← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8345

سياست نامه = سير الملوك

نظام الملك

Полный текст (257 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المهرجان والنيروز لَا يمْنَع من ذَلِك أحد وَكَانَ يامر مناديا يُنَادي فِي النَّاس قبل أَيَّام من حُلُول كل من الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورين ليعدوا أنفسهم لَهُ حَتَّى يتَمَكَّن كل شخص من أَن يهييء أمره وَيكْتب شكواه بِنَفسِهِ يشْرَح فِيهَا حَاله ويعرض حَاجته ويسلمها بِيَدِهِ هُوَ وَحَتَّى يتدبر الْخُصُوم أَمرهم أَيْضا وَفِي الْيَوْم الْمَوْعُود يُنَادي الْمُنَادِي خَارج الْقصر إِن الْملك بَرِيء من دم كل من يمْنَع أحدا من عرض حَاجته فِي هَذَا الْيَوْم ثمَّ يجمع الْملك شكاوى النَّاس جَمِيعهَا ويضعها أَمَامه وَينظر فِيهَا وَاحِدَة تلو أُخْرَى فَإِذا مَا كَانَ بَينهَا وَاحِدَة ضد الْملك نَفسه فَإِنَّهُ ينزل عَن سَرِيره ثمَّ يجثو على رُكْبَتَيْهِ أَمَام موبذ الموبذين أَي قَاضِي الْقُضَاة بلغتهم الَّذِي كَانَ يجلس من عَن يَمِينه عَادَة وَيَقُول لَهُ انصف هَذَا الرجل مني دون ميل أَو مُحَابَاة قبل أَن تنظر فِي أَيَّة قَضِيَّة أُخْرَى وَحِينَئِذٍ يَأْمر الْمُنَادِي بَان يُنَادي على من لَهُم شكاية ضد الْملك أَن ينتظموا صفا وَاحِدًا للفصل فِي قضاياهم أَولا ثمَّ يَقُول الْملك للموبذ لَيْسَ ثمَّة ذَنْب أعظم من ذنُوب الْمُلُوك عِنْد الله تَعَالَى إِن معرفَة حق نعْمَة الله على الْمُلُوك إِنَّمَا تكون فِي الْمُحَافظَة على الرّعية وإنصافها وكف أَيدي الظَّالِمين عَنْهَا وَإِذا مَا جَار الْملك وظلم فسيضحي الْجَيْش كُله ظالمين ينسون الله تَعَالَى ويكفرون النِّعْمَة فَيصب الله عَلَيْهِم غَضَبه وخذلانه وَلنْ يمْضِي طَوِيل وَقت على اضْطِرَاب الْملك وخرابه فَيقْتل الكثيرون لفساد الْمُجْرمين وعبثهم ويتحول الْملك من أسرة لأخرى والان أَيهَا الموبذ اتَّقِ الله وَإِيَّاك أَن تؤثرني على نَفسك لأنني سأسألك عَن كل شَيْء يسألني الله تَعَالَى عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَأُلْقِي بتبعته عَلَيْك ويشرع الموبذ ينظر فِي القضايا فَإِذا مَا ثَبت لأحد على الْملك حق أنصفه إنصافا تَاما وَإِذا مَا اتَّضَح بطلَان دَعْوَى اخر ضِدّه وَلم تكن لَدَيْهِ حجَّة دامغة أنزل بِهِ أقْصَى الْعُقُوبَات وَأمر مناديا يُنَادي هَذَا جَزَاء من يترصد الْعُيُوب على الْملك والمملكة ويفتري عَلَيْهِمَا الْكَذِب بِهَذِهِ الجسارة والجرأة وَبعد انْتِهَاء الْحُكُومَة كَانَ الْملك يعود إِلَى سَرِيره وَيَضَع التَّاج ثمَّ يلْتَفت نَحْو رِجَاله وكبار دولته وَيَقُول إِنَّمَا بدأت بنفسي أَولا لتقطعوا عَنْكُم دابر الطمع فِي ظلم

стр. 37

الاخرين إِن على كل من لَهُ خصم مِنْكُم أَن يسترضيه الان وَفِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ أبعدهم مِنْهُ وَأَقْوَاهُمْ أضعفهم ومنذ عهد اردشير إِلَى أَيَّام يزدجرد الأثيم يزدجرد الأول والملوك يَسِيرُونَ على ذَلِك المنوال إِلَّا أَن يزدجرد استبدل سنَن ابائه باخرى سَيِّئَة وَجعل الظُّلم شَرِيعَة فِي الأَرْض فسيم النَّاس الْخَسْف وَمنعُوا النّصْف وراحت أدعية الشَّرّ تترى عَلَيْهِ من كل حدب وَصوب وَحدث أَن دخل إِلَى قصر يزدجرد فرس معرى فَجْأَة أقرّ كل من كَانَ حَاضرا من عُظَمَاء الدولة بِحسن شياته وعبثا حاولوا إيقافه إِلَى أَن انْتهى إِلَى يزدجرد نَفسه ووقف امامه بِجَانِب الإيوان هادئا فَقَالَ يزدجرد قفوا بَعيدا فَمَا هَذِه إِلَّا هَدِيَّة بعث بهَا الله تَعَالَى إِلَيّ وَتقدم مِنْهُ رويدا رويدا واستلم عنانه وَأخذ يربت على وَجهه وظهره ثمَّ امتطى صهوته فَلم يبد حراكا وظل هادئا كَمَا كَانَ وَطلب يزدجرد لجاما وسرجا فألجمه وأسرجه وَأحكم حزمه وَلما هم بِوَضْع المذيلة رفسه الْفرس على رَأس قلبه فَجْأَة فَقتله وَمضى خَارِجا دون ان يعْتَرض سَبيله أحد وَلم يسْتَطع أحد أَن يعرف من أَيْن جَاءَ وَإِلَى أَيْن ذهب وَأجْمع النَّاس على أَن الْفرس لم يكن سوى ملك من ملائك الله تَعَالَى ارسله لتخليصنا من هَذَا الظَّالِم همة عالية قيل أَن عمَارَة بن حَمْزَة كَانَ فِي مجْلِس الدوانيقي يَوْم الْمَظَالِم إِذْ نَهَضَ أحد المظلومين فَشَكَاهُ مُدعيًا أَنه غصبه ضيعته فَقَالَ الدوانيقي لعمارة قُم واجلس قبالة الْخصم وادل بحجتك قَالَ عمَارَة لست خَصمه إِن تكن الضَّيْعَة من أملاكي فقد وهبته إِيَّاهَا على أَن أقوم من الْمَكَان الَّذِي خصني بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وأجلسني فِيهِ أَو ان أفرط بجاهي ومكانتي فِي ضَيْعَة فأعجب الْحَاضِرُونَ من كبار رجال الدولة بهمته الْعَالِيَة وليعلم أَن الْملك يَنْبَغِي أَن يتَوَلَّى الْقَضَاء بِنَفسِهِ وَأَن يسمع حجج الْخُصُوم بأذنيه

стр. 38

هُوَ فَإِن يكن تركيا أَو فارسيا اَوْ مِمَّن لَا يعْرفُونَ الْعَرَبيَّة وَلم يقْرَأ أَحْكَام الشَّرِيعَة فَهُوَ فِي حَاجَة إِلَى نَائِب يتَوَلَّى الأمرعنه والقضاة كلهم نواب للْملك الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يشد أزرهم ويسندهم ويحفظ لَهُم حرماتهم ومنازلهم كَامِلَة فهم نوابه الَّذين ينفذون دستوره ووكلاؤه الَّذين يصرفون أَعماله الخطباء كَذَلِك يَنْبَغِي اختبار الخطباء الَّذين يصلونَ بِالنَّاسِ فِي الْمَسَاجِد الجامعة للتأكد من تقواهم وحفظهم الْقرَان فَالصَّلَاة من الْأُمُور الدقيقة وَصَلَاة النَّاس مَرْهُونَة بالأمام فَإِذا مَا اختلت صلَاته اختلت صلَاتهم أَيْضا المحتسبون وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي تعْيين محتسب فِي كل مَدِينَة تكون مهمته مراقبة الأوزان والأسعار وَمَعْرِفَة المبيعات والمشتريات للسير بموجبها والتقيد بهَا ومراقبة البضائع الَّتِي يُؤْتى بهَا من الْأَطْرَاف لتباع فِي الْأَسْوَاق من أَن يغشوها اَوْ يقسطوا فِيهَا وليأمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر إِن من وَاجِب الْملك وولاته مؤازرة الْمُحْتَسب وَالْأَخْذ بِيَدِهِ فمهمته ركيزة من ركائز المملكة وَهِي نتيجة الْعدْل فِي الْوَقْت نَفسه وَإِلَّا فسيضيق على الْفُقَرَاء وَيَشْتَرِي التُّجَّار وَمن يتعاطون البيع وَالشِّرَاء فِي الْأَسْوَاق ويبيعون على هواهم ويقسطون فِي الْمِيزَان فَيعم الْفساد وتعطل أَحْكَام الشَّرِيعَة وَقد جرت الْعَادة دَائِما فِي إِسْنَاد هَذَا الْعَمَل إِلَى أحد خَاصَّة الْملك أَو خدمه أَو إِلَى تركي عَجُوز مِمَّن لَا يحابون أبدا وَمِمَّنْ يهابهم الْخَاص وَالْعَام هَكَذَا كَانَت الْأُمُور تصرف بِالْعَدْلِ وقواعد الْإِسْلَام تطبق بإحكام فِيمَا جَاءَت بِهِ الْقَصَص والحكايات عَليّ بن نوشتكين والمحتسب يُقَال أَن السُّلْطَان مَحْمُودًا كَانَ قد شرب الْخمر مرّة مَعَ خاصته وندمائه طوال

стр. 39

اللَّيْل وَكَذَلِكَ الصبوح وَكَانَ عَليّ بن نوشتكين وَمُحَمّد الْعَرَبِيّ مِمَّن حَضَرُوا الْمجْلس وَمِمَّنْ ظلوا يسهرون وَيَشْرَبُونَ مَعَ مَحْمُود اللَّيْلَة بكاملها وَمَعَ إشراقة الصَّباح أُصِيب عَليّ بدوار وبدا عَلَيْهِ أثر إرهاق السهر والإفراط فِي الشَّرَاب فَاسْتَأْذن السُّلْطَان بالذهاب إِلَى منزله فَقَالَ لَهُ مَحْمُود لَيْسَ صَوَابا أَن تذْهب فِي وضح النَّهَار وَأَنت سَكرَان هَكَذَا إبق هُنَا واسترح فِي إِحْدَى الحجرات حَتَّى الْعَصْر ثمَّ اذْهَبْ انذاك وَأَنت صَاح فإنني أخْشَى إِذا مَا ذهبت الان بِهَذِهِ الْحَال أَن يراك الْمُحْتَسب فِي السُّوق فيأخذك وَيُقِيم عَلَيْك الْحَد فيراق مَاء وَجهك وينتابني الْغم دون أَن أَسْتَطِيع التفوه بِشَيْء غير أَن عَليّ بن نوشتكين الَّذِي كَانَ قائدا لخمسين ألف فَارس وصنديد زَمَانه وَالَّذِي كَانَ يعد بِأَلف رجل لم يخْطر لَهُ على بَال أَن الْمُحْتَسب سيجرؤ حَتَّى على مُجَرّد التفكير فِي الْأَمر فَلم ينثن عَن عزمه بل أصر على أَن لَا بُد من الذّهاب فَقَالَ مَحْمُود الرَّأْي رَأْيك دَعوه يذهب وَركب عَليّ بن نوشتكين فِي موكب عَظِيم من فرسانه وغلمانه وخدمه قَاصِدا منزله وشاءت الصدفة أَن يكون الْمُحْتَسب مَعَ مئة من رِجَاله بَين خيال وراجل فِي وسط السُّوق فَلَمَّا رأى عليا سَكرَان أَمر بإنزاله عَن فرسه وَنزل هُوَ أَيْضا ثمَّ أَمر بَان يجلس رجل على رَأسه واخر على رجلَيْهِ وَجلده بِيَدِهِ دون أدنى مُحَابَاة أَرْبَعِينَ جلده حَتَّى التهم الأَرْض بِأَسْنَانِهِ وحاشيته وَعَسْكَره ينظرُونَ دون أَن يَجْرُؤ أَي مِنْهُم على أَن يتفوه بِكَلِمَة وَاحِدَة كَانَ ذَلِك الْمُحْتَسب تركيا عجوزا مُحْتَرما وَكَانَت لَهُ حُقُوق خدمات كَثِيرَة فَلَمَّا مضى لشأنه نقل عليا رِجَاله إِلَى بَيته وَهُوَ يردد فِي طول الطَّرِيق كل من لَا يُطِيع أَمر السُّلْطَان سيلقى مَا لقِيت وَلما مثل عَليّ بَين يَدي السُّلْطَان فِي الْيَوْم التَّالِي وساله وماذا عَن الْمُحْتَسب كشف عَن ظَهره وَأرى مَحْمُودًا اثار الجلدات عَلَيْهِ وَاحِدَة وَاحِدَة فَضَحِك مَحْمُود وَقَالَ لتتب وَإِلَى الْأَبَد ان تخرج من الْبَيْت وَأَنت سَكرَان وَبِمَا أَنه أحكم أساس الْملك وقواعد السياسة فقد كَانَ الْعدْل يطبق على النَّحْو الَّذِي ذكر

стр. 40

خباز غزنين سَمِعت أَن الخبازين فِي غزنين أغلقوا أَبْوَاب مخابزهم فعز الْخبز وَأسْقط فِي يَد الْفُقَرَاء والغرباء فَذَهَبُوا إِلَى الْقصر يتظلمون وَأخذُوا يَشكونَ الخبازين بحسرة أَمَام السُّلْطَان إِبْرَاهِيم فَأمر إِبْرَاهِيم بجلب الخبازين جَمِيعًا وَقَالَ لَهُم لماذا ضننتم بالخبز قَالُوا لقد كَانَ خبازك يَشْتَرِي كل مَا كَانَ يرد إِلَى هَذِه الْمَدِينَة من قَمح ودقيق ويضعه فِي المخازن وَيَقُول هَكَذَا أمرت وَلم يدعنا نشتري وَلَو منا وَاحِدًا فَأمر السُّلْطَان بإحضار خبازه الْخَاص وإلقائه تَحت أَقْدَام الْفِيل وَلما مَاتَ أَمر بتعليقه فِي خرطوم الْفِيل والدوران بِهِ فِي الْمَدِينَة وعَلى ظَهره مُنَاد يَقُول هَذَا مَا سنفعله بِكُل خباز لَا يفتح مخبزه ثمَّ وزع مَا كَانَ فِي مخزنه وَلما حَان وَقت صَلَاة الْعشَاء كَانَ يرى على بَاب كل مخبز خَمْسُونَ من خبز لم يشترها أحد

стр. 41

الْفَصْل السَّابِع فِي تحري أَحْوَال الْعَامِل وَالْقَاضِي والشحنة والرئيس وشروط معاقبتهم ليبحث فِي كل مَدِينَة عَمَّن لَهُ شَفَقَة على أُمُور الدّين وَيخَاف الله تَعَالَى وَلَيْسَ بِصَاحِب غَرَض ثمَّ يُقَال لَهُ إننا نضع هَذِه الْمَدِينَة والناحية أَمَانه فِي عُنُقك نَسْأَلك عَمَّا يَسْأَلك الله تَعَالَى عَنهُ عَلَيْك أَن تحيط بِكُل شَيْء من أَمر الْعَامِل وَالْقَاضِي والشحنة والمحتسب وَالنَّاس وكل صَغِيرَة وكبيرة تتحراها جَمِيعًا ثمَّ تحيطنا علما بِالْحَقِيقَةِ سرا أَو عَلَانيَة لكَي نأمر باتخاذ التدابير اللَّازِمَة وَإِذا مَا امْتنع من تتوفر فِيهِ تِلْكَ الصِّفَات عَن قبُول هَذِه الْأَمَانَة يجب إِلْزَامه بقبولها وإجباره على تحملهَا نهج عبد الله بن طَاهِر يُقَال ان عبد الله بن طَاهِر كَانَ أَمِيرا عادلا قَبره بنيسابور رايناه وزرناه وَالنَّاس يذهبون لزيارته باستمرار ويسألونه قَضَاء حاجاتهم فيستجيب الله تَعَالَى دعاءهم كَانَ عبد الله لايسند الْأَعْمَال الديوانية إِلَّا إِلَى الْمُتَّقِينَ والزهاد وَإِلَى من هم فِي غنى عَن مَال الدُّنْيَا وَالَّذين لَا يشغلون أنفسهم بأعراضها الزائلة كَيْمَا تحصل الْأَمْوَال الْمُسْتَحقَّة على النَّاس فَقَط بِالْحَقِّ وَحَتَّى لَا يثقل كاهلهم ويساموا الشَّقَاء وَكيلا يشقى هُوَ نَفسه أَيْضا نصيحة أبي عَليّ الدقاق لأبي عَليّ الياس دخل أَبُو عَليّ الدقاق يَوْمًا على الْأَمِير أبي عَليّ الياس الَّذِي كَانَ واليا على خُرَاسَان

