← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أحدهما: وغرتهم زينة الحياة الدنيا. والثاني: وغرتهم الرياسة في الدنيا. ويحتمل ثالثاً: وغرتهم حياتهم في الدنيا حين أمهلوا. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم﴾ وفي هذه الشهادة أيضاً الوجهان المحتملان إلا أن تلك شهادة بالإنذار وهذا بالكفر.

стр. 1017

﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كان ربك مهلك القرى بظلم منه ولكن بحق استوجبوا به الهلكة , وهو معنى قول مقاتل. والثاني: وما كان ربك مهلك القرى بظلم أهلها حتى يقدم إنذارهم ويرفع أعذارهم ويخرجوا من حكم الغافلين فيما ينزل بهم , وهو معنى قول مجاهد. قوله : ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ معناه ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته درجات , يعني منازل , وإنما سُمِّيت درجات لتفاضلها كتفاضل الدَرَجِ في الارتفاع والانحطاط. وفيها وجهان: أحدهما: أن المقصود بها الأعمال المتفاضلة. والثاني: أن المقصور بها الجزاء المتفاضل. ويحتمل هذا التفضيل بالدرجات على أهل الجنة , وأهل النار , لأن أهل النار يَتفاضلون في العقاب بحسب تفاضلهم في السيئات , كما يتفاضل أهل الجنة في الثواب لتفاضلهم في الحسنات , لكن قد يعبر عن تفاضل أهل الجنة بالدَرَج , وعن تفاضل أهل النار بالدرك , فإذا جمع بينهما بالتفاضل عبر عن تفاضلهما بالدرج تغليباً لصفة أهل الجنة.

стр. 1018

﴿وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ قوله : ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُم﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: على طريقتكم. والثاني: على حالتكم.

стр. 1019

والثالث: على ناحيتكم , قاله ابن عباس , والحسن. والرابع: على تمكنكم , قاله الزجاج. والخامس: على منازلكم , قاله الكلبي. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ يعني أنذركم من جزاء المطيع بالثواب , والعاصي بالعقاب. ﴿فَسَوفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونَ لَهُ عاقِبَةٌ الدَّارِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعلمون ثواب الآخرة بالإيمان , وعقابها بالكفر ترغيباً منه في ثوابه وتحذيراُ من عقابه. والثاني: تعلمون نصر الله في الدنيا لأوليائه , وخذلانه لأعدائه , قاله ابن بحر.

стр. 1020

﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون﴾ قوله : ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾. . ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ مما خلق , مأخوذ من الظهور , ومنه قيل ملح ذُرْ أي لبياضه , وقيل لظهور الشيب ذُرْأَة , والحرث: الزرع , والأنعام: الإبل والبقر والغنم , مأخوذ من نعمة الوطء. وهذا إخبار منه عن كفار قريش ومن تابعهم من مشركي العرب , كانوا يجعلون لله في زروعهم ومواشيهم نصيباً , ولأوثانهم وأصنامهم نصيباً , فجعل الله أوثانهم شركاءهم؛ لأنهم قد أشركوهم في أموالهم بالنصيب الذي قد جعلوه فيها لهم , ونصيبهم في الزرع جزء منها يجعلونه مصروفاً في النفقة عليها وعلى خدامها. وفي نصيبهم من الأنعام ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كنصيبهم من الزرع مصروف في النفقة عليها وعلى خدامها. والثاني: أنه قربان لأوثانهم كانوا يتقربون به إليها.

стр. 1021

والثالث: أنه البحيرة , والسائبة , والوصيلة , والحام. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِم فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ فاختلف أهل التأويل في المراد بذلك على أربعة أوجه: أحدها: أنه كان إذا اختلط بأموالهم شيء مما جعلوه لأوثانهم , ردوه , وإذا اختلط بها ما جعلوه لله لم يردوه , قاله ابن عباس , وقتادة. والثاني: أنه كان إذا هلك ما لأوثانهم غرموه , وإذا هلك ما لله لم يغرموه , قاله الحسن , والسدي. والثالث: أنهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه لأوثانهم , قاله بعض المتأخرين. والرابع: أن كل شيء جعلوه لله من ذبائحهم لم يأكلوه حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم , ولا يذكرون اسم الله فيما جعلوه لأوثانهم , قاله ابن زيد.

