Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
أحدهما: أن ماء شربهم كان يصير دماً عبيطاً , فكان إذا غرف القبطي من الماء صار دماً وإذا غرف الإسرائيلي كان ماء. والثاني: أنه رعاف كان يصيبهم , قاله زيد بن أسلم. ﴿ءَاياتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: مبينات لنبوة موسى. والثاني: مفصل بعضها عن بعض لأن هذه الآيات لم تجتمع في وقت واحد بل كانت تأتي شهراً بعد شهر فيكون في تفرقتها مع الإنذار إعذار , وكان بين كل آيتين شهر. ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن الانزجار بالآيات. والثاني: عن الإيمان بموسى. ﴿وَكَانُواْ قَوماً مُجْرِمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كافرين. والثاني: متعدّين. قوله : ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرّجْزُ﴾ - فيه قولان: أحدهما: أنه العذاب , قاله الحسن , ومجاهد , وقتادة , وابن زيد. والثاني: هو الطاعون أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان , قاله سعيد بن جبير. ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بما تقدم إليك به أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والثاني: ما هداك به أن تفعله في قومك , قاله السدي. والثالث: أن ذلك منهم على معنى القسم كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم. ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ هذا قول قوم فرعون , ويحتمل وجهين: أحدهما: لنصدقنك يا موسى أنك نبي. والثاني: لنؤمنن بك يا الله أنك إله واحد.
стр. 1157
﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ قوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يستقلون. والثاني: يستذلون وهم بنو إِسرائيل. ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد الشرق والغرب , قاله ابن عيسى. والثاني: أرض الشام ومصر , قاله الحسن. والثالث: أرض الشام وحدها شرقها وغربها , قاله قتادة. ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: بالخصب. والثاني: بكثرة الأنهار والأشجار والثمار. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن تمام كلمة الحسنى ما وعدهم من هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض بقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُم أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُم وَيَسْتَخْلِفَكُم﴾ وسماها الحسنى لأنه وعد بما يحبون. والثاني: هو قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِنَ لَهُم فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ , ٦]. وفي قوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ وجهان: أحدهما: بما صبروا على أذى فرعون. والثاني: بما صبروا على طاعة الله.
стр. 1158
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ في ﴿متبر﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: باطل , قاله الكلبي. والثاني: ضلال , حكاه أبو اليسع. والثالث: مهلك , ومنه التبر , الذهب. وفي تسميته بذلك قولان: أحدهما: لأن موسى يهلكه. والثاني: لكسره , وكل إناء مكسور متبّر قاله الزجاج. وقال الضحاك هي كلمة نبطية لما ذكرنا.
стр. 1159
﴿قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ قوله : ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْءَآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال هذا يذكر بالنعمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ﴾ أي أشد العذاب. ﴿يُقَتّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ أي يقتلون أبناءكم صغاراً ويستحيون نساءكم للاسترقاق والاستخدام كباراً. ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن ما فعله فرعون بكم من قتل الأبناء واسترقاق النساء بلاء عليكم عظيم , قاله الكلبي. والثاني: أنه ابتلاء لكم واختبار عظيم , قاله الأخفش. والثالث: أن في خلاصكم من ذلك بلاء عظيم , أي نعمة عظيمة , قاله ابن قتيبة.
стр. 1160
﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن الثلاثين ليلة شهرٌ أمر بصيامه , والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه. والثاني: أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه , أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم زيدت عشراً بعدها. وقد قيل إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة , حكي ذلك عن مجاهد , وابن جريج , ومسروق. ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يعني أن اجتماع الأجلين تمام أربعين ليلة , ليدل بذلك على أن العشر هي ليال وليست ساعات. فإن قيل: فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين , فما معنى قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾. فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه تأكيد في الذرك فلم يمتنع. والثاني: كان وعده إلى الجبل الذي كلمه فيه. والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن يكون من جملة الثلاثين لأن تمام الشيء بعض منه. فإن قيل: فلم زاد في أجل وعده بعد الثلاثين عشراً جعلها أجلاً ثانياً فأخر بها موعده؟ قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أن قومه تأخروا عنه في الأجل الأول فزاده الله لتأخرهم عنه أجلاً ثانياً ليحضروا. والثاني: لأن قومه عبدوا العجل بعده فزاده الله أجلاً ثانياً عقوبة لهم. ويحتمل جواباً ثالثاً: أن الله فعل ذلك به اختباراً لقومه ليتميز به المؤمن من المنافق ويعرف به المتيقن من المرتاب.
