Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
قوله ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: قد سمعنا هذا منكم ولا نطيعكم. والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله فماذا أغناكم. ﴿لَوْ نَشَآءَ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مثل هذا في النظم والبيان معارضة له في الإعجاز. والثاني: مثل هذا في الاحتجاج معارضة له في الاستدعاء إلى الكفر. ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني أحاديث الأولين ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه قصص من مضى وأخبار من تقدم. والثاني: أنه مأخوذ عمن تقدم وليس بوحي من الله تعالى. وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة , وقد قلته النبي ﷺ صبراً في جملة ثلاثة من قريش: عقبه بن أبي معيط , والمطعم بن عدي , والنضر بن الحارث وكان أسير المقداد , فلما أمر رسول الله ﷺ بقتل النضر قال المقداد: أسيري يا رسول الله , فقال رسول الله ﷺ : (اللَّهُمْ أَعِنِ المِقْدَادَ) , فقال: هذا أردت. وفيه أنزل الله تعالى الآية التي بعدها. ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّْ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حَجَارَةً مِنَ السَّمَآءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي هذا القول وجهان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك عناداً للحق وبغضاً للرسول ﷺ . والثاني: أنهم قالوا ذلك اعتقاداً أنه ليس بحق. وفيهم نزل قوله تعالى ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]. قال عطاء: لقد نزلت في النضر بضع عشرة آية من كتاب الله تعالى. قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال ذلك إكراماً لنبيه وتعظيماً لقدره أن يعذب قوماً هو بينهم. تعظيماً لحرمته.
стр. 1262
والثاني: إرساله فيهم رحمة لهم ونعمة عليهم فلم يجز أن يعذبهم وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة بإخراجه عنهم. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وقد بقي فيهم من المسلمين قوم يستغفرون وهذا قول الضحاك وأبي مالك وعطية. والثاني: لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون فيها فيقولون: غفرانك. قال ابن عباس: كان المشركون بمكة يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لبيك لا شريك لك , فيقول النبي ﷺ : (قَدْ قَدْ) فيقولون: إلا شريكاً هو لك , تملكه وما ملك , ويقولون غفرانك , فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قاله أبو موسى ويزيد بن رومان ومحمد بن قيس. والثالث: أن الاستغفار في هذا الموضع الإسلام , ومعنى الكلام: وما كان الله معذبهم وهم يسلمون , قاله عكرمة ومجاهد. والرابع: وما كان الله معذب من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام , قاله ابن عباس. والخامس: معناه أنهم لو استغفروا لم يعذبوا استدعاء لهم إلى الاستغفار , قاله قتادة والسدي وابن زيد. والسادس: وما كان الله معذبهم أي مهلكهم وقد علم أن لهم أولاد وذرية يؤمنون ويستغفرون.
стр. 1263
﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما
стр. 1264
كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ قوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ البَيتِ إِلَاّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ في المكاء قولان: أحدهما: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم , قاله مجاهد. والثاني: هو أن يشبك بين أصابعه ويصفر في كفه بفيه فيكون المكاء هو الصفير , ومنه قول عنترة:
(وحليل غنيةٍ تركت مُجدّلا ... تمكو فريصته بشدق الأعلم)
أي تصفر بالريح لما طعنته. وأما التصدية ففيها خمسة أقاويل: أحدهما: أنه التصفيق , قاله ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ومنه قول عمرو بن الإطنابة:
(وظلواْ جميعاً لهم ضجة ... مكاء لدى البيت بالتصدية)
والثاني: أنه الصد عن البيت الحرام , قاله سعيد بن جبير وابن زيد. والثالث: أن يتصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله , ويصفر له إن غفل عنه , قاله بعض المتأخرين. الرابع: أنها تفعلة من صد يصد , وهو الضجيج , قاله أبو عبيدة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أي يضجون. الخامس: أنه الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله , قاله ابن بحر. فإن قيل: فلم سمَّى الله تعالى ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية صلاة وليس منها؟
стр. 1265
قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أنهم كانوا يقيمون التصفيق والصفير مقام الدعاء والتسبيح فجعلوا ذلك صلاة وإن لم يكن في حكم الشرع صلاة. والثاني: أنهم كانوا يعملون كعمل الصلاة. ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: عذاب السيف يوم بدر , قاله الحسن الضحاك وابن جريج وابن إسحاق. والثاني: أنه يقال لهم في الآخرة ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: فالقوا. الثاني: فجربوا. وحكى مقاتل في نزول هذه الآية أن النبي ﷺ كان إذا صلى في المسجد الحرام قام من كفار بني عبد الدار بن قصي رجلان عن يمين النبي ﷺ يصفران كما يصفر المكاء والمكاء طائر , ورجلان منهم عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا عليه صلاته وقراءته , فنزلت هذه الآية فيهم.