стр. 1022

﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ أما شركاؤهم ها هنا ففيهم أربعة أقاويل: أحدها: الشياطين , قاله الحسن , ومجاهد , والسدي. والثاني: أنهم قوم كانوا يخدمون الأوثان , قاله الفراء , والزجاج. والثالث: أنهم الغواة من الناس. وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان: أحدهما: أنه كان أحدهم يحلف إن وُلِدَ له كذا وكذا غلام ان ينحر أحدهم كما

стр. 1023

حلف عبد المطلب في نحر ابنه عبد الله , قاله الكلبي. والثاني: أنه وَأَدُ البنات أحياءً خِيْفَة الفقر , قاله مجاهد. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي ليهلكوهم , ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١] يعني إذا هلك. وفي ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قصدوا أن يردوهم بذلك كما قصدوا إغواءَهم. والثاني: أنهم لم يقصدوا ذلك وإنما آلَ إليه فصارت. هذه لام العاقبة كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُءَالُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] لأن عاقبته صارت كذلك وإن لم يقصدوها.

стр. 1024

﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ قوله : ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حراماً , قال الشاعر: (قبت مرتفقاً والعين ساهرة ... كأن نومي عليَّ الليل محجور) ﴿لَاّ يَطْعَمُهَآ إِلَاّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ قال الكلبي: جعلوها للرجال دون النساء. وفي الأنعام والحرث التي قالوا إنه لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم قولان. أحدهما: أن الأنعام التي يحكمون فيها بهذا الحكم عندهم هي البَحِيْرَة والحام خاصة , والحرث ما جعلوه لأوثانهم , قاله الحسن , ومجاهد. والثاني: أن الأنعام هي ذبائح الأوثان , والحرث ما جعلوه لها. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ فيها قولان:

стр. 1025

أحدهما: أنها السائبة. والثاني: أنها التي لا يحجون عليها , قاله أبو وائل. ﴿وَأَنْعَامٌ لَاّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ وهي قربان أوثانهم يذكرون عليها اسم الأوثان , ولا يذكرون عليها اسم الله تعالى. ﴿افْتِرَآءً عَلَيْهِ﴾ أي على الله وفيه قولان: أحدهما: أن إضافتهم ذلك إلى الله هو الافتراء عليه. والثاني: أن ذكرهم أسماء أوثانهم عند الذبيحة بدلاً من اسم الله هو الافتراء عليه.

стр. 1026

﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾ ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ , قرأ الأعمش ﴿خَالِصٌ﴾ , وفي ﴿خَالِصَةٌ﴾ وفي ﴿خَالِصٌ﴾ وجهان: أحدهما: أن ﴿خَالِصَةٌ﴾ أبلغ من ﴿خَالِصٌ﴾ وإن كانت في معناه فدخلت الهاء للمبالغة كقولهم: علَاّمة , ونسَّابة , قاله الكسائي. والثاني: أن دخول الهاء يوجب عوده إلى الأنعام لتأنيثها , وحذف الهاء , يوجب عوده إلى ما في بطونها لتذكيره , قاله الفراء. وفي ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ما في بطونها الأجنة , قاله: مجاهد. والثاني: الألبان , قاله قتادة.

стр. 1027

والثالث: الجميع: الأجنة والألبان , قاله مقاتل. وفي جعلهم ذلك لذكورهم دون إناثهم وأزواجهم قولان: أحدهما: لأن الذكور هم خدام الأوثان. والثاني: تفضيلاً للذكور على الإناث. وأصل الذكور من الذِّكْر , وفي أخذه من الذِّكْر وجهان: أحدهما: لأنه المذكور بين الناس فكان أنبه ذِكْراً من الأنثى. والثاني: لأنه أشرف , والذِّكْر هو الشرف , قاله الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي شرف.

стр. 1028

﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْروشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ... ﴾ أما الجنات فهي البساتين يحفها الشجر , وأما الروضة فهي الخضراء بالنبات , وأما الزهرة فهي باختلاف الألوان الحسنة. وفي قوله: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: أنه تعريش الناس الكروم وغيرها , بأن ترفع أغصانها , قاله ابن عباس , والسدي. والثاني: أن تعريشها هو رفع حظارها وحيطانها.