стр. 1161
والفرق بين الميقات والوقت وإن كانا من جنس واحد أن الميقات ما قدر لعمل , والوقت قد لا يتقدر لعمل.
стр. 1162
﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ قوله : ﴿ ... قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ الآية , في سؤال موسى ذلك لربه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليرد عليه من جواب الله ما يحتج به على قومه حين قالوا: ﴿لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] مع علم موسى بأنه لا يجوز أن يراه في الدنيا. والثاني: أنه كان يعلم ذلك باستدلال فأجب أن يعلمه ضرورة. والثالث: أنه جوّز ذلك وظنه وأن رؤيته في الدنيا ممكنة , قاله الحسن , والربيع , والسدي. فأجابه الله بأن ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾. ثم أظهر في الجواب ما يعلم به استحالة مسألته فقال: ﴿وَلَكِن انظُرْ إلىَ
стр. 1163
الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ لأن الجبل إذا لم يستقر لرؤيته فالإنسان بذلك أولى. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للِجَبَلِ﴾ معنى تجلى ظهر مأخوذ من جلاء العروس إذا ظهرت , ومن جلاء المرآة إذا أضاءت. وفي تجليه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل. والثاني: أنه أظهر للجبل من ملكوته ما تدكدك به , لأن الدنيا لا تقوم لما يبرز من ملكوت السماء. والثالث: أنه أبرز قدر الخنصر من العرش. والرابع: ظهر أمره للجبل. ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني مستوياً بالأرض , مأخوذ من قولهم ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام , قاله ابن قتيبة وابن عيسى. والثاني: أنه ساخ في الأرض , قاله الحسن وسفيان. والثالث: أنه صار تراباً , قاله ابن عباس. والرابع: أنه صار قطعاً. قال مقاتل: وكان أعظم جبل بمدين تقطع ست قطع تفرقت في الأرض , صار منها بمكة ثلاثة أجبل: ثبير وغار ثور وحراء. وبالمدينة ثلاثة أجبل: رضوى وأحد وورقان. والله أعلم. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ فيه قولان: أحدهما: ميتاً , قاله قتادة. والثاني: مغشياً عليه , قاله ابن عباس , والحسن , ابن زيد.
стр. 1164
قال ابن عباس: أخذته الغشية الخميس من يوم عرفة وأفاق عشية الجمعة وفيه نزلت عليه التوراة وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة , وفيها عشر آيات أنزلها الله في القرآن على محمد ﷺ في ثماني عشرة من سورة بني إسرائيل. ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه تاب من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها. والثاني: أنه تاب من اعتقاده جواز رؤيته في الدنيا. والثالث: أنه قال ذلك على جهة التسبيح وعادة المؤمنين عند ظهور الآيات. الدالة على عظيم قدرته. ﴿وَأَنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أول المؤمنين بأنه لا يراك شيء من خلقك , قاله ابن عباس , والحسن: والثاني: وأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية.
