Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون﴾ قوله : ﴿ ... وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ فيها قولان: أحدهما: القوة , قاله ابن زيد. والثاني: بسط البدن وطول الجسد , قيل: إنه كان أقصرهم طولاً اثني عشر ذراعاً. ﴿فَاذْكُرُواءَالآءَ اللَّهِ﴾ معناه نعم الله , وقال الشاعر:
(أَبْيَضُ لَا يَرْهَبُ الهزَالَ وَلَا ... يَقْطَعُ رَحِمَاً وَلَا يَخُونُ إِلَى)
стр. 1122
﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما
стр. 1123
نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ في الرجس ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العذاب , قاله زيد بن أسلم. والثاني: السخط , قاله ابن عباس. والثالث: أن الرجس والرجز بمعنى واحد إلا أن الزاي قلبت سيناً كما قلبت السين تاء في قول الشاعر:
(أَلَا لَحَى اللَّهُ بَنِي السَّعْلَاةِ ... عَمْرِو بنِ يَرْبُوعَ لِئَامَ النَّاتِ)
٨٩ (لَيْسَوا بِأَعْفَافٍ وَلَا أَكْيَاتِ﴾ ٩
يريد الناس , وأكياس. قوله : ﴿ ... فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني الأصنام , وفي مراده بتسميتهم وجهان: أحدهما: في تسميتها آلهة يعبدونها. والثاني: أنه تسميتهم لبعضها أنه يسقيهم المطر , والآخرة أنه يأتيهم بالرزق , والآخر أنه يشفي المريض , والآخر يصحبهم في السفر. وقيل: إنه ما أمرهم هود إلا بتوحيد الله والكف عن ظلم الناس فأبوا وقالوا: من أشد منا قوة , فأهلكوا.
стр. 1124
﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم واذكروا
стр. 1125
إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ قوله : ﴿ ... هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْءَايَةً﴾ في الآية هنا وجهان: أحدهما: أن الآية الفرض كما قال تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا فِيهَاءَايَاتٍ﴾ [النور: ١] أي فرضاً , ويكون معنى الكلام هذه ناقة الله عليكم فيها فرض أن تذروها ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ أي لا تعقروها. والثاني: أنها العلامة الدالة على قدرته. والآية فيها آيتان: إحداهما: أنها خرجت من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها. والثانية: أنه كان لها شرب يوم , ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم , حكي ذلك عن أبي الطفيل والسدي وابن إسحاق. قوله : ﴿ ... وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني أنزلكم في الأرض وهي أرض الحجر بين الشام والمدينة. والثاني: فيها من منازل تأوون إليها , ومنه قولهم: بوأته منزلاً , إذا أمكنته منه ليأوي إليه , قال الشاعر:
(وَبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِهَا ... فَتَمَّ فِي قَوْمِهَا مَبْوَؤُهَا)
стр. 1126
أي مكنت من الكرم في صميم النسب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً﴾ والقصور ما شيد وعلا من المنازل اتخذوها في سهول الأرض ليصيِّفوا فيها. ﴿وَتَنْحِتَونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً﴾ لتكون مساكنهم في الشتاء لأنها أحصن وأبقى وأدفأ فكانوا طوال الآمال طوال الأعمار. ﴿فَاْذْكُرُواءَالآءَ اللَّهِ﴾ فيه ما قدمنا , أي نعمه أو عهوده. ﴿ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفسِدِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تعملوا فيها بالمعاصي. والثاني: لا تدعوا إلى عبادة غير الله. وفي العبث وجهان: أحدهما: أنه السعي في الباطل. والثاني: أنه الفعل المؤدي لضير فاعله. قوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها حركة الأرض تضطرب من تحتهم. والثاني: أنها الصيحة , قاله مجاهد , والسدي. والثالث: أنها زلزلة أهلكوا بها , قاله ابن عباس. ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِم جَاثِمِينَ﴾ قال محمد بن مروان السدي: كل ما في القرآن من ﴿دَارِهِمْ﴾ فالمراد به مدينتهم , وكل ما فيه من ﴿دِيَارِهِم﴾ فالمراد به مساكنهم , وفي الجاثم قولان: أحدهما: أنه البارك على ركبتيه لأنهم أصبحوا موتى على هذه الحال. والثاني: معناه أنهم أصبحوا كالرماد الجاثم لأن الصاعقة أحرقتهم. وقيل: إنه كان بعد العصر. ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي خرج من بين أظهرهم , وقيل إن صالحاً خرج عنهم إلى رملة فلسطين بمن آمن معه من قومه وهم مائة وعشرة , وقيل إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرها.
