Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمُ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود خاصة , قاله مجاهد. والثاني: اليهود والنصارى , قاله قتادة. والثالث: أنهم جميع المشركين , قاله الحسن. والرابع: أهل الضلالة من هذه الأمة , قاله أبو هريرة. وفي تفريقهم الذي فرقوه قولان: أحدهما: أنه الدين الذي أمر الله به , فرقوه لاختلافهم فيه باتباع الشبهات. والثاني: أنه الكفر الذي كانوا يعتقدونه ديناً لهم. ومعنى قوله: ﴿وَكَانُواْ شيَعاً﴾ يعني فرقاً. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون الشيع المتفقين على مشايعة بعضهم لبعض , وهو الأشبه , لأنهم يتمالأون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره.
стр. 1052
وفي أصله وجهان: أحدهما: أصله الظهور , من قولهم شاع الخبر إذا ظهر. والثاني: أصله الاتباع , من قولهم شايعه على الأمر إذا اتبعه , قاله الزجاج. ثم قال تعالى: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: لست من قتالهم في شيء , ثم نسخها بسورة التوبة , قاله الكلبي. والثاني: لست من مخالطتهم في شيء , نَهْيٌ لنبيه ﷺ عن مقاربتهم , وأمر له بمباعدتهم , قاله قتادة , كما قال النابغة:
(إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني.)
стр. 1053
﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ قوله : ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ في الحسنة والسيئة هنا قولان: أحدهما: أن الحسنة الإيمان , والسيئة الكفر , قاله أبو صالح. والثاني: أنه على العموم في الحسنات والسيئات أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضلاً , وجعل جزاء السيئة مثلها عدلاً , قال رسول الله ﷺ : (أَبْعَدَ اللَّهُ مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشْراً). ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه عام في جميع الناس. والثاني: أنه خاص في الأعراب إذا جاء أحدهم بحسنة فله عشر أمثالها , فأما غيرهم من المهاجرين فلمن جاء منهم بحسنة سبعمائة , قاله ابن عمر , وأبو سعيد الخدري.
стр. 1054
فأما مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها فلأن الله فرض عُشْر أموالهم , وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة أيام وهي البيض منه , فكان آخر العُشْر من المال آخر جميع المال , وآخر الثلاثة الأيام آخر جميع الشهر. وأما مضاعفة ذلك بسبعمائة ضعف فلقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلِةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لَمَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] , فضاعف الله الحسنة بسبعمائة ضعف , وكان الحسن البصري يقرأ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالُهَا﴾ بالتنوين , وَوَجْهُهُ في العربية صحيح. وحكى ابن بحر في الآية تأويلاً يخرج عن عموم الظاهر , وهو أن الحسنة اسم عام يطلق على كل نوع من الإيمان وينطلق على عمومه , فإن انطلقت الحسنة على نوع واحد منه , فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد , وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين , كان الثواب عليها مثلين كقوله: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُم كفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] , والكفل: النصيب كالمثل , فجعل لمن اتقى وآمن بالرسول نصيبين , نصيباً لتقوى الله , ونصيباً لإيمانه برسوله , فدل على أن الحسنة التي جعلت لها عشر أمثالها هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات , وهو الإيمان الذي جمع الله في صفته عشرة أنواع بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الاحزاب: ٣٥] , فكانت هذه الأنواع العشرة التي ثوابها عشرة أمثالها , فيكون لكل نوع منها مثل , وهذا تأويل فاسد , لخروجه عن عموم الظاهر , لما لا يحتمله تخصيص العموم , لأن ما جمع عشرة أنواع فهو عشر حسنات , فليس يجزي عن حسنة إلا مثلها , وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها. وذكر بعض المفسرين تأويلاً ثالثاً: أن له عشر أمثالها في النعيم والزيادة لا في عظيم المنزلة , لأن منزلة التعظيم لا تنال إلا بالطاعة , وهذه مضاعفة تفضيل كما قال: ﴿لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠].
