← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم , قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة. والثالث: لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم , قاله ابن اسحاق. والرابع: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وكان النبي ﷺ شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر: هم قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم , وقال عمر: هم أعداء الله وأعداء رسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم , فمال رسول الله ﷺ , بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فدء الأسرى ليتقوى به المسلمون , وقال: (أَنتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ) فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : (لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الأمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ) ثم إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله ﴿فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حََلَالاً طَيِّباً﴾.

стр. 1297

﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم﴾ قوله ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أحل مما أخذ منكم. الثاني: أكثر مما أخذ منكم. قيل إن هذه الآية نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر وأخذ منه رسول الله ﷺ فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال: يا رسول الله كنت

стр. 1298

مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس. قال: (فَأَيْنَ الأَمْوَالُ الَّتِي دَفَعْتَهَا إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ) فقال: إن الله لزيدنا ثقة بنبوتك. قال العباس. فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً في التجارة فقد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني يوم بدر.

стр. 1299

﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ يعني بالله. ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِم وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمجاهدة بالمال: النفقة , والمجاهدة بالنفس القتال , وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي ﷺ إلى المدينة. ثم قال ﴿وَالَّذِينَءَاوَواْ وَنَصَرُواْ﴾ يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في منازلهم ونصروا النبي ﷺ ونصروهم. ﴿أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أولئك بعضهم أعوان بعض , قاله الجمهور. والثاني: أولئك بعضهم أولى بميراث بعض. قال ابن عباس: جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام. ثم قال تعالى ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلَايَتهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ﴾ يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كَتَابِ اللَّهِ﴾ يعني في الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام , قاله مجاهد وعكرمة والحسن والسدي.

стр. 1300

﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بعضهم أنصار بعض , قاله قتادة وابن إسحاق. والثاني: بعضهم وارث بعض , قاله ابن عباس وأبو مالك. ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ ... ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إلَاّ تناصروا أيها المؤمنون ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ يعني بغلبة الكفار. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعف الإيمان , قاله ابن اسحاق وابن جرير. والثاني: إلاّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ باختلاف الكلمة. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بتقوية الخارج على الجماعة , قاله ابن عباس وابن زيد والله أعلم. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) والَّذِينَءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾

стр. 1301

سورة التوبة

стр. 1302

﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ قوله ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في ترك افتتاح هذه السورة ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قولان: أحدهما: أنها والأنفال كالسورة الواحدة في المقصود لأن الأولى في ذكر العهود , والثانية في رفع العهود , وهذا قول أُبي بن كعب قال ابن عباس: وكانتا تدعيان القرينتين , ولذلك وضعتا في السبع الطول. وحكاه عن عثمان بن عفان.

стр. 1303

الثاني: أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان , وبراءة نزلت برفع الأمان , وهذا قول ابن عباس , ونزلت سنة تسع فأنفذها رسول الله ﷺ مع علي بن أبي طالب ﵁ ليقرأها في الموسم بعد توجه أبي بكر ﵁ إلى الحج , وكان أبو بكر صاحب الموسم , وقال النبي ﷺ (لا يُبِلِّغُ عَنِّي إِلَاّ رَجُلٌ مِنِّي) حكى ذلك الحسن وقتادة ومجاهد. وحكى الكلبي أن الذي أنفذه رسول الله صلى لله عليه وسلم من سورة التوبة عشر آيات من أولها. حكى مقاتل أنها تسع آيات تقرأ في الموسم , فقرأها علي ﵁ في يوم النحر على جمرة العقبة. وفي قوله تعالى ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وجهان: أحدهما: أنها انقطاع العصمة منهما. والثاني: أنها انقضاء عهدهما. ثم قال تعالى ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهذا أمان. وفي قوله ﴿فَسِيُحواْ فِي الأَرْضِ﴾ وجهان: أحدهما: انصرفوا فيها إلى معايشكم. والثاني: سافروا فيها حيث أردتم. وفي السياحة وجهان: أحدهما: أنها السير على مهل. والثاني: أنها البعد على وجل. واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل: أحدها: أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله ﷺ قد أمنه أقل من أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب , فأما من لا أمان له فهو حرب , قاله ابن إٍسحاق.

