Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً ... ﴾ أي فرقناهم فيها فرقاً. وفي تفريقهم فيها ثلاثة أوجه: أحدها: زيادة في الانتقام منهم. والثاني: ليذهب تعاونهم. والثالث: ليتميز الصالح من المفسر لقوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دَونَ ذَلِكَ﴾ ثم قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالثواب والعقاب. والثاني: بالنعم والنقم. والثالث: بالخصب والجدب. قوله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ معناه فخلفهم خلف , والخلف بتسكين اللام مستعمل في الذم. وبفتح اللام مستعمل في الحمد. وقال أبو عبيدة. معناها [واحد] مثل الأثر والإثر , والأول أظهر وهو في قول الشعراء أشهر , قال بعضهم:
(خلفت خلفاً ليت بهم ... كان , لا بِكَ التلف)
وفي الخلف وجهان: أحدهما: القرن , قاله الفراء. والثاني: أنه جمع خالف. ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف وفيهم قولان:
стр. 1192
أحدهما: أنهم من خلف اليهود من أبنائهم. والكتاب الذي ورثوه التوراة لانتقالها لهم. والثاني: أنهم النصارى: لأنهم خلف من اليهود. والكتاب الذي ورثوه: الإنجيل لحصوله معهم , قاله مجاهد. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع وسماه عرضاً لقلة بقائه. وفي وصفه بالأدنى وجهان: أحدهما: لأخذه في الدنيا الدانية. والثاني: لأنه من المحرمات الدنية. ﴿وَيَقُولُونَ: سَيُغْفرُ لَنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور , لا نؤاخذ به. والثاني: أنه ذنب لكن الله قد يغفره لنا تأميلاً منهم لرحمته. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم أهل إصرار على الذنوب , قاله مجاهد وقتادة والسدي. والثاني: أنهم لا يشبعهم شيء , فهم لا يأخذونه لحاجة , قاله الحسن. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يقولوا على الله إلا الحق في تحريم الحكم بالرشا. والثاني: في جميع الطاعات والمعاصي والأوامر والنواهي. ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: تركوا ما فيه أن يعملوا به حتى صار دارساً. والثاني: أنهم قد تلوه ودرسوه فهم لا يجهلون ما فيه ويقومون على مخالفته مع العلم به.
стр. 1193
﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون﴾
стр. 1194
قوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ... ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: زعزعناه , قاله ابن قتيبة , ومنه قول العجاج:
(قد جرّبوا أخلاقنا الجلائلا. . ... ونتقوا أحلامنا الأثاقلا)
والثاني: بمعنى جذبناه , والنتق: الجذب ومنه قيل للمرأة الولود ناتق , قال النابغة:
(لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتقٍ مذكار.)
واختلف في سبب تسميتها ناتقاً , فقيل لأن: خروج أولادها بمنزلة الجذب. وقيل: لأنها تجذب ماء الفحل تؤديه ولداً. والثالث: معناه ورفعناه عليهم من أصله. قال الفراء: رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ. قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة , فوعظهم موسى فلم يقبلوا , فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن عباس , ومجاهد , وقتادة: فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد. واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاماً منهم أو إنعاماً عليهم؟ على قولين: أحدهما: أنه كان انتقاماً بالخوف الذي دخل عليهم. والثاني: كان إنعاماً لإقلاعهم به عن المعصية. ﴿ ... وَظّنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه غلب في نفوسهم انه واقع بهم على حقيقة الظن. والثاني: أنهم تيقنوه لما عاينوا من ارتفاعه عليهم , قاله الحسن.
стр. 1195
﴿خُذُواْ مَاءَاتَيْنَاكُمْ﴾ يعني التوارة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بجد واجتهاد. والثاني: بنية صادقة وطاعة خالصة.