стр. 1055
﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
стр. 1056
المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ قوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يذكر للناس حال عبادته ومن له الأمر في حياته ومماته. فقال ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ وهي الصلاة المشروعة ذات الركوع والسجود المشتملة على التذلل والخضوع لله تعالى دون غيره من وثن أو بشر. ثم قال: ﴿وَنُسُكِي﴾ وفيه هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذبيحة في الحج والعمرة , قاله سعيد بن جبير , ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك. والثاني: معناه ديني , قاله الحسن. والثالث: معناه عبادتي , قاله الزجاج , من قولهم فلان ناسك أي عابد , والفرق بين الدين والعبادة: أن الدين اعتقاد , والعبادة عمل. قوله تعالى: ﴿وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن حياته ومماته بيد الله تعالى لا يملك غيره له حياة ولا موتاً , فلذلك كان له مصلياً وناسكاً. والثاني: أن حياته لله في اختصاصها بطاعته , ومماته له في رجوعه إلى مجازاته. ووجدت فيها وجهاً ثالثاً: أن عملي في حياتي ووصيتي عند مماتي لله. ثم قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة الله تعالى أنه مالك العالم دون غيره , فلذلك كان أحق بالطاعة والتعبد من غيره. ثم قال تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا شريك له في ملك العالمين. والثاني: لا شريك له في العبادة.
стр. 1057
﴿وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ﴾ يعني ما قدم ذكره. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني من هذه الأمة حثّاً على اتباعه والمسارعة بالإٍسلام.
стр. 1058
﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وسبب [نزول] ذلك أن كفار قريش دعوا رسول الله ﷺ إلى ملة آبائه في عبادة اللات والعزى , وقالوا: يا محمد إن كان وزراً فهو علينا دونك , فنزلت هذه الآية عليه. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا﴾ يعني إلا عليها عقاب معصيتها ولها ثواب طاعتها. ﴿َوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا يتحمل أحد ذنب غيره فيأثم به ويعاقب عليه , ولا يحمل ذنبه غيره , فيبرأ منه ويسلم من عقابه. وفي أصل الوزر وجهان: أحدهما: أصله الثقل , من قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢ - ٣] ومنه سمي وزير الملك لتحمله القل عنه. والثاني: أن أصله الملجأ من قوله: ﴿كَلَاّ لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ومنه سُمِّي وزير المَلِكِ لأنه يلجأ إليه في الأمور. ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ماء ءاتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه جعلهم خلفاً من الجان سكاناً للأرض، قاله ابن عباس. والثاني: أن أهل كل عصر يخلف أهل العصر الذي قبله، كما مضى أهل عصر خلفه أهل عصر بعده على انتظام، حتى تقوم الساعة على العصر الأخير فلا
стр. 1059
يخلق عصر، فصارت هذه الأمة خلفاً للأمم الماضية. والثالث: جعل بعضهم خليفة لبعض ليتآلفوا بالتعاون. والرابع: لأنهم آخر الأمم وكانوا خلفاً لمن تقدمهم، قال الشماخ:
(تصيبكم وتخطئى المنايا ... وأخلق في ربوع عن ربوع)
﴿ورفع بعضكم على بعض درجات﴾ يعني ما خالف بينهم في الغنى بالمال وشرف الآباء وقوة الأجسام، وهذا، وإن ابتدأه تفضلاً من غير جزاء ولا استحقاق، لحكمه منه تضمنت ترغيباً في الأعلى وترهيباً من الأدنى، لتدم له الرغبة والرهبة. وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿ليبلوكم فيما ءاتاكم﴾ يعني من الغنى والقوة وفيه وجهان: أحدهما: ليختبركم بالاعتراف. ﴿إن ربك سريع العقاب﴾ فإن قيل: فكيف جعله سريعاً وهو في الآخرة. فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن كل آت قريب، كقوله: ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل: ٧٧]. والثاني: إن ربك سريع العقاب في الدنيا لمن استحق منه تعجيل العقاب فيها. والثالث: أنه إذا شاء عاقب، فصار عقابه سريعاً لأنه يقترن بمشيئته، وهذا قول ابن بحر. ﴿وإنه لغفور رحيم﴾ جمعاً منه بين ما يقتضي الرهبة من سرعة العقاب وبين ما يقتضي الرغبة من الغفران والرحمة، لأن الجمع بين الرغبة والرهبة أبلغ في الإنقياد إلى الطاعة والإقلاع عن المعصية، والله أعلم.