стр. 1127
﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ قوله : ﴿ ... إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهَّرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من إتيان الأدبار. والثاني: يتطهرون بإتيان النساء في الأطهار , قال الشاعر:
(قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا سَدُّوا مَآزِرَهُم ... دَونَ النِّسَاءِ وَلَو بَانَتْ بِأَطْهَارِ)
стр. 1128
﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ فيه وجهان: أحدها: فخلصناه. والثاني: على نجوة من الأرض , وقيل: إن أهله ابنتاه واسمهما زينا ورميا. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الباقين في الهلكى , والغابر الباقي , ومنه قول الراجز:
(فَمَا وَنَى مُحَمَّدٌ مُذْ أَنْ غَفَر ... لَهُ الإِلَهُ مَا مَضَى وَمَا غَبَر)
стр. 1129
والثاني: من الغابرين في النجاة , من قولهم: قد غبر عنا فلان زماناً إذا غاب , قال الشاعر:
(أَفَبَعْدَنَا أو بَعْدَهُمْ ... يُرْجَى لِغَابِرِنَا الْفَلَاحُ)
والثالث: من الغابرين في الغم , لأنها لقيت هلاك قومها , قاله أبو عبيدة.
стр. 1130
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين﴾ قوله : ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوِعَدُونَ﴾ الصراط: الطريق , قال الشاعر:
(شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ)
وفي المراد به ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنهم كانوا يقعدون على الطريق إلى شعيب يؤذون من قصده للإيمان به ويخوفونه بالقتل , قاله ابن عباس , ومجاهد , وقتادة. والثاني: أنه نهاهم عن قطع الطريق , قاله أبو هريرة. والثالث: أنهم العشارون نهاهم عن تعشير أموال الناس.
стр. 1131
﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِهِ﴾ ويحتمل وجهين: أحدهما: تصدون المؤمنين عن طاعة الله وعبادته. والثاني: تصدون من أراد الإيمان بإغوائه ومخادعته. ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ قال قتادة: يعني تبغون السبيل عوجاً عن الحق. والفرق بين العوج بالكسر وبالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين , ولا يُرَى , والعوج بفتح العين ما كان في العود , وما يرى. ﴿وَاذْكُرواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ حكى الزجاج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كثر عددكم بعد القلة قال ابن عباس: وذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين منها. والثاني: كثركم بالغنى بعد الفقر. والثالث: كثركم بالقوة بعد الضعف. وذكر بعض المفسرين وجهاً رابعاً: أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من قبل.
стр. 1132
﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ قوله : ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ والفرق بين الملة والدين أن الملة ما شرعه الله , والدين ما اعتقده الناس تقرباً إلى الله , فصار كل دين ملة وليس كل ملة ديناً. فإن قيل: فالعود إلى الشيء الرجوع إليه بعد الخروج منه فهل كان شعيب على ملة قومه من الكفر حتى يقول: ﴿إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم﴾. في الجواب عنه ثلاثة أوجه:
стр. 1133
أحدها: أن هذه حكاية عمن اتبع شعيباً من قومه الذين كانوا قبل اتباعه على ملة الكفر. الثاني: أنه قال ذلك على التوهم أنه لو كان عليها لم يعد إليها. والثالث: أنه يطلق ذكر العَود على المبتدىء بالفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله سن قولهم: قد عاد عليّ من فلان مكروه وإن لم يسبقه بمثله كقول الشاعر:
(لَئِن كَانَت الأَيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إِلَيَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ)
(أَتَى دَونَ حُلْوِ الْعَيْشِ شَيْءٌ أُمِرُّهُ ... كُرُوبٌ عَلَى آثَارِهِنّ كُرُوبُ)