стр. 42

وقائد جيشها وَكَانَ الرجل على مَا كَانَ لَهُ من جلال وعظمة فَاضلا جدا وَلما جلس أَبُو عَليّ الدقاق على رُكْبَتَيْهِ أَمَامه قَالَ أَبُو عَليّ الياس عظني فَقَالَ الدقاق أَيهَا الْأَمِير أتجيبني بِصدق إِن سَأَلتك أمرا قَالَ بلَى فَقَالَ الدقاق أَيهمَا أحب إِلَيْك الذَّهَب أم الْخصم فَقَالَ الذَّهَب فَقَالَ الدقاق كَيفَ إِذن تخلف كل هَذَا الَّذِي تحب أَكثر هُنَا وتصحب الْخصم الَّذِي لَا تحب إِلَى الدَّار الاخره فترقرقت الدُّمُوع فِي عَيْني أبي عَليّ الياس وَقَالَ مَا أجمل مَا نصحتني بِهِ فَلَقَد أيقظتني من سباتي إِن لفي كلامك لي خير الدُّنْيَا والاخرة نصيحة شمس الكفاة للسُّلْطَان مَحْمُود يحْكى أَن السُّلْطَان مَحْمُودًا الْغَازِي لم يكن وسيم الصُّورَة بل كَانَ طَوِيل الْوَجْه جافه أصفر السحنة أملس طَوِيل الْعُنُق كَبِير الْأنف لما مَاتَ وَالِده سبكتكين نولى الْملك بعده وخلص الْهِنْد وَفِي صباح ذَات يَوْم بَيْنَمَا كَانَ يُؤَدِّي الصَّلَاة فِي حجرَة خَاصَّة وأمامه مراة ومشط وَيقف حوله اثْنَان من خَواص غلمانه دخل وزيره شمس الكفاة أَحْمد بن الْحسن فَسلم فأوما مَحْمُود إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ أَن اجْلِسْ فَجَلَسَ قبالة السُّلْطَان وَلما فرغ مَحْمُود من قِرَاءَة الْأَدْعِيَة ارتدى قباءه وَلبس عمَامَته وانتعل حذاءه وَنظر فِي المراة فَلَمَّا رأى وَجهه ابتسم وَقَالَ للوزير أَتَدْرِي مَا يَدُور ببالي هَذِه الْأَيَّام قَالَ مولَايَ أدرى فَقَالَ مَحْمُود أخْشَى إِلَّا يحبني النَّاس لدمامتي فقد اعتادوا أَن يُحِبُّوا السُّلْطَان الوسيم قَالَ الْوَزير مولَايَ السُّلْطَان إفعل مَا سيحبك النَّاس من أَجله أَكثر من نِسَائِهِم وَأَبْنَائِهِمْ وانفسهم الَّتِي سيلقون بهَا فِي المَاء وَالنَّار تَلْبِيَة لَك فَقَالَ السُّلْطَان مَاذَا أفعل قَالَ الْوَزير اتخذ الذَّهَب عدوا يحبك النَّاس فسر مَحْمُود وَقَالَ فِي طيات هَذَا القَوْل ألف معنى وَفَائِدَة وَشرع مَحْمُود فِي بذل العطايا وَفتح بَاب الْخيرَات فَأَحبهُ النَّاس وَأخذُوا فِي مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ وعَلى يَدَيْهِ تمت الْأَعْمَال الجليلة والفتوحات الْعَظِيمَة فَلَقَد دخل

стр. 43

سومنات وَكسر مَنَاة وَحمله مَعَه ثمَّ توجه إِلَى سَمَرْقَنْد وَالْعراق قَالَ لوزيره الميمندي ذَات يَوْم لما نفضت يَدي من الذَّهَب كسبت الدُّنْيَا والاخرة وَلما احتقرت الدِّينَار نلْت عز الدَّاريْنِ لم يكن للقب السُّلْطَان وجود قبل عهد مَحْمُود فَهُوَ أول من تلقب بِهِ فِي الْإِسْلَام وَصَارَ سنة بعده لقد كَانَ مَحْمُود عادلا يخَاف الله وَكَانَ محبا للْعلم شهما يقظا قوي الرَّأْي نقي الدّيانَة وغازيا إِن أحسن العصور ذَلِك الَّذِي يُوجد فِيهِ ملك عَادل جَاءَ فِي الْخَبَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْعدْل عز الدّين وَقُوَّة السُّلْطَان وَفِيه صَلَاح الْخَاصَّة والعامة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء رَفعهَا وَوضع الْمِيزَان﴾ وَقَالَ ﴿الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ إِن الْملك الْحق هُوَ الَّذِي يكون قلبه موئل الْعدْل وقصره مأوى المتدينين والعقلاء وَالَّذِي يكون ندماؤه وعماله منصفين ومسلمين حَقًا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض ان يستجب دعائي فَلَا أَدْعُو إِلَّا للسُّلْطَان الْعَادِل فَفِي صَلَاحه صَلَاح الْعباد وَعمْرَان الْبِلَاد وَعَن الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أَنه قَالَ المقسطون لله فِي الدُّنْيَا على مَنَابِر اللُّؤْلُؤ يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ الْمُلُوك يولون أُمُور المملكة لِلْمُتقين وَلمن يخَافُونَ الله مِمَّن لَيست لَهُم مارب خَاصَّة تطلبا للعدل وحرصا على مصَالح الْعباد ولكي ينقلوا إِلَيْهِ حَقِيقَة الْأَحْوَال فِي كل وَقت وَهَذَا مَا فعله أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم بِبَغْدَاد قصَّة أَمِير التّرْك وعقوبة المعتصم لم يكن لأحد من خلفاء بني الْعَبَّاس مَا كَانَ للمعتصم من سياسة وهيبة والة وَعدد وَلم يملك أحد مَا ملك من الغلمان التّرْك الَّذين يُقَال إِن عَددهمْ كَانَ سبعين الْفَا وَلَقَد رقى

стр. 44

كثيرين مِنْهُم فأوصلهم إِلَى الْإِمَارَة وَكَانَ يردد دَائِما أَن لَيْسَ ثمَّة من هم فِي مستوى الأتراك من حَيْثُ الْخدمَة يُقَال إِن أحد الْأُمَرَاء استدعى إِلَيْهِ وَكيله وَقَالَ لَهُ أتعرف أحد من سكان بَغْدَاد وتجارها يقرضني خَمْسمِائَة دِينَار أَنا فِي حَاجَة إِلَيْهَا على أَن أردهَا إِلَيْهِ فِي الْمَوْسِم وَتَأمل الْوَكِيل قَلِيلا فَتذكر اُحْدُ معارفه مِمَّن يتعاطون البيع وَالشِّرَاء بِرِبْح قَلِيل وَكَانَ لَدَيْهِ سِتّمائَة دِينَار من الذَّهَب الخليفتي كَانَ قد جمعهَا بمرور الزَّمن وَقَالَ للأمير إِنَّنِي أعرف رجلا لَهُ دكان فِي سوق كَذَا أتردد عَلَيْهِ بَين الْحِين والحين وأتعامل مَعَه إِنَّه يملك سِتّمائَة دِينَار خليفتي ان ترسل فِي طلبه شخصا يستدعيه وتحسن استقباله تلاطفه وَتَدْعُوهُ إِلَى الطَّعَام فِي أَوَانه ثمَّ تطرح حَدِيث الْمُعَامَلَة فلربما يخجل مِنْك وَلَا يرد طلبتك احتراما لَك فَفعل الْأَمِير وارسل إِلَى الرجل شخصا يَقُول لَهُ أَلا تكلّف نَفسك عناء الْحُضُور إِلَيّ فإنني أريدك فِي أَمر ضَرُورِيّ وَذهب الرجل إِلَى قصر الْأَمِير دون أَن تكون لَهُ بِهِ معرفَة سَابِقَة فَدخل عَلَيْهِ وَسلم فَرد عَلَيْهِ الْأَمِير السَّلَام والتفت نَحْو رِجَاله وَقَالَ أَهَذا هُوَ فلَان قَالُوا بلَى فَقَامَ الْأَمِير فِي وَجهه وَأمر بإجلاسه فِي مَكَان لَائِق ثمَّ قَالَ أَيهَا الخواجة لقد سَمِعت من النَّاس كثيرا عَن شهامتك وَحسن سيرتك وأمانتك وتدينك فاعجبت بك دون أَن أَرَاك وَيَقُولُونَ إِنَّه لَيْسَ ثمَّة أحد فِي سوق بَغْدَاد كُله مثل هَذَا الخواجة مُرُوءَة وَحسن مُعَاملَة ثمَّ قَالَ لَهُ أَيْضا فَلم لَا تعاشرنا إِذن وتكلفنا بِقَضَاء مَا تحْتَاج أليه من أَمر تعد بيتنا بَيْتا لَك وتصادقنا وتؤاخينا وَكَانَ الرجل يوحي بِقبُول كل مَا كَانَ يَقُول الْأَمِير وَالْوَكِيل يردد كَذَا وَمِائَة كَذَا وَمَضَت فَتْرَة فأحضر خوان الطَّعَام وأجلس الْأَمِير الرجل بِالْقربِ مِنْهُ وَجعل يتَنَاوَل أَشْيَاء من الطَّعَام ويضعها أَمَامه باستمرار ويلاطفه ويكرمه كثيرا وَلما رفع الطَّعَام وَغسل الْحَاضِرُونَ أَيْديهم وَانْصَرفُوا وَلم يبْق سوى الْخَاصَّة الْتفت الْأَمِير نَحْو الرجل

стр. 45

وَقَالَ إعلم أَن لي فِي هَذِه الْمَدِينَة أصدقاء كثيرين يستجيبون لي بمحض الْإِشَارَة وَلَو أطلب إِلَيْهِم خَمْسَة أَو عشرَة الاف دِينَار لقدموها إِلَيّ حَالا عَن طيب خاطر لأَنهم كَانُوا يفيدون كثيرا من التَّعَامُل معي وَأَنه لم يلْحق بأحدهم أدني ضَرَر نتيجة لذَلِك إِنَّنِي لامل فِي أَن تتوثق عرى الصداقة والود بَيْننَا على الرغم من كَثْرَة الَّذين هم على استعداد لقرضي فإنني فِي حَاجَة إِلَى عشرَة الاف دِينَار أَرْجُو أَن تمدني بهَا على ان اعيدها إِلَيْك إبان الْمَوْسِم بعد أَرْبَعَة أَو خَمْسَة شهور وَمَعَهَا خلعة إِنَّنِي لعلى ثِقَة من أَنَّك تملك الْمبلغ بل أضعافه وَأَنَّك لن ترد طلبي فَقَالَ الرجل من فرط خجله وَحسن اسْتِقْبَال الْأَمِير لَهُ الْحق مَا يَقُول الْأَمِير غير أنني من أَصْحَاب الدكاكين الَّتِي بِقدر بِأَلف أَو أَلفَيْنِ وَيَنْبَغِي أَلا يُقَال للعظماء سوى الْحَقِيقَة ان كَا مَا أقدر عَلَيْهِ سِتّمائَة ألف دِينَار جمعتها بِمَشَقَّة على مر الزَّمن وَهِي مَا أبيع بِهِ وأشتري فِي السُّوق الان فَقَالَ الْأَمِير فِي خزانتي كثير من الذَّهَب الدرستي لكنه لَا يُنَاسب الْأَمر الَّذِي أُرِيد مَا الْفَائِدَة الَّتِي تجنيها من بيعك وشرائك الْقَلِيل هَذَا أَعْطِنِي الستمائة دِينَار وَخذ عَليّ سندا بسبعمائة دِينَار بِشَهَادَة شُهُود عدُول على أَن أردهَا إِلَيْك فِي الْمَوْسِم القادم وَمَعَهَا خلعة جميلَة وَقَالَ الْوَكِيل إِنَّك لَا تعرف أميرنا إِلَى الان فَلَيْسَ فِي أَرْكَان الدولة من هُوَ أصدق مُعَاملَة مِنْهُ فَقَالَ الرجل الْحق مَا يَقُول الْأَمِير إِن هَذَا الْقدر الَّذِي أملك من الذَّهَب لَا يَدْعُو إِلَى الرَّفْض والتردد ثمَّ أعطَاهُ الْمبلغ وَأخذ عَلَيْهِ سندا وأزف الْموعد وَبعد عشرَة أَيَّام مِنْهُ ذهب الرجل للسلام على الْأَمِير وَلم ينبس ببنت شفة لِأَنَّهُ قَالَ فِي نَفسه سَيعْلَمُ الْأَمِير حِين يراني أنني جِئْت أطلب ذهبي وَاسْتمرّ على هَذَا المنوال فانقضى على الْمدَّة شَهْرَان رأى الرجل الْأَمِير فِيهَا أَكثر من عشر مَرَّات لكنه كَانَ يتجاهل أَن الرجل إِنَّمَا كَانَ يَجِيء فِي طلب مَاله أَو أَن عَلَيْهِ هُوَ أَن يدْفع إِلَيْهِ شَيْئا لما رأى الرجل تجاهل الْأَمِير كتب رِسَالَة سلمهَا بِيَدِهِ إِلَى الْأَمِير نَفسه فَقَالَ إِنَّنِي فِي حَاجَة إِلَى ذهبي الحقير لقد مضى على الْأَجَل شَهْرَان الا يتفضل الْأَمِير بالإيعاز إِلَى الْوَكِيل برده هَذَا الْخَادِم فَقَالَ الْأَمِير إِنَّك تظن أنني فِي غَفلَة من أَمرك لتهدأ بَالا وتصبر بضعَة أَيَّام فإنني فِي صدد تهيئة مَالك الَّذِي سأرسله إِلَيْك فِي مغلف مختوم بيد أحد أشخاصي المعتمدين

стр. 46

وصبر الرجل شَهْرَيْن اخرين دون أَن يرى لِلذَّهَبِ أثرا وعاود الكرة فَذهب إِلَى قصر الْأَمِير وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة أُخْرَى وَكَلمه تكليما أَيْضا فواعده الْأَمِير مَرَّات كذبا وظل الرجل يذهب مرّة كل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة مطالبا وَلَكِن دون جدوى إِلَى أَن مضى على الْأَجَل ثَمَانِيَة أشهر وأعوز الرجل فشفع أهل الْمَدِينَة وَمضى إِلَى القَاضِي وَنَاشَدَهُ باسم الشَّرْع وَلم يبْق أحد من العظماء إِلَّا وكلم الْأَمِير فِي أمره وَتشفع لَهُ عِنْده لَكِن دون جدوى أَيْضا وَانْقَضَت سنة وَنصف وَهُوَ لَا يُطِيع أوَامِر الْقَضَاء وَالشَّرْع وَلَا يستمع لما كَانَ يَقُول وجهاء الْمَدِينَة وأكابرها وَعجز الرجل وَرَضي بالتنازل عَن الْفَائِدَة وَعَن مائَة دِينَار من أصل الْمبلغ أَيْضا وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي وفقد الأمل فِي وساطة كل العظماء وأعياه التَّرَدُّد هُنَا وَهُنَاكَ وَأسلم أمره لله وَمضى إِلَى مَسْجِد فضلومند وَصلى عدَّة رَكْعَات وشكا أمره إِلَى الله تَعَالَى فِي بكاء ونشيج وَهُوَ يَقُول يَا رب أَنْت المغيث فأوصلني إِلَى حَقي وأنصفني من هَذَا الظَّالِم وَاتفقَ أَن كَانَ فِي الْمَسْجِد درويش يسمع بكاء الرجل وتضرعه فرق لَهُ قلبه وَلما انْتهى من تضرعه قَالَ الدرويش لَهُ يَا شيخ مَا الَّذِي دهاك حَتَّى تتأوه بِهَذَا الشكل أَخْبرنِي فَقَالَ لقد وصلت بِي الْحَال حدا لَا يُفِيد مَعَه القَوْل إِلَى أَي مَخْلُوق إِلَّا أَن يستجيب الله تَعَالَى لي فَقَالَ الدرويش قل لي فَلَا بُد أَن تكون ثمَّة أَسبَاب فَقَالَ الرجل يَا أَيهَا الدرويش إِن الْخَلِيفَة هُوَ الوحيد الَّذِي لم أخبرهُ بِالْأَمر لقد أخْبرت كل أُمَرَاء الْمَدِينَة وعظمائها وولجت بَاب القَاضِي لَكِن دون جدوى فَمَا الْفَائِدَة من أَن أَقُول لَك قَالَ انني مِمَّن يُقَال لَهُم ان لم يفدك قَوْلك لي فَإِنَّهُ لن يَضرك ألم تسمع قَول الْحُكَمَاء عَليّ كل ذِي ألم أَن يبوح للاخرين بألمه فلربما وجد العلاج عِنْد أقلهم شَأْنًا ان تقص عَليّ أَمرك فقد تَجِد لَهُ مخرجا وَإِلَّا فَلَنْ تصير حالك إِلَى أَسْوَأ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل فِي نَفسه صَحِيح مَا يَقُول وقص عَلَيْهِ قصَّته لما سمع الدرويش قصَّة حَال الرجل قَالَ أَيهَا الرجل الشهم لقد وجدت مخرجا لما أَنْت فِيهِ من بلَاء مَا إِن قلت لي لِيَطمَئِن قَلْبك ان تنفذ مَا أقوله تسترد ذهبك الْيَوْم قَالَ الرجل مَا أفعل قَالَ الدرويش إمض الان إِلَى الْمَسْجِد ذِي المئذنة