стр. 1060
سورة الأعراف
مكية كلها في قول الحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر، وقال ابن عباس، وقتادة: مكية إلا خمس آيات وهي قوله: ﴿واسألهم عن القربة﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى آخر الخمس. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 1061
﴿المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ قوله : ﴿المص﴾ فيه لأهل التأويل تسعة أقاويل: أحدها: معناه: أنا الله أُفَضِّل , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير. والثاني: أنه [حرف] هجاء [من] المصور , قاله السدي. والثالث: أنه اسم السورة من أسماء القرآن , قاله قتادة. والرابع: أنه اسم السورة مفتاح لها , قاله الحسن. والخامس: أنه اختصار من كلام يفهمه النبي ﷺ , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والسادس: هي حروف هجاء مقطعة نبه بها على إعجاز القرآن. والسابع: هي من حساب الجمل المعدود استأثر الله بعلمه.
стр. 1062
والثامن: هي حروف تحوي معاني كثيرة دل الله تعالى خلقه بها على مراده من كل ذلك. والتاسع: هي حروف اسم الله الأعظم. ويحتمل عندي قولاً عاشراً: أن يكون المراد به: المصير إلى كتاب أنزل إليك من ربك , فحذف باقي الكلمة ترخيماً وعبر عنه بحروف الهجاء لأنها تذهب بالسامع كل مذهب , وللعرب في الاقتصار على الحروف مذهب كما قال الشاعر:
(قلت لها قفي فقالت قاف ... ... ... ... )
أي وقفت. قوله ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ وفي الحرج ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الضيق , قاله الحسن , وهو أصله. قال الشماخ بن ضرار:
(ولو ردت المعروف عندي رددتها ... لحاجة لا العالي ولا المتحرج)
ويكون معناه: فلا يضيق صدرك خوفاً ألا تقوم بحقه. والثاني: أن الحرج هنا الشك , قاله ابن عباس , ومجاهد , وقتادة , والسدي. قال الراجز:
(آليت لولا حرج يعروني ... ما جئت أغزوك ولا تغزوني)
ومعناه: فلا تشك فيما يلزمك فيه فإنما أنزل إليك لتنذر به. والثالث: فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك , قاله الفراء. ثم قال: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعله إنذاراً للكافرين وذكرى للمؤمنين ليعود نفعه على الفريقين.
стр. 1063
﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ قوله : ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية , هذا إخبار من الله تعالى عن حال من أهلكه بكفر تحذيراً للمخاطبين به عن مثله , وقوله: ﴿وَكَم﴾ هي كلمة توضع للتكثير , (ورُب) موضوعة للتقليل , وذلك هو الفرق بين كم ورب. قال الفرزدق:
(كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت على عشاري)
فدل ذلك على تكثير العمات والخالات: وفي قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتَاً﴾ وإنما الهلاك بعد مجيء البأس أربعة أوجه: أحدها: معناه أهلكناها حكماً فجاءها بأسنا فعلاً. والثاني: أهلكناها بإرسال الملائكة إليها بالعذاب فجاءها بأسنا بوقوع العذاب لهم. والثالث: أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية. والرابع: أن البأس والهلاك وقعا معاً في حال واحدة , لأن الهلاك كان بوقوع البأس فلم يفترقا , وليس دخول الفاء بينهما موجبة لافتراقهما بل قد تكون بمعنى الواو كما يقال أعطيت وأحسنت , فكان الإحسان بالعطاء ولم يكن بعد العطاء , قاله الفراء. وقوله: ﴿بَيَانَاً﴾ يعني في نوم الليل. ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ يعني في نوم النهار وقت القائلة. فإن قيل: فلم جاءهم بالعذاب في وقت النوم دون اليقظة؟ قيل: لأمرين: أحدهما: لأن العذاب في وقت الراحة أشد وأغلظ.
стр. 1064
والثاني: لئلا يتحرزوا منه ويهربوا عنه , لاستسلام النائم وتحرز المستيقظ , والبأس: شدة العذاب , والبؤس: شدة الفقر. قوله : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْْأَلَنَّ الْمُرسَلِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لنسألن الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة والقيام بشروطها , ولنسألن المرسلين عن أداء الرسالة والأمانة فيها. والثاني: لنسألن الذين أرسل إليهم عن حفظ حرمان الرسل , ولنسألن المرسلين عن الشفقة على الأمم.