стр. 1029

والثالث: أنها المرتفعة عن الأرض لعلو شجرها , فلا يقع ثمرها على الأرض , لأن أصله الارتفاع ولذلك سُمِّيَ السرير عرشاً لارتفاعه , ومنه قوله تعالى: ﴿خاوية على عروشها﴾ [الكهف: ٤٢] و [الحج: ٤٥] أي على أعاليها وما ارتفع منها. والرابع: أن المعروشات ما عرشه الناس , وغير المعروشات ما نبت في البراري والجبال. ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وإنما قدم ذكر الأكل لأمرين: أحدهما: تسهيلاً لإيتاء حقه. والثاني: تغليباً لحقهم وافتتاحاً بنفعهم بأموالهم. وفي قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: الصدقة المفروضة فيه: العُشْر فيما سقي بغير آلة , ونصف العشر فيما سقي بآلة , وهذا قول الجمهور. والثاني: أنها صدقة غير الزكاة , مفروضة يوم الحصاد والصرام وهي إطعام من حضر وترك ما تساقط من الزرع والثمر , قاله عطاء ومجاهد. والثالث: أن هذا كان مفروضاً قبل الزكاة ثم نسخ بها , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير , وإبراهيم. ﴿وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن هذا الإسراف المنهي عنه هو أن يتجاوز رب المال إخراج القدر المفروض عليه إلى زيادة تجحف به , قاله أبو العالية , وابن جريج. وقد روى سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (المُعْتَدِي فِي

стр. 1030

الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا) وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تصدق بجميع ثمرته حتى لم يبق فيها ما يأكله. والثاني: هو أن يأخذ السلطان منه فوق الواجب عليه , قاله ابن زيد. والثالث: هو أن يمنع رب المال من دفع القدر الواجب عليه , قاله سعيد بن والمسيب. والرابع: أن المراد بهذا السرف ما كانوا يشركون آلهتهم فيه من الحرث والأنعام , قاله الكلبي. والخامس: هو أن يسرف في الأكل منها قبل أن يؤدي زكاتها , قاله ابن بحر. قوله : ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحمولة كبار الإبل التي يُحْمَلُ عليها , والفرش صغارها التي لا يحمل عليها , مأخوذ من افتراش الأرض بها على الاستواء كالفرش. وقال ابن بحر الافتراش الإضجاع للنحر , فتكون الحمولة كبارها , والفرش صغارها , قال الراجز: (أورثني حمولة وفرشا ... أمشّها في كل يوم مشّا) أي أمسحها , قاله ابن مسعود , والحسن , ومجاهد. والثاني: أن الحَمُولة ما حُمِلَ عليه من الإبل والبقر , والفرش: الغنم , قاله ابن عباس , وقتادة , ومنه قول ابن مسلمة: (وحوينا الفرش من أنعامكم ... والحمولات وربات الحجل) والثالث: أن الحملة ما حمل من الإبل , والبقر , والخيل , والبغال , الحمير , والفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها. ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الحمولة ليبين أن الانتفاع بظهرها لا يمنع من جواز أكلها. والثاني: أنه إذن منه في عموم أكل المباح من أموالهم , ونهى عن أكل ما لا يملكونه.

стр. 1031

﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها طريقه التي يدعوكم إليها من كفر وضلال. والثاني: أنها تخطيه إلى تحريم الحلال وتحريم الحرام , وقد ذكرنا ما في ذلك من زيادة التأول ومن الاحتمال , وأنه الانتقال من معصية إلى أخرى حتى يستوعب جميع المعاصي , مأخوذ من خطو القدم: انتقالها من مكان إلى مكان. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه ما بان لكم من عداوته لأبيكم آدم. والثاني: ما بان لكم من عداوته لأوليائه من الشياطين , قاله الحسن.

стр. 1032

﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ قوله : ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أما الزوج فاسم ينطلق على الواحد وعلى الاثنين , يقال للاثنين زوج , ويقال للواحد زوج لأنه لا يكون زوجاً إلا ومعه آخر له مثل اسمه , قال لبيد: (من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها) فلذلك قال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ لأنها ثمانية آحاد. ثم فسرها فقال: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني ذكراً وأنثى.