стр. 1196
﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون﴾ قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ﴾ أُختلف في الذين أخرجهم وأخذ ذلك عليهم على قولين: أحدهما: أنه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وجعل فيها من المعرفة ما علمت به من خاطبها. واختلف من قال بهذا هل كان ذلك قبل نزوله إلى الأرض على قولين: أحدهما: أنه كان في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض. والثاني: أنه فعل ذلك بعد هبوطه إليها.
стр. 1197
والقول الثاني: في الأصل أنه خلق الأرواح والأجساد معاً وذلك في الأرض عند جميع من قال بهذا التأويل. فعلى هذا فيه قولان:
стр. 1198
أحدهما: أنه أخرجهم كالذر وألهمهم هذا فقالوه , قال الكلبي ومقاتل: وذلك أن الله مسح ظهر آدم بين مكة والطائف فخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية كالذر بيض , فهم أصحاب الميمنة. وخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية كالذر سود , فهم أصحاب المشأمة , فلما شهدوا على أنفسهم جميعاً من آمن منهم ومن كفر أعادهم. والثاني: أنه أخرج الذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر. وفي ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قولان: أحدهما: هو أنه دلهم على أنفسهم بما شهدوه من قدرته , قاله بعض المتكلمين. والثاني: هو إشهادهم على أنفسهم بما اعترفوا من ربوبيته ووحدانيته. وفيه على التأويل قولان: أحدهما: أنه قال ذلك للآباء من بني آدم حين أخرج من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ليعلمهم أنه خلق ذرياتهم بعد أن لم يكونوا كان هو الخالق لهم لأنهم كانوا ذرية مثلهم لمن تقدمهم كما صار هؤلاء ذرية لهم فاعترفوا بذلك حين ظهرت لهم الحجة , قاله ابن بحر. والقول الثاني: أنه قال ذلك للذرية حين أخذهم من ظهور آبائهم , وهذا قول الأكثرين فعلى هذا فيه قولان: أحدهما: أنه قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ على لسان الأنبياء بعد أن كملت عقولهم. والثاني: أنه جعل لهم عقولاً علموا بها ذلك فشهدوا به على أنفسهم. وفي أصل الذرية قولان: أحدهما: لأنهم يخرجون من الأصلاب كالذر. والثاني: أنه مأخوذ من ذَرَأ الله الخلق إذا أحدثهم وأظهرهم.
стр. 1199
﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ قوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ اْلَّذِيّ ءاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانَسَلَخَ مِنْهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه بلعام بن عوراء , واختلفوا فيه فقيل كان من اليمن , وقيل كان من الكنعانيين , وقيل من بني صال بن لوط , قاله ابن عباس , وابن مسعود. والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي , قاله عبد الله بن عمرو. والثالث: أنه من أسلم من اليهود والنصارى ونافق , قاله عكرمة. وفي الآيات التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اسم الله الأعظم الذي تجاب به الدعوات , قاله السدي وابن زيد. والثاني: أنها كتاب من كتب الله. قاله ابن عباس. والثالث: أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه , قاله مجاهد , وهو غير صحيح لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته.
стр. 1200
وفي قوله: ﴿فَانسَلَخَ مِنهَا﴾ وجهان: أحدهما: فانسلخ من العلم بها لأنه سيسلب ما أوتي منها بالمعصية. والثاني: أنه انسلخ منها أي من الطاعة بالمعصية مع بقاء علمه بالآيات حتى حكي أن بلعام رُيثي على أن يدعو على قوم موسى بالهلاك فسها فدعا على قومه فهلكوا. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشيطان صيره لنفسه تابعاً بإجابته له حين أغواه. والثاني: أن الشيطان متبع من الإنس على ضلالته من الكفر. والثالث: أن الشيطان لحقه فأغواه , يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم , وتبعتهم إذا سرت خلفهم , قاله ابن قتيبة. ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من الهالكين. الثاني: من الضالين. قوله : ﴿وَلَو شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني لأمتناه فلم يكفر. والثاني: لحلنا بينه وبين الكفر فيصير إلى المنزلة المرفوعة معصوماً , قاله مجاهد. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ أي ركن إليها. وفي ركونه إليها وجهان: أحدهما: أنه ركن إلى أهلها في استنزالهم له ومخادعتهم إياه. والثاني: أنه ركن إلى شهوات الأرض فشغلته عن طاعة الله , وقد بين ذلك قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. ثم ضرب مثله بالكلب ﴿ ... إِن تَحْمِْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وفي تشبيهه بالكلب اللاهث وجهان: أحدهما: لدناءته ومهانته. الثاني: لأن لهث الكلب ليس بنافع له.