стр. 1065
﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ قوله : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الوزن ها هنا هو القضاء بالحق , أي بالعدل , قاله مجاهد. والثاني: أنه موازنة الحسنات والسيئات بعلامات يراها الناس يوم القيامة. والثالث: أنه موازنة الحسنات والسيئات بميزان له كفتان , قاله الحسن وطائفة. واختلف من قال بهذا في الذي يوزن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي يوزن هوالحسنات والسيئات بوضع إحداهما في كفة والأخرى في كفة , قاله الحسن والسدي. والثاني: أن الذي يوزن صحائف الأعمال , فأما الحسنات والسيئات فهي أعمال , والوزن إنما يمكن في الأجسام , قاله عبد الله بن عمر. والثالث: أن الذي يوزن هو الإنسان , قال عبيد بن عمير , قال يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة.
стр. 1066
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه فمن قُضي له بالطاعة. والثاني: معناه فمن كانت كفة حسناته أثقل من كفة سيئاته. والثالث: معناه فمن زادت حسناته على سيئاته. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني بما لهم من الثوب , وبضده إذا خفت.
стр. 1067
﴿ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: سهلنا عليكم التصرف فيها حتى وصلتم إلى مرادكم منها. والثاني: ملكناكم إياها حتى صرتم أحق بها. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما تعيشون به من نبات وحيوان. والثاني: ما تتوصلون به إلى معايشكم فيها من زراعة أو عمل.
стр. 1068
﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيه لأهل التأويل أربعة أقاويل: أحدها: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء , قاله عكرمة. والثاني: ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم في ظهره , قاله مجاهد. والثالث: خلقناكم نطفاً في أصلاب الرجال وترائب النساء , ثم صورناكم عند اجتماع النطفتين في الأرحام , وهو معنى قول الكلبي.
стр. 1069
والرابع: خلقناكم في بطون أمهاتكم , ثم صورناكم فيها بعد الخلق بشق السمع والبصر , قاله معمر. ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ﴾ فإن قيل فالسجود عبادة لا تجوز إلا الله تعالى , فكيف أمر به لآدم ﵇؟ قيل: فيه لأهل العلم قولان: أحدهما: أنه أمرهم بالسجود له تكرمة وهو لله تعالى عبادة. والثاني: أنه جعله قبلة سجودهم لله تعالى. فإن قيل: فالأمر بالسجود لآدم قبل تصوير ذريته , فكيف قال: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ﴾؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه صورهم في صلب آدم ثم قال للملائكة: اسجدوا. والثاني: معناه ثم صورناكم ثم أخبرناكم بِأَنَّا قلنا للملائكة: اسجدوا. والثالث: اي في الكلام تقديماً وتأخيراً , وتقديره: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ثم صورناكم. وفيه جواب رابع أنكره بعض النحويين وهو: أن ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى الواو , قاله الأخفش.
стр. 1070
﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾
стр. 1071
قوله : ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنه أُهْبِط من السماء لأنه كان فيها , قاله الحسن. والثاني: من الجنة. والثالث: أنه أهبط من المنزلة الرفيعة التي استحقها بطاعة الله إلى المنزلة الدَّنِيَّةِ التي استوجبها لمعصيته , قاله ابن بحر. ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ وليس لأحد من المخلوقين أن يتكبر فيها ولا في غيرها , وإنما المعنى: فما لمن يتكبر أن يكون فيها وإنما المتكبر في غيرها. وفي التكبر وجهان: أحدهما: تكبر عن الله أن يمتثل له. والثاني: تكبر عن آدم أن يسجد له. ﴿فَاخْرُجْ﴾ فيها قولان: أحدهما: من المكان الذي كان فيه من السماء أو الجنة. والثاني: من جملة الملائكة الذين كان منهم أو معهم. ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالمعصية في الدنيا لأن العاصي ذليل عند من عصاه. والثاني: بالعذاب في الآخرة لأن المعذب ذليل بالعذاب. وفي هذا القول من الله تعالى لإبليس وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك على لسان بعض الملائكة. والثاني: أنه أراه معجزة تدله على ذلك. قوله : ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه سأله الإنظار بالعقوبة إلى البعث وهو يوم القيامة. والثاني: أنه سأله الإنظار بالحياة إلى يوم يبعثون وهو يوم القيامة لئلا يذوق
стр. 1072