стр. 1266
﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون﴾ قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها نفقة قريش في قتال رسول الله ﷺ يوم بدر , قاله الضحاك. والثاني: أنه أبو سفيان استأجر معه يوم أُحد ألفين من الأحابيش ومنه كنانة
стр. 1267
ليقاتل بهم رسول الله ﷺ , سوى من انحاز إليه من العرب , قاله سعيد ومجاهد والحكم بن عيينة , وفي ذلك يقول كعب بن مالك:
(وجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسرٌ ومقنع)
(ثلاثة آلافٍ ونحن نَصِيَّة ... ثلاثُ مئينٍ إن كثرنا فأربع)
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسْرَةً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفاً عليها. والثاني: تكون خيبتهم فيما أملوه من الظفر عليهم حسرة تحذرهم بعدها. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ وعد بالنصر فحقق وعده. قوله ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الحلال من الحرام. الثاني: الخبيث ما لم تخرج منه حقوق الله تعالى , والطيب: ما أخرجت منه حقوق الله تعالى. يحتمل ثالثاً: أن الخبيث: ما أنفق في المعاصي , والطيب: ما أنفق في الطاعات. ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يجمعه في الآخرة وإن تفرق في الدنيا ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ أي يجعل بعضه فوق بعض , ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣]. وفي قوله تعالى ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ وإن كانت الأموال لا تعذّب وجهان: أحدهما: أن يجعلها عذاباً في النار يعذبون بها , كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية. الثاني: أنه يجعل أموالهم معهم في جهنم لأنهم استطالوا بها وتقووا على معاصي الله فجعلها معهم في الذل والعذاب كما كانت لهم في الدنيا عزاً ونعيماً.
стр. 1268
﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾ قوله ﴿قَل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يَغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ يحتمل وجيهن: أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من المؤاخذة والمعاقبة. والثاني: إن ينتهوا عن الكفر بالإسلام يغفر لهم ما قد سلف من الآثام. ﴿وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأُوَّلِينَ﴾ تأويله على احتمال الوجهين الأولين: فعلى الوجه الأول: تأويله: وإن يعودواْ إلى المحاربة فقد مضت سنة الأولين فيمن قتل يوم بدر وأسر , قاله الحسن ومجاهد والسدي. وعلى الوجه الثاني: فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة فيما أخذهم الله به في الدنيا من عذاب الاستئصال. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل مكة بعد أن دخلها رسول الله ﷺ عام الفتح وقال لهم: (ما ظَنُّكُم بِي وَمَا الَّذِي تَرَونَ أَنِّي صَانِعُ بِكُم؟) قالوا: ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا , فقال ﷺ : (أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾) [يوسف: ٩٢] فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 1269
﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول
стр. 1270
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير﴾ قوله : ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ذكر الله تعالى الفيء في سورة الحشر والغنيمة في هذه السورة. واختلفوا في الفيء والغنيمة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من الأرض , قاله عطاء بن السائب. والثاني: أن الغنيمة ما أخذ عنوة , والفيء ما أخذ عن صلح , قاله الشافعي وسفيان الثوري. والثالث: أن الفيء والغنيمة سواء وهو كل مال أخذ من المشركين , وآية الفيء التي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال , قاله قتادة. وقوله تعالى ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ يريد جميع ما وقع عليه اسم شيء مباح حواه المسلمون من أموال المشركين. ﴿فإن لِلَه خُمُسَهُ﴾ أحدهما: أنه استفتاح كلام , فلله الدنيا والآخرة وما فيهما , ومعنى الكلام فأن للرسول خمسه , قاله الحسن وعطاء وقتادة وإبراهيم والشافعي , وروى نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرّية فغنموا خمّس الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ ﴿وَاعلَمُواْ أَنَّمَا مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وإنما قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ﴾ مفتاح كلام , ولله ما في السموات وما في الأرض فجعل سهم الله وسهم الرسول واحد. والثاني: أن سهم الله مستحق لبيته , ومعناه فإن لبيت الله خمسه وللرسول وقد روى الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى
стр. 1271
بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها , ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول , وسهم لذي القربى , وسهم لليتامى , وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل. وقوله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه مفتاح كلام اقترن بذكر الله وليس للرسول من ذلك شيء كما لم يكن لله من ذلك شيء , وأن الخمس مقسوم على أربعة أسهم , وهذا قول ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة. والثاني: أن ذلك للرسول وهو قول الجمهور. واختلفوا في سهم رسول الله ﷺ بعده على خمسة أقاويل: أحدها: أنه للخليفة بعده , قاله قتادة. والثاني: أنه لقرابة النبي ﷺ إرثاً , وهذا قول من جعل النبي موروثاً. والثالث: أن سهم الرسول ﷺ مردود على السهام الباقية ويقسم الخمس على أربعة. والرابع: أنه مصروف في مصالح المسلمين العامة , قاله الشافعي. والخامس: أن ذلك مصروف في الكراع والسلاح , وروي أن ذلك فعل أبي بكر وعمر , رواه النخعي. أما قوله تعالى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فاختلف فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم بنو هاشم , قاله مجاهد. والثاني: أنهم قريش كلها , روى سعيد المقري قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذي القربى , قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: كنا نقول إننا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. الثالث: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب , قاله الشافعي والطبري. واختلفوا في سهمهم اليوم على أربعة أقاويل:
стр. 1272
أحدها: أنه لهم أبداً كما كان لهم من قبل , قاله الشافعي. والثاني: أنه لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة. والثالث: أنه إلى الإمام يضعه حيث شاء. والرابع: أن سهمهم وسهم رسول الله ﷺ مردود على باقي السهام وهي ثلاثة , قاله أبو حنيفة. وأما ﴿وَالْيَتَامَى﴾ فهم من اجتمعت فيهم أربعة شروط: أحدها: موت الأب وإن كانت الأم باقية , لأن يتم الآدميين بموت الآباء دون الأمهات ويتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء. والثاني: الصغر , لقول رسول الله ﷺ : (لَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ). والثالث: الإٍسلام لأنه مال المسلمين. والرابع: الحاجة لأنه معد للمصالح. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنه لأيتام أهل الفيء خاصة. والثاني: أنه لجميع الأيتام. وأما ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ فهم الذين لا يجدون ما يكفيهم. وأما أبناء السبيل فهم المسافرون من ذوي الحاجات , والإٍسلام فيهم معتبر. وهل يختص بأله الفيء؟ على القولين. وقال مالك: الخمس موقوف على رأي الإمام فيمن يراه أحق به , وإنما ذكرت هذه الأصناف لصدق حاجتها في وقتها. قوله ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وهو يوم بدر فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل.