стр. 1033

﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ يعني ذكراً وأنثى. ﴿قُلُءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ﴾ إبطالاً لما حرمته الجاهلية منها في البحيرة , والسائبة , والوصيلة , والحام. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ يعني قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَرْحَامِ خالصةً لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ يريد به ما أراده في الضأن والمعز وأن هذه الثمانية أزواج حلال لا يحرم منها شيء بتحريمكم. حكى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أتاه عوف بن مالك , فقال له: أَحَلَّلْتَ ما حرمه أباؤنا , يعني من البحيرة , والسائبة , والوصيلة , والحام , فأنزل الله تعالى هذه الآية , وقال: ﴿ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ﴾ فسكت عوف لظهور الحجة عليه.

стр. 1034

﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ قوله : ﴿قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ يعني أن ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لم يحرمه الله تعالى ولا أوحى إليَّ بتحريمه , ثم بيَّن المحرَّم على وجه الاستثناء لأن نفي التحريم خرج مخرج العموم , فقال: ﴿إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وهي التي خرجت روحها بغير ذكاة. ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ يعني مهراقاً مصبوباً ومنه سمي الزنا سفاحاً لصب الماء فيه ضائعاً , وقال طرفة بن العبد: (إني وجدَّك ما هجوتك والأن ... صاب يسفح فوقهن دم) فأما الدم غير مسفوح فإن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال

стр. 1035

لقوله ﷺ : (أُحِلَّتْ لَنَا مِيْتَتَانِ وَدَمَانِ , فَالمِيْتَتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ , وَالدَّمَانِ: الكَبِدُ وَالطُّحَالُ). وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها وإنما هو مع اللحم وفيه , ففي تحريمه قولان: أحدهما: لا يحرم لتخصيص التحريم بالمسفوح , وهو قول عائشة , وعكرمة , وقتادة , قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود. والثاني: أنه حرام لأنه من جملة المسفوح وبعضه , وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه. ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ يعني نجساً حراماً. ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يعني ما ذبح للأوثان والأصنام , سماه فسقاً لخروجه عن أمر الله. فإن قيل: لم اقتصر هنا على تحريم هذه الأربعة وقد ذكر في المائدة غيرها من المنخنقة والموقوذة والمتردية؟ قيل: لأن هذا كله من جملة الميتة فذكره هناك مفصلاً وها هنا في الجملة. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها مشتملة على جميع المحرمات فلا يحرم من الحيوان ما عدا هذا المذكور فيها , وهذا قول ابن عباس , وعائشة. والثاني: أنا تشتمل على تحريم ما تضمنها وليست مستوعبة لجميع

стр. 1036

المحرمات لما جاءت به السنة من تحريم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير , وهذا قول الجمهور.

стр. 1037

﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ هذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة , فأول ما ذكره من المحرمات عليهم ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير , ومجاهد , وقتادة , والسدي. والثاني: أنه عنى أنواع السباع كلها. والثالث: أنه كل ذي مخلب من الطير , وكل ذي حافر من الدواب. ثم قال: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها شحوم الثّرْب خاصة , قاله قتادة. والثاني: أنه كل شحم لم يكن مختلطاً بعظم ولا على عظم , قاله ابن جريج. والثالث: أنه شحم الثرب والكلى , قاله السدي وابن زيد.

стр. 1038

ثم قال: ﴿إِلَاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني شحم الجنب وما علق بالظهر فإنه لم يحرم عليهم. ثم قال: ﴿أَوْ الْحَوَايَآ﴾ وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أنها المباعر , قاله ابن عباس , والحسن , وسعيد بن جبير , وقتادة , ومجاهد , والسدي. والثاني: أنها بنات اللبن , قاله عبد الرحمن بن زيد. والثالث: أنها الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها , قاله بعض المتأخرين. والرابع: أنها كل ما تحوّى في البطن واجتمع واستدار , قاله علي بن عيسى. ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه شحم الجنب. والثاني: أنه شحم الجنب والأليه , لأنه على العصعص , قاله ابن جريج , والسدي. ﴿ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم ببَغْيِهِمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ببغيهم على موسى ﵇ فيما اقترحوه وعلى ما خالفوه. والثاني: ببغيهم على أنفسهم في الحلال الذي حرموه. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما حكاه عنهم وحرمه عليهم.