الموت , فَأُجِيْبَ بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهي النفخة الأولى ليذوق الموت بين النفختين وهو أربعون سنة , قاله الكلبي. فإن قيل: فكيف قدر الله مدة أجله وفي ذلك إغواؤه بفعل المعاصي تعويلاً على التوبة في آخر الأجل؟ قيل: قد علم الله من حاله أنه لا يتوب من معصيته بما أوجبه من لعنته بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَومِ الدَّينِ﴾ فجاز مع علمه بهذه أن يقدر له مدة أجله ولو كان كغيره ما قدرت له مدة أجله. فإن قيل: كيف أقدم إبليس على هذا السؤال مع معصيته؟ قيل: كما ينبسط الجاهل في سؤال ما لا يستحقه. فإن قيل: فكيف أجاب الله سؤاله مع معصيته؟ قيل: في إجابته دعاء أهل المعاصي قولان: أحدهما: لا تصح إجابتهم لأن إجابة الدعاء تكرمة للداعي وأهل المعاصي لا يستحقون الكرامة , فعلى هذا إنما أنظره الله تعالى وإن كان عقيب سؤاله ابتداء منه لا إجابه له. والثاني: أنه قد يجوز أن تجاب دعوة أهل المعاصي على وجه البلوى وتأكيد الحجة , فتكون إجابة المطيعين تكرمة , وإجابة العصاة بلوى. فإن قيل: فهل ينظر غير إبليس إلىالوقت الذي سأل وقد قال من المنظرين؟ قيل: نعم وهو من لم يقض الله تعالى عليه الموت من عباده الذين تقوم عليهم الساعة.
стр. 1073
﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ قوله : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اختلف أهل العربية في معنى قوله: ﴿فبما أغويتني﴾ على قولين:
стр. 1074
أحدهما: أنه على معنى القسم وتقديره: فبإغوائك لي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. والثاني: أنه على معنى المجازاة , تقديره: فلأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. واختلف أهل العلم في قوله: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ على أربعة أقاويل: أحدها: معناه أضللتني , قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: معناه خيبتني من جنتك , ومنه قول الشاعر:
(فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً)
أي ومن يخب. والثالث: معناه عذبتني كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَياً﴾ [مريم: ٥٩] أي عذاباً , قاله الحسن. والرابع: معناه أهلكتني بلعنك لي , يقال غوى الفصيل إذا أشفى على الهلاك بفقد اللبن , قال الشاعر:
(معطفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها دراً ولا ميِّت غوى)
وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي على صراطك المستقيم , وفيه تأويلان: أحدهما: طريق مكة ليصد عن قصدها في الحج والعمرة , قاله ابن مسعود. والثاني: طريق الحق ليصد عنها بالإغواء , قاله مجاهد. قوله : ﴿ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّنَ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... ﴾ الآية. فيه أربعة تأويلات: أحدها: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أشككهم في آخرتهم , ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾
стр. 1075
أرغبهم في دنياهم , ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أي من قبل حسناتهم , ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِم﴾ من قبل سيئاتهم , قاله ابن عباس. والثاني: ﴿مِنّ بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾: من قبل , دنياهم , ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل آخرتهم , ﴿وَعَنْ أَيْمَأنِهِمْ﴾: الحق أشككهم فيه , ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِم﴾: الباطل أرغبهم فيه , قاله السدي وإبراهيم. والثالث: ﴿مِنّ بَيْنِ أَيْدِيهِم﴾ ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حيث ينظرون , ﴿وَمِنْ خَلْفِهِم﴾ ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِم﴾: من حيث لا يبصرون , قاله مجاهد. والرابع: أراد من كل الجهات التي يمكن الاحتيال عليهم منها , ولم يذكر من فوقهم لأن رحمة الله تصده , ولا من تحت أرجلهم لما فيه التنفير , قاله بعض المتأخرين. ويحتمل تأويلاً خامساً: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم﴾: فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون على طاعة , ﴿وَمِنْ خَلْفِهِم﴾: فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عن معصية , ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِم﴾: من قبل غناهم فلا ينفقونه في مشكور , ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمِ﴾: من قبل فقرهم فلا يمتنعون فيه عن محظور. ويحتمل سادساً: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم﴾: بسط أملهم , ﴿وَمِنْ خَلْفِهِم﴾ تحكيم جهلهم , ﴿وعن أيمانهم﴾: فيما ييسر لهم , ﴿وَعَن شَمَائِلِهِم﴾: فيما تعسر عليهم , ثم قال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: شاكرين لنعمك. والثاني: مقيمين على طاعتك. فإن قيل: فكيف علم إبليس ذلك؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه ظن ذلك فصدق ظنه , كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] وسبب ظنه أنَّه لما أغوى آدم واستزله قال: ذرية هذا أضعف منه , قاله الحسن. والثاني: أنه يجوز أن يكون علم ذلك من جهة الملائكة بخبر من الله.