стр. 1273
﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان
стр. 1274
مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾ قوله : ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ يعني شفير الوادي ببدر , الأدنى إلى المدينة. ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ يعني شفير الوادي الأقصى إلى مكة. وقال الأخفش: عدوه الوادي هو ملطاط شفيره الذي هو أعلى من أسفله , وأسفل من أعلاه. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني عير أبي سفيان أسفل الوادي , قال الكلبي: على شاطىء البحر بثلاثة أميال. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتََلْفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم في الميعاد , بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك. والثاني: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد , قاله ابن إٍسحاق. والثالث: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم من غير معونة الله لكم لأخلفتم بالقواطع والعوائق في الميعاد. قوله ﴿ ... لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليقتل ببدر من قتل من مشركي قريش عن حجة , وليبقى من بقي عن قدرة. والثاني: ليكفر من قريش من كفر بعد الحجة ببيان ما وعدوا , ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم.
стр. 1275
﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم
стр. 1276
في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور﴾ قوله : ﴿إذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الله أرى نبيه ﷺ قلة المشركين عياناً , وقوله ﴿فِي مَنَامِكَ﴾ يريد في عينيك التي هي محل النوم , قاله الحسن. والثاني: أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه , وهو الظاهر , وعليه الجمهور. وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته , ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم , ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه ﷺ . ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً لَّفِشِلْتُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لاختلفتم في لقائهم أو الكف عنهم. والثاني: لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم. ﴿ ... وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: سلّم من الفشل. والثاني: لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم ولكن الله سلم من العدو. وفيه ثالث: ولكن الله سلم أمره فيهم حتى نفذ ما حكم فيهم به من هلاكهم.
стр. 1277
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم
стр. 1278
تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ قوله ﴿ ... وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ والفشل هو التقاعد عن القتال جبناً. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد بالريح القوة , وضرب الريح لها مثلاً. والثاني: يريد بالريح الدولة. ومعناه فتذهب دولتكم , قاله أبو عبيدة. والثالث: يريد ريح النصر التي يرسلها الله لنصر أوليائه وهلاك أعدائه قاله قتادة وابن زيد. ويحتمل رابعاً , أن الريح الهيبة , وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم الريح. ويكون معنى الكلام. فتذهب ريحكم وهيبتكم.
стр. 1279
﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ﴾ هم قريش حين خرجوا في حماية العير فنجا بها أبو سفيان , فقال لهم أبو جهل: لا نرجع حتى نرِد بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان , فكان من أمر الله فيهم ما كان. قوله ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال المفسرون: ظهر لهم في
стр. 1280
صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة فزين للمشركين أعمالهم. يحتمل وجهين: أحدهما: زين لهم شركهم. والثاني: زين لهم قتال رسول الله ﷺ . وفيه وجه ثالث: أنه زين لهم قوتهم حتى اعتمدوها. ﴿وَقَالَ: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني أنكم الغالبون دون المؤمنين. ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أني معكم. وفي جواركم ينالني ما نالكم. الثاني: مجير لكم وناصر. فيكون على الوجه الأول من الجوار , وعلى الوجه الثاني من الإجارة. ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فئة المسلمين وفئة المشركين. والثاني: المسلمون ومن أمدوا به من الملائكة. فكانوا فئتين. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ والنكوص أن يهرب ذليلاً خازياً , قال الشاعر:
(وما ينفعل المستأخرين نكوصهم ... ولا ضَرّ أهل السابقات التقدم.)
﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعني من الملائكة الذين أمد الله بهم رسوله والمؤمنين. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وإنما ذكر خوفه من الله تعالى في هذا الموضع ولم يذكره في امتناعه من السجود لآدم لأنه قد كان سأل الإنظار إلى قيام الساعة فلما رأى نزول الملائكة ببدر تصور قيام الساعة فخاف فقال ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قوله ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم قوم في قلوبهم شك كانوا تكلموا بالإسلام وهم بمكة , قاله ابن عباس ومجاهد.
стр. 1281
والثاني: أنهم المشركون , قاله الحسن. والثالث: أنهم قوم مرتابون لم يظهروا العداوة للنبي ﷺ بخلاف المنافقين. والمرض في القلب كله هو الشك , وهو مشهور في كلام العرب , قال الشاعر:
(ولا مرضاً أتقيه إني لصائن ... لعرضي ولي في الأليّة مفخر)
وقوله تعالى ﴿غَرَّ هَؤُلآءِ﴾ يعني المسلمين. ﴿دينُهُمْ﴾ يعني الإسلام , لأن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتقدموا عليهم , وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم حتى أظفر بهم المسلمين فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا.