стр. 1201
﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ , ﴿ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ أي خلقنا ممن يصير إلى جهنم بكفره ومعصيته. و ﴿كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أراد أولاد الزنى لأنهم من النطف الخبيثة مخلوقين , فهم أكثر الناس إسراعاً إلى الكفر والمعصية فيصيرون جامعين بين [سوء] المعتقد وخبث المولد. والقول الثاني: أنه على العموم في أولاد الزنى والرِشدة فيمن ولد من نكاح أو سفاح لأنهم مؤاخذون على أفعالهم لا على مواليدهم التي خبثت بأفعال غيرهم. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الحق. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الرشد. ﴿وَلَهُمْءَاذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الوعظ , فصاروا بترك استعمالها بمثابة من عَدِمها , قال مسكين الدرامي:
(أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يُواري جارتي الجدر)
(وأصم عما كان بينهما ... سمعي وما في سمعي الوقر)
стр. 1202
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾
стр. 1203
قوله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال ابن عباس: كل أسمائه حسنى وفي المراد بالحسنى ها هنا وجهان: أحدهما: ما مالت إليه القلوب من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة. والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله ومنها صفات هي طريقة المعرفة به , وهي تسعة: القديم الأول قبل كل شيء. والباقي بعد فناء كل شيء. والقادر الذي لا يعجزه شيء والعالم الذي لا يخفى عليه شيء. والحي الذي لا يموت. والواحد الذي ليس كمثله شيء والسميع البصير الذي لا يعزب عنه شيء والغني بنفسه عن كل شيء. وفي دعائه بها وجهان: أحدهما: نداؤه بها عند الرغبة إليه في الدعاء والطلب. والثاني: تعظيمه بها تعبداً له بذكرها. ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه يكذبون , قاله ابن عباس. والثاني: يشركون , قاله قتادة. والثالث: يحوّرون , قاله الأخفش. وفي إلحادهم فيها قولان: أحدهما: اشتقاقهم آلهتهم من أسماء الله , كما سموا بعضها باللات اشتقاقاً من الله , وبعضها بالعزى اشتقاقاً من العزيز , قاله ابن عباس , ومجاهد. والثاني: تسميتهم الأوثان آلهة والله أبا المسيح وعزير.
стр. 1204
﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾
стр. 1205
قوله : ﴿وَمِمَّنْ خَلَقَنْآ أُمَّةٌ يَهُدُونَ بِالْحَقِّ﴾ فيهم قولان: أحدهما: العلماء. والثاني: أنهم هذه الأمة. روى ذلك قتادة , وابن جريج عن النبي ﷺ .
стр. 1206
﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستدراج أن تنطوي على حالة منزلة بعد منزلة. وفي اشتقاقه قولان: أحدهما: أنه مشتق من الدرج لانطوائه على شيء بعد شيء. والثاني: أنه مشتق من الدرجة لانحطاطه من منزلة بعد منزلة. وفي المشار إليه باستدراجهم قولان: أحدهما: استدراجهم إلى الهلكة. والثاني: الكفر. وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يعلمون بالاستدراج. والثاني: لا يعلمون بالهلكة.