стр. 1304

والثاني: أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط إليها , ومن كان عهده أقل منها إليها , ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. والثالث: أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة , المعاهد منهم وغير المعاهد , قاله الزهري ومحمد بن كعب ومجاهد. والرابع: أن الأربعة ألاشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله ﷺ عهد ولا أمان , أما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم , قاله الكلبي. واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن أولها يوم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر , وآخرها انقضاء العاشر من شهر ربيع الآخر , قاله محمد بن كعب ومجاهد والسدي. والثاني: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم , قاله الزهري. والثالث: أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة , وآخرها يوم العشرين من شهر ربيع الأول , لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع , لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من النسىء , فأقره النبي ﷺ فيه حتى نزل تحريم النسىء وقال: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً. ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن. والثاني: في الآخرة بالنار.

стр. 1305

﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير

стр. 1306

معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ قوله ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ في الأذان ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القصص , وهذا قول تفرد به سليمان بن موسى النشابي. والثاني: أنه النداء بالأمر الذي يسمع بالأذن , حكاه علي بن عيسى. الثالث: أنه الإعلام , وهذا قول الكافة. وفي ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم عرفة , قاله عمر بن الخطاب وابن المسيب وعطاء. وروى ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة وقال: (هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ) والثاني: أنه يوم النحر , قاله عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبه وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي. وروي مرة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطبنا رسول الله صلى عليه وسلم على ناقته الحمراء وقال (أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ). والثالث: أنها أيام الحج كلها , فعبر عن الأيام باليوم , قاله مجاهد وسفيان , قال سفيان: كما يقال يوم الجمل ويوم صفين , أي أيامه كلها. أحدها: أنه سمي بذلك لأنه كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين , ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى , قاله الحسن. والثاني: أن الحج الأكبر القِران , والأصغر الإفراد , قاله مجاهد. والثالث: أن الحج الأكبر هو الحج , والأصغر هو العمرة , قاله عطاء والشعبي.

стр. 1307

﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ قوله ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية. في الأشهر الحرم قولان: أحدهما: أنها رجب وذو العقدة وذو الحجة والمحرم , ثلاثة سرد وواحد فرد , وهذا رأي الجمهور. والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جعلها الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع عشر من شهر ربيع الآخر , قاله الحسن. ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: في حل أو حرم. والثاني: في الأشهر الحرم وفي غيرها. والقتل وإن كان بلفظ الأمر فهو على وجه التخيير لوروده بعد حظر اعتباراً بالأصلح. ﴿وَخُذُوهُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: على التقديم والتأخير , وتقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم. والثاني: أنه على سياقه من غير تقديم ولا تأخير , وتقديره: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم. ﴿وَاحْصُرُوهُم﴾ على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين. وفي قوله ﴿وَاحْصُرُوهُم﴾ وجهان: أحدهما: أنه استرقاقهم. والثاني: أنه الفداء بمال أو شراء.

стр. 1308

﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يطلبوا في كل مكان فيكون القتل إذا وجدوا , والطلب إذا بعدوا. والثاني: أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم فيما حكم به تعالى عليهم من قتل أو استرقاق أو مفاداة أو منٍّ ليعتبر فيها فعل الأَصلح منها. ثم قال تعالى ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي أسلموا , لأن التوبة من الكفر تكون بالإسلام. ﴿وَأَقَامُواْ الْصَلَاةَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي اعترفوا بإقامتها , وهو مقتضى قول أبي حنيفة , لأنه لا يقتل تارك الصلاة إذا اعترف بها. الثاني: أنه أراد فعل الصلاة , وهو مقتضى قول مالك والشافعي , لأنهما يقتلان تارك الصلاة وإن اعترف بها. ﴿وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعني اعترفوا بها على الوجهين معاً , لأن تارك الزكاة لا يقتل مع الاعتراف بها وتؤخذ من ماله جبراً , وهذا إجماع.

стр. 1309

﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ قوله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ... ﴾ الآية: وفي كلام الله وجهان أي إن استأمنك فأمِّنه. أحدهما: أنه عني سورة براءة خاصة ليعلم ما فيها من حكم المقيم على العهد. وحكم الناقض له والسيرة في المشركين والفرق بينهم وبين المنافقين. الثاني: يعني القرآن كله , ليهتدي به من ضلاله ويرجع به عن كفره. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يعني إن أقام على الشرك وانقضت مدة الأمان. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الرشد من الغيّ. والثاني: استباحة رقابهم عند انقضاء مدة أمانهم.