стр. 1076
﴿قال اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ قوله : ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث كان من جنة أو سماء. والثاني: من الطاعة , على وجه التهديد. ﴿مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾ في قوله: ﴿مَذْءُوماً﴾ خمسة تأويلات: أحدها: يعني مذموماً , قاله ابن زيد , وقرأ الأعمش ﴿مذوماً﴾ والثاني: لئيماً , قاله الكلبي. والثالث: مقيتاً , قاله ابن عباس. والرابع: منفياً , قاله مجاهد. والخامس: أنه شدة العيب وهو أسوأ حالاً من المذموم , قاله الأخفش , قال عامر بن جذامة:
(جذامة لم يأخذوا الحق بل ... زاغت قلوبهم قبل القتال ذأماً)
وأما المدحور ففيه قولان: أحدهما: المدفوع. الثاني: المطرود , قاله مجاهد والسدي.
стр. 1077
﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ قوله : ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزُوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ يعني حواء , وفي الجنة التي أمر بسكناها قولان:
стр. 1078
أحدهما: في جنة الخلد التي وعد المتقون , وجاز الخروج منها لأنها لم تجعل ثواباً فيخلد فيها ولا يخرج منها. والثاني: أنها جنة من جنات الدنيا لا تكليف فيها وقد كان مكلفاً. ﴿فَكُلَا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتَمُا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث شئتما من الجنة كلها. والثاني: ما شئتما من الثمار كلها لأن المستثنى بالنهي لمَّا كان ثمراً كان المأمور به ثمراً. ﴿وَلَا تَقَْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قد ذكرنا اختلاف الناس فيها على ستة أقاويل: أحدها: أنه البُرّ , قاله ابن عباس. والثاني: الكَرْم , قاله السدي. والثالث: التين , قاله بان جريج. والرابع: شجرة الكافور , قاله علي بن أبي طالب. والخامس: شجرة العلم , قاله الكلبي. والسادس: أنها شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة , قاله ابن جدعان , وحكى محمد بن إسحاق عن أهل الكتابين أنها شجرة الحنظل ولا أعرف لهذا وجهاً. فإذا قيل: فما وجه نهيهما عن ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: المصلحة في استدامة , المعرفة , والابتلاء بما يجِب فيه الجزاء. قوله : ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الْشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ... ﴾ أما الوسوسة فهي إخفاء الصوت بالدعاء , يقال وسوس له إذا أوهمه النصيحة , ووسوس إليه إذا ألقى إليه المعنى , وفي ذلك قول رؤبة بن العجاج:
(وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق ... سراً وقد أوّن تأوين العقق)
стр. 1079
فإن قيل: فكيف وسوس لهما وهما في الجنة وهو خارج عنها؟ فعنه ثلاثة أجوبة هي أقاويل اختلف فيها أهل التأويل: أحدها: أنه وسوس إليها وهما في الجنة في السماء , وهو في الأرض , فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له إلى السماء ثم الجنة , قاله الحسن. والثاني: أنه كان في السماء وكانا يخرجان إليه فيلقاهما هناك. والثالث: أنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. ﴿ ... وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الْشَّجَرَةِ إِلَاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ وهذا هو الذي ألقى به من الوسوسة إليهما استغواءً لهما بالترغيب في فضل المنزلة ونعيم الخلود. فإن قيل: هل تصورا ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: إنما كملت معرفتهما بالله تعالى لا بأحكامه. وفي قول إبليس ذلك قولان: أحدهما: أنه أوهمهما أن ذلك في حكم الله جائز أن يقلب صورتهما إلى صور الملائكة وأن يخلدهما في الجنة. والثاني: أنه أوهمهما أنهما يصيران بمنزلة الملائكة في علو المنزلة مع علمهما بأن قلب الصور لا يجوز. قوله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي حلق لهما على صدقه في خبره ونصحه في مشورته , فقبلا قوله وتصورا صدقه لأنهما لم يعلما أن أحداً يجترىء على الحلف بالله كاذباً. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون معنى قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي قال لهما: إن كان ما قلته خيراً فهو لكما دوني وإن كان شراً فهو عليّ دونكما ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين لكما , فكانت هذه مقاسمتهما أن قسم الخير لهما والشر له على وجه الغرور لتنتفي عنه التهمة ويسرع إليه القبول.