ثم قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن نعود في القرية إلاّ أن يشاء الله , قاله بعض المتكلمين. والثاني: وهو قول الجمهور أن نعود في ملة الكفر وعبادة الأوثان. فإن قيل فالله تعالى لا يشاء عبادة الأوثان فما وجه هذا القول من شعيب؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قد كان في ملتهم ما يجوز التعبد به. والثاني: أنه لو شاء عبادة الوثن لكانت عبادته طاعة لأنه شاءه كتعبده بتعظيم الحجر الأسود. والثالث: أن هذا القول من شعيب علىالتعبيد والامتناع كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وكقولهم: حتى يشيب الغراب. ثم قال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَومِنَا بِالْحَقِّ وََأَنتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اكشف بيننا وبين قومنا , قاله قتادة. والثاني: احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين. وذكر الفراء , أن أهل عُمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح. وقال غيره: إنه لغة مراد , قال الشاعر:
(أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عُصَمَ رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فَتَّاحِكُمُ غَنِي)
стр. 1134
وقد قال ابن عباس: كنت لا أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا افتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ حتى سمعت بنت ذي يزن تقول: تعالَيْ أفاتحك , يعني أقاضيك. وقيل: إنه سمي بذلك لأنه يفتح باب العلم الذي قد انغلق على غيره. فإن قيل: فما معنى قوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ ومعلوم أن الله لا يحكم إلا بالحق؟. ففي الجواب عنه أربعة أوجه: أحدها: أنه قال ذلك صفة لحكمه لا طلباً له. والثاني: أنه سأل الله أن يكشف لمخالفه من قومه أنه على حق. والثالث: أن معناه احكم بيننا الذي هو الحق , قاله ابن بحر. والرابع: احكم في الدنيا بنصر الحق , قاله السدي.
стр. 1135
﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين﴾ قوله : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيبَاً كَأنَ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: كأنك لم يقيموا فيها , قاله ابن قتيبة. والثاني: كأن لم يعيشوا فيها , قاله الأخفش. والثالث: كأن لم ينعموا فيها , قاله قتادة. والرابع: كأن لم يعمروا فيها , قاله ابن عباس. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوْا شُعَيْباً كَانُواْ هَمُ الخَاسِرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالكفر. والثاني: بالهلاك , قاله ابن عباس.
стр. 1136
﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها
стр. 1137
بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ قوله : ﴿وَمَآ أرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِّيٍ إلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَها بِالبَأْسآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن البأساء: القحط , والضراء: الأمراض والشدائد , قاله الحسن. والثاني: أن البأساء الجوع , والضراء: الفقر , قاله ابن عباس. والثالث: أن البأساء: البلاء , والضراء الزمانة. والرابع: أن البأساء: ما نالهم من الشدة في أنفسهم. والضراء: ما نالهم في أموالهم , حكاه علي بن عيسى. ويحتمل قولاً خامساً: أن البأساء الحروب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يتوبون. الثاني: يدعون , قاله ابن عباس. قوله : ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مكان الشدة الرخاء , قاله ابن عباس , والحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني: مكان الخير والشر. ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: حتى كثروا , قاله ابن عباس , ومجاهد , والسدي , قال لبيد:
(وَأنَاسٌ بَعْدَ قَتْلٍ قَدْ عَفَواْ ... وَكَثِيرٌ زَالَ عَنْهُمْ فَانْتَقَلْ)
والثاني: حتى أعرضواْ , قاله ابن بحر. والثالث: حتى سُرّوا , قاله قتادة. والرابع: حتى سمنوا , قاله الحسن , ومنه قول بشر بن أبي حازم:
(فَلَمَّا أَنْ عَفَا وَأَصَابَ مَالاً ... تَسَمَّنَ مَعْرِضاً فِيهِ ازْوِرَارُ)
стр. 1138
﴿وَّقَالُوْا قَدْ مَسَّءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّآءُ﴾ أي الشدة والرخاء يعنون ليس البأساء والضراء عقوبة على تكذيبك وإنما هي عادة الله في خلقه أن بعد كل خصب جدباً وبعد كل جدب خصباً.
стр. 1139
﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ قوله : ﴿ ... لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم﴾ فيه وجهان: أحدهما: لرزقنا , قاله السدي. والثاني: لوسعنا. ﴿بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾: (بركات السماء: القطر. وبركات الأرض. النبات والثمار ويحتمل أن تكون بركات السماء قبول الدعاء. وبركات الأرض: تسهيل الحاجات.