стр. 47

فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ إِن بِجَانِب الْمَسْجِد بوابة بعْدهَا دكان حَيْثُ يجلس هُنَاكَ رجل عَجُوز فِي ملابس رثَّة مرقعة يخيط الكرابيس وَعِنْده صبيان أجيران يعاونانه فِي ذَلِك إذهب إِلَى الدّكان وَسلم على الرجل واجلس عِنْده ثمَّ قصّ عَلَيْهِ قصتك وعندما تظفر بحقك ادْع لي بِالْخَيرِ وَإِيَّاك ان تتوانى فِي تَنْفِيذ مَا قلت لَك وَخرج الرجل من الْمَسْجِد وَهُوَ يفكر فِي نَفسه يَا للعجب لقد شفعت كل العظماء والأمراء فتولوا قضيتي وَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِي ووقفوا إِلَى جَانِبي دون جدوى والان يرشدني هَذَا الدرويش إِلَى رجل عَجُوز وَيَقُول ستصل بِهِ إِلَى حَقك إِنَّه كذب وباطل وَلَكِن مَا الْعَمَل لأذهب وَليكن مَا يكون إِن لم تكن ثمَّة فَائِدَة فَلَنْ تصير الْأُمُور إِلَى أَسْوَأ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ وَمضى إِلَى بَاب الْمَسْجِد فالدكان وَدخل فَسلم على الشَّيْخ وَجلسَ عِنْده وَمَضَت مُدَّة وَالشَّيْخ منهمك فِي خياطته الَّتِي تَركهَا جانبا بعد ذَلِك وَقَالَ للرجل مَا بك فَقص عَلَيْهِ قصَّته من أَولهَا إِلَى اخرها وَأخْبرهُ بِدُخُولِهِ الْمَسْجِد وتضرعه هُنَاكَ وسؤال الدرويش لَهُ وإرشاده إِلَيْهِ لما سمع الْخياط الْعَجُوز الْقِصَّة قَالَ ان الله هُوَ الَّذِي يدبر أُمُور الْعباد أما نَحن فَلَا نملك سوى الْكَلَام ساكلم خصمك فِي أَمرك وأسأل الله تَعَالَى أَن يدبر لَك أَمرك ويوصلك إِلَى حَقك أسْند ظهرك إِلَى الْحَائِط واسترح قَلِيلا ثمَّ قَالَ لأحد الصَّبِيَّيْنِ ضع الإبرة جانبا واذهب إِلَى سراي الْأَمِير فلَان واجلس فِي الْحُجْرَة الْخَاصَّة ثمَّ قل لمن يدْخل إِلَيْهَا أَو يخرج مِنْهَا أَن يخبر الْأَمِير بِأَن أجِير الْخياط فلَان هُنَا وَهُوَ يحمل إِلَيْك خَبرا فحين يطلبك وتراه سلم عَلَيْهِ وَقل لَهُ ان سَيِّدي يسلم عَلَيْك وَيَقُول جَاءَنِي رجل يتظلم مِنْك وَمَعَهُ سَنَد بمبلغ سَبْعمِائة دِينَار بإقرارك أَنْت وَقد مضى على أَجله عَام وَنصف أريدك أَن تعيد إِلَيْهِ الان مَاله كَامِلا دونما توان أَو تَقْصِير ثمَّ عد لي بجوابه حَالا ونهض الصَّبِي وَمضى مسرعا إِلَى قصر الْأَمِير اما أَنا فقد تملكني الْعجب لِأَنَّهُ مَا من ملك يُرْسل حَتَّى إِلَى أقل عُبَيْدَة مَا حمل الْخياط الصَّبِي من كَلَام إِلَى الْأَمِير وَإِن هِيَ

стр. 48

إِلَّا مُدَّة وَعَاد الصَّبِي فَقَالَ لسَيِّده لقد نفذت مَا أَمرتنِي بِهِ قابلت الْأَمِير ونقلت إِلَيْهِ مَا كلفتني بِهِ فَنَهَضَ من مَكَانَهُ وَقَالَ أبلغ سيدك سلامي وشكري وَقل لَهُ إِنِّي منفذ مَا أمرت بِهِ السَّاعَة أجيء وَمَعِي الذَّهَب الَّذِي سأعطيه صَاحبه بحضورك وأعتذر عَن التَّأَخُّر وَالتَّقْصِير وَلم تكد تمر سَاعَة فَإِذا الْأَمِير وَمَعَهُ الْقَائِم على الركائب وخادمان فَنزل عَن فرسه وَدخل الدّكان وَسلم وَقبل يَد الْخياط وَجلسَ أَمَامه ثمَّ تنَاول صرة ذهب من الْخَادِم وَقَالَ هَذَا هُوَ الذَّهَب حَتَّى لَا تظن أنني كنت أَرغب فِي أكل أَمْوَال هَذَا الرجل الشهم بِالْبَاطِلِ لم أكن السَّبَب فِيمَا بدا من تَقْصِير بل الوكلاء ثمَّ اعتذر كثيرا وَقَالَ لأحد الخادمين إذهب وإيت من هَذِه السُّوق بصراف مَعَه ميزَان فَذهب الْخَادِم وأحضر صرافا نقد الصراف الذَّهَب ووزنه فَكَانَ خَمْسمِائَة دِينَار خليفتي قَالَ الْأَمِير ليَأْخُذ هَذِه الْخَمْسمِائَةِ دِينَار مني الْيَوْم وسادعوه بعد عودتي من البلاط غَدا وأعطيه الْمِائَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ راجيا عَفوه وطالبا رِضَاهُ سأعمل مَا يصل بِهِ إِلَيْك الثَّنَاء عَليّ غَدا قبل صَلَاة الظّهْر فَقَالَ الْخياط ضع الْخَمْسمِائَةِ دِينَار إِلَى جَانب صَاحبهَا وَنفذ مَا قلت وَلَا تتراجع عَنهُ فَقَالَ هَذَا مَا سافعله ثمَّ وضع الذَّهَب بجانبي وَقبل يَد الْخياط وَمضى لشأنه أما أَنا فَلم أكن أَدْرِي مَا الْحَال الَّتِي كنت فِيهَا لعجبي وفرحتي وَمَا كَانَ مني إِلَّا أَن مددت يَدي وتناولت الْمِيزَان فوزنت مائَة دِينَار ووضعتها أَمَام الْخياط الْعَجُوز فَقَالَ مَا هَذَا قلت لقد رضيت أَن أسترد مَالِي نَاقِصا مائَة دِينَار لكنني سأسترد الْمبلغ كَامِلا نتيجة تدخلك وسعيك الحميد إِن هَذِه الْمِائَة دِينَار لَيست سوى تَقْدِير لجهدك وَقد بذلتها لَك عَن طيب خاطر مني فَالْتَفت الرجل حانقا عَابِسا وَقَالَ إِنَّنِي لفي غِبْطَة الان لأنني اسْتَطَعْت بكلامي أَن أخْلص مُسلما مِمَّا هُوَ فِيهِ من خزن وضيق وبلاء إِنَّنِي لَو أستحل لنَفْسي درهما وَاحِدًا من مَالك أكون أظلم لَك من هَذَا التركي إنهض وامض بِمَا أخذت من ذهب بسلامة الله أما إِذا لم يعطك الْأَمِير المائتي دِينَار الْأُخْرَى فَأَخْبرنِي ولتعرف بعد الان من هم الْأَشْخَاص الَّذين تتعامل مَعَهم وَبعد أَن بذلت أقْصَى جهدي لإقناعه بِالْقبُولِ وَهُوَ يرفض قُمْت من عِنْده وانصرفت إِلَى منزلي فَرحا مَسْرُورا ونمت لَيْلَتي تِلْكَ قرير الْعين

стр. 49

وَفِي ضحى الْيَوْم التَّالِي إِذْ كنت جَالِسا فِي بَيْتِي جَاءَ رَسُول الْأَمِير فِي طلبي وَقَالَ يَقُول الْأَمِير أَرْجُو أَن تكلّف نَفسك عناء الْحُضُور إِلَى قصري فمضيت وَلما دخلت عَلَيْهِ قَامَ فِي وَجْهي وأجلسني فِي مَكَان أثير وَأخذ يشْتم وكلاءه ويلعنهم وينحي باللائمة عَلَيْهِم قَائِلا إِنَّهُم هم الَّذين قصروا أما أَنا فَكنت مَشْغُولًا بِخِدْمَة الْملك وَقَضَاء أَعماله ثمَّ قَالَ للْمُوكل بالخزانة إِلَيّ بكيس ذهب وميزان وَوزن مِائَتي دِينَار وناولينها فَشَكَرت لَهُ ونهضت لأنصرف لكنه قَالَ اجْلِسْ قَلِيلا وأحضر الطَّعَام وَبعد أَن أكلنَا وغسلنا أَيْدِينَا هَمس فِي أذن أحد الخدم شَيْئا فَذهب الْخَادِم وأحضر خلعة فِي الْحَال وَقَالَ الْأَمِير ألبسهُ فألبست جُبَّة ثمينة وعمامة مقصبة ثمَّ قَالَ الْأَمِير لي هَل رضيت عني بقلب سليم قلت أجل قَالَ أعد إِلَيّ سندي واذهب الان إِلَى الْخياط الْعَجُوز وَقل لَهُ لقد استرددت حَقي كَامِلا وانني عَن فلَان لراض قلت سافعل لِأَنَّهُ هُوَ نَفسه طلب إِلَيّ أَن أخبرهُ غَدا ومضيت من قصر الْأَمِير إِلَى الْخياط وَقلت لَهُ لقد استدعاني الْأَمِير وأكرمني وَدفع إِلَيّ بَقِيَّة ذهبي ووصلني بِهَذِهِ الْجُبَّة وَهَذِه الْعِمَامَة وَلَيْسَ هَذَا فِي رَأْيِي إِلَّا من بركَة كلامك فَمَاذَا يحدث لَو قبلت مني مِائَتي دِينَار لكنه على الرغم من كَثْرَة مَا حاولت لم يقبل ثمَّ نهضت وعدت إِلَى دكاني فَرحا مَسْرُورا وَفِي الْيَوْم التَّالِي اعددت حملا وعددا من الدَّجَاج المقلي وَذَهَبت بهَا إِلَى الْخياط وَمَعِي طبق حلوى وكعك أَيْضا وَقلت يَا شيخ إِنَّك لَا تقبل ذَهَبا فأرجو لكَي يدْخل السرُور على قلبِي أَن تقبل مني هَذَا الْقدر من المأكولات تبركا فَهُوَ من كسبي الْحَلَال فَقَالَ قبلت وَمد يَده وَشرع يَأْكُل من طَعَامي ويناول أجيريه ثمَّ قلت لَهُ ان لي عنْدك حَاجَة إِن تقضها أقل قَالَ قلت لقد كلم كل أَشْرَاف بَغْدَاد وأمرائها الْأَمِير فِي أَمْرِي فَلم يستمع لأحد وَلَقَد عجز القَاضِي عَنهُ أَيْضا فَلم اسْتَجَابَ لكلامك وَنفذ كل مَا قلت حَالا ورد أَلِي ذهبي مَا سَبَب حرمتك هَذِه عِنْده قل لي لأعرفه قَالَ أَو مَا تَدْرِي خبري مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت لَا قَالَ أصغ إِلَيّ وهاك مَا أَقُول قَالَ اعْلَم أنني أؤذن على مئذنة هَذَا الْمَسْجِد مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وأكسب رِزْقِي من الْخياطَة لم أشْرب الْخمْرَة وَلم أرتكب الزِّنَا أَو اللواط أَو أقترف الْأَعْمَال القبيحة قطّ

стр. 50

ومنذ ذَلِك الْوَقْت وَأَنا أسكن هُنَا فِي حَيّ أحد الْأُمَرَاء وَذَات يَوْم صليت الْعَصْر وَخرجت من الْمَسْجِد متجها إِلَى الدّكان فَإِذا ذَلِك الْأَمِير سَكرَان مُمْسك بعباءة إمرأة شَابة يَدْفَعهَا عنْوَة وَهِي تصرخ وَتقول أَيهَا الْمُسلمُونَ اغيثوني فلست من هَذَا الصِّنْف من النِّسَاء إِنَّنِي إبنة فلَان وَزوج فلَان وبيتنا فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ وَالنَّاس كلهم يعرفونني بالستر وَالصَّلَاح إِن هَذَا التركي يجرني عنْوَة لقَضَاء ماربه الدنيئة لقد أقسم زَوجي أَنه سيطلقني إِن تغيبت عَن الْمنزل لَيْلَة لقد كَانَت تبْكي وتستغيث دون أَن يهب لنجدتها اُحْدُ لِأَن هَذَا التركي كَانَ عَظِيما ومهيمنا وَكَانَ لَهُ عشرَة الاف فَارس وَلم يكن أحد يَجْرُؤ على أَن يكلمهُ حرفا غير أنني صرخت لمُدَّة قَصِيرَة لَكِن دون جدوى إِذْ مضى بِالْمَرْأَةِ إِلَى قصره وثارت فِي نَفسِي لذَلِك التَّعَدِّي وَالظُّلم الحمية الدِّينِيَّة وَعيلَ صبري فَذَهَبت وجمعت شُيُوخ الْحَيّ ثمَّ مضينا جَمِيعًا إِلَى قصره فاعترضنا وصرخنا باعلى أصواتنا ألم يبْق بَغْدَاد مُسلم حَتَّى تساق فِيهَا إمراة من الشَّارِع كرها على سمع الْخَلِيفَة وبصره لارتكاب الْفَاحِشَة مَعهَا ان تتْرك الْمَرْأَة فبها ونعمت وَإِلَّا فها نَحن أولاء ماضون إِلَى بلاط المعتصم نشكوك إِلَيْهِ وَلما سمع الْأَمِير صراخنا خرج إِلَيْنَا مَعَ غلمانه فأوجعونا ضربا وكسروا أَيْدِينَا وأرجلنا وَلما رَأينَا الْأَمر على هَذِه الْحَال لذنا بالفرار وتفرقنا وَكَانَ الْوَقْت عشَاء فاديت الصَّلَاة وَبعد مُدَّة ارتديت ثِيَاب نومي واضطجعت على الأَرْض لكنه لم تغمض لي عين لشدَّة مَا كنت فِيهِ من إعياء وغيرة واستغرقت فِي تفكير عميق إِلَى أَن مضى من اللَّيْل نصفه وَقلت فِي نَفسِي إِن كَانَ يُرِيد فَسَادًا فقد حقق بغيته الْأَمر الَّذِي لَا يُمكن تلافيه وَهَذَا أَسْوَأ من قسم زوج الْمَرْأَة عَلَيْهَا بِالطَّلَاق إِن هِيَ تغيبت عَن الْبَيْت لَيْلًا لكنني سَمِعت أَن المدمنين ينامون حِين ياخذ مِنْهُم السكر مأخذه وَأَنَّهُمْ حِين يفيقون لَا يدركون كم مضى من اللَّيْل حِينَئِذٍ صممت على أَن أصعد إِلَى المئذنة وأؤذن للصَّلَاة فلربما يظنّ التركي حِين سَماع الاذان أَن النَّهَار قد وضح فيطلق سراح الْمَرْأَة ويخرجها من قصره وَلَا بُد لَهَا بعد ذَلِك أَن تمر بِالْقربِ من بَاب الْمَسْجِد أما أَنا فسأنزل بعد الْأَذَان حَالا وأقف بِالْبَابِ فِي انتظارها لأوصلها إِلَى بَيت زَوجهَا حَتَّى لاتدقع المسكينة طَلاقهَا وخراب بَيتهَا ثمنا لما حدث ونفذت مَا فَكرت بِهِ فَصَعدت المئذنه وأذنت للصَّلَاة وأمير الْمُؤمنِينَ المعتصم لما ينم فَلَمَّا سمع الاذان فِي غير وقته غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ ان من يُؤذن فِي نصف اللَّيْل لمفسد لِأَن كل من يسمع الاذان يظنّ أَن الْفجْر قد طلع فَإِذا مَا خرج من بَيته

