والتقيد بهَا ومراقبة البضائع الَّتِي يُؤْتى بهَا من الْأَطْرَاف لتباع فِي الْأَسْوَاق من أَن يغشوها اَوْ يقسطوا فِيهَا وليأمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر إِن من وَاجِب الْملك وولاته مؤازرة الْمُحْتَسب وَالْأَخْذ بِيَدِهِ فمهمته ركيزة من ركائز المملكة وَهِي نتيجة الْعدْل فِي الْوَقْت نَفسه وَإِلَّا فسيضيق على الْفُقَرَاء وَيَشْتَرِي التُّجَّار وَمن يتعاطون البيع وَالشِّرَاء فِي الْأَسْوَاق ويبيعون على هواهم ويقسطون فِي الْمِيزَان فَيعم الْفساد وتعطل أَحْكَام الشَّرِيعَة وَقد جرت الْعَادة دَائِما فِي إِسْنَاد هَذَا الْعَمَل إِلَى أحد خَاصَّة الْملك أَو خدمه أَو إِلَى تركي عَجُوز مِمَّن لَا يحابون أبدا وَمِمَّنْ يهابهم الْخَاص وَالْعَام هَكَذَا كَانَت الْأُمُور تصرف بِالْعَدْلِ وقواعد الْإِسْلَام تطبق بإحكام فِيمَا جَاءَت بِهِ الْقَصَص والحكايات عَليّ بن نوشتكين والمحتسب يُقَال أَن السُّلْطَان مَحْمُودًا كَانَ قد شرب الْخمر مرّة مَعَ خاصته وندمائه طوال

стр. 39

اللَّيْل وَكَذَلِكَ الصبوح وَكَانَ عَليّ بن نوشتكين وَمُحَمّد الْعَرَبِيّ مِمَّن حَضَرُوا الْمجْلس وَمِمَّنْ ظلوا يسهرون وَيَشْرَبُونَ مَعَ مَحْمُود اللَّيْلَة بكاملها وَمَعَ إشراقة الصَّباح أُصِيب عَليّ بدوار وبدا عَلَيْهِ أثر إرهاق السهر والإفراط فِي الشَّرَاب فَاسْتَأْذن السُّلْطَان بالذهاب إِلَى منزله فَقَالَ لَهُ مَحْمُود لَيْسَ صَوَابا أَن تذْهب فِي وضح النَّهَار وَأَنت سَكرَان هَكَذَا إبق هُنَا واسترح فِي إِحْدَى الحجرات حَتَّى الْعَصْر ثمَّ اذْهَبْ انذاك وَأَنت صَاح فإنني أخْشَى إِذا مَا ذهبت الان بِهَذِهِ الْحَال أَن يراك الْمُحْتَسب فِي السُّوق فيأخذك وَيُقِيم عَلَيْك الْحَد فيراق مَاء وَجهك وينتابني الْغم دون أَن أَسْتَطِيع التفوه بِشَيْء غير أَن عَليّ بن نوشتكين الَّذِي كَانَ قائدا لخمسين ألف فَارس وصنديد زَمَانه وَالَّذِي كَانَ يعد بِأَلف رجل لم يخْطر لَهُ على بَال أَن الْمُحْتَسب سيجرؤ حَتَّى على مُجَرّد التفكير فِي الْأَمر فَلم ينثن عَن عزمه بل أصر على أَن لَا بُد من الذّهاب فَقَالَ مَحْمُود الرَّأْي رَأْيك دَعوه يذهب وَركب عَليّ بن نوشتكين فِي موكب عَظِيم من فرسانه وغلمانه وخدمه قَاصِدا منزله وشاءت الصدفة أَن يكون الْمُحْتَسب مَعَ مئة من رِجَاله بَين خيال وراجل فِي وسط السُّوق فَلَمَّا رأى عليا سَكرَان أَمر بإنزاله عَن فرسه وَنزل هُوَ أَيْضا ثمَّ أَمر بَان يجلس رجل على رَأسه واخر على رجلَيْهِ وَجلده بِيَدِهِ دون أدنى مُحَابَاة أَرْبَعِينَ جلده حَتَّى التهم الأَرْض بِأَسْنَانِهِ وحاشيته وَعَسْكَره ينظرُونَ دون أَن يَجْرُؤ أَي مِنْهُم على أَن يتفوه بِكَلِمَة وَاحِدَة كَانَ ذَلِك الْمُحْتَسب تركيا عجوزا مُحْتَرما وَكَانَت لَهُ حُقُوق خدمات كَثِيرَة فَلَمَّا مضى لشأنه نقل عليا رِجَاله إِلَى بَيته وَهُوَ يردد فِي طول الطَّرِيق كل من لَا يُطِيع أَمر السُّلْطَان سيلقى مَا لقِيت وَلما مثل عَليّ بَين يَدي السُّلْطَان فِي الْيَوْم التَّالِي وساله وماذا عَن الْمُحْتَسب كشف عَن ظَهره وَأرى مَحْمُودًا اثار الجلدات عَلَيْهِ وَاحِدَة وَاحِدَة فَضَحِك مَحْمُود وَقَالَ لتتب وَإِلَى الْأَبَد ان تخرج من الْبَيْت وَأَنت سَكرَان وَبِمَا أَنه أحكم أساس الْملك وقواعد السياسة فقد كَانَ الْعدْل يطبق على النَّحْو الَّذِي ذكر

стр. 40

خباز غزنين سَمِعت أَن الخبازين فِي غزنين أغلقوا أَبْوَاب مخابزهم فعز الْخبز وَأسْقط فِي يَد الْفُقَرَاء والغرباء فَذَهَبُوا إِلَى الْقصر يتظلمون وَأخذُوا يَشكونَ الخبازين بحسرة أَمَام السُّلْطَان إِبْرَاهِيم فَأمر إِبْرَاهِيم بجلب الخبازين جَمِيعًا وَقَالَ لَهُم لماذا ضننتم بالخبز قَالُوا لقد كَانَ خبازك يَشْتَرِي كل مَا كَانَ يرد إِلَى هَذِه الْمَدِينَة من قَمح ودقيق ويضعه فِي المخازن وَيَقُول هَكَذَا أمرت وَلم يدعنا نشتري وَلَو منا وَاحِدًا فَأمر السُّلْطَان بإحضار خبازه الْخَاص وإلقائه تَحت أَقْدَام الْفِيل وَلما مَاتَ أَمر بتعليقه فِي خرطوم الْفِيل والدوران بِهِ فِي الْمَدِينَة وعَلى ظَهره مُنَاد يَقُول هَذَا مَا سنفعله بِكُل خباز لَا يفتح مخبزه ثمَّ وزع مَا كَانَ فِي مخزنه وَلما حَان وَقت صَلَاة الْعشَاء كَانَ يرى على بَاب كل مخبز خَمْسُونَ من خبز لم يشترها أحد
следующие страницы →