стр. 1140
﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فَهُم لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي لا يقبلون , كما قال في الصلاة , سمع الله لمن حمده , أي قبل الله ممن حمده , وقال الشاعر:
(دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَلَاّ ... يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ)
أي يقبل.
стр. 1141
﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا
стр. 1142
ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ قوله : ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِّنْ عَهْدٍ﴾ في قوله: ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ قولان: أحدهما: أن العهد الطاعة , يريد: ما وجدنا لأكثرهم من طاعة لأنبيائهم , لأنه قال بعده ﴿وَإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمُ لَفَاسِقِينَ﴾ وتكون ﴿مِنْ﴾ في هذا الموضع على هذا التأويل زائدة. والثاني: أنه محمول على ظاهر العهد أي من وفاء بعهده. وفي المراد بالعهد هنا ثلاثة أقاويل. أحدها: الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظهر آدم قاله أبو جعفر الطبري. والثاني: ما جعله الله في عقولهم من وجوب شكر النعمة , وأن الله هو المنعم , قاله علي بن عيسى. والثالث: أنه ما عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً , قاله الحسن ﴿وإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُم لَفَاسِقِينَ﴾ في قوله ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ وجهان: أحدهما: خارجين عن طاعته. والثاني: خائنين في عهده , وهذا يدل على أن العصاة أكثر من المطيعين.
стр. 1143
﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾
стр. 1144
قوله : ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ في ﴿حَقِيقٌ﴾ وجهان: أحدهما: حريص , قاله أبو عبيدة. والثاني: واجب , مأخوذ من وجوب الحق. وفي قوله: ﴿إلَاّ الْحَقَّ﴾ وجهان: أحدهما: إلا الصدق. والثاني: إلا ما فرضه الله عليّ من الرسالة.
стр. 1145
﴿قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾ قوله : ﴿قَالُواْ أَرْجِه وَأَخَاهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه أخِّرْهُ , قاله ابن عباس والحسن. والثاني: أحبسه , قاله قتادة والكلبي. ﴿وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ قال ابن عباس: هم أصحاب الشُرَط وهو قول الجماعة أرسلهم في حشر السحرة وكانوا اثنين وسبعين رجلاً.
стр. 1146
﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾
стр. 1147
قوله : ﴿وَأَوْحِيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ قال ابن عباس: العصا أول آيات موسى وكانت من آس الجنة , طولها عشرة أذرع بطول موسى , قصد باب فرعون فألقى عليه الفزع , فشاب فخضب بالسواد استحياء من قومه , فكان فرعون أول من خضب بسواد. ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ معنى تلقف هو سرعة التناول إلا أن المراد هنا سرعة ابتلاعه بالفم. قال أبو حاتم: وهي في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد , قال الشاعر:
(أَنْتَ عَصَا مُوسَى الَّتِي لَمْ تَزَلْ ... تَلْقَمُ مَا يَأْفِكُهُ السَّاحِرُ)
وفي قوله: ﴿مَا يأْفِكُونَ﴾ وجهان: أحدهما: معناه يقلبون , ومنه المؤتفكات أي المنقلبات , قاله ابن عيسى. والثاني: معناه يكذبون لأن الإفك هو الكذب , قاله مجاهد. فإن قيل: فلم أمر موسى السحرة أن يلقو وذلك منهم كفر ولا يجوز أن يأمر به نبي؟ قيل عن ذلك جوابان. أحدهما: أن مضمون أمره إن كنتم محقين فألقوا. والثاني: القول على ما يصح ويجوز لا على ما يفسد ويستحيل. قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر الحق , قاله الحسن , ومجاهد , وفي الحق الذي ظهر فيه قولان: أحدهما: ظهرت عصا موسى على حبال السحرة. والثاني: ظهرت نبوة موسى على ربوبية فرعون. قوله : ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ في سجودهم قولان: أحدهما: أنهم سجدوا لموسى تسليماً له وإيماناً به. والثاني: أنهم سجدوا لله إقراراً بربوبيته , لأنهم ﴿قَالُواءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. وفي سجودهم قولان: أحدهما: أن الله ألهمهم ذلك لطفاً بهم. والثاني: أن موسى وهارون سجدا شكراً لله عند ظهور الحق على الباطل فاقتدوا بهما في السجود لله طاعة.