стр. 1282
﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ قوله ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يتوفاهم ملك الموت عند قبض أرواحهم , قاله مقاتل. والثاني: قتل الملائكة لهم حين قاتلوهم يوم بدر. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدبَارَهُمْ﴾ تأويله على القول الأول: يضربون وجوههم يوم القيامة إذا واجهوهم , وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار. وتأويله على القول الثاني يحتمل وجهين: أحدهما: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا , وأدبارهم لما انهزموا. والثاني: أنهم جاءوهم من أمامهم وورائهم , فمن كان من أمامهم ضرب وجوههم , ومن كان من ورائهم ضرب أدبارهم.
стр. 1283
﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة
стр. 1284
أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين﴾ قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يحتمل خمسة أوجه: أحدها: لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه. والثاني: لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته. والثالث: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم. من تأدية حق الله تعالى منه. والرابع: لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان. والخامس: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من الانقياد.
стр. 1285
﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ قوله : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تصادفهم. والثاني: تظفر بهم. ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 1286
أحدها: أنذر بهم من خلفهم , قال الشاعر من هذيل:
(أطوِّف في الأباطح كلَّ يوم ... مخافة أن يشرِّد بي حكيم.)
стр. 1287
﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ قوله ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ يعني في نقض العهد. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ أي فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغّدر. بهم. والنبذ هو الإلقاء. قال الشاعر:
(فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي)
وفي قوله تعالى ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ خمسة أوجه: أحدها: على مهل , قال الوليد بن مسلم. والثاني: على محاجزة مما يفعل بهم , قاله ابن بحر. والثالث: على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك. والرابع: على عدل من غير حيف , واستشهد بقول الراجز:
(فاضرب وجوه الغد والأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء)
أي إلى العدل. والخامس: على الوسط واستشهد قائله بقول حسان:
(يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد)
وذكر مجاهد أنها نزلت في بني قريظة.
стр. 1288
﴿ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون وأعدوا لهم ما استطعتم
стр. 1289
من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ قوله ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن القوة ذكور الخيل , ورباط الخيل إناثها , وهذا قول عكرمة. والثاني: القوة السلاح , قاله الكلبي. والثالث: القوة التصافي واتفاق الكلمة. والرابع: القوة الثقة بالله تعالى والرغبة إليه. والخامس: القوة الرمي. روى يزيد بن أبي حبيب عن أبي عليّ الهمزاني عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: (﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة﴾ أَلَا إِنَّ القُوةَ الرميُ) قالها ثلاثاً.
стр. 1290
﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ على قول عكرمة إناثها خاصة , وعلى قول الجمهور على العموم الذكور والإناث. وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : (ارتبطوا الخيل فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُم عِزٌّ , وَأَجْوَافَهَا لَكُم كَنزٌ). ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عدو الله بالكفر وعدوكم بالمباينة. والثاني: عدو الله هو عدوكم لأن عدو الله عدو لأوليائه. والإرهاب: التخويف. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: هم بنو قريظة , قاله مجاهد. والثاني: أهل فارس والروم قاله السدي. والثالث: المنافقون؛ قاله الحسن وابن زيد. والرابع: الشياطين , قاله معاذ بن جبل. والخامس: كل من لا تعرفون عداوته , قاله بعض المتأخرين.
стр. 1291
﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ قوله ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وإن مالوا إلى الموادعة فَمِلْ إليها.
стр. 1292
والثاني: وإن توقفوا عن الحرب مسالمة لك فتوقف عنهم مسالمة لهم. والثالث: وإن أظهروا الإسلام فاقبل منهم ظاهر إسلامهم وإن تخلف باطن اعتقادهم. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عامة في موادعة كل من سألها من المشركين ثم نسخت بقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥] قاله الحسن وقتادة وابن زيد. والثاني: أنها في أهل الكتاب خاصة إذا بذلوا الجزية. والثالث: أنها في قوم معينين سألوا الموادعة فأمر بإجابتهم.