стр. 1039

﴿فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد

стр. 1040

معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ قوله : ﴿قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمُ عَلَيْكُمُ﴾ وهذا أمر من الله لنبيه ﷺ , أن يدعو الناس إليه ليتلو عليهم ما حرمه الله عليهم , وما أحله لهم ليقلعوا عما كانت الجاهلية عليه من تحريم المباح وإباحة الحرام. والتلاوة: هي القراءة , والفرق بين التلاوة والمتلو , والقراءة والمقروء أن التلاوة والقراءة للمرة الأولى , والمتلو والمقروء للثانية وما بعدها , ذكره علي بن عيسى , والذي أراه من الفرق بينهما أن التلاوة والقراءة يتناول اللفظ , والمتلو والمقروء يتناول الملفوظ. ثم إن الله أخذ فيا حرم فقال: ﴿أَلَاّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: ألا تشركوا بعبادته عبادة غيره من شيطان أو وثن. والثالث: أن يحمل الأمرين معاً. ثم قال: ﴿وَبَالْوَالِدَينَ إِحْسَاناً﴾ تقديره: وأوصيكم بالوالدين إحساناً , والإحسان تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما. ﴿وَلَا تَقْتُلُوْاْ أَوْلَادَكُمْ مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقَكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق. وفي الإملاق قولان:

стр. 1041

أحدهما: أنه الإفلاس , ومنه الملق لأنه اجتهاد المفلس في التقريب إلى الغنى طمعاً في تأجيله. والثاني: أن الإملاق ومعناهما قريب وإن كان بينهما فرق , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , والسدي , والضحاك , وابن جريج. ثم ذكر فساد اعتقادهم في الإملاق بأن قال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأن رزق العباد كلهم , من كفيل ومكفول , على خالقهم. ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن ذلك عام في جميع الفواحش سرها وعلانيتها , قاله قتادة. والثاني: أنه خاص في الزنى , ما ظهر منها: ذوات الحوانيت , وما بطن: ذوات الاستسرار , قاله ابن عباس , والحسن , والسدي. والثالث: ما ظهر منها: نكاح المحرمات , وما بطن: الزنى , قاله مجاهد , وابن جبير. والرابع: أن ما ظهر منها: الخمر , وما بطن منها: الزنى , قاله الضحاك. وقد ذكرنا فيه احتمال تأويل خامس: أن ما ظهر منها أفعال الجوارح , وما بطن منها اعتقاد القلوب. ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ والنفوس المحرمة: نفس مسلم , أو معاهد , والحق الذي تقتل به النفس ما بيَّنه النبي ﷺ بقوله: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَاّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ , أَوْزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ , أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ). ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ يعني أن الله وصى عباده بذلك , ووصية الله واجبة.

стр. 1042

ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تعقلون تحريم ذلك عليكم وتعلمونه. والثاني: تعملون عمل من يعقل وهو ترك ما أوجب العقاب من هذه المحرمات.

стр. 1043

﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إنما خص مال اليتيم بالذكر وإن كان مال غيره في التحريم بمثابته , لأن الطمع فيه لقلة مراعيه أقوى , فكان بالذكر أولى. وفي قوله: ﴿إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر ليتسلمه , قاله الكلبي. والثاني: أن ذلك هو التجارة به , قاله مجاهد. والثالث: هو ألا يأخذ من الربح إذا اتجر له بالمال شيئاً , قاله الضحاك. والرابع: هو أن يأكل الولي بالمعروف من ماله إن افتقر , ويترك إن استغنى , ولا يتعدى من الأكل إلى الباس ولا غيره , قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أن التي هي أحسن: حفظ أصوله وتثمير فروعه. ثم قال: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ والأشُد القوة والشباب. وفي حدها ثلاثة أقاويل:

стр. 1044

أحدها: أنه الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيئات , قاله ربيعة , وزيد بن أسلم , ومالك. والثاني: أن الأَشُد ثلاثون سنة , قاله السدي. والثالث: أن الأشد ثماني عشرة سنة , ذكره علي بن عيسى وفيه وجوه أُخَر نذكرها من بعد. ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني بالعدل , أمر في مال البائع من تأدية بمثل ما أُمِر به في مال اليتيم. ثم قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ يعني أنه لما كان العدل في الوزن والكيل مستحقاً , وكان تحديد أقل القليل متعذراً , كان ذلك عفواً , لأنه لا يدخل في الوسع فلم يكلفه. ثم قال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: إذا حكمتم فأنصفوا. الثاني: إذا شهدتم فاصدقوا. الثالث: إذا توسطتم فلا تميلوا. ثمَ قال: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن عهد الله كل ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره. الثاني: أنه الحلف بالله أن يلزم الوفاء به إلا في معصية. ﴿ذَالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى الذين هادوا وما أوصاهم به في التوراة. والثاني: أنه راجع إلى المسلمين وما وصاهم به في القرآن. قوله : ﴿وََأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: القرآن. والثاني: الشرع وسُمِّيَ ذلك صراطاً , والصراط هو الطريق لأنه يؤدي إلى الجنة فصار طريقاً إليها. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يعني في العمل به.