стр. 51

يَبْتَلِيه العسس وَأمر أحد خدمه أَن أذهب وَقل لحاجب الْبَاب إِنَّنِي أَي المعتصم اريدك أَن تذْهب الان وتحضر الْمُؤَذّن الَّذِي رفع الاذان فِي نصف اللَّيْل لأعاقبه عقَابا شَدِيدا حَتَّى لَا يرفع أَي مُؤذن الاذان فِي غير موعده بعد ذَلِك وعَلى حِين كنت وَاقِفًا بِبَاب الْمَسْجِد انْتظر الْمَرْأَة إِذا الْحَاجِب يتهادى وَبِيَدِهِ سراج فَلَمَّا راني قَالَ أَأَنْت الَّذِي أَذِنت للصَّلَاة قلت بلَى قَالَ لماذا أَذِنت فِي غير وَقت لقد استنكره الْخَلِيفَة جدا وَهُوَ لهَذَا ساخط عَلَيْك كثيرا فأرسلني فِي طَلَبك لتأديبك قلت الحكم مَا يرَاهُ الْخَلِيفَة إِلَّا أَن شخصا سيىء الْخلق حَملَنِي على ان أرفع الْأَذَان فِي غير وقته قَالَ فَمن يكون هَذَا قلت هُوَ الَّذِي لَا يخْشَى الله وَلَا يخَاف الْخَلِيفَة قَالَ وَمن ذَا الَّذِي كَانَت لَهُ الجراة على ذَلِك قلت هَذَا أَمر لَا ابوح بِهِ لغير أَمِير الْمُؤمنِينَ اما ان كنت أَذِنت مُتَعَمدا لشَيْء فِي نَفسِي فَإِن اية عُقُوبَة يقْضِي بهَا الْخَلِيفَة سَتَكُون قَليلَة بحقي قَالَ بِسم الله هيا بِنَا إِلَى الْخَلِيفَة وَلما وصلنا إِلَى مدْخل الْقصر كَانَ الْخَادِم فِي انتظارنا فَقَالَ الْحَاجِب للخادم كل مَا قلته لَهُ وهرع الْخَادِم إِلَى المعتصم وَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ إذهب واحضره وأخذني الْخَادِم إِلَى المعتصم فَقَالَ لي لماذا رفعت الْأَذَان فِي غير أَوَانه وسردت عَلَيْهِ قصَّة التركي مَعَ الْمَرْأَة من أَولهَا إِلَى اخرها فَلَمَّا سَمعهَا طَار صَوَابه وَقَالَ للخادم قل لحاجب الْبَاب امْضِ الان بِمِائَة فَارس إِلَى قصر الْأَمِير فلَان وَقل لَهُ الْخَلِيفَة يستدعيك وَحين تقبض عَلَيْهِ أخرج الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ سَاقهَا أمس عنْوَة إِلَى قصره وخذها إِلَى بَيتهَا ثمَّ ادْع زَوجهَا إِلَى الْبَاب وَقل لَهُ ان المعتصم يقرؤك السَّلَام ويتشفع لديك فِي أَمر هَذِه الْمَرْأَة وَيَقُول لم يكن لَهَا أَي ذَنْب فِيمَا حدث فَعَلَيْك أَن تحسن معاملتها الان أَكثر من أَي وَقت مضى ثمَّ عد إِلَيّ بالأمير بِسُرْعَة اما أَن الشَّيْخ فَقَالَ لي إبق هُنَا قَلِيلا وَبعد فَتْرَة جِيءَ بالأمير إِلَى المعتصم الَّذِي مَا إِن وَقعت عينه عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ يَا كَذَا وَكَذَا مَا الَّذِي رَأَيْت من عدم حميتي وغيرتي على الدّين الإسلامي أَو من

стр. 52

ظلمي النَّاس وَأي خلل طَرَأَ على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فِي عهدي أَلَسْت أَنا الَّذِي خرج من أجل مُسلم وَقع أَسِيرًا بايدي الرّوم من بَغْدَاد إِلَى بِلَادهمْ فَكسرت جيوشهم وهزمت قيصرهم ودمرت بِلَادهمْ على مدى سِتّ سنوات أَو لست أَنا الَّذِي هدم الْقُسْطَنْطِينِيَّة وأحرقها وَبنى فِيهَا الْمَسْجِد الْجَامِع وَلم يعد قبل أَن يخلص ذَلِك الرجل من قبضتهم إِن الذِّئْب وَالشَّاة يشربان فِي هَذِه الْأَيَّام من مورد وَاحِد لعدلي وَالْخَوْف مني فَكيف تجرؤ على سوق إمرأة بِبَغْدَاد إِلَى قصرك عنْوَة وترتكب مَعهَا الْفَاحِشَة وتعتدي على من نهوك وأمروك بِالْمَعْرُوفِ ضربا ثمَّ أَمر أَن أحضروا جولقا وضعوه أَي الْأَمِير التركي فِيهِ ثمَّ أحكموا ربطه فَفَعَلُوا بعد ذَلِك أَمر بمدقين مِمَّا يفتت بِهِ الجص وَقَالَ ليقف وَاحِد فِي هَذَا الطّرف وَوَاحِد فِي الطّرف الاخر ثمَّ اضرباه إِلَى أَن يصير إربا إربا وَشرع الرّجلَانِ يَضْرِبَانِهِ فَوْرًا إِلَى أَن فتتاه تفتيتا وَقَالا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عِظَامه دقَّتْ دقا فَأمر بَان يحملا الجولق مِثْلَمَا هُوَ ويلقياه فِي نهر دجلة بعد ذَلِك قَالَ المعتصم لي يَا شيخ إعلم أَن من لَا يخَاف الله لَا يخافني أَيْضا فِي حِين أَن من يخافه لَا يقدم على عمل يُعَاقب بِهِ فِي الدُّنْيَا والاخرة أما هَذَا الرجل فقد لَاقَى جزاءه لِأَنَّهُ فعل مَا لَا يفعل وَأما أَنْت فإنني امرك من الان بِأَن ترفع الْأَذَان فِي غير وقته كلما علمت بظُلْم شخص لاخر أَو أيذائه إِيَّاه دونما حق أَو لاستخفاف يَبْدُو مِنْهُ بِالشَّرْعِ لأطلبك حِين سَمَاعه وأستفسر عَن الْأَمر وأعاقب المذنب بِمثل مَا عَاقَبت بِهِ هَذَا الْكَلْب وَإِن يكن ابْني أَو أخي ثمَّ أَمر لي بصلَة وصرفني إِن الْأَشْرَاف والعظماء والخاصة لعلى علم جيد بِهَذِهِ الْحَادِثَة وان الْأَمِير لم يعد إِلَيْك ذهبك احتراما لي بل خوفًا من الجولق والمدق ودجلة وَلَو توانى لصعدت

стр. 53

إِلَى المئذنه وَرفعت الاذان فِي غير موعده ولكان مصيره مصير ذَلِك التركي وَمثل هَذِه الْحِكَايَة كثير لكنني أكتفي بِمَا ذكرت ليعلم سيد الْعَالم مَا كَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاء والملوك وَكَيف أَنهم كَانُوا يحْمُونَ الشَّاة من الذِّئْب ويعاقبون الْعمَّال وولاة الْأُمُور ويحذرون المفسدين ويقفون لَهُم بالمرصاد ثمَّ كَيفَ أَنهم حفظوا للدّين الإسلامي قوته وعزه وصانوه وأرسوا دعائمه

стр. 54

الْفَصْل الثَّامِن فِي التَّحْقِيق والتحري فِي أُمُور الدّين والشريعة وَمَا إِلَيْهِمَا على الْملك تحري امور الدّين وَإِقَامَة الْفَرَائِض وَالسّنَن وأوامر الله تَعَالَى وَحفظ حُرْمَة عُلَمَاء الدّين وتأمين أَرْزَاقهم من بَيت المَال وإكرام الزهاد والمتقين وتقديرهم وَعَلِيهِ أَن يَدْعُو إِلَيْهِ عُلَمَاء الدّين مرّة أَو مرَّتَيْنِ أسبوعيا ويستمع مِنْهُم إِلَى أوَامِر الْحق تَعَالَى وَتَفْسِير الْقرَان الْكَرِيم وأخبار الرَّسُول ﵊ وسير الْمُلُوك الْعُدُول وقصص الْأَنْبِيَاء ﵈ وَفِي هَذِه الْأَثْنَاء يَنْبَغِي أَلا يشغل نَفسه بالتفكير فِي أَي أَمر من أُمُور الدُّنْيَا بل يجب أَن يسخر ذهنه وسَمعه للإصغاء إِلَيْهِم ثمَّ يطْلب مِنْهُم أَن يَتَحَوَّلُوا إِلَى فريقين يتناظران فِيمَا بَينهم وَعَلِيهِ أَن يستوضح عَمَّا يغمض عَلَيْهِ فيعرفه ويحفظه فاذا مَا تكَرر مِنْهُ هَذَا تصبح لَهُ سجية وَعَادَة وَلنْ يمْضِي طَوِيل وَقت حَتَّى يُحِيط باكثر أَحْكَام الشَّرِيعَة وَتَفْسِير الْقرَان وأخبار الرَّسُول ﵊ ويحفظه فتتسع امامه بذلك سبل الْمعرفَة بالأمور الدِّينِيَّة والدنيوية بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع اي مُبْتَدع أَو صَاحب اعْتِقَاد خَبِيث ان يحرفه عَن مسيره إِنَّمَا يقوى رَأْيه ويعم عدله وتمحي من مَمْلَكَته الْبدع والأهواء وتتم على يَدَيْهِ الْأَعْمَال الجليلة وتستأصل بِهِ جذور الشَّرّ وَالْفساد والفتنة فينقرض المفسدون ويزداد أهل الصّلاح بَأْسا فيكسب السمعة الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا وينجو من عِقَاب الاخرة بل يتبوأ أَعلَى الدَّرَجَات فِيهَا ويثاب ثَوابًا كَبِيرا ثمَّ يزْدَاد إقبال النَّاس فِي عَهده على الْعلم أَكثر فاكثر روى ابْن عمر ﵄ أَن الرَّسُول ﵊ قَالَ أعدت للعادلين وأهليهم وَمن هم فِي رعايتهم قُصُور من نور فِي الْجنَّة ان الاسْتقَامَة فِي الدّين لأجمل مَا يَنْبَغِي أَن يَتَّصِف بِهِ الْملك لِأَن الْملك وَالدّين

стр. 55

صنْوَان فَأَي اضْطِرَاب فِي المملكة لَا بُد أَن يرافقه اختلال فِي امور الدّين فَيظْهر وَالْحَال هَذِه المفسدون وَأَصْحَاب الْمذَاهب والمعتقدات الخبيثة وَكلما تتضعضع أُمُور الدّين يتسرب الوهن إِلَى المملكة فتقوى شَوْكَة المفسدين الَّذين يتسببون فِي إقلاق رَاحَة الْملك وَزَوَال هيبته فبظهر الْبِدْعَة ويزداد الخارجون والعابثون قُوَّة وبأسا أَقْوَال فِي الْمَوْضُوع يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ أفضل السلاطين أُولَئِكَ الَّذين يجالسون أهل الْعلم ويخالطونهم وأسوأ الْعلمَاء أُولَئِكَ الَّذين يجالسون السُّلْطَان ويعاشرونه وَيَقُول أردشير إِن السُّلْطَان الَّذِي لَيست لَهُ الْقُدْرَة على إصْلَاح خاصته لَا يَسْتَطِيع أبدا ان يصلح الْعَامَّة والرعية وَفِي هَذَا يَقُول الْحق تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ وَيَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَيْسَ ثمَّة شَيْء أدعى لخراب المملكة وفنائها وهلاك الرّعية من طول الستارة بَين الْملك وَالنَّاس وَلَيْسَ ثمَّة شَيْء أجدى وأهيب فِي قُلُوب النَّاس من قصر ستارة الْملك وسهولة الْوُصُول إِلَيْهِ خَاصَّة فِي أَفْئِدَة الْوُلَاة والعمال فهم إِذا مَا علمُوا أَن لَا حجاب بَين الْملك ورعيته لَا يقدمُونَ على ظلمها وَأخذ أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق وَقَالَ لُقْمَان الْحَكِيم لَا صديق أفضل للمرء فِي الدُّنْيَا من الْعلم فَهُوَ أحسن من الْكَنْز لِأَنَّك أَنْت الَّذِي تَحْمِي الْكَنْز فِي حِين أَن الْعلم هُوَ الَّذِي يحميك وَيَقُول الْحسن الْبَصْرِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ لَيْسَ الْعَالم من يعرف الْعَرَبيَّة أَكثر أَو الأقدر على أَلْفَاظ الْعَرَب ولغتها بل هُوَ الْمُحِيط بِكُل علم باللغة الَّتِي يجيدها فَإِذا مَا عرف امْرُؤ كل أَحْكَام الشَّرِيعَة وَتَفْسِير الْقرَان بالتركية والفارسية أَو الرومية وَلَا يعرف الْعَرَبيَّة فَهُوَ عَالم وَلَو عرف الْعَرَبيَّة لَكَانَ أفضل لِأَن الله تَعَالَى نزل الْقرَان بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَن مُحَمَّدًا الْمُصْطَفى ﷺ كَانَ عَرَبِيّ اللِّسَان وَحين يشع سنا الْإِشْرَاق الإلهي على الْملك وَتَكون لَهُ مملكة دعائمها الْعلم فَإِنَّهُ

стр. 56

يفوز بسعادة الدُّنْيَا والاخرة لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه لَا يقدم على أَي عمل دون دراية بِهِ وَلَا يرضى عَن الْجَهْل أَلا ترى أَن شهرة من كَانُوا مسؤولين وملوكا حكماء طبقت الافاق لِأَن مَا شادوه من جلائل الْأَعْمَال سيظل يخْفق باسمائهم عالية إِلَى يَوْم الدّين من هَؤُلَاءِ على سَبِيل الْمِثَال أفريدون والإسكندر وأردشير وأنوشروان الْعَادِل وَعمر بن الْخطاب ﵁ وَعمر بن عبد الْعَزِيز نور الله مضجعه وَهَارُون الرشيد والمأمون والمعتصم وَإِسْمَاعِيل بن أَحْمد الساماني وَالسُّلْطَان مَحْمُود الغزنوي رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ إِن أَعماله جليلة للعيان وَهِي مسطورة فِي بطُون الْكتب والتواريخ يقْرؤهَا النَّاس فتلهج ألسنتهم بِالدُّعَاءِ لَهُم وَالثنَاء عَلَيْهِم إِحْسَان عمر بن عبد الْعَزِيز يُقَال أَنه لما حل الْقَحْط بِالنَّاسِ على عهد عمر بن عبد الْعَزِيز وَضَاقَتْ بهم السبل قَصده فريق من الْعَرَب شاكين إِلَيْهِ فَقَالُوا يَا امير الْمُؤمنِينَ إِنَّا نَأْكُل فِي هَذَا الْقَحْط لحومنا وَنَشْرَب دماءنا اي أَصَابَنَا الهزال واصفرت وُجُوهنَا لقلَّة الطَّعَام إِن مَا نحتاج أليه فِي بَيت مَالك وَهَذَا المَال إِمَّا لَك وَإِمَّا لله تَعَالَى وَإِمَّا لِعِبَادِهِ فَإِن يكن لعباد الله فَنحْن مِنْهُم وَإِن يكن لله فَلَا حَاجَة لله بِهِ وَإِن يكن من أموالك وَتصدق علينا ان الله يَجْزِي المتصدقين وَإِن يكن من أَمْوَالنَا فهبنا إِيَّاه لننجو من هَذَا الضّيق فَلَقَد يَبِسَتْ جلودنا على أجسامنا فرق عمر بن عبد الْعَزِيز لحالهم وسالت الدُّمُوع من عَيْنَيْهِ وَقَالَ إِنَّنِي فَاعل مِمَّا قُلْتُمْ وَأمر فِي الْحَال بِقَضَاء طَلَبهمْ وتلبية حَاجتهم وَلما هموا بالإنصراف قَالَ لَهُم عمر رَحْمَة الله عَلَيْهِ أيه أَيهَا النَّاس ايْنَ أَنْتُم ذاهبون أَلا تعرضون أَمْرِي على الله تَعَالَى مِثْلَمَا عرضتم أَمركُم وَأمر عباد الله عَليّ أَي اذكروني بِالْخَيرِ فاتجه النَّاس نَحْو السَّمَاء وَرفعُوا أَيْديهم قائلين يارب بعزتك وجلالك عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز مَا عَامل بِهِ عِبَادك وَمَا إِن فرغوا من دُعَائِهِمْ حَتَّى غامت السَّمَاء فَنزل الْمَطَر مدرارا وَسَقَطت بردة على اجْرِ قصر عمر فانشقت نِصْفَيْنِ وَإِذا ورقة تخرج مِنْهَا فَلَمَّا نظرُوا فِيهَا وجدوا الْعبارَة التاليه هَذَا بَرَاءَة من الله الْعَزِيز إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز من النَّار وَفِي هَذَا الْمَوْضُوع حكايات كَثِيرَة حَسبنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْفَصْل مَا ذكر