стр. 1165
﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين﴾ قوله : ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ ... ﴾ الآية في ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ قولان: أحدهما: فرضنا , كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي فرض. والثاني: أنه كتابة خط بالقلم في ألواح أنزلها الله عليه. واختلفوا في الألواح من أي شيء كانت على أربعة أقاويل:
стр. 1166
أحدها: أنها كانت من زمرد أخضر , قاله مجاهد. والثاني: أنها كانت من ياقوت , قاله ابن جبير. والثالث: أنها كانت من زبرجد , قاله أبو العالية. والرابع: قاله الحسن كانت الألواح من خشب , واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. وفي قوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ قولان: أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والمباح والمحظور والواجب وغير الواجب. والثاني: كتب له التوراة فيها من كل شيء من الحكم والعبر. وفي قوله: ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً ... ﴾ تأويلان: أحدهما: أن الموعظة النواهي , والتفصيل: الأوامر , وهو معنى قول الكلبي. والثاني: الموعظة: الزواجر , والتفصيل: الأحكام , وهو معنى قول مقاتل. قال: وكانت سبعة ألواح. ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: بجد واجتهاد قاله السدي. والثاني: بطاعة , قاله الربيع بن أنس. والثالث: بصحة عزيمة , قاله علي بن عيسى. والرابع: بشكر , قاله جويبر. ﴿وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ لم يقل ذلك لأن فيها غير حسن , وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن أحسنها: المفروضات , وغير الأحسن: المباحات. والثاني: أنه الناسخ دون المنسوخ.
стр. 1167
والثالث: أن فعل ما أمر به أحسن من ترك ما نهي عنه لأن العمل أثقل من الترك وإن كان طاعة. ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: هي جهنم , قاله الحسن , ومجاهد. والثاني: هي منازل من هلك بالتكذيب من عاد وثمود والقرون الخالية , لتعتبروا بها وبما صاروا إليه من النكال , قاله قتادة. والثالث: أنها منازل سكان الشام الجبابرة والعمالقة. والرابع: أنها دار فرعون وهي مصر. وقرأ قسامة بن زهير ﴿سَأُوْرِثُكُمْ﴾.
стр. 1168
﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْءَاياتي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: سأمنعهم من فهم القرآن , قاله سفيان بن عيينة. والثاني: سأجعل جزاءهم على كفرهم ضلالهم عن الاهتداء بما جاء به من الحق. والثالث: سأصرفهم عن دفع الانتقام عنهم. وفي ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ وجهان: أحدهما: يحقرون الناس ويرون أن لهم عليهم فضلاً.
стр. 1169
والثاني: يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول. ﴿وَإن يَرَوْاْ كُلَّءَآيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بها وإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشُدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الرشد الإيمان , والغي: الكفر. والثاني: أن الرشد الهداية. والغي: الضلال. ﴿ذَلَكَ بِأَنَّهُمْ كذَّبُواْ بِآَيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنَها غَافِلِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غافلين عن الإيمان. والثاني: غافلين عن الجزاء.
стр. 1170
﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾ قوله ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ في الأسف خمسة أقاويل: أحدها: أنه المتأسف على فوت ما سلف قاله علي بن عيسى. والثاني: أنه الحزين , قاله ابن عباس. والثالث: هو الشديد الغضب , قاله الأخفش. والرابع: المغتاظ , قاله السدي.
стр. 1171
والخامس: النادم , قاله ابن قتيبة. وفي غضبه وأسفه قولان: أحدهما: غضبان من قومه على عبادة العجل؟ أسفاً على ما فاته من مناجاة ربه. والثاني: غضبان على نفسه في ترك قومه حتى ضلوا , أسفاً على ما رأى في قومه من ارتكاب المعاصي. وقال بعض المتصوفة إن غضبه للرجوع عن مناجاة الحق إلى مخاطبة الخلق. ﴿قَالَ بِئْسَ مَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدي﴾ يعني بعباة العجل. ﴿أَعَجِلْتُم أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني وعد ربكم الذي وعدني به من الأربعين ليلة , وذلك أنه قَدَّروا أنه قد مات لمَّا لم يأت على رأس الثلاثين ليلة , قاله الحسن , والسدي. والثاني: وعد ربكم بالثواب على عبادته حتى عدلتم إلى عبادة غيره , قاله بعض المتأخرين. والفرق بين العجلة والسرعة أن العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته , والسرعة: عمله في أقل أوقاته. ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ وفي سبب إلقائها قولان: أحدهما: غضباً حين رأى عبادة العجل , قاله ابن عباس. والثاني: أنه ألقاها لما رأى فيها فضائل غير قومه من أمة محمد ﷺ أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله , قال: رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد , فاشتد عليه فألقاها , قاله قتادة. وكانت التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح فتكسرت رفع منها ستة أسباعها وكان فيما رفع تفصيل كل شيء الذي قال الله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ من كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي , وهو الذي قاله الله: ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.