стр. 1045

﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما تقدم من الكتب المنزلة نسخها بالقرآن , وهو محتمل. والثاني: ما تقدم من الأديان المتقدمة نسخها بالإسلام وهو محتمل. والثالث: البدع والشبهات. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ يعني عن طريق دينه. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يكون سبيله نصرة دينه وجهاد أعدائه , فنهى عن التفرق وأمر بالأجتماع.

стр. 1046

﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ قوله : ﴿ثُمَّءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ وفي قوله: ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: تماماً على إحسان موسى بطاعته , قاله الربيع , والفراء. والثاني: تماماً على المحسنين , قاله مجاهد , وكان ابن مسعود. يقرأ: ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾. والثالث: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه , قاله ابن زيد. والرابع: تماماً لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا , قاله الحسن وقتادة. والخامس: تماماً لنعمة الله على إبراهيم لأنه من ولده , قاله ابن بحر.

стр. 1047

﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا

стр. 1048

يصدفون هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون﴾ قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة رسلاً , يعني الكفار الذين يتوقفون عن الإيمان مع ظهور الدلائل. والثاني: هي ينظرون يعني في حُجَج الله ودلائله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم , قاله جويبر. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أمر ربك بالعذاب , قاله الحسن. والثاني: قضاء ربك في القيامة , قاله مجاهد. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه طلوع الشمس من مغربها , قاله مجاهد , وقتادة , والسدي , قال ابن مسعود: مع القمر في وقت واحد وقرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]. والثاني: طلوع الشمس من مغربها , والدجال , ودابة الأرض , قاله أبو هريرة.

стр. 1049

﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ ... ﴾ في أول آيات الساعة وآخرها قولان: أحدهما: أن أولها الدجال , ثم الدخان , ثم يأجوج ومأجوج , ثم الدابة , ثم طلوع الشمس من مغربها , ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسَاً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مِِن قَبْلُ﴾ هذا قول معاذ بن جبل. والثاني: أن أولها خروج الدجال , ثم خروج يأجوج ومأجوج , ثم طلوع الشمس من مغربها ﴿لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مَن قَبْلُ﴾ ثم خروج الدابة , وهذا قول حذيفة بن اليمان ورواه مرفوعاً. ثم اختلفوا في ألا ينفعها إيمانها بظهور أول الآيات أو بظهور آخرها على قولين: أحدهما: إذا خرج أول الآيات , طرحت الأقلام , وجلست الحفظة , وشهدت الأجساد على الأعمال. والقول الثاني: أن ذلك يكون بخروج آخر الآيات ليكون لنا فيها أثر في الإنذار. ثم قال: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيَمَانِهَا خَيْراً﴾ أما إيمانها قبل هذه الآيات فمُعْتَدٌّ به , وأما بعدها فإن لم تكسب فيه خيراً لم يُعْتَدّ به , وإن كسبت فيه خيراً ففي الاعتداد به قولان: أحدهما: يُعْتَدُّ به , وهو ظاهر الآية أن يكون قبل الآيات أو بعده. والثاني: لا يُعْتَدُّ به , ويكون معناه: لم تكن آمنت من قبل وكسب في إيمانها خيراً , وهذا قول السدي. وفي الخير الذي تكسبه وجهان: أحدهما: تأدية الفروض على أكمل أحوالها. والثاني: التطوع بالنوافل بعد الفروض.

стр. 1050

روى مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحُ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ , فَالتَّوْبَةُ مَقْبَولَةٌ إِلَاّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: مِنْ إِبْلِيس رَأْسِ الكُفْرِ , وَمِنْ قَابِيل قَاتِلِ هَابِيلَ , وَمَنْ قَتَلَ نَبِيَّا لَا تَوْبَةَ لَهُ , فَإِذَا طَلَعَت الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البَابِ كَالعَكَرِ الأَسْوَدِ لَا نَورَ لَهَا حَتَّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيُغْلَقُ البَابُ وَتُرَدُّ التَّوبَةُ فَلَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراً , ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى مَشَارِقَهَا , فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذلِكَ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة إِلَاّ أَنَّهَا سُنُونَ تَمُرُّ مَراً).