стр. 1207
﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ قوله : ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِي لَهُ﴾ فيه قولان:
стр. 1208
أحدهما: معنى يضله يحكم بضلالته في الدين. والثاني: يضله عن طريق الجنة إلى النار. ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ والطغيان إفراط العدوان. وفي ﴿يَعْمَهُونَ﴾ وجهان: أحدهما: يتحيرون , والعمه في القلب كالعمى في العين. والثاني: يترددون , قاله قطرب واستشهد بقول الشاعر:
(متى يعمه إلى عثمان يعمه ... إلى ضخم السرادق والقطار.)
стр. 1209
﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن السائل عنها اليهود , قاله ابن عباس. والثاني: أن السائل عنها قريش , قاله الحسن , وقتادة. ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أما ﴿أَيَّانَ﴾ فمعنى متى , ومنه قول الراجز:
(أيان تقضي حاجتي أيانا ... أما ترى لنجحها أوانا)
وأما ﴿مُرْسَاهَا﴾ ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: قيامها , قالها السدي. والثاني: منتهاها , قاله ابن عباس. والثالث: ظهورها , قاله الأخفش.
стр. 1210
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّيِ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ﴾ لا يعلم وقتها إلا هو , نفياً أن يعلمها غير الله ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: كبر على أهل السموات والأرض مجيء الساعة , قاله الحسن. والثاني: ثقل عليهم قيام الساعة , قاله السدي. والثالث: معناه عظم وصفها على أهل السموات والأرض , قاله ابن جريج. ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾ يعني على غفلة لأنه لا يعلمها غير الله , ولم ترد الأخبار عنها من جهة الله فصار مجيئها بغتة وذلك أشد لها كما قال الشاعر:
٨٩ (وأنكأ شيء حين يفجؤك البغتُ﴾ ٩
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه عالِمٌ بها , قاله مجاهد , والضحاك , وابن زيد , ومعمر. والثاني: معنى الكلام يسألونك عنها كأن حفي بهم , على التقديم والتأخير , أي كأنك بينك وبينهم مودة توجب برهم , من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم: ٤٦] قاله ابن عباس.
стр. 1211
﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ قوله : ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ أي لا أملك القدرة عليهما من غير مانع ولا صاد. ﴿إِلَاّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أن يملكني إياه فأملكه بمشيئته. ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لاستكثرت من العمل الصالح , قاله الحسن , وابن جريج. والثاني: لأعددت من السنة المخصبة للسنة المجدبة , قاله الفراء. والثالث: وهو شاذ: لاشتريت في الرخص وبعْت في الغلاء.
стр. 1212
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: ما بي جنون كما زعم المشركون , قاله الحسن. والثاني: ما مسني الفقر لاستكثاري من الخير. والثالث: ما دخلت على شبهة.
стр. 1213
﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ ﴿فَلَمَّاءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَاءَاتَاهُمَا﴾ وذلك أن إبليس قال لحواء سَمِّيه: عبد الحارث , يعني نفسه لأنه اسمه في السماء كان (الحارث) فسمته عبد الله فمات , ثم حملت ولداً ثانياً فقال لها ذلك فلم تقبل , فمات , ثم حملت ثالثاً فقال لها ولآدم , أتظنان الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخرين فسمياه بذلك فعاش , فهذا معنى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَاءَاتَاهُمَا﴾ أي في الاسم , فروي عن النبي ﷺ أنه قال: خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض.
стр. 1214
وقال الحسن وقتادة: إن المكنّى عنه بقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَاءَاتَاهُمَا﴾ ابن آدم وزوجته , وليس براجع إلى آدم وحواء.
стр. 1215
﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ قوله : ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ يعني الأصنام , يعني أرجل يمشون بها في مصالحكم. ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ يعني في الدفع عنكم. ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ يعني مضاركم من منافعكم. ﴿أَمْ لَهُمْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ دعاءَكم وتضرعكم. فإن قيل فلم أنكر عبادة من لا رجل له ولا يد ولا عين؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أن من عبد جسماً لا ينفع كان ألوم ممن عبد جسماً ينفع. والثاني: أنه عرفهم أنهم مفضلون عليها , فكيف يعبدون من هم أفضل منه.