стр. 57

الْفَصْل التَّاسِع فِي مشرفي الدولة وكفافهم يَنْبَغِي إِسْنَاد الإشراف إِلَى من يعْتَمد عَلَيْهِ اعْتِمَادًا تَاما ليتَمَكَّن من الْإِحَاطَة بِكُل مَا يجْرِي فِي البلاط والإجابة عَن كل شَيْء فِي أَي وَقت يطْلب إِلَيْهِ ذَلِك وعَلى المشرف نَفسه أَن يعين لَهُ نَائِبا أَمينا قَوِيا فِي كل نَاحيَة ومدينة لمراقبة الْأَعْمَال والإشراف على تَحْصِيل الْخراج ومعرف كل كَبِيرَة وصغيرة تقع هُنَاكَ وعَلى هَؤُلَاءِ إِلَّا يشغلوا أنفسهم بِجمع المَال لفائدتهم الشخصية وكفافهم فَيَكُونُوا عبئا على الرّعية يرهقها من جَدِيد لذا يجب أَن يُؤمن لَهُم كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من بَيت المَال حَتَّى لَا تكون لَهُم ثمَّة حَاجَة لخيانة ورشوة وستكون ثَمَرَة استقامتهم فِي أَعْمَالهم عشرَة أَمْثَال بل مائَة مثل لما يعطوه من أَمْوَال فِي حينها

стр. 58

الْفَصْل الْعَاشِر فِي أَصْحَاب الْبَرِيد وَنهي الْأَخْبَار وتدبير شؤون المملكة على الْمُلُوك أَن يتحروا أَحْوَال الرّعية والجيش وكل بعيد وَقَرِيب وَأَن يعرفوا كل كَبِيرَة وصغيرة فِي المملكة فَإِن لم يَفْعَلُوا فسيكون ذَا عَيْبا ومأخذا يَأْخُذهُ النَّاس عَلَيْهِم ويحملونه محمل الْغَفْلَة والتهاون وَالظُّلم وَيَقُولُونَ إِمَّا أَن الْملك يعلم بِأَمْر الْفساد وَالسَّرِقَة والنهب المتفشي فِي المملكة وَإِمَّا أَنه لَا يعلم فَإِن يكن على علم بِهِ وَلَا يمنعهُ أَو يقف فِي وَجهه فَلِأَنَّهُ ظَالِم وَعَن الظُّلم رَاض وَإِلَّا فَهُوَ غافل قَلِيل الدِّرَايَة والاطلاع وكلا الْأَمريْنِ غير مَحْمُود وَلَا بُد من صَاحب الْبَرِيد لقد كَانَ للملوك فِي كل الأحقاب فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أَصْحَاب بريد فِي كل المدن لم يكن يفوتهُمْ الْعلم بِمَا يحدث من خير وَشر حَتَّى إِذا مَا غصب شخص اخر دجَاجَة أَو مخلاة تبن على مرمى خَمْسمِائَة فَرسَخ فَإِن الْملك كَانَ يُعلمهُ وَيَأْمُر بتأديبه ومعاقبته ليعرف الاخرون أَنه يقظ وَأَن لَهُ مخبرين فِي كل مَكَان وَأَنه يضْرب على أَيدي الظَّالِمين فَكَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ إِلَى الْكسْب والإعمار وَالْبناء فِي ظلّ الْأَمْن وَالْعدْل إِن هَذِه المهمة دقيقة وشاقة يجب أَن يعْهَد بهَا لمن لَا يساء الظَّن بهم وبألسنتهم وأقلامهم وَلَا يجرونَ وَرَاء أغراضهم ومصالحهم الْخَاصَّة لِأَن صَلَاح المملكة وفسادها مَرْهُون بهم وَيَنْبَغِي أَن يعين هَؤُلَاءِ من لدن الْملك نَفسه وَأَن تدفع لَهُم أُجُورهم ورواتبهم من الخزانة كي يقومُوا بواجباتهم على النَّحْو الْأَفْضَل وهم مطمئنو البال وَيجب أَلا يعرف أحد غير الْملك بالمهام الَّتِي يؤدونها حَتَّى إِذا مَا أخبر بِأَمْر جَدِيد يقْضِي بِمَا يرَاهُ مناسبا فينال كل شخص مَا يسْتَحق من عِقَاب وَجَزَاء أَو مكافئة وَهبة وَتَقْدِير بَغْتَة وَدون أَن يدْرِي وَإِذا مَا سَارَتْ الْأُمُور على هَذَا النَّحْو فسيحرص النَّاس على طَاعَة الْملك وَالْخَوْف من

стр. 59

عِقَابه دَائِما وَلنْ يَجْرُؤ أحد على عصيانه وَالْخُرُوج عَلَيْهِ أَو حَتَّى مُجَرّد التفكير فِي ذَلِك إِن وجود مهمة صَاحب الْبَرِيد ومنهي الْأَخْبَار لدَلِيل على عدل الْملك ويقظته وَقُوَّة رَأْيه وعَلى إعمار الدولة أَيْضا حِكَايَة لصوص كوج وبلوج يُقَال أَنه لما استولى السُّلْطَان مَحْمُود على الْعرَاق سرق لصوص من كوج وبلوج الَّتِي كَانَت تَابِعَة لولاية كرمان بضَاعَة إمرأة كَانَت فِي إِحْدَى القوافل النَّازِلَة بدير الجص فمضت الْمَرْأَة إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود تَشْكُو إِلَيْهِ قائلة لقد سرق اللُّصُوص مَا بحوزتي من بضَاعَة بدير الجص فإمَّا أَن تستردها وَإِمَّا أَن تعوضني بهَا فَقَالَ مَحْمُود أَيْن يَقع دير الجص قَالَت الْمَرْأَة خُذ من الولايات مَا تَسْتَطِيع أَن تعرف مَا يَدُور فِيهَا وتوفيها حَقّهَا وتحفظها فَقَالَ حق مَا تَقُولِينَ وَلَكِن أَتَدْرِينَ من أَي قوم كَانَ أُولَئِكَ اللُّصُوص وَمن أَيْن أَتَوا قَالَت من كوج وبلوج وَقد جَاءُوا من قرب كرمان قَالَ مَحْمُود ذَلِك الْمَكَان بعيد عَن متناول الْيَد وَهُوَ خَارج عَن نطاق ولايتي وَلَا حكم لي على لصوصه فَقَالَت الْمَرْأَة أَي سُلْطَان أَنْت وَلَا تَسْتَطِيع أَن تدبر ولايتك وَأي رَاع أَنْت وَلَا تَسْتَطِيع أَن تَحْمِي الشَّاة من الذِّئْب شتان بيني وَبَيْنك أَنا فِي ضعْفي وانفرادي وَأَنت فِي قوتك وجيشك فترقرقت فِي عَيْني مَحْمُود الدُّمُوع وَقَالَ حق مَا تَقُولِينَ مَا أَنا فَاعله الان هُوَ أَن أعوضك عَن بضاعتك أما اللُّصُوص فسأعمل على التَّصَرُّف بشأنهم مَا وسعني جهدي وَأمر بتعويض الْمَرْأَة عَن بضاعتها من الخزانة ثمَّ كتب إِلَى أبي عَليّ الياس أَمِير كرمان وتيز الرسَالَة التالية لم يكن غرضي من الْقدوم إِلَى الْعرَاق الِاسْتِيلَاء

стр. 60

عَلَيْهَا فقد كنت فِي غَزْو وَجِهَاد مُسْتَمر بِالْهِنْدِ لكنني أتيتها لِكَثْرَة الرسائل المتعاقبة الَّتِي كَانَت تصل إِلَيّ من الْمُسلمين وَكلهَا تَتَحَدَّث عَن فَسَاد الديالمة وظلمهم بالعراق وإظهارهم الْبِدْعَة والجهر بهَا ونصبهم الكمائن على ملتقى الطّرق ومعابرها فَكلما مرت امْرَأَة أَو غُلَام طرير وسيم ينقضون عَلَيْهِم ويأخذونهم عنْوَة ويرتكنون الْفَاحِشَة مَعَهم ثمَّ انهم يخضبون أَيدي المرد وأرجلهم بِالْحِنَّاءِ ويحتفظون بهم إِلَى الْمدَّة الَّتِي يشاؤون ويطلقونهم بعد ذَلِك كَمَا أَنهم يلعنون صحابة رَسُول الله ﷺ عَلَانيَة ويقذفون عَائِشَة الصديقة ﵄ وَهِي أم الْمُؤمنِينَ بِالزِّنَا ثمَّ أَن المستقطعين يحصلون الْخراج من الزراع مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فِي السّنة ويفعلون مَا يحلو لَهُم أما الْملك الَّذِي يلقبونه مجد الدولة فاقتنع بَان يخلعوا عَلَيْهِ لقب ملك الْمُلُوك وَله من الْأزْوَاج تسع دخل بِهن شرعا أما الرّعية فأنهم يظهرون مَذْهَب الزَّنَادِقَة والباطنية عَلَانيَة فِي كل مَكَان بالمدن والأطراف ويسفهون الله وَالرَّسُول ويشتمونهما وينفون الْخَالِق على الْمَلأ وَيُنْكِرُونَ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالزَّكَاة فَلَا المستقطعون يزجرونهم عَن أَقْوَال الْكفْر هَذِه وَلَا هم يَقُولُونَ للمستقطعين لم تسبون صحابة رَسُول الله ﷺ وتعيثون فِي النَّاس ظلما وَفَسَادًا إِن كلا الْفَرِيقَيْنِ يؤازر الاخر فَلَمَّا أخْبرت بِحَقِيقَة الْحَال اثرت هَذَا الْأَمر على غَزْو الْهِنْد واتجهت نَحْو الْعرَاق وسلطت جَيش التّرْك الَّذين هم حنفيون وأنقى الْمُسلمين على رِقَاب الديالمة والزنادقة والباطنبة لأستأصل جذورهم فَمنهمْ من قتل بسيوفهم وَمِنْهُم من كبل بالأغلال وزج بِهِ فِي السجْن وَمِنْهُم من تشَتت فِي الافاق ثمَّ أسندت كل الْأَعْمَال والمهام إِلَى سادة خُرَاسَان وولاتها وحكامها فهم من الْحَنَفِيَّة أَو الشَّافِعِيَّة الْأَطْهَار إِن هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ أَعدَاء للرافضة والباطنية وكل الخارجين على الدّين وعَلى وئام مَعَ الأتراك ثمَّ نحيت كل الكتبة الْعِرَاقِيّين لعلمي أَن أَكْثَرهم من تِلْكَ الفئات الباغية وَأَنَّهُمْ يفسدون على التّرْك أَعْمَالهم كل هَذَا لكَي أصفي الْعرَاق من أَصْحَاب الْمذَاهب الخبيثة والمعتقدات السَّيئَة فِي مُدَّة قَليلَة بعون الله فَالله تَعَالَى خلقنَا لهَذَا وولانا الْخلق لنمحو المفسدين من على وَجه المعمورة ونحمي أهل الصّلاح ونملأ الأَرْض عدلا وسخاء وَرَحْمَة وَفِي غُضُون هَذَا بلغنَا أَن جمَاعَة من مفسدي كوج وبلوج سطوا على استراحة دير الجص وسرقوا مِنْهَا مَالا اريدك أَن تقبض عَلَيْهِم وتسترد الْأَمْوَال مِنْهُم ثمَّ تشنقهم جَمِيعًا أَو ترسلهم بِمَا سرقوا مكبلي الْأَيْدِي إِلَى الرّيّ فَأَنِّي لَهُم الجرأة على تجَاوز كرمان إِلَى

стр. 61

ولايتى وَقطع الطّرق فِيهَا وَإِلَّا فَلَيْسَتْ كرمان أبعد من سومنات سأدفع بالجيوش إِلَيْهَا وأبتليها بِالْحَرْبِ والدمار لما أوصل الرَّسُول الرسَالَة خَافَ أَبُو عَليّ الياس كثيرا وَأكْرم وفادته حَالا وَحمله بشتى أَنْوَاع الْجَوَاهِر واللالىء البحرية النادرة وَبدر الذَّهَب وَالْفِضَّة هَدَايَا إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود وَكتب إِلَيْهِ يَقُول إِنَّنِي مَوْلَاك ومطيع أوامرك أَلا يعلم مولَايَ جيدا حَال مَوْلَاهُ وَولَايَة كرمان وَإِلَّا فإنني لَا أرْضى بِالْفَسَادِ أبدا إِن أهل كرمان كلهم سنيون وَأهل خير وَصَلَاح أما سلسلة جبال كوج وبلوج فاقتطعت عَن كرمان وَهِي ذَات جبال ومعابر حَصِينَة وطرقات وعرة إِنَّنِي عَاجز عَنْهُم فأغلبهم لصوص ومفسدون وقطاع طرق وهم يهددون أَمن طَرِيق تمتد إِلَى مِائَتي فَرسَخ بالنهب وَالسَّرِقَة إِنَّهُم خلق كثير لَا حول لي عَلَيْهِم وَلَا قُوَّة ان السُّلْطَان لأقدر مني وَفِي استطاعته الْيَوْم التصدي لَهُم فِي شَتَّى أنحاء الأَرْض وانني لأضع نَفسِي رهن إِشَارَته لما وصلت إِلَى مَحْمُود رِسَالَة أبي عَليّ وهداياه تبين لَهُ صدق كل مَا يَقُول فَأَعَادَ رَسُوله إِلَيْهِ بخلعة خَاصَّة وَقَالَ لَهُ قل لأبي عَليّ عَلَيْك أَن تجمع جَيش كرمان وَتَطوف بِهِ فِي الْولَايَة كلهَا وَفِي شهر كَذَا تقدم سرا إِلَى حُدُود كرمان فِي الْجَانِب الَّذِي فِيهِ كوج وبلوج وَأنزل هُنَاكَ وَحين يصل إِلَيْك رَسُولنَا بِإِشَارَة كَذَا تحرّك فَوْرًا وأحمل على ولَايَة كوج وبلوج واقتل من تَجدهُ من فتيانهم وَلَا تؤمنهم أبدا وأسلب من شيوخهم وَنِسَائِهِمْ أَمْوَالًا وأرسلها إِلَيّ حَتَّى أوزعها على من يدعونَ هُنَا أَنهم سلبوهم أَمْوَالهم ثمَّ اعقد مَعَهم عهدا وميثاقا محكما وعد بعد ذَلِك وَبعد أَن سير السُّلْطَان رَسُول أبي عَليّ أَمر مناديا يُنَادي على التُّجَّار المتوجهين إِلَى تيز عَن طَرِيق كرمان أَن يهيئوا أنفسهم ويعدوا احمالهم فإنني مُرْسل مَعَهم حامية تحميهم وَلكم عَليّ عهد ان أعوضكم عَن بضائعكم من الخزانة إِذا مَا استولى عَلَيْهَا لصوص كوج وبلوج فَمَا إِن شاع هَذَا الْخَبَر فِي النَّاس حَتَّى توارد عدد كَبِير من التُّجَّار على الرّيّ من الْأَطْرَاف فسيرهم السُّلْطَان مَحْمُود فِي وَقت معِين يرافقهم أَمِير على رَأس حامية قوامها مائَة وَخَمْسُونَ فَارِسًا وَقَالَ لَهُم تثبيتا لعزائمهم لتهدأوا بَالا فإنني مُرْسل فِي أثركم جَيْشًا وعَلى حِين كَانَ يسير الحامية استدعى إِلَيْهِ أميرها سرا وَأَعْطَاهُ زجاجة سم قَاتل وَقَالَ لَهُ عِنْدَمَا تصل إِلَى أصفهان توقف بهَا إِلَى أَن يعد تجارها أنفسهم وينضموا