стр. 1080
﴿فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ قوله : ﴿فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ معناه فحطهما بغرور من منزلة الطاعة إلى حال المعصية. فإن قيل: فهل علما عند أكلهما أنها معصية؟ قيل: لا , لأن إقدامهما عليها مع العلم بأنها معصية يجعلها كبيرة , والأنبياء معصومون من الكبائر , وإنما أقدما عليها لشبهة دخلت عليهما بالغرور. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ فإن قيل: فلم بدت لهما سوآتهما ولم تكن بادية لهما من قبل؟ ففي ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهما كانا مستورين بالطاعة فانكشف الستر عنهما بالمعصية. والثاني: أنهما كانا مستورين بنور الكرامة فزال عنهما بذلك المهانة. والثالث: أنهما خرجا بالمعصية من أن يكونا من ساكني الجنة , فزال عنهما ما كانا فيه من الصيانة. ﴿وَطَفِقَا يخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ في ﴿وَطَفِقَا﴾ وجهان: أحدهما: قاما يخصفان , قاله ابن بحر. والثاني: جعلا يخصفان , أي قطعان. ﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: ورق الموز. والثاني: ورق التين , قاله ابن عباس.
стр. 1081
﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين
стр. 1082
قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ قوله : ﴿قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فإن قيل: فالمأمور بالهبوط آدم وحواء لأن إبليس قد كان أهبط من قبل حين امتنع عن السجود لآدم , فكيف عبر عنهما بلفظ الجمع؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه خبر عن هبوطهم مع تفرقهم وإن خرج مخرج الأمر , قاله السدي. والثاني: أنهم آدم وحواء والحية , فكانوا جماعة , قاله أبو صالح. والثالث: أنهم آدم وحواء والوسوسة , قاله الحسن. فهبط آدم بأرض الهند على جبل يقال له واسم , وهبطت حواء بجدة , وهبطت الحية بأصفهان. وفي مهبط إبليس قولان. أحدهما بالأبلة. والثاني: بالمدار. وقيل أسكنهما الجنة لئلا ساعات خلت من يوم الجمعة , وأخرجهما لتسع ساعات خلت من ذلك اليوم. ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أما المستقر ففيه وجهان: أحدهما: أنه فعل الاستقرار. والثاني: أنه موضع الاستقرار , قاله أبو صالح. وأما المتاع فهو المنتفع به من عروض الدنيا التي يستمتع بها. وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ يعني إلى انقضاء الدنيا , والحين وقت مجهول القدر ينطلق على طويل الزمان وقصيره وإن كان موضوعاً في الأغلب للتكثير.
стр. 1083
قال الشاعر:
(وما مزاحك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين)
أي وقت لا وقت.
стр. 1084
﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون﴾ قوله : ﴿يَا بَنِيَءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوُءَاتِكُمْ﴾ نزلت هذه الآية في قوم من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويرون أن ذلك أبلغ في الطاعة وأعظم في القربة. وفي دخول الشبهة عليهم في ذلك وجهان: أحدهما: أن الثياب قد دنستها المعاصي فخرجوا عنها. والثاني: تفاؤلاً بالتعري من الذنوب فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾ أي ما تلبسون من الثياب. فإن قيل: فليس ذلك بمنزل من السماء. فعنه جوابان: أحدهما: أنه لما كان ينبت من المطر الذي نزل من السماء صار كالمنزل من السماء , قاله الحسن. والثاني: أن هذا من بركات الله , والبركة تنسب إلى أنها تنزل من السماء , كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]. ثم قال: ﴿يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ أي يستر عوراتكم , وسميت العورة سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها. ثم قال: ﴿وَرِيشاً﴾ وهذه قراءة أهل الأمصار وكان الحسن يقرأ: ﴿وَرِيَاشاً﴾ وفيه أربعة تأويلات:
стр. 1085
أحدهما: أنه المعاش , قاله معبد الجهني. والثاني: أنه اللباس والعيش والنعيم , قاله ابن عباس. والثالث: أنه الجمال والزينة , قاله ابن زيد , ومنه قوله رؤبة:
(إليك أشكو شدة المعيش ... وجهد أعوام نتفن ريشي)
يريد أذهبن جمالي وزينتي. والرابع: أنه المال: قاله ابن الزبير ومجاهد , قال الشاعر:
(فريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما)
وفي الريش والرياش وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. والوجه الثاني: أن معناهما مختلف , فالريش ما بطن , والرياش ما ظهر. ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وفي لباس التقوى سبعة تأويلات: أحدها: أنه الإيمان , قاله قتادة والسدي. الثاني: الحياة , قاله معبد الجهني. والثالث: أنه العمل الصالح , قاله ابن عباس. والرابع: أنه السمت الحسن , قاله عثمان بن عفان. والخامس: خشية الله , قاله عروة بن الزبير. السادس: ستر العورة للصلاة التي هي التقوى , قاله ابن زيد. والسابع: لبس ما يُتَّقَى به الحر والبرد , قاله ابن بحر.