стр. 1293
﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله , قاله الكلبي ومقاتل. والثاني: حسبك الله أن تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم. قال الكلبي: نزلت هذه الآية بالبيداء من غزوة بدر قبل القتال.
стр. 1294
قوله ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلفاً﴾ يعين يقاتلوا ألفاً قال مجاهد: وهذا يوم بدر جعل على كل رجل من المسلمين قتال عشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله تعالى: ﴿الأَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم﴾. وقال ابن بحر: معناه أن الله تعالى ينصر كل رجل من المسلمين على عشرة من المشركين , وقد مضى تفسير هاتين الآيتين من قبل.
стр. 1295
﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ قوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ وهذا نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي ﷺ فيهم بعد مشاورة أصحابه على الفداء بالمال , كل أسير بأربعة آلاف درهم , فأنكر الله تعالى ذلك عليه وأنه ما كان له أن يفادي الأسرى. ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما هو الغلبة والاستيلاء , قاله السدي. والثاني: هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون ويذل به المشركين. قاله مجاهد. ﴿يُرِيدُونَ عَرَضَ الْدُّنْيَا﴾ يعني المال , سماه عرضاً لقلة بقائه. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ﴾ يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة. ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني ما أخذتموه من المال في فداء أسرى بدر. وفي قوله ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوه من فداء أسرى بدر عذاب عظيم , قاله مجاهد وسعيد بن جبير.
стр. 1296
والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم , قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة. والثالث: لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم , قاله ابن اسحاق. والرابع: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وكان النبي ﷺ شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر: هم قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم , وقال عمر: هم أعداء الله وأعداء رسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم , فمال رسول الله ﷺ , بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فدء الأسرى ليتقوى به المسلمون , وقال: (أَنتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ) فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : (لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الأمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ) ثم إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله ﴿فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حََلَالاً طَيِّباً﴾.
стр. 1297
﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم﴾ قوله ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أحل مما أخذ منكم. الثاني: أكثر مما أخذ منكم. قيل إن هذه الآية نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر وأخذ منه رسول الله ﷺ فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال: يا رسول الله كنت
стр. 1298
مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس. قال: (فَأَيْنَ الأَمْوَالُ الَّتِي دَفَعْتَهَا إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ) فقال: إن الله لزيدنا ثقة بنبوتك. قال العباس. فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً في التجارة فقد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني يوم بدر.
стр. 1299
﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ يعني بالله. ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِم وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمجاهدة بالمال: النفقة , والمجاهدة بالنفس القتال , وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي ﷺ إلى المدينة. ثم قال ﴿وَالَّذِينَءَاوَواْ وَنَصَرُواْ﴾ يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في منازلهم ونصروا النبي ﷺ ونصروهم. ﴿أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أولئك بعضهم أعوان بعض , قاله الجمهور. والثاني: أولئك بعضهم أولى بميراث بعض. قال ابن عباس: جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام. ثم قال تعالى ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلَايَتهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ﴾ يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كَتَابِ اللَّهِ﴾ يعني في الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام , قاله مجاهد وعكرمة والحسن والسدي.
стр. 1300
﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بعضهم أنصار بعض , قاله قتادة وابن إسحاق. والثاني: بعضهم وارث بعض , قاله ابن عباس وأبو مالك. ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ ... ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إلَاّ تناصروا أيها المؤمنون ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ يعني بغلبة الكفار. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعف الإيمان , قاله ابن اسحاق وابن جرير. والثاني: إلاّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ باختلاف الكلمة. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بتقوية الخارج على الجماعة , قاله ابن عباس وابن زيد والله أعلم. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) والَّذِينَءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾
следующие страницы →