стр. 62

إِلَيْكُم وَعَلَيْك أَن تشتري فِي هَذِه الْأَثْنَاء عشرَة أحمال من أَجود تفاح أصفهان وتحملها على عشرَة جمال تبثها بَين جمال التُّجَّار حِين تتركون الْمَدِينَة ثمَّ تمْضِي بالقافلة إِلَى أَن تصل إِلَى مَكَان سيصل إِلَيْهِ اللُّصُوص فِي الْيَوْم التَّالِي لوصولكم إِلَيْهِ وَعَلَيْك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن تضع الْأَحْمَال فِي خيمة وتبعثر تفاحها وتثقب كل تفاحة بمسلة ثمَّ تعد عيدانا خشبية أكبر من الإبرة بِقَلِيل وتغط كل وَاحِد مِنْهَا فِي السم ثمَّ تولجه فِي ثقب التفاحة إِلَى أَن تسمم التفاح جَمِيعه بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَبعد ذَلِك نضد التفاح فِي أقفاص يتخللها الْقطن وَفِي الْيَوْم التَّالِي بَث جمالك الْعشْرَة بَين الْجمال الْأُخْرَى وواصل مسيرك وعندما يظْهر اللُّصُوص ويستولون على الْقَافِلَة لَا تتصدى لقتالهم الْبَتَّةَ فهم كثر وَأَنْتُم قلَّة وَمَا عَلَيْك إِلَّا أَن تتراجع حَالا بِمن مَعَك من حَملَة السِّلَاح خيالة وراجلين إِلَى مَا يقرب من نصف فَرسَخ أَو أَكثر ثمَّ تنْتَظر مُدَّة تتقدم بعْدهَا نَحْو اللُّصُوص الَّذين لَا أَشك فِي هَلَاك أَكْثَرهم حِينَئِذٍ لأكلهم من التفاح عندئذ أشرع فيهم السيوف واقتل بَقِيَّتهمْ وطارد فلولهم مَا اسْتَطَعْت واهلكهم وَلما تَنْتَهِي من الْقَضَاء عَلَيْهِم أرسل عشرَة من خيرة الفرسان بخاتمي إِلَى أبي عَليّ الياس فَوْرًا وَأخْبرهُ بِمَا فعلنَا بلصوص كوج وبلوج وَقل لَهُ لتحمل أَنْت الان بجيشك على ولايتهم فَهِيَ خلو من الشَّبَاب والأقوياء والغوغائيين من مثيري الْفِتْنَة والشغب ثمَّ نفذ مَا أمرناك بِهِ أما أَنْت فَامْضِ بالقافلة إِلَى كرمان وَإِذا مَا التحقت انذاك بِأبي عَليّ فَلَا ضير قَالَ الْأَمِير سمعا وَطَاعَة سأنفذ مَا أَمرتنِي بِهِ إِن قلبِي يحدثني بِأَن هَذَا الْأَمر سيتحقق لدولة مولَايَ وان تِلْكَ الطَّرِيق ستفتح فِي وَجه الْمُسلمين إِلَى يَوْم يبعثون وَانْصَرف من عِنْد السُّلْطَان وقاد الْقَافِلَة إِلَى اصفهان حَيْثُ اشْترى خَمْسَة أحمال تفاحا ثمَّ وَاصل سيره إِلَى كرمان وَكَانَ اللُّصُوص قد أرْسلُوا عيونهم إِلَى أصفهان فانموا إِلَيْهِم أَن ثمَّة قافلة بالاف الدَّوَابّ محملة بنعم وخيرات لَا يعلم مقدارها إِلَّا الله وَإنَّهُ لم ير لهَذِهِ الفافلة الَّتِي تحميها حامية من مائَة وَخمسين فَارِسًا تركيا نَظِير مُنْذُ ألف سنة ففرح اللُّصُوص اشد الْفَرح حَتَّى انه لم يبْق فِي شَتَّى أنحاء كوج وبلوج عيار وشاطر وحامل سلَاح إِلَّا أَخْبرُوهُ واستدعوه إِلَى أَن احتشد مِنْهُم على الطَّرِيق أَرْبَعَة الاف رجل بكامل أسلحتهم فِي انْتِظَار الْقَافِلَة

стр. 63

لما وصل الْأَمِير بالقافلة إِلَى منزل من منَازِل الطَّرِيق أخبرهُ القاطنون ثمَّة بَان الاف اللُّصُوص قد استلموا طريقكم وهم فِي انتظاركم مُنْذُ أَيَّام فَسَأَلَهُمْ الْأَمِير كم فرسخا يبعد الْمَكَان الَّذِي هم فِيهِ قَالُوا خَمْسَة فراسخ وَلما سمع من فِي الْقَافِلَة هَذَا أَصَابَهُم الْفَزع وَاسْتولى عَلَيْهِم الذعر فحطوا هُنَاكَ الرّحال وَمَعَ صَلَاة الْعَصْر استدعى الْأَمِير جَمِيع خفر البضائع وحامية الْقَافِلَة ورجالها وشجعهم ثمَّ قَالَ أخبروني أَيهمَا أعز النَّفس أَو المَال قَالُوا جَمِيعهم النَّفس قَالَ إِن الْأَمْوَال أَمْوَالكُم أما نَحن فسنرخص أَرْوَاحنَا فدَاء لكم دونما حزن أَو أَسف فَلم تتجرعون الأحزان إِذن على ثروة وأموال ستعوضون عَنْهَا إِن مَحْمُودًا لَيْسَ بغاضب عَلَيْكُم أَو عَليّ حَتَّى يدْفع بِنَا إِلَى الْهَلَاك بل انه سيرنا فِي مهمة يسْتَردّ بهَا الْأَمْوَال الَّتِي سلبها اللُّصُوص من الْمَرْأَة بدير الجص فَمَاذَا تظنون أتحسبون أَنه يرغب فِي أَن يستولي اللُّصُوص على أَمْوَالكُم لتهدأوا بَالا فَهُوَ لَيْسَ فِي غَفلَة عَنَّا لقد أَخْبرنِي شَيْئا هُوَ أَن مدده سيلحق بِنَا غَدا مَعَ شروق الشَّمْس وستكون الْأُمُور فِي صالحنا إِن شَاءَ الله أما أَنْتُم فَمَا عَلَيْكُم إِلَّا أَن تنفذوا مَا أَقُول فَفِيهِ نفعكم وصالحكم لما سمع الْقَوْم كَلَامه فرحوا ودبت الشجَاعَة وَالْقُوَّة فِي قُلُوبهم وَقَالُوا سننفذ كل مَا تَأْمُرنَا بِهِ قَالَ لِيَتَقَدَّم مني كل من لَدَيْهِ مِنْكُم سلَاح يقوى على اسْتِعْمَاله فَتقدم مِنْهُ عدد فَلَمَّا عدهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسبعين فَتى بَين خيال وراجل وَفِيهِمْ رِجَاله هُوَ أَي أَفْرَاد حاميته ثمَّ قَالَ لَهُم بِمَا أننا سنتقدم اللَّيْلَة فعلى الخيالة أَن يبقوا معي فِي مُقَدّمَة الْقَافِلَة والراجلين فِي مؤخرتها فَمن عَادَة هَؤُلَاءِ اللُّصُوص أَنهم ينهبون الْأَمْوَال دون أَن يقتلُوا أحدا إِلَّا من يتَصَدَّى لَهُم ويشتبك مَعَهم سنصل إِلَيْهِم غَدا وَالشَّمْس على ارْتِفَاع رُمْحَيْنِ وَحين يحملون على الْقَافِلَة لوذوا بالفرار فانا الَّذِي سألجأ إِلَى الْكر والفر مَعَهم إِلَى أَن تتواروا إِلَى مَسَافَة فَرسَخ وحينذاك أكر رَاجعا إِلَيْكُم وألتحق بكم وَنَصْبِر ثمَّة مُدَّة نعود جميعنا بعْدهَا ونحمل عَلَيْهِم وسترون الْعَجَائِب كَذَا أمرت وانني أعرف شَيْئا فِي الْمَوْضُوع لَا تعرفونه لكنكم ستعرفونه غَدا فيبين لكم انذاك صدق قولي وهمة السُّلْطَان مَحْمُود فَقَالُوا بِصَوْت وَاحِد إننا لفاعلون وعادوا وَلما أرْخى اللَّيْل سدوله فض الْأَمِير أحمال التفاح ودس السم فِيهَا جَمِيعًا ثمَّ أَعَادَهَا ثَانِيَة وَندب خَمْسَة من رِجَاله للجمال الْعشْرَة الَّتِي تحمل التفاح وَقَالَ لَهُم حِين ننهزم وَيَقَع اللُّصُوص فِي الْقَافِلَة وَيَأْخُذُونَ فِي فض الْأَحْمَال عَلَيْكُم بِدفع أحمال التفاح وَفتح

стр. 64

الأقفاص وقلبها رَأْسا على عقب والابتعاد بعد ذَلِك وَبعد منتصف اللَّيْل أَمرهم بالتقدم فتقدموا على نَحْو مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن وضح النَّهَار وَلما ارْتَفَعت الشَّمْس فِي الْأُفق طلع اللُّصُوص عَلَيْهِم من ثَلَاثَة جَوَانِب وحملوا على الْقَافِلَة وَسُيُوفهمْ مَشْرُوعَة فكر الْأَمِير عَلَيْهِم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَرَمَاهُمْ ببضعة سِهَام ثمَّ أطلق سَاقيه للريح أما الراجلون فَفرُّوا حِين رَأَوْا اللُّصُوص وَلحق الْأَمِير بهم على بعد نصف فَرسَخ حَيْثُ جمعهم فِي مَكَان وَاحِد هُنَاكَ لما رأى اللُّصُوص قلَّة عدد أَفْرَاد الحامية وفرارهم وانهزام أَفْرَاد الْقَافِلَة أخذتهم الْغِبْطَة فَجعلُوا يفتحون الْأَحْمَال باطمئنان تَامّ ويعبثون بالبضائع فَلَمَّا وصلوا إِلَى التفاح أخذُوا يتساقطون عَلَيْهِ ويغيرون ويأكلون بنهم وشره ويناولون كل من لَا يَسْتَطِيع الْوُصُول إِلَيْهِ وَقلة أُولَئِكَ الَّذين لم يَأْكُلُوا مِنْهُ وَبعد سَاعَة بدأوا يتساقطون وَاحِدًا تلو الاخر ويموتون وَبعد مُضِيّ ساعتين وقف الْأَمِير على نشز من الأَرْض وحيدا ينظر إِلَى الْقَافِلَة واللصوص فَإِذا الادميون يملأون الصَّحرَاء بعد أَن تساقطوا فَنزل والفرحة تغمره وَقَالَ يَا قوم أبشركم بوصول مدد السُّلْطَان مَحْمُود وقتلهم اللُّصُوص الَّذين لم يبْق مِنْهُم أحد هيا بِنَا أَيهَا الليوث ننقض عَلَيْهِم لنقتل بَقِيَّتهمْ واتجه بِرِجَالِهِ نَحْو الْقَافِلَة وتبعهم الراجلون بِسُرْعَة فَلَمَّا وصلوا إِلَى مَكَان الْقَافِلَة وجدوا الصَّحرَاء تغص بالموتى الَّذين ألقوا باسلحتهم من تروس وسيوف وسهام وقسي أما من ظلوا أَحيَاء مِنْهُم فَلَمَّا رَأَوْا الْعَسْكَر لاذوا بالفرار لَكِن الْأَمِير وَمَعَهُ الراجلون مضوا فِي أَثَرهم وظلوا يطاردونهم على مدى فرسخين وَلم يعودوا إِلَّا بعد ان أفنوهم جَمِيعًا بِحَيْثُ لم ينج من بَينهم أحد ينْقل إِلَى ولايتهم أَخْبَار مَا حدث ثمَّ أَمر الْأَمِير بِجمع أسلحة اللُّصُوص الَّتِي بلغت عدَّة أحمال وَتقدم بالقافلة مرحلة أُخْرَى دون أَن يلْحق أدنى ضَرَر بِأحد من أفرادها بل كَادُوا لفرحهم يخرجُون من جُلُودهمْ وَكَانَ بَينهم وَبَين أبي عَليّ الياس اثْنَا عشر فرسخا فَقَط فَأرْسل إِلَيْهِ الْأَمِير الغلمان الْعشْرَة بِخَاتم السُّلْطَان مَحْمُود على جنَاح السرعة لإخباره بِمَا حدث وَلما وصل الْخَاتم إِلَى أبي عَليّ توجه فَوْرًا بجيشه الَّذِي كَانَ على أهبة الاستعداد إِلَى

стр. 65

ولَايَة كوج وبلوج وانضم إِلَيْهِ الْأَمِير فشرعوا السيوف وَقتلُوا مَا يزِيد على عشرَة الاف رجل من أَهلهَا واستولوا على الاف الدَّنَانِير وغنموا ثروات طائلة وَنِعما وأسلحة ومواشي لَا تحد أرسلها أَبُو عَليّ كلهَا إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود مَعَ الْأَمِير حِينَئِذٍ أَمر السُّلْطَان بَان يُنَادى فِي النَّاس على من سلبهم لصوص كوج وبلوج شَيْئا مُنْذُ جِئْت الْعرَاق أَن يَأْتُوا إِلَيّ لأعوضهم عَنْهَا فأمه المدعون جَمِيعهم وعادوا فرحين وَانْقَضَت خَمْسُونَ سنة دون أَن يَبْدُو من الكوجيين والبلوجيين أَي سوء أَو تعد ومنذ ذَلِك الْوَقْت بَث السُّلْطَان مَحْمُود أَصْحَاب الْبَرِيد ومنهي الْأَخْبَار فِي كل مَكَان حَتَّى أَنه كَانَ يعرف وَهُوَ بِالريِّ مَا إِذا غصب شخص اخر دجَاجَة ف غزنين أَو صفعه على وَجهه دون حق فيأمر بمجازاته وَقد درج الْمُلُوك على هَذَا مُنْذُ الْقدَم إِلَّا ال سلجوق الَّذين لم يأبهوا لهَذَا الْأَمر ألب أرسلان وَصَاحب الْبَرِيد لما قَالَ أَبُو الْفضل السجسْتانِي للسُّلْطَان الشَّهِيد ألب أرسلان أنار الله برهانه لم لَا يُوجد لَك صَاحب بريد أَجَابَهُ أَتُرِيدُ ان تذرو ملكي الرِّيَاح وتفرق عني أَنْصَارِي قَالَ لماذا قَالَ السُّلْطَان إِذا مَا اتَّخذت صَاحب بريد فَإِن محبي والمقربين مني لن يأبهوا لَهُ أَو يدفعوا إِلَيْهِ رشوة لصداقتهم لنا وقربهم منا أما أعدائي فسيصادقونه ويغدقون عَلَيْهِ الْأَمْوَال وَمَا دَامَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن صَاحب الْبَرِيد لَا يُنْهِي إِلَيْنَا سوى الْأَخْبَار السَّيئَة عَن الأصدقاء وَالْأَخْبَار الْحَسَنَة عَن الْأَعْدَاء وَمَا الْأَخْبَار السَّيئَة والحسنة إِلَّا كرمايتك عددا من السِّهَام الَّتِي لَا بُد أَن يُصِيب أَحدهَا الهدف فِي النِّهَايَة وَهَذَا مدعاة لِأَن يزِيد فِي حقدنا على الأصدقاء والمخلصين يَوْمًا عَن يَوْم فننبذهم وَنحل الْأَعْدَاء محلهم وَحين نتلفت حوالينا نجد أَن جَمِيع الأصدقاء والمحبين قد ابتعدوا عَنَّا فِي مُدَّة يسيرَة وَأَن الْأَعْدَاء والحاقدين أخذُوا أمكنتهم وحلوا فِيهَا وَحِينَئِذٍ تختل الْأُمُور اختلالا يصعب تلافيه وَلَكِن من الأولى اتِّخَاذ صَاحب بريد فَهَذَا الْأَمر قَاعِدَة من قَوَاعِد الْملك فَإِذا مَا كَانَ صَاحب لبريد ثِقَة على النَّحْو الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون فَإِن الْملك لَا يشغل باله فِي أَي أَمر من الْأُمُور الَّتِي ذكرنَا

стр. 66

الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي تَعْظِيم الْأَوَامِر السامية والمراسيم الصادرة عَن البلاط الرسائل الَّتِي تصدر عَن البلاط كَثِيرَة وَكلما كثرت فقدت حرمتهَا فَإِذا لم يكن ثمَّة أَمر هام يَنْبَغِي أَلا يصدر عَن الدِّيوَان العالي أَمر خطي الْبَتَّةَ وَإِذا مَا صدر شَيْء يجب أَن تكون لَهُ حرمته إِلَى حد لَا يَجْرُؤ مَعَه أحد على وَضعه من يَده قبل ان يُطِيع كل مَا فِيهِ من أوَامِر ويلبيها وَإِذا مَا وجد من ينظر إِلَيْهِ بِعَين الاحتقار أَو ينبذه ظهريا فَيَنْبَغِي أَن يُعَاقب عقَابا شَدِيدا وَلَو كَانَ من المقربين فَالْفرق بَين الْملك وَغَيره من المستقطعين وَالنَّاس هُوَ تَنْفِيذ أوامره وإجراء أَحْكَامه حِكَايَة فِي هَذَا الْمَعْنى السُّلْطَان مَحْمُود وعامل نيسابور العَاصِي قيل ذهبت امْرَأَة من نيسابور إِلَى غزنين وَدخلت على السُّلْطَان مَحْمُود فشكت إِلَيْهِ قائلة إِن عَامل نيسابور استولى على ضياعي وَضمّهَا إِلَيْهِ فاعطاها السُّلْطَان رِسَالَة إِلَيْهِ تَقول رد إِلَيْهَا ضياعها فَقَالَ الْعَامِل الَّذِي كَانَ مَعَه سَنَد بالضياع ان الضّيَاع ضياعي وسأعرض أمرهَا على البلاط فَعَادَت الْمَرْأَة إِلَى غزنين متظلمة من جَدِيد فَأرْسل مَحْمُود هَذِه الْمرة إِلَى الْعَامِل غُلَاما أحضرهُ من نيسابور إِلَى غزنين وَأمر بجلده ألف جلدَة عِنْد مدْخل الْقصر لقد حاول دون جدوى التشفع بشرَاء تِلْكَ الجلدات بِعشْرين ألف دِينَار نيسابوري لَكِن السُّلْطَان قَالَ لَهُ مَا دَامَت الضّيَاع ملكك فَلم لم تصدع لِلْأَمْرِ أَولا ثمَّ تعرض الْمَسْأَلَة لنأمر مَا نرَاهُ حَقًا فِيهَا فَمَا ان سمع النَّاس الْخَبَر لم يتجرأ أحد على عصيان أوَامِر الْملك أَو التواني فِي نتفيذها