стр. 1051

﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمُ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود خاصة , قاله مجاهد. والثاني: اليهود والنصارى , قاله قتادة. والثالث: أنهم جميع المشركين , قاله الحسن. والرابع: أهل الضلالة من هذه الأمة , قاله أبو هريرة. وفي تفريقهم الذي فرقوه قولان: أحدهما: أنه الدين الذي أمر الله به , فرقوه لاختلافهم فيه باتباع الشبهات. والثاني: أنه الكفر الذي كانوا يعتقدونه ديناً لهم. ومعنى قوله: ﴿وَكَانُواْ شيَعاً﴾ يعني فرقاً. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون الشيع المتفقين على مشايعة بعضهم لبعض , وهو الأشبه , لأنهم يتمالأون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره.

стр. 1052

وفي أصله وجهان: أحدهما: أصله الظهور , من قولهم شاع الخبر إذا ظهر. والثاني: أصله الاتباع , من قولهم شايعه على الأمر إذا اتبعه , قاله الزجاج. ثم قال تعالى: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: لست من قتالهم في شيء , ثم نسخها بسورة التوبة , قاله الكلبي. والثاني: لست من مخالطتهم في شيء , نَهْيٌ لنبيه ﷺ عن مقاربتهم , وأمر له بمباعدتهم , قاله قتادة , كما قال النابغة: (إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني.)

стр. 1053

﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ قوله : ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ في الحسنة والسيئة هنا قولان: أحدهما: أن الحسنة الإيمان , والسيئة الكفر , قاله أبو صالح. والثاني: أنه على العموم في الحسنات والسيئات أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضلاً , وجعل جزاء السيئة مثلها عدلاً , قال رسول الله ﷺ : (أَبْعَدَ اللَّهُ مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشْراً). ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه عام في جميع الناس. والثاني: أنه خاص في الأعراب إذا جاء أحدهم بحسنة فله عشر أمثالها , فأما غيرهم من المهاجرين فلمن جاء منهم بحسنة سبعمائة , قاله ابن عمر , وأبو سعيد الخدري.

стр. 1054

فأما مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها فلأن الله فرض عُشْر أموالهم , وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة أيام وهي البيض منه , فكان آخر العُشْر من المال آخر جميع المال , وآخر الثلاثة الأيام آخر جميع الشهر. وأما مضاعفة ذلك بسبعمائة ضعف فلقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلِةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لَمَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] , فضاعف الله الحسنة بسبعمائة ضعف , وكان الحسن البصري يقرأ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالُهَا﴾ بالتنوين , وَوَجْهُهُ في العربية صحيح. وحكى ابن بحر في الآية تأويلاً يخرج عن عموم الظاهر , وهو أن الحسنة اسم عام يطلق على كل نوع من الإيمان وينطلق على عمومه , فإن انطلقت الحسنة على نوع واحد منه , فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد , وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين , كان الثواب عليها مثلين كقوله: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُم كفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] , والكفل: النصيب كالمثل , فجعل لمن اتقى وآمن بالرسول نصيبين , نصيباً لتقوى الله , ونصيباً لإيمانه برسوله , فدل على أن الحسنة التي جعلت لها عشر أمثالها هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات , وهو الإيمان الذي جمع الله في صفته عشرة أنواع بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الاحزاب: ٣٥] , فكانت هذه الأنواع العشرة التي ثوابها عشرة أمثالها , فيكون لكل نوع منها مثل , وهذا تأويل فاسد , لخروجه عن عموم الظاهر , لما لا يحتمله تخصيص العموم , لأن ما جمع عشرة أنواع فهو عشر حسنات , فليس يجزي عن حسنة إلا مثلها , وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها. وذكر بعض المفسرين تأويلاً ثالثاً: أن له عشر أمثالها في النعيم والزيادة لا في عظيم المنزلة , لأن منزلة التعظيم لا تنال إلا بالطاعة , وهذه مضاعفة تفضيل كما قال: ﴿لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠].

стр. 1055

﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
следующие страницы →