стр. 1216
﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من
стр. 1217
الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ قوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: العفو من أخلاق الناس وأعمالهم , قاله ابن الزبير , والحسن , ومجاهد. الثاني: خذ العفو من أموال المسلمين , وهذا قبل فرض الزكاة ثم نسخ بها , قاله الضحاك والسدي وأحد قولي ابن عباس. والثالث: خذ العفو من المشركين , وهذا قبل فرض الجهاد , قاله ابن زيد. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه بالمعروف , قاله عروة وقتادة. والثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لجبريل حين نزلت عليه هذه الآية ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: (يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا) قال: لا أدري أسأل العالم , قال (ثُمَّ عَادَ جِبْرِيلُ فَقَالَ) (يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك , وتعفو عمَّن ظلمك) قاله ابن زيد. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فإن قيل فكيف أمر بالإعراض مع وجوب الإنكار عليهم؟ قيل: إنما أراد الإعراض عن السفهاء استهانة بهم. وهذا وإن كان خطاباً لنبيِّه ﵇ فهو تأديب لجميع خلقه. قوله : ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النزغ الانزعاج. والثاني: الغضب. والثالث: الفتنة , قاله مقاتل.
стр. 1218
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع بجهل من جهل , عليم بما يزيل عنك النزغ.
стр. 1219
﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة ﴿طَآئِفٌ﴾ , وقرأ الباقون ﴿طَيْفٌ﴾ واختلف في هاتين القراءتين على قولين: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف اللفظان , فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على أربعة تأويلات: أحدها: أن الطيف اللمم كالخيال يلم بالإنسان. والثاني: أنه الوسوسة , قاله أبو عمرو بن العلاء. والثالث: أنه الغضب , وهو قول مجاهد. والرابع , أنه الفزع , قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أن معنى الطيف والطائف مختلفان , فالطيف اللمم , والطائف كل شيء طاف بالإنسان. ﴿تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: علموا فإذا هم منتهون. والثاني: اعتبروا فإذا هم مهتدون.
стр. 1220
﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا
стр. 1221
بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه هلا أتيتنا بها من قبل نفسك , وهذا قول مجاهد , وقتادة. والثاني: معناه هلا اخترتها لنفسك. والثالث: معناه هلا تقبلتها من ربك , قاله ابن عباس.
стр. 1222
﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ قوله ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَآنُ فِاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي لقراءته. ﴿وَأَنصِتُواْ﴾ أي لا تقابلوه بكلام ولا إعراض ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. واختلفوا في موضع هذا الإنصات على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت ولا يقرأ , قاله مجاهد. والثاني: أنها نزلت في خطبة الجمعة ينصت الحاضر لاستماعها ولا يتكلم , قالته عائشة , وعطاء. والثالث: ما قاله ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة , سلام على فلان , سلام على فلان , فجاء القرآن من ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
стр. 1223
﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ قوله : ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ وفي هذا الذكر ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر القرءاة في الصلاة خلف الإمام سراً في نفسه قاله قتادة. والثاني: أنه ذكر بالقلب باستدامة الفكر حتى لا ينسى نعم الله الموجبة لطاعته.
стр. 1224
والثالث: ذكره باللسان إما رغبة إليه في دعائه أو تعظيماً له بالآية. وفي المخاطب بهذا الذكر قولان: أحدهما: أنه المستمع للقرآن إما في الصلاة أو الخطبة , قاله ابن زيد. والثاني: أنه خطاب للنبي ﷺ ومعناه عام في جميع المكلفين. ثم قال: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ أما التضرع فهو التواضع والخشوع , وأما الخيفة فمعناه مخافة منه. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني أسرَّ القول إما بالقلب أو باللسان على ما تقدم من التأويلين. ثم قال تعالى: ﴿بالْغُدُوِّ وَالأَصْالِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالبكر والعشيات. والثاني: أن الغدو آخر الفجر صلاة الصبح , والآصال آخر العشي صلاة العصر , قاله مجاهد , ونحوه عن قتادة. ﴿وَلَا تَكُنِ مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عن الذكر. والثاني: عن طاعته في كل أوامره ونواهيه , قاله الجمهور. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وََلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ وهذا أول سجدات التلاوة في القرآن. وسبب نزولها ما قاله كفار مكة ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان: ٦٠]. فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن الملائكة المقربين إذا كانوا على هذه الحال في الخضوع والرغبة فأنتم بذلك أولى والله أعلم بالصواب.