стр. 67

وَهَكَذَا فِي كل أَمر يخص الْملك وَحده فَإِن تنفيذه أَو الْأَمر بتنفيذه مَنُوط بِهِ هُوَ فَقَط وَمن هَذَا الْقَبِيل إِنْزَال الْعقُوبَة وَضرب الْعُنُق وبتر الْيَد أَو الرجل وَخصي الخدم وَغَيرهَا من الْعُقُوبَات الْأُخْرَى فَإِذا مَا قَامَ أحد بتنفيذ أَي من هَذِه الْأُمُور دون إِذن الْملك وَأمره حَتَّى فِي خدمه وعبيده فعلى الْملك أَلا يقره عَلَيْهِ بل يجب أَن يُعَاقِبهُ ليعرف الاخرون أقدار أنفسهم ويلتزموا حدودهم وَتَكون لَهُم فِيهِ عِبْرَة حِكَايَة أبرويز وبهران جوبين يُقَال أَن ابرويز كَانَ يعز بهْرَام جوبين ويكرمه أول الْأَمر حَتَّى أَنه لم يكن يُفَارِقهُ سَاعَة وَاحِدَة أَو يركب إِلَى صيد وَيجْلس إِلَى شراب وينفرد فِي خلْوَة دونه وَكَانَ بهْرَام هَذَا فَارِسًا فَذا ومبارزا عديم النظير وَذَات يَوْم جِيءَ إِلَى الْملك أبرويز بثلاثمائة بعير حمر النعم من عُمَّال هراة وسرخس محملة بالبضائع والأمتعة الْمُخْتَلفَة فَأمر بتحويلها فِيمَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَى قصر بهْرَام جوبين لتوسع عَلَيْهِ فِي مطبخه وَفِي الْيَوْم التَّالِي أخبر أبرويز بِأَن بهْرَام جوبين ألْقى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة باحد غلمانه أَرضًا وَجلده عشْرين جلدَة فَغَضب أبرويز وَأمر بإحضار بهْرَام فَلَمَّا حضر أَمر الْملك بإحضار خَمْسمِائَة سيف من دَار الأسلحة وَقَالَ يَا بهْرَام اختر أحْسنهَا فاختارها جَمِيعًا فَقَالَ الْملك اختر من هَذِه أحْسنهَا أَيْضا فَاسْتحْسن بهْرَام عشرَة سيوف مِنْهَا فَقَالَ أبرويز اختر من الْعشْرَة اثْنَيْنِ فَفعل فَقَالَ أبرويز والان مرهم أَن يضعوا هذَيْن السيفين فِي غمد وَاحِد قَالَ بهْرَام يَا مولَايَ ان الغمد لَا يَتَّسِع لسيفين فَقَالَ أبرويز فَكيف يحكم حاكمان بَلَدا وَاحِدًا إِذن ففهم بهْرَام مَا قصد إِلَيْهِ الْملك حَالا وَأدْركَ خطأه فَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَالْتمس عَفوه فَقَالَ أبرويز لَو لم يكن لَك عَليّ حق خدمَة وَلَا أُرِيد أَن أحط من عل من رفعته بنفسي لما عَفَوْت عَنْك فَالله ملكنا نَحن الأَرْض لَا أَنْت إِن كل مَا يحْتَاج إِلَى حكم وَقَضَاء يجب أَن يُحَال إِلَيْنَا لنقضي بِهِ بِالْحَقِّ فَإِذا مَا بدا بعد الان من خدمك وعبيدك ذَنْب يجب أَن تخبرنا أَولا لنأمر بِمَا يسْتَحق المذنب من جَزَاء حَتَّى لَا يمس أحد بأذى دون حق لقد عَفَوْنَا عَنْك هَذِه الْمرة هَكَذَا خَاطب أبرويز بهْرَام جوبين وَقد كَانَ قَائِد جَيْشه فَمَا بالك بِغَيْرِهِ

стр. 68

الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي إرْسَال الغلمان فِي الْمُهِمَّات من البلاط كثيرا مَا يُرْسل الغلمان فِي مهام من البلاط بَعضهم بامر وَأَكْثَرهم دون أَمر وَفِي هَذَا إرهاق للنَّاس واسنتزاف لأموالهم مِثَال ذَلِك أَنه قد يكون الْمبلغ الْمَطْلُوب تَحْصِيله مئتي دِينَار لَكِن حِين يذهب الْغُلَام يطْلب خَمْسمِائَة وَهَكَذَا يستنزف النَّاس ويصيرون فُقَرَاء يَنْبَغِي إِلَّا يُرْسل أَي غُلَام مَا لم تكن ثمَّة مهمة وَألا يكون إرْسَاله دون أَمر وَأَن يُنَبه عَلَيْهِ بَان الْمبلغ الْمَطْلُوب تَحْصِيله كَذَا فَلَا تَأْخُذ أَكثر من هَذَا أجرا لتجري الْأُمُور فِي نصابها

стр. 69

الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي إرْسَال الجواسيس وتسخيرهم لصلاح المملكة والرعية يجب بَث الْعُيُون فِي كل الْأَطْرَاف دَائِما فِي زِيّ تجار وسياح ومتصوفة وبائعي أدوية ودراويش لنقل كل مَا يسمعُونَ من أَخْبَار حَتَّى لَا يظل ثمَّة شَيْء خافيا وَحَتَّى يُمكن تلافي أَي طارىء جَدِيد فِي حِينه فَمَا أَكثر مَا كَانَ الْوُلَاة والمستقطعون والعمال والأمراء يضمرون للْملك خلافًا وعصيانا ويتربصون بِهِ الدَّوَائِر سرا لَكِن الجواسيس كَانُوا يكتشفون ذَلِك ويخبرون الْملك بِهِ فيركب من وقته وينقض عَلَيْهِم بَغْتَة فيحيق بهم ويحبط ماربهم ومقاصدهم وَكَانُوا إِذا مَا عرفُوا بَان ملكا مَا أَو جَيْشًا أَجْنَبِيّا يَنْوِي الهجوم على المملكة يخبرون الْملك فَيَأْخُذ لِلْأَمْرِ أهبته ويدفعه وَكَانُوا ينهون أَخْبَار الرّعية خَيرهَا وشرها فيتعهدها الْمُلُوك بدورهم مِثْلَمَا كَانَ يفعل عضد الدولة عضد الدولة وَالْقَاضِي الخائن لم يكن من بَين مُلُوك الديالمة من هُوَ أعظم وَأكْثر يقظة وَأبْعد نظرا من عضد الدولة إِذْ كَانَ سياسيا عالي الهمة محبا للإصلاح والعمران كتب إِلَيْهِ اُحْدُ عيونه يَوْمًا مَا ان ابتعدت مِائَتي خطْوَة عَن مدْخل الْمَدِينَة فِي طريقي إِلَى المهمة الَّتِي بعثت من أجلهَا فَإِذا شَاب أصفر اللَّوْن على وَجهه وعنقه اثار جروح يقف على حافة الطَّرِيق لما راني حياني فَرددت عَلَيْهِ تحيته وَسَأَلته لماذا أَنْت وَاقِف قَالَ أنْشد رَفِيقًا أَصْحَبهُ إِلَى مَدِينَة فِيهَا ملك عَادل وقاض منصف فَقلت لَهُ أتعي مَا تَقول أتنشد ملكا أعدل من عضد الدولة وقاضيا أعلم من قَاضِي مدينتنا قَالَ لَو كَانَ الْملك عادلا يقظا لَكَانَ القَاضِي أَمينا فَلَقَد أدْركْت غَفلَة الْملك من خيانه القَاضِي قلت مَا بدا لَك من غَفلَة الْملك وانحراف القَاضِي قَالَ إِن قصتي طَوِيلَة لَكِنَّهَا قصرت برحيلي عَن هَذِه الْمَدِينَة قلت بإمكانك أَن تطلعني عَلَيْهَا طبعا قَالَ هيا بِنَا نقطع بِالْحَدِيثِ طريقنا

стр. 70

وَلما أَخذنَا فِي الْمسير قَالَ اعْلَم أنني ابْن فلَان التَّاجِر الَّذِي يَقع قصره فِي مَكَان كَذَا من هَذِه الْمَدِينَة وَالنَّاس كلهم يعْرفُونَ أَي رجل كَانَ وَالِدي وَمَا كَانَ لَهُ من مَال وثروة وخلاصة الْأَمر أَنه لما انْتقل وَالِدي إِلَى جوَار ربه أطلقت لهواي الْعَنَان وسمت سرح اللَّهْو وعاقرت ابْنة الْكَرم سنوات فابتليت بِمَرَض عضال فقدت مَعَه كل أمل بالشفاء ونذرت نذرا لله تَعَالَى أنني سأحج وأغزو إِذا مَا شفيت من مرضِي وَمن الله تَعَالَى بالشفاء عَليّ وَقمت من الْمَرَض سالما وعقدت العزن على الْحَج وَمن ثمَّ الْغَزْو وأعتقت جواري وغلماني جَمِيعًا ووهبتهم مَالا وبيوتا وضياعا وألفت بيهم بالزواج ثمَّ بِعْت مَا كَانَ لي من أَسبَاب وضياع ومستغلات بِخَمْسِينَ ألف دِينَار ذَهَبا وفكرت فِي نَفسِي بأنني مقدم على سفرين محفوفين بالمخاطر فَلَيْسَ صَوَابا أَن أحمل الذَّهَب كُله معي وَرَأَيْت أَن أحمل ثَلَاثِينَ الْفَا وأبقي الْعشْرين الْأُخْرَى فاشتريت إبريقي نُحَاس وَوضعت فِي كل مِنْهُمَا عشرَة الاف دِينَار وَقلت والان عِنْد من أودعها وَلم يدلني ضميري إِلَّا على قَاضِي الْقُضَاة من الْمَدِينَة كلهَا وَقلت فِي نَفسِي إِنَّه رجل عَالم وقاض وَقد اعْتَمدهُ الْملك ووكل إِلَيْهِ دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ انه لن يخونني على أَيَّة حَال فمضيت إِلَيْهِ وكلمته بِالْأَمر سرا فَقبل هُوَ وسررت أَنا ونهضت سحرًا وحملت الإبريقين إِلَى بَيته ووضعتهما عِنْده وَدِيعَة ثمَّ مضيت فِي سبيلي فأديت فَرِيضَة الْحَج وتوجهت من مَكَّة وَالْمَدينَة إِلَى بِلَاد الرّوم والتحقت بالغزاة وقضيت سنوات أجاهد فِي سَبِيل الله وَفِي إِحْدَى المعارك مَعَ الْكفَّار أصبت بجروح فِي مَوَاطِن من وَجْهي وعنقي وركبتي وفخذي وَوَقعت أَسِيرًا بيد الرّوم وأمضيت أَربع سنوات فِي أغلالهم وسجنهم إِلَى الْوَقْت الَّذِي ابْتُلِيَ فِيهِ القيصر بِمَرَض فَأطلق سراح جَمِيع الأسرى وَبعد فكاكي من الْأسر التحقت بالمطوعة وخدمت فِي صفوفهم وَلما هيأت نفقات طَرِيق العودة قفلت رَاجعا على أمل أنني كنت قد أودعت قَاضِي بَغْدَاد عشْرين ألف دِينَار وَبعد عشر سنوات عدت إِلَى بَغْدَاد صفر الْيَدَيْنِ رث الملابس هزيل الْجِسْم لشدَّة مَا قاسيت من مشاق السّفر والام ضنك الْعَيْش فِي تِلْكَ الْمدَّة وَذَهَبت إِلَى القَاضِي فَسلمت عَلَيْهِ وَجَلَست عِنْده وانصرفت وترددت عَلَيْهِ على هَذِه الْحَال يَوْمَيْنِ وَلما لم يقل لي شَيْئا ذهبت إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث وَجَلَست طَويلا فَلَمَّا لم يبْق أحد اقْتَرَبت مِنْهُ وَقلت لَهُ بهدوء وبطء أَنا فلَان ابْن فلَان قد حججْت وغزوت وعانيت المتاعب

стр. 71

والآلام وانفقت كل مَا أخذت معي من مَال وعدت بِالْحَال الَّتِي تراني عَلَيْهَا لَا ألوي على شَيْء إِنَّنِي فِي حَاجَة الان إِلَى أبريقي الذَّهَب اللَّذين أدخرتهما عنْدك لمثل هَذِه الْأَيَّام العصيبة وَلم يجب القَاضِي بِقَلِيل أَو كثير حَتَّى أَنه لم يُكَلف نَفسه أَن يسألني مَا تَقول أَنْت وَمَعَ من ونهض إِلَى حجرته وَتَرَكَنِي فعدت كسير الْفُؤَاد وَكنت أخجل لما كنت فِيهِ من حَال سَيِّئَة وعري ان أذهب إِلَى منزل أحد أصدقائي وَذَوي قرباي بل كنت أَنَام فِي الْمَسْجِد لَيْلًا وأتوارى فِي إِحْدَى الزوايا نَهَارا وَلم أطيل عَلَيْك الْقِصَّة لقد طرقت مَعَه الْمَوْضُوع مرَّتَيْنِ لكنه لم يجب بِشَيْء وَفِي الْيَوْم السَّابِع كَلمته بحدة وَشدَّة فَقَالَ لي إِنَّك مصاب بالهوس وَإِن عقلك قد تبلد من تَعب الطَّرِيق وغبارها فَأخذت تهذي كثيرا لست أعرفك وَلَيْسَ لدي خبر مِمَّا تَقول أما الرجل الَّذِي تذكر اسْمه فَكَانَ شَابًّا وسيم الْوَجْه ممتلىء الْجِسْم بهي الطلعة جميل الملبس قلت أَيهَا القَاضِي أَنا نَفسِي ذَلِك الشَّاب لَكِن سَبَب هزالي وصفرتي مَا قَضيته من عَيْش سيىء فِي تِلْكَ الْمدَّة أما قبح وَجْهي وصفرة لَونه فَلَيْسَ إِلَّا بِمَا أصبت بِهِ من جروح قَالَ إنهض وَلَا تصدع رَأْسِي إنهض وامض بالسلامة قلت أَيهَا القَاضِي لَا تفعل هَذَا اتَّقِ الله فَبعد هَذِه الدَّار دَار أُخْرَى وَلكُل عمل ثَوَاب وعقاب قَالَ لَا تتعبني قلت لَك من الذَّهَب حصتان ولي خمس فَلَنْ يجب قلت أَيهَا القَاضِي لَك أحد الإبريقين حَلَالا طيبا فَرد لي الاخر فإنني فِي عوز شَدِيد وَمَعَ هَذَا أوقع لَك بَرَاءَة تَامَّة بِشَهَادَة شُهُود عدُول بِأَن لَيْسَ بذمتك شَيْء قَالَ القَاضِي لقد أضناك الْجُنُون وَهَا أَنْت ذَا تَدور فِي فلكه حَتَّى لأستطيع أَن أحكم بجنونك وامر بإدخالك المستشفى ووضعك بالسلاسل والقيود بِحَيْثُ تبقى ثمَّة مَا دمت حَيا فَخفت وأيقنت أَن الرجل صمم على غصبي ذهبي وان النَّاس سيجرون على كل مَا يحكم بِهِ ونهضت بِرِفْق وَخرجت من عِنْده وَأَنا أردد الْمثل الْقَائِل بالملح يدرء فَسَاد اللَّحْم فَبِمَ يدرء فَسَاد الْملح ان القَاضِي مصدر كل الْأَحْكَام فَمن ذَا يسل الْعدْل مِنْهُ إِذا ظام فَلَو كَانَ عضد الدولة عادلا لما كَانَت عشْرين الْألف دِينَار بيد القَاضِي وَلما وصلت إِلَى مَا أَنا فِيهِ من جوع أَو تخليت عَن طمعي بِمَالي وملكي ومرتع صباي لما سمع الْمنْهِي من الرجل حِكَايَة حَاله تألم لَهُ ورق لحاله وَقَالَ أَيهَا الْفَتى الشهم إِنَّمَا تَأتي الامال بعد الْيَأْس وكل أَمرك إِلَى الله فَهُوَ الَّذِي يدبر أُمُور الْعباد ثمَّ قَالَ لَهُ لي فِي هَذِه الْقرْيَة صديق شهم مضياف وَأَنا ذَاهِب لزيارته فَهَل لَك وَقد راقتني رفقتك أَن نقضي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي بَيته وننتظر مَا يَجِيء بِهِ غَد وَمضى