стр. 1148
﴿قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ قوله : ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ ... ﴾ الآية: ﴿الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أشرافهم. والثاني: رؤساؤهم. والثالث: أنهم الرهط والنفر الذين آمنوا معهم. والفرق بين الرهط والنفر من وجهين: أحدهما: كثرة الرهط وقلة النفر. والثاني: قوة الرهط وضعف النفر , وفي تسميتهم بالملأ وجهان: أحدهما: أنهم مليئون بما يراد منهم. والثاني: لأنهم تملأ النفوس هيبتهم. وفيه وجه ثالث: لأنهم يملأون صدور المجالس. فإن قيل: فما وجه إقدامهم على الإنكار على فرعون مع عبادتهم له؟ قيل:
стр. 1149
لأنهم رأوا منه خلاف عادته وعادة الملوك في السطوة بمن أظهر العناد وخالف , وكان ذلك من لطف الله بموسى. وفي قوله: ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ وجهان: أحدهما: ليفسدوا فيها بعبادة غيرك والدعاء إلى خلاف دينك. والثاني: ليفسدوا فيها بالغلبة عليها وأخذ قومه منها. ثم قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ فإن قيل: فما وجه قولهم ذلك له وهم قد صدقوه على قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. قيل الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان يعبد الأصنام وكان قومه يعبدونه , قاله الحسن. والثاني: أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر ولذلك أخرج السامري عجلاً جسداً له خوار وقال هذا إلهكم وإله موسى , وكان معبوداً في قومه , قاله السدي. والثالث: أنها كنت أصناماً يعبدها قومه تقرباً إليه , قاله الزجاج. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ أي وعبادتك. قال الحسن: وكان فرعون يَعبُد ويُعبَد. وعلى هذه القراءة يسقط السؤال. وذكر ابن قتيبة في هذه القراءة تأويلاً ثانياً؛ أن الإلاهة الشمس , والعرب تسمي الشمس الإلاهة واستشهد بقول الأعشى:
(وَلَمْ أَذْكُرِ الرُّعْبَ حَتَّى انْتَقَلْتُ ... قُبَيْلَ الإِلَاهَةِ مِنْهَا قرِيباً)
يعني الشمس , فيكون تأويل الآية: ويذرك والشمس حتى تعبد فعلى هذا يكون السؤال متوجهاً عنه ما تقدم. ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيي نِسَاءَهُمْ﴾ وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء لأنه علم أنه لا يقدر عل قتل موسى إما لقوته وإما تصوره أنه مصروف عن قتله , فعدل إلى قتل الأبناء ليستأصل قوم موسى من بني إسرائيل فيضعف عن فرعون ﴿وَنَسْتَحِيي نِسَاءَهُمُ﴾ فيه قولان:
стр. 1150
أحدهما: أن نفتش أرحامهن فننظر ما فيهن من الولد , مأخوذ من الحياء وهو اسم من أسماء الفرج , حكاه ابن بحر. والثاني: الأظهر أن معناه: نستبقيهن أحياء لضعفهن عن المنازعة وعجزهن عن المحاربة. قوله : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أمرهم بذلك تسلية لهم من وعيد فرعون كما يقول من نالته شدة: استعنت بالله. والثاني: أنه موعد منه بأن الله سيعينهم على فرعون إن استعانوا به. ثم قال: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: واصبروا على ما أنتم فيه من الشدة طمعاً في ثواب الله. والثاني: أنه أمرهم بالصبر انتظاراً لنصر الله. ﴿إنَّ الأَرْضِ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك تسلية لقومه في أن الدنيا لا تبقي على أحد فتبقي على فرعون لأنها تنتقل من قوم إلى قوم. والثاني: أنه أشعرهم بذلك أن الله يورثهم أرض فرعون. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يريد في الآخرة بالثواب. والثاني: في الدنيا بالنصر. قوله : ﴿قالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الأذى من قبل ومن بعد أخذ الجزية. قاله الحسن. والثاني: أن الأذى من قبل: تسخيرهم بني إسرائيل في أعمالهم لنصف النهار وإرسالهم في بقيته ليكسبوا لأنفسهم. والأذى من بعد: تسخيرهم في جميع النهار بلا طعام ولا شراب , قاله جويبر. والثالث: أن الأذى الذي كان من قبل: الاستعباد وقتل الأبناء , والذي كان من بَعد: الوعيد بتجديد ذلك عليهم , حكاه ابن عيسى.