стр. 1172
وقال ابن عباس: ألقى موسى الألواح فتكسرت ورفعت إلا سدُسها. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أخذ بأذنه. والثاني: أخذ بجملة رأسه. فإن قيل: فلم قصده بمثل هذا الهوان ولا ذنب له؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أن هذا الفعل مما قد يتغير حكمه بالعادة فيجوز أن يكون في ذلك الزمان بخلاف ما هو عليه الآن من الهوان. والثاني: أن ذلك منه كقبض الرجل منا الآن على لحيته وعضه على شفته ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لأنه كان أخاه لأمه , قاله الحسن. والثاني: أنه قال ذلك على عادة العرب استعطافاً بالرحم , كما قال الشاعر:
(يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شقيقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لأَمْرٍ شَدِيدٍ)
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ﴾ يعني من خالفه في عبادة العجل لأنهم قد صاروا لمخالفتهم له أعداء. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ﴾ أي لا تغضب عليّ كغضبك عليهم ولست منهم فأدركته الرقة: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لَي ولأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
стр. 1173
﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها
стр. 1174
وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ﴾ أما التوبة من السيئات فهي الندم على ما سلف والعزم على ألاّ يفعل مثلها. فإن قيل فالتوبة إيمان فما معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ﴾ فالجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنهم تابوا من المعصية واستأنفوا عمل الإيمان بعد التوبة. والثاني: يعني أنهم تابوا بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة. والثالث: وآمنوا بأن الله قابل التوبة.
стр. 1175
﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾ قوله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَاتِنَا﴾ وفي الكلام محذوف وتقديره: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً. وفي قوله: ﴿لِّمِيقَاتِنَا﴾ قولان: أحدهما: أنه الميقات المذكور في سؤال الرؤية. والثاني أنه ميقات غير الأول وهو ميقات التوبة من عبادة العجل. ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ﴾ وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الزلزلة , قاله الكلبي. والثاني: أنه الموت. قال مجاهد: ماتوا ثم أحياهم. والثالث: أنها نار أحرقتهم فظن موسى أنهم قد هلكوا ولم يهلكوا , قاله الفراء. ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ وفي سبب أخذها لهم قولان: أحدهما: لأنهم سألوا الرؤية , قاله ابن إِسحاق.
стр. 1176
والثاني: لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل قاله ابن عباس. ﴿ ... أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهَاءُ مِنَّآ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه سؤال استفهام خوفاً من أن يكون الله قد عمهم بانتقامه كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. والثاني: أنه سؤال نفي , وتقديره: إنك ل تعذب إلَاّ مذبناً فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منا. فحكى أن الله أمات بالرجفة السبعين الذين اختارهم موسى من قومه , لا موت فناء ولكن موت ابتلاء ليثبت به من أطاع وينتقم به ممن عصى وأخذت موسى غشية ثم أفاق موسى وأحيا الله الموتى , فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المراد بالفتنة العذاب , قاله قتادة. والثاني: أن المراد بها الابتلاء والاختبار.
стр. 1177
﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ قوله : ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدَّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ﴾ في الحسنة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها النعمة سميت حسنة لحسن موقعها في النفوس. والثاني: أنها الثناء الصالح. والثالث: أنها مستحقات الطاعة. ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه تبنا إليك , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير , ومجاهد , وقتادة , وإبراهيم. والثاني: رجعنا بالتوبة إليك , لأنه من هاد يهود إذا رجع , قاله علي بن عيسى.