стр. 1086
وفي قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى لباس التقوى ومعنى الكلام أن لباس التقوى خير من الرياش واللباس , قاله قتادة والسدي. والثاني: أنه راجع إلى جميع ما تقدم من ﴿قَدْ أَنزَلْنَا علَيكُمْ لِبَاساً يُوارِي سَوْءَاتِكُم وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوى﴾ , ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرته هو ﴿خَيْرٌ﴾ كله.
стр. 1087
﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿يَا بَنِيءَادَمَ لَا يَفتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ وهذا خطاب توجه إلى من كان من العرب يطوف بالبيت عرياناً , فقيل لهم لا يفتننكم الشيطان بغروره كما فتن أبويكم من قبل حتى أخرجهما من الجنة , ليكون إِشعارهم بذلك أبلغ في الزجر من مجرد النهي. ﴿ينزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن لباسهما كان أظفاراً تستر البدن فنزعت عنهما وتركت زينة وتبصرة , قاله ابن عباس. الثاني: أن لباسهما كان نوراً , قاله وهب بن منبه. والثالث: أن نزع عنهما لباسهما من تقوى الله وطاعته , قاله مجاهد. ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أجسادهما من العورة حين خرجا من لباسهما , وهو مقتضى قول ابن عباس. والثاني: سوأة معصيتهما حتى خرجا من تقوى الله وطاعته , وهو معنى قول مجاهد. ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قومه , وهو قول الجمهور.
стр. 1088
والثاني: جيلُهُ , قاله السدي. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث لا تبصرون أجسادهم. والثاني: من حيث لا تعلمون مكرهم وفتنتهم.
стр. 1089
﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاءَابَآءَنَا﴾ في هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها وردت في العرب الذين كانوا يطوفون عراة , والفاحشة التي فعلوها كشف العورة , وهذا قول أكثر المفسرين. والثاني أنها في عبدة الأوثان , والفاحشة التي فعلوها الشرك , قاله الحسن. والثالث أنها اتخاذ البَحِيْرَةِ والسائبة والوصيلة والحام , قاله الكلبي. قوله : ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالصدق. والثاني: بالعدل. ﴿وَأقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة , قاله مجاهد. والثاني: معناه اجعلوا سجودكم خالصاً لله تعالى دون ما سواه من الأوثان والأصنام , قاله الربيع بن أنس.
стр. 1090
والثالث: معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة , أمراً بالجماعة لها , ندباً عند الأكثرين , وحتماً عن الأقلين. والرابع: أن أي موضع أدركت فيه وقت الصلاة فصل فيه فإنه مسجد ولا تؤخرها إلى حضور المسجد. ﴿وَاْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أقروا له بالوحدانية وإخلاص الطاعة. والثاني: ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدين. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: كما بدأكم شقياً وسعيداً , كذلك تبعثون يوم القيامة , قاله ابن عباس. الثاني: كما بدأكم فآمن بعضكم وكفر بعضكم , كذلك تبعثون يوم القيامة. روى أبو سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: (تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ). والثالث: كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً , كذلك تعودون بعد الفناء أحياء , قاله الحسن , وابن زيد. والرابع: كما بدأكم لا تملكون شيئاً , كذلك تبعثون يوم القيامة. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلاً وَأَوَّلُ مَنْ يُكَسَى إِبْرَاهِيمُ ﵇ ثم قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
следующие страницы →