стр. 1225
سورة الأنفال
стр. 1226
﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا الخطاب لرسول الله ﷺ حين سأله أصحابه يوم بدر عن الأنفال. وفي هذه الأنفال التي سألوه عنها خمسة أقاويل: أحدها: أنها الغنائم , وهذا قول ابن عباس , وعكرمة , وقتادة , والضحاك , الثاني: أنها السرايا التي تتقدم الجيش , وهذا قول الحسن. الثالث: الأنفال ما ندّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من دابة أو عبد , وهذا أحد قولي ابن عباس. الرابع: أن الأنفال الخمس من الفيء والغنائم التي جعلها الله تعالى لأهل الخمس , وهذا قول مجاهد.
стр. 1227
الخامس: أنها زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش لما قد يراه من الصلاح. والأنفال جمع نَفَل , وفي النفل قولان: أحدهما: أنه العطية , ومنه قيل للرجل الكثير العطاء: نوفل , قال الشاعر:
٨٩ (يأتي الظلامة منه النوفل الزُّفَرُ﴾ ٩
فالنوفل: الكثير العطاء. والزفر: الحمال للأنفال , ومنه سمي الرجل زفر. والقول الثاني: أن النفل الزيادة من الخير ومنه صلاة النافلة. قال لبيد بن ربيعة:
(إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل)
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ (مَنْ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكذَا) فسارع إليه الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات , فلما فتح الله تعالى عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم رسول الله ﷺ فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم , فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ الآية. الثاني: ما روى محمد بن عبيد بن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قُتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص بن أميةَ وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة فجئت به النبي ﷺ فقلت: هبه لي يا رسول الله , فقال: (اطْرَحْهُ فِى
стр. 1228
القَبض) فطرحته ورجعت وبي من الغم ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي , قال: فما تجاوزت إلا قريباً حتى نزلت عليه سورة الأنفال فقال: (اذْهَبْ فُخُذْ سَيْفَك). الثالث: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً فاختلفوا وكانوا أثلاثاً فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ الآية. فملّكه الله رسوله فقسمه كما أراه الله , قاله عكرمة والضحاك وابن جريج. والرابع: أنهم لم يعلموا حكمها وشكّوا في إحلالها لهم مع تحريمها على من كان قبلهم فسألوا عنها ليعلموا حكمها من تحليل أو تحريم فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم اختلف أهل العلم في نسخ هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الانفال: ٤١]. الآية , قاله عكرمة , ومجاهد , والسدي. والقول الثاني: أنها ثابتة الحكم ومعنى ذلك؛ قل الأنفال لله , وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة , والرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها , قاله ابن زيد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فيه وجهان:
стр. 1229
أحدهما: أن يرد أهل القوة على أهل الضعف. الثاني: أن يسلِّموا لله وللرسول ليحكما في الغنيمة بما شاء الله.
стр. 1230
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خافت. الثاني: رَقّتْ. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْءَايَاتُهُ﴾ يعني آيات القرآن بما تضمنته من أمر ونهي. ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ فيه وجهان: أحدهما: تصديقاً. الثاني: خشية. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فيما يخافونه من الشدة في الدنيا. الثاني: فيما يرجونه من ثواب أعمالهم في الآخرة.
следующие страницы →