стр. 1178
والثالث: يعني تقربنا بالتوبة إليك من قولهم: ما له عند فلان هوادة , أي ليس له عنده سبب يقربه منه , قاله ابن بحر. ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ وفيه قولان: أحدهما: من أشاء من خلقي كما أصيب به قومك. الثاني: من أشاء في التعجيل والتأخير. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أن مخرجها عام ومعناها خاص , تأويل ذلك: ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد ﷺ لقوله تعالى ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية قاله ابن عباس. والثاني: أنها على العموم في الدنيا والخصوص في الآخرة , وتأويل ذلك: ورحمتي وسعت في الدنيا البر والفاجر , وفي الآخرة هي للذين اتقوا خاصة , قاله الحسن , وقتادة. والثالث: أنها التوبة , وهي على العموم , قاله ابن زيد. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك , قاله ابن عباس. والثاني: يتقون المعاصي , قاله قتادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها زكاة أموالهم لأنها من أشق فرائضهم , وهذا قول الجمهور. والثاني: معناه أي يطيعون الله ورسوله , قاله ابن عباس والحسن , وذهبا إلى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهرها من صالحات الأعمال. فأما المكنّى عنه بالهاء التي في قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فقد قيل إن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلّمه الله وقال: إني قد بسطت لهم الأرض طهوراً ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض أو قبر أو حمّام , وجعلت السكينة في قلوبهم , وجعلتهم يقرؤون التوراة عن ظهر ألسنهم , قال فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل , فقالوا لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في تابوت , ولا نقرأ التوراة إلا نظراً , ولا نصلي إلا في السكينة , فقال الله تعالى ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يعني ما مضى من السكينة والصلاة والقراءة , ثم بيَّن من هم فقال:
стр. 1179
﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمّيَّ﴾ يعني محمداً ﷺ وفي تسميته بالأمي ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه لا يكتب. الثاني: لأنه من أم القرى وهي مكة. الثالث: لأن من العرب أمة أمية. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ لأن في التوراة في السفر الخامس: إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك , واجعل كلامي في فيه فيقول لهم كل ما أوصيته به. وفيها: وأما ابن الأمة فقد باركت عليه جداً جداً وسأدخره لأمة عظيمة. وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع: يعطيكم فارقليط آخر يكون معكم الدهر كله. وفيها قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه , إنه نذيركم يجمع بين الحق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي. فهذا تفسير ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾. ثم قال: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهو الحق. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الُْنكَرِ﴾ وهو الباطل وإنما سمي الحق معروفاً لأنه معروف الصحة في العقول، وسمي الباطل منكراً لأنه منكر الصحة في العقول.
стр. 1180
ثم قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّباتِ﴾ يعني ما كانت الجاهلية تحرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ يعني ما كانوا يستحلونه من لحم الخنزير والدماء. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه عهدهم الذي كان الله تعالى أخذه على بني إسرائيل. والثاني: أنه التشديد على بني إٍسرائيل الذي كان في دينهم من تحريم السبت وتحريم الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة , قاله قتادة. ﴿والأَغْلَالَ التَّي كَانَتْ عَلَيهِمْ﴾ فيها تأويلان: أحدهما: أنه الميثاق الذي أخذه عليهم فيما حرمه عليهم , قاله ابن أبي طلحة. والثاني: يعني ما بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿فَالَّذِينَ أَمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ... ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني عظموه , قاله علي بن عيسى. والثاني: منعوه من أعدائه , قاله أبو جعفر الطبري. ومنه تعزير الجاني لأنه يمنعه من العود إلى مثله. ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ يعني القرآن , آمنوا به من بعده فروى قتادة أن نبي الله ﷺ قال لأصحابه: (أَيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيكُم إِيماناً؟) قالوا: الملائكة فقال نبي اللَّه (ص): (المَلائِكةُ عِندَ رَبِّهم فَمَا لَهُم لَا يُؤْمِنُونَ.) فقالوا: النبيون , فقال: (يُوحَى إِلَيهِم فَمَا لَهُم لَا يُؤْمِنُونَ) قالوا: نحن يا نبي الله. فقال (أَنَا فِيكُم فَمَا
стр. 1181
لَكُم لَا تُؤْمِنونَ ,) فقالوا: يا نبي الله فمن هم؟ قال: (هُم قَومٌ يَكُونُونَ بَعْدَكُم يَجِدُونَ كِتاباً فِي وَرَقٍ فَيُؤُمِنُونَ بِهِ) فهو معنى قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾.