стр. 1151
والرابع: أن الأذى الذي كان من قبل أنهم كانوا يضربون اللبن ويعطيهم التبن , والأذى من بعد أن صاروا يضربون اللبن ويجعل عليهم التبن , قاله الكلبي , وفي قولهم: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ قولان: أحدهما: من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعد ما جئتنا بها , قاله ابن عباس. والثاني: من قبل أن تأتينا بعهد الله إليك أنه يخلصنا ومن بعد ما جئتنا به. وفي هذا القول منهم وجهان: أحدهما: أنه شكوى ما أصابهم من فرعون واستعانة بموسى. والثاني: أنهم قالوه استبطاء لوعد موسى , حكاه ابن عيسى. ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِك عَدُوَّكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ في اللغة طمع وإشفاق. قال الحسن عسى من الله واجبة , وقال الزجاج: ﴿عَسَى﴾ من الله يقين. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في قوله: ﴿فَينظُرَ﴾ وجهان: أحدهما: فيرى. والثاني: فيعلم وفي قول موسى ذلك لقومة أمران: أحدهما: الوعد بالنصر والاستخلاف في الأرض. والثاني: التحذير من الفساد فيها لأن الله تعالى ينظر كيف يعملون.
стр. 1152
﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني بالجوع , قاله مجاهد , وقتادة. والثاني: أن معنى السنين الجدوب , قاله الحسن. والعرب تقول: أخذتهم السنة إذا قحطوا وأجدبوا. وقال الفراء: المراد بالسنين الجدب والقحط عاماً بعد عام.
стр. 1153
قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ﴾ في الحسنة والسيئة هنا وجهان: أحدهما: أن الحسنة الخصب , السيئة القحط. والثاني: أن الحسنة الأمن , والسيئة , الخوف. ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي كانت حالنا في أوطاننا وقبل اتباعنا لك , جهلاً منهم بأن الله تعالى هو المولى لها. ﴿وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ أي يتشاءَمون بموسى ويقولون هذا من اتباعنا إياك وطاعتنا لك , على ما كانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال , وتتبرك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين , ثم قال رداً لقولهم. ﴿أَلآ إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي طائر البركة وطائر الشؤم.
стр. 1154
﴿وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون﴾ قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ ... ﴾ أما الطوفان ففيه ستة أقاويل: أحدها: أنه الغرق بالماء الزائد , قاله ابن عباس. والثاني: أنه الطاعون , قاله مجاهد. والثالث: أنه الموت , قاله عطاء. وروت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (الطُّوفَانُ الْمَْوتُ).
стр. 1155
والرابع: أنه أمر من الله طاف بهم , وهو مروي أيضاً عن ابن عباس. والخامس: أنه كثرة المطر والريح , واستدل قائل ذلك بقول الحسن بن عرفطة:
(غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ عِرْفَانِهِ ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ الْمَطَرِ)
والسادس: أنه عذاب من السماء , واستدل قائل ذلك بقول أبي النجم:
(وَمَرَّ طُوفَانٌ فِبِتُّ شَهْراً ... فَرْداً شَآبِيبَ وَشَهْراً مدراً)
﴿وَالْقُمَّلَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الدَبَى وهو صغار الجراد لا أجنحة له. والثاني: أنه السوس الذي في الحنطة قاله ابن عباس. والثالث: البراغيث , قاله ابن زيد. والرابع: القردان , قاله أبو عبيدة. والخامس: هو دواب سود صغار , قاله الحسن , وسعيد بن جبير , وشاهده قول الأعشى.