стр. 72

بِهِ إِلَى منزل صديقه وَبعد أَن أكلُوا مَا تيَسّر لَهُم دخل الْمنْهِي إِحْدَى الغرف فشرح حَال الرجل فِي رِسَالَة وَأَعْطَاهَا اُحْدُ الْقرَوِيين وَقَالَ لَهُ إذهب إِلَى قصر عضد الدولة واطلب الْخَادِم فلَانا وَسلمهُ الرسَالَة وَقل لَهُ انها من فلَان يجب أَن توصلها حَالا وَتَأْتِي بِالْجَوَابِ وَمضى الرَّسُول وَأعْطى الرسَالَة الْخَادِم فأوصلها إِلَى عضد الدولة حَالا فَلَمَّا قَرَأَهَا عضد الدولة عض على إصبعه وَأرْسل شخصا قي الْحَال وَقَالَ أُرِيد أَن تحضر إِلَيّ الرجل عِنْد صَلَاة الْعشَاء فَقَالَ الْمنْهِي للشاب هيا بِنَا إِلَى الْمَدِينَة فَإِن عضد الدولة بعث فِي طلبنا نَحن الِاثْنَيْنِ وَهَذَا الرَّسُول رَسُوله فَقَالَ خير قَالَ الْمنْهِي لَا شَيْء سوى الْخَيْر رُبمَا تناهى إِلَى سَمعه كل مَا كنت تَقول لي فِي الطَّرِيق إِنَّنِي لامل أَن تصل الان إِلَى حَقك فتستريح مِمَّا أَنْت فِيهِ من شقاء فَنَهَضَ وَمضى بِالرجلِ إِلَى عضد الدولة وأخلى عضد الدولة الْمَكَان وَسَأَلَ الشَّاب عَن أمره من جَدِيد فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة كَمَا كَانَت من أَولهَا إِلَى اخرها فتأثر عضد الدولة لحاله وَقَالَ ان هَذَا الْأَمر مَنُوط بِنَا الان لَا بك فَالْقَاضِي عَامِلِي ومعالجة الْأَمر من واجبي فَالله وهبني الْملك لأحفظ الْحُدُود وأحميها وَلَا أدع شخصا يلْحق ضيما أَو ضَرَرا باخر بله القَاضِي الَّذِي وليته أُمُور الْمُسلمين ووكلت إِلَيْهِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وفرضت لَهُ أجرا شهريا كَيْمَا يسير أُمُور النَّاس بِالْحَقِّ وَيحكم بِالشَّرْعِ لَا يمِيل وَلَا يحابى وَلَا يرتشى أيقع هَذَا فِي عَاصِمَة ملكي من رجل عَالم فَتَأمل إِذن مَا يرتكبه الْعمَّال والحكام الشبَّان والمتهورون من خيانات فِي النواحي الْأُخْرَى لقد كَانَ هَذَا القَاضِي فِي بداية أمره فَقِيرا وَذَا عِيَال وان مَا فرضت لَهُ من أجر شَهْري لم يكن أَكثر مِمَّا يَكْفِيهِ كفاف عيشه لكنه يملك الْيَوْم فِي بَغْدَاد ونواحيها عددا من الضّيَاع والعقارات والحدائق والبساتين والمستغلات والقصور أما الة منزله وأدوات زينته وتجمله فَلَا حد لَهَا فَمن الْمُؤَكّد انه لم يكن فِي وَسعه أَن يمتلك كل هَذَا من أجره الشهري ذَاك بل أَقَامَهَا بأموال الْمُسلمين ثمَّ الْتفت نَحْو الرجل وَقَالَ لن أستمرأ الطَّعَام وألتذ النّوم قبل أَن أرد إِلَيْك حَقك إذهب وَخذ نفقاتك من خزينتنا ثمَّ اترك هَذِه الْمَدِينَة إِلَى أصفهان وأقم بهَا عِنْد فلَان وسنكتب إِلَيْهِ ليكرم وفادتك إِلَى ان نطلبك مِنْهُ فَأعْطَاهُ مِائَتي دِينَار ذَهَبا وَخَمْسَة أَثوَاب ثمَّ أنفذ إِلَى أصفهان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أما عضد الدولة فَقضى ليلته كلهَا يفكر فِي الْحِيلَة الَّتِي يسْتَردّ بهَا المَال من القَاضِي قَالَ فِي نَفسه ان أَقبض على القَاضِي عنْوَة وأعذبه فَلَنْ يعْتَرف اَوْ يقر أَو يلبس نَفسه تُهْمَة الْخِيَانَة باية حَال من الْأَحْوَال فَيذْهب المَال سدى وتلوكني أَلْسِنَة النَّاس الَّذين لن

стр. 73

يكون لَهُم من حَدِيث سوى أَن عضد الدولة يعذب رجلا كَبِيرا عَالما قَاضِيا دون حق فتشيع هَذِه السمعة السَّيئَة فِي الأرجاء عَليّ أَن أفكر فِي حل يثبت خِيَانَة القَاضِي وَيُعِيد إِلَى الرجل مَاله وَلما مضى على هَذَا الحَدِيث شهر أَو اثْنَان وَلم ير القَاضِي لصَاحب الذَّهَب من أثر قَالَ لقد كسبت عشْرين ألف دِينَار لَكِن لأصبر سنة أُخْرَى فقد يُنْهِي إِلَيّ أحد خبر موت الرجل لِأَن حَاله الَّتِي رَأَيْته عَلَيْهَا تنم عَن أَنه سيقضي قَرِيبا وَبعد مُضِيّ شَهْرَيْن على الْأَمر أرسل عضد الدولة فِي ظهيرة أحد الْأَيَّام وَقت القيلولة إِلَى القَاضِي من يستدعيه فاختلى بِهِ وَقَالَ أَيهَا القَاضِي أَتَدْرِي لماذا جشمتك عناء الْمَجِيء قَالَ الْملك أدرى قَالَ عضد الدولة اعْلَم أنني فِي تفكير دَائِم بالعاقبة والمصير وَلَقَد حرمت فِي هَذَا التفكير وَهَذِه السوداوية نعْمَة النّوم لَا معول على الدُّنْيَا ومملكتها وَلَا اعْتِمَاد على الْحَيَاة فالعاقبة لن تعدو أَمريْن فإمَّا أَن ينْقض علينا طَالب ملك وينتزع المملكة منا مِثْلَمَا انتزعناها نَحن من أَيدي الاخرين وَتَأمل مَا قاسيته حَتَّى اسْتَطَعْت الْوُصُول إِلَى الْملك مرّة وَاحِدَة وَإِمَّا أَن يَجِيء الْأَجَل بَغْتَة فَيُفَرق بَيْننَا وَبَين الْملك وَالسُّلْطَان قبل أَن تتَحَقَّق أمالنا ان كل نفس ذائقة الْمَوْت وَمَا الْعُمر إِلَّا صحيفَة أَعمالنَا فَإِن نَكُنْ صالحين نحسن إِلَى عباد الله سيظل النَّاس يذكروننا بِالْخَيرِ ويكيلون لنا الثَّنَاء مَا بقيت الدُّنْيَا وسننال ثَوَاب الاخرة وَإِلَى الْجنَّة وَنعم الْمصير وَإِن نَكُنْ أشرارا نسيء إِلَى الْعباد سيظلون يذكروننا بِالشَّرِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنَّهُمْ كلما ذكرونا يلعنوننا وَيدعونَ علينا وَلنْ نجد يَوْم الْقِيَامَة غير الويل وَالْعَذَاب وَإِلَى جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير إِن كل مَا يُمكن فعله أَن نجهد فِي الطَّاعَة وإنصاف الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَمَا أقصده من حَدِيثي إِلَيْك هُوَ أَن فِي قصري عددا من الْأَطْفَال وَالنِّسَاء خَاصَّة وَأمر الذُّكُور ايسر لأَنهم كالطيور يَسْتَطِيعُونَ الِانْتِقَال من إقليم إِلَى اخر إِن خطب هَؤُلَاءِ المخدرات أَسْوَأ فهن ضعيفات لَا حول لَهُنَّ وَلَا قُوَّة إِنَّنِي لقادر الْيَوْم على التفكير فِي أمرهن لكنه قد يدركني الْأَجَل غَدا أَو يفلت الْملك مني فَلَا أَسْتَطِيع أَن أقوم لَهُنَّ بِشَيْء لقد فَكرت فِي الْأَمر مَلِيًّا فَلم أجد فِي كل أرجاء المملكة الْيَوْم من هُوَ أتقى وَأكْثر أَمَانَة وتدينا وخوفا من الله وأقصر يدا مِنْك إِنَّنِي أَرغب فِي أَن أَضَع عنْدك مِائَتي ألف ألف دِينَار ذَهَبا نَقْدا وجواهر وَدِيعَة لَا يعلمهَا سوى الله وَنحن الِاثْنَيْنِ فَإِذا مَا جَاءَنِي أَجلي ووصلت بِهن الْحَال إِلَى حد لَا يقدرن مَعَه على كسب قوتهن اليومي ادعهن

стр. 74

سرا وَدون أَن يحس أحد وَقسم المَال بَينهُنَّ ثمَّ زوجهن سترا لَهُنَّ وَكيلا يحتجن أحد من النَّاس إِن هَذَا الْأَمر يَقْتَضِي أَن تخْتَار إِحْدَى حجرات بَيْتك الداخلية وتنشىء فِيهَا سردابا مُحصنا من الاجر المشوي ثمَّ تُخبرنِي بعد الِانْتِهَاء من بنائِهِ لامر فِي لَيْلَة مَا بإحضار عشْرين مجرما من السجناء الْمَحْكُوم عَلَيْهِم بِالْمَوْتِ لحمل المَال على كواهلهم إِلَى بَيْتك وَوَضعه فِي السرداب وإحكام سَده وتغطيته وَبعد عودتهم امْر بِقطع أَعْنَاقهم جَمِيعًا ليظل الْأَمر طي الكتمان قَالَ القَاضِي سمعا وَطَاعَة ساعمل مَا بوسعي لتنفيذ هَذَا الْأَمر ثمَّ هَمس فِي أذن أحد الخدم أَن اذْهَبْ إِلَى الخزينة وضع مِائَتي دِينَار من الذَّهَب المغربي فِي كيس وعد بهَا بِسُرْعَة وَلما أحضر الذَّهَب تنَاوله عضد الدولة وَوَضعه أَمَام القَاضِي وَقَالَ مِائَتَا الدِّينَار هَذِه لبِنَاء السرداب فَإِن لَا تَكْفِي أرسل إِلَيْك غَيرهَا قَالَ القَاضِي الله الله أَيهَا الْملك إِنَّنِي حَتَّى لَو بنيته بِمَالي الْخَاص لَا أكون فعلت شَيْئا قَالَ عضد الدولة بِشَرْط أَلا تنْفق من مَالك على شؤوني الْخَاصَّة فذهبك حلالك أَنْت وَحدك وَلَا تعلق لَهُ بِهَذَا الشان إِن تقم بالمهمة الَّتِي وَقع اختيارنا واعتمادنا عَلَيْك فِيهَا فقد أدّيت كل شَيْء قَالَ القَاضِي الْأَمر أَمرك يَا مولَايَ وَوضع القَاضِي مِائَتي الدِّينَار فِي كمه وَانْصَرف من عِنْد الْملك فِي حَال كَاد يخرج فِيهَا من جلده فَرحا وَقَالَ فِي نَفسه لقد حالفني الْحَظ والجاه فِي شيخوختي ستمتلك ذريتي الذَّهَب الَّذِي سيصير كُله إِلَيّ يَوْمًا إِذا مَا حَان اجل الْملك فَلَيْسَ لأحد سَنَد عَليّ سيصبح الذَّهَب كُله من نَصِيبي وَنصِيب أَوْلَادِي إِن صَاحب الإبريقين لم يسْتَطع وَهُوَ حَيّ ان يسْتَردّ مني دانقا وَاحِدًا من الْعشْرين ألفا فَمن سيقدر على الْحُصُول مني على شَيْء إِذا مَا مَاتَ الْملك أَو قتل وأسرع فِي بِنَاء السرداب الَّذِي فرغ مِنْهُ على أحكم حَال وأحسنها فِي شهر وَاحِد ثمَّ مضى إِلَى قصر عضد الدولة عِنْد صَلَاة الْعشَاء لَيْلَة فاستدعاه عضد الدولة إِلَيْهِ وحيدا وَقَالَ مَا الَّذِي أَتَى بك السَّاعَة قَالَ أردْت أَن أنهِي إِلَى الْملك أَن السرداب الَّذِي أَمر بإنشائه قد تمّ قَالَ عضد الدولة حسن جدا لقد كنت أعرف جديتك فِي الْأُمُور الْحَمد لله الَّذِي لم يخيب ظَنِّي فِيك فَإنَّك أرحت بالي من هَذَا الْأَمر الَّذِي لم أكف لَحْظَة عَن التفكير فِيهِ لقد أَعدَدْت من الْمبلغ الْمَذْكُور ألف ألف وَخَمْسمِائة

стр. 75

ألف دِينَار من الذَّهَب والجواهر وَمَا أَزَال فِي حَاجَة إِلَى خَمْسمِائَة الْألف الْأُخْرَى الَّتِي أفردت لَهَا عددا من الْخلْع ومقادير من الْعود والعنبر والمسك والكافور وكل شَيْء وإنني فِي انْتِظَار باعة الذَّهَب بَين الفينة والفينة وَأَرْجُو أَن يتم بيعهَا فِي خلال هَذَا الْأُسْبُوع وحينذاك تحمل إِلَيْك الْأَمْوَال كلهَا دفْعَة وَاحِدَة لكنني ساجيء إِلَى بَيْتك لَيْلَة غَد بَغْتَة لإلقاء نظرة على السرداب وبنائه غير أنني لَا أريدك أَن تكلّف نَفسك شَيْئا لأنني سأعود حَالا ثمَّ صرف القَاضِي وَأرْسل رَسُولا إِلَى أصفهان فِي الْحَال لإحضار صَاحب الذَّهَب وَفِي منتصف اللَّيْلَة التالية ذهب عضد الدولة إِلَى منزل القَاضِي فَرَأى السرداب وَاسْتَحْسنهُ ثمَّ قَالَ للْقَاضِي يَنْبَغِي أَن تَأتي إِلَيّ يَوْم الثُّلَاثَاء لترى مَا أَعدَدْت من المَال فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَلما عَاد من منزل القَاضِي أَمر الْمُوكل بالخزينة أَن يضع مائَة وَأَرْبَعين إبريقا مَمْلُوءَة ذَهَبا فِي إِحْدَى الغرف وَأَن يضيف إِلَيْهَا ثَلَاث قَوَارِير مَمْلُوءَة لؤلؤا وكأسا ذهبية مَمْلُوءَة ياقوتا وثانية من لَعَلَّ وَأُخْرَى من فَيْرُوز لما فرغ الْمُوكل بالخزينة من ذَلِك وصل صَاحب إبريقي الذَّهَب يَوْم السبت واستدعى عضد الدولة القَاضِي وَأمْسك بِيَدِهِ وَأَخذه إِلَى الغرفة الَّتِى وضع فِيهَا المَال وبهت القَاضِي لما رأى الْأَمْوَال والجواهر وهاله ذَلِك فَقَالَ لَهُ عضد الدولة ترقب وُصُول كل هَذِه الْأَمْوَال فِي منتصف إِحْدَى اللَّيَالِي ثمَّ تركا الغرفة وَعَاد القَاضِي وفؤاده يخْفق فَرحا وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَالَ عضد الدولة لصَاحب الذَّهَب أريدك أَن تذْهب الان الى القَاضِي وَتقول لَهُ لقد صبرت مُدَّة وراعيت لَك حرمتك لن أحتمل أَكثر من هَذَا فَأهل الْمَدِينَة كلهم يعرفونني ويعرفون مَا كَانَ لوالدي من مَال ونعمة وهم يشْهدُونَ على قولي ويصدقونه فِي كل مَكَان إِن ترد لي مَالِي فبها ونعمت وَإِلَّا اذْهَبْ الان إِلَى عضد الدولة شاكيا متظلما وَأجر عَلَيْك الخزي والعار لتَكون فِيك للنَّاس عِبْرَة ثمَّ انْتظر جَوَابه فَإِن أعَاد إِلَيْك ذهبك أحضرهُ إِلَيّ كَمَا هُوَ وَإِلَّا أَخْبرنِي بِمَا جرى
следующие страницы →