стр. 1182
﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ قوله : ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ فإن قيل فهذا يدل على أن في اليهود من هم على حق. الجواب عند ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الذين تمسكوا بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم , ولا يدل هذا على استدامة حاله على الأبد. والثاني: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام , قاله ابن عباس , والسدي. والثالث: أنهم من آمن بالنبي ﷺ وابن صوريا وغيرهما , قاله الكلبي.
стр. 1183
﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين
стр. 1184
ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون﴾ قوله : ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ اختلف في المأخوذ منه تسمية القرية على وجهين: أحدهما: لأن الماء يقرى إليها أي يجمع , من قولهم قرى الماء في حوضه إذا جمعه. والثاني: لأن الناس يجتمعون إليها كما يجتمع الماء فى الحوض. واختلف في هذه القرية على قولين: أحدهما: أنها بيت المقدس , قاله قتادة. والثاني: هي أرض الشام , قاله الحسن. فإنه قيل: فكيف سمى المأوى مسكناً والإنسان في مسكنه متحرك؟ قيل لأنه يترك فيه التصرف فصار في أكثر أحواله ساكناً وإن كان في بعضها متحركاً.
стр. 1185
﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتُ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها أيلة , قاله ابن عباس , وعكرمة , والسدي. والثاني: أنها بساحل مدين , قاله قتادة. والثالث: أنها مدين قرية بين أيلة والطور , حكاه أبو جعفر الطبري. والرابع: أنها قرية يقال لها مقتا بين مدين وعينونا , قاله ابن زيد.
стр. 1186
والخامس: ما قاله ابن شهاب أن القرية التي كانت حاضرة البحر طبرية , والقرية التي قال فيها ﴿وَاضْرِبْ لَهَم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]. أنطاكية. وسؤالهم عن هذه القرية إنما هو سؤال توبيخ على ما كان منهم فيها من سالف الخطيئة وقبيح المعصية. ﴿إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هو تعديهم فيه بفعل ما نهوا عنه. ﴿إِذْ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِم شُرَّعاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معنى ﴿شُرَّعاً﴾ أي طافية على الماء ظاهرة , قاله ابن عباس , ومنه شوارع البلد لظهورها. والثاني: أنها تأتيهم من كل مكان , قاله عطية العوفي. والثالث: أنها شرّع على أبوابهم كأنها الكباش البيض رافعة رؤوسها حكاه بعض المتأخرين فتعدَّوا فأخذوها في السبت , قاله الحسن.
стр. 1187
﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ نسوا يعني تركوا , والذي ذكروا به أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وهم الذين تركوا المعروف وفعلوا المنكر. ﴿بِعَذَابٍ بَئِيَس﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شديد , قاله مجاهد. والثاني: رديء , قاله الأخفش. الثالث: أنه العذاب المقترن بالفقر وهو البؤس.
стр. 1188
وأما الفرقة الثالثة التي لم تنه ولم تفعل ففيها قولان: أحدهما: أنها نُجِّيَتْ مع الذين نهوا. والثاني: ما قاله ابن عباس: لا أدري ما فعل بها.
стр. 1189
﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه تفعُّل من الإذن ومعناه أعلم , قاله الحسن , ومنه قول الأعشى:
(أَذَّنَ الْقَوْمُ جِيرَتِي بِخُلُوفِ ... صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ)
والثاني: معناه نادى وأقسم , قاله الزجاج. ﴿ليَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ يعني على اليهود. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ والمبعوثون هم العرب , وسوء العذاب هو الذلة وأخذ الجزية , قاله ابن عباس , والحسن , وسعيد بن جبير , وقتادة. ويقال إن أول من وضع الخراج وجباه من الأنبياء موسى , فجبى الخراج سبع سنين وقيل ثلاث عشرة ثم أمسك إلى النبي ﷺ . وقال سعيد بن المسيب: استحب أن أبعث في الجزية الأنباط. ولا أعلم لاستحبابه ذلك وجهاً إلا أن يكون لأنهم من قوم بختنصر فهم أشد انتقاماً , أو لأنها قد كانت تؤخذ منهم على استيفائها لأجل المقابلة أحرص.