(قَوْماً تُعَالِجُ قُمَّلاً أَبْنَاؤهُهُمْ ... وَسَلَاسِلاً أُجُداً وَبَاباً مُؤْصَداً)
وواحد القمل قملة. وأما الضفادع فواحدها ضفدع وهو مشهور. وقيل إنه كان يوجد في فراشهم وآنيتهم , ويدخل في ثيابهم فيشتد أذاه لهم. وأما الدم ففيه قولان:
стр. 1156
أحدهما: أن ماء شربهم كان يصير دماً عبيطاً , فكان إذا غرف القبطي من الماء صار دماً وإذا غرف الإسرائيلي كان ماء. والثاني: أنه رعاف كان يصيبهم , قاله زيد بن أسلم. ﴿ءَاياتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: مبينات لنبوة موسى. والثاني: مفصل بعضها عن بعض لأن هذه الآيات لم تجتمع في وقت واحد بل كانت تأتي شهراً بعد شهر فيكون في تفرقتها مع الإنذار إعذار , وكان بين كل آيتين شهر. ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن الانزجار بالآيات. والثاني: عن الإيمان بموسى. ﴿وَكَانُواْ قَوماً مُجْرِمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كافرين. والثاني: متعدّين. قوله : ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرّجْزُ﴾ - فيه قولان: أحدهما: أنه العذاب , قاله الحسن , ومجاهد , وقتادة , وابن زيد. والثاني: هو الطاعون أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان , قاله سعيد بن جبير. ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بما تقدم إليك به أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والثاني: ما هداك به أن تفعله في قومك , قاله السدي. والثالث: أن ذلك منهم على معنى القسم كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم. ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ هذا قول قوم فرعون , ويحتمل وجهين: أحدهما: لنصدقنك يا موسى أنك نبي. والثاني: لنؤمنن بك يا الله أنك إله واحد.
стр. 1157
﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ قوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يستقلون. والثاني: يستذلون وهم بنو إِسرائيل. ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد الشرق والغرب , قاله ابن عيسى. والثاني: أرض الشام ومصر , قاله الحسن. والثالث: أرض الشام وحدها شرقها وغربها , قاله قتادة. ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: بالخصب. والثاني: بكثرة الأنهار والأشجار والثمار. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن تمام كلمة الحسنى ما وعدهم من هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض بقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُم أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُم وَيَسْتَخْلِفَكُم﴾ وسماها الحسنى لأنه وعد بما يحبون. والثاني: هو قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِنَ لَهُم فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ , ٦]. وفي قوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ وجهان: أحدهما: بما صبروا على أذى فرعون. والثاني: بما صبروا على طاعة الله.
стр. 1158
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ في ﴿متبر﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: باطل , قاله الكلبي. والثاني: ضلال , حكاه أبو اليسع. والثالث: مهلك , ومنه التبر , الذهب. وفي تسميته بذلك قولان: أحدهما: لأن موسى يهلكه. والثاني: لكسره , وكل إناء مكسور متبّر قاله الزجاج. وقال الضحاك هي كلمة نبطية لما ذكرنا.
стр. 1159
﴿قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ قوله : ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْءَآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال هذا يذكر بالنعمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ﴾ أي أشد العذاب. ﴿يُقَتّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ أي يقتلون أبناءكم صغاراً ويستحيون نساءكم للاسترقاق والاستخدام كباراً. ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن ما فعله فرعون بكم من قتل الأبناء واسترقاق النساء بلاء عليكم عظيم , قاله الكلبي. والثاني: أنه ابتلاء لكم واختبار عظيم , قاله الأخفش. والثالث: أن في خلاصكم من ذلك بلاء عظيم , أي نعمة عظيمة , قاله ابن قتيبة.
стр. 1160
﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن الثلاثين ليلة شهرٌ أمر بصيامه , والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه. والثاني: أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه , أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم زيدت عشراً بعدها. وقد قيل إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة , حكي ذلك عن مجاهد , وابن جريج , ومسروق. ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يعني أن اجتماع الأجلين تمام أربعين ليلة , ليدل بذلك على أن العشر هي ليال وليست ساعات. فإن قيل: فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين , فما معنى قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾. فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه تأكيد في الذرك فلم يمتنع. والثاني: كان وعده إلى الجبل الذي كلمه فيه. والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن يكون من جملة الثلاثين لأن تمام الشيء بعض منه. فإن قيل: فلم زاد في أجل وعده بعد الثلاثين عشراً جعلها أجلاً ثانياً فأخر بها موعده؟ قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أن قومه تأخروا عنه في الأجل الأول فزاده الله لتأخرهم عنه أجلاً ثانياً ليحضروا. والثاني: لأن قومه عبدوا العجل بعده فزاده الله أجلاً ثانياً عقوبة لهم. ويحتمل جواباً ثالثاً: أن الله فعل ذلك به اختباراً لقومه ليتميز به المؤمن من المنافق ويعرف به المتيقن من المرتاب.
следующие страницы →