стр. 1190
﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك
стр. 1191
وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً ... ﴾ أي فرقناهم فيها فرقاً. وفي تفريقهم فيها ثلاثة أوجه: أحدها: زيادة في الانتقام منهم. والثاني: ليذهب تعاونهم. والثالث: ليتميز الصالح من المفسر لقوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دَونَ ذَلِكَ﴾ ثم قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالثواب والعقاب. والثاني: بالنعم والنقم. والثالث: بالخصب والجدب. قوله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ معناه فخلفهم خلف , والخلف بتسكين اللام مستعمل في الذم. وبفتح اللام مستعمل في الحمد. وقال أبو عبيدة. معناها [واحد] مثل الأثر والإثر , والأول أظهر وهو في قول الشعراء أشهر , قال بعضهم:
(خلفت خلفاً ليت بهم ... كان , لا بِكَ التلف)
وفي الخلف وجهان: أحدهما: القرن , قاله الفراء. والثاني: أنه جمع خالف. ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف وفيهم قولان:
стр. 1192
أحدهما: أنهم من خلف اليهود من أبنائهم. والكتاب الذي ورثوه التوراة لانتقالها لهم. والثاني: أنهم النصارى: لأنهم خلف من اليهود. والكتاب الذي ورثوه: الإنجيل لحصوله معهم , قاله مجاهد. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع وسماه عرضاً لقلة بقائه. وفي وصفه بالأدنى وجهان: أحدهما: لأخذه في الدنيا الدانية. والثاني: لأنه من المحرمات الدنية. ﴿وَيَقُولُونَ: سَيُغْفرُ لَنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور , لا نؤاخذ به. والثاني: أنه ذنب لكن الله قد يغفره لنا تأميلاً منهم لرحمته. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم أهل إصرار على الذنوب , قاله مجاهد وقتادة والسدي. والثاني: أنهم لا يشبعهم شيء , فهم لا يأخذونه لحاجة , قاله الحسن. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يقولوا على الله إلا الحق في تحريم الحكم بالرشا. والثاني: في جميع الطاعات والمعاصي والأوامر والنواهي. ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: تركوا ما فيه أن يعملوا به حتى صار دارساً. والثاني: أنهم قد تلوه ودرسوه فهم لا يجهلون ما فيه ويقومون على مخالفته مع العلم به.
стр. 1193
﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون﴾
стр. 1194
قوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ... ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: زعزعناه , قاله ابن قتيبة , ومنه قول العجاج:
(قد جرّبوا أخلاقنا الجلائلا. . ... ونتقوا أحلامنا الأثاقلا)
والثاني: بمعنى جذبناه , والنتق: الجذب ومنه قيل للمرأة الولود ناتق , قال النابغة:
(لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتقٍ مذكار.)
واختلف في سبب تسميتها ناتقاً , فقيل لأن: خروج أولادها بمنزلة الجذب. وقيل: لأنها تجذب ماء الفحل تؤديه ولداً. والثالث: معناه ورفعناه عليهم من أصله. قال الفراء: رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ. قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة , فوعظهم موسى فلم يقبلوا , فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن عباس , ومجاهد , وقتادة: فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد. واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاماً منهم أو إنعاماً عليهم؟ على قولين: أحدهما: أنه كان انتقاماً بالخوف الذي دخل عليهم. والثاني: كان إنعاماً لإقلاعهم به عن المعصية. ﴿ ... وَظّنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه غلب في نفوسهم انه واقع بهم على حقيقة الظن. والثاني: أنهم تيقنوه لما عاينوا من ارتفاعه عليهم , قاله الحسن.
стр. 1195
﴿خُذُواْ مَاءَاتَيْنَاكُمْ﴾ يعني التوارة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بجد واجتهاد. والثاني: بنية صادقة وطاعة خالصة.
следующие страницы →