стр. 1310

﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾ قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ الآية. يحتمل وجهين: أحدهما: إذا لم يعطوا أماناً. الثاني: إذا غدروا وقاتلوا. وفي قوله ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: أنهم قوم من بني بكر بن كنانة , قاله ابن إٍسحاق. والثاني: أنهم قريش , وهو قول ابن عباس. والثالث: خزاعة , قاله مجاهد. والرابع: بنو ضمرة , قاله الكلبي. ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ يعني فما أقاموا على الوفاء بالعهد فأقيموا عليه , فدل على أنهم إذا نقضوا العهد سقط أمانهم وحلّت دماؤهم.

стр. 1311

﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون﴾ قوله ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني يقووا حتى يقدروا على الظفر بكم. وفي الكلام محذوف وتقديره: كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم. ﴿لَا يرْقُبُوْ فِيكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يخافوا: قاله السدي. الثاني: لا يراعوا.

стр. 1312

﴿إِلأَ وَلَا ذِمَّةً﴾ وفي الإلّ سبعة تأويلات. أحدها: أنه العهد , وهوقول ابن زيد. والثاني: أنه اسم الله تعالى , قاله مجاهد , ويكون معناه لا يرقبون الله فيكم. والثالث: أنه الحلف , وهو قول قتادة. والرابع: أن الإل اليمين , والذمة العهد , قاله أبو عبيدة , ومنه قول ابن مقبل: (أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإلَّ وأعراق الرَّحِم) والخامس: أنه الجوار , قاله الحسن. والسادس: أنه القرابة , قاله ابن عباس والسدي , ومنه قول حسان: (وأُقسم إن إلَّك من قريش ... كإل السّقْبِ من رَأل النعام) والسابع: أن الإل العهد والعقد والميثاق واليمين , وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له , قاله بعض البصريين. ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: الجوار , قاله ابن بحر. الثاني: أنه التذمم ممن لا عهد له , قاله بعض البصريين. والثالث: أنه العهد وهو قول أبي عبيدة. ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يرضونك بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر. والثاني: يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية. والثالث: يرضونكم بأفواهم في الوعد بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك , لأن النبي ﷺ لا يرضيه من المشركين إلا بالإيمان. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في نقض العهد وإن كان جميعهم بالشرك فاسقاً.

стр. 1313

والثاني: وأكثرهم فاسق في دينه وإن كان كل دينهم فسقاً.

стр. 1314

﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ قوله ﴿اشْتَرَواْ بَئَايَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ في آيات الله تعالى ها هنا وجهان: أحدهما: حججه ودلائله. والثاني: آيات الله التوراة التي فيها صفة رسول الله ﷺ . والثمن القليل: ما جعلوه من ذلك بدلاً. وفي صفته بالقليل وجهان: أحدهما: لأنه حرام , والحرام قليل. والثاني: لأنها من عروض الدنيا التي بقاؤها قليل. وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه , وهذا قول مجاهد ومن زعم أن الآيات حجج الله تعالى. والثاني: أنهم قوم من اليهود دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه وهذا قول من زعم أنها آيات التوراة. ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: عن دين الله تعالى في المنع منه. والثاني: عن طاعة الله في الوفاء بالعهد. والثالث: عن قصد بيت الله حين أحصر بالحديبيّة.

стр. 1315

﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾

стр. 1316

قوله ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي نقضوا عهدهم الذي عقدوه بأيمانهم. ﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إظهار الذم له. والثاني: إظهار الفساد فيه. ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم رؤساء المشركين. والثاني: أنهم زعماء قريش , قاله ابن عباس. والثالث: أنهم الذين كانوا قد هموا بإخراج رسول الله ﷺ , قاله قتادة. ﴿إِنَّهُم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ قراءة الجمهور بفتح الألف , من اليمين لنقضهم إياها. وقرأ ابن عامر: ﴿إِنَّهُم لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ بكسر الألف , وهي قراءة الحسن. وفيها إذا كسرت وجهان: أحدهما: أنهم كفرة لا إيمان لهم. والثاني: أنهم لا يعطون أماناً.

стр. 1317

﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله

стр. 1318

عليم حكيم أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون﴾ قوله : ﴿ ... وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الخيانة , قاله قتادة. والثاني: أنهم البطانة , قاله قطرب ومقاتل , ومنه قول الشاعر: (وجعلت قومك دون ذاك وليجة ... ساقوا إليك الخير غير مشوب) والثالث: أنه الدخول في ولاية المشركين , من قولهم ولج فلان في كذا إذا دخل فيه قال طرفة بن العبد: (رأيت القوافي يتلجن موالجاً ... تضايق عنها أن تولجها الإبر)

стр. 1319

﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ قوله ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني المسجد الحرام. وفيه وجهان: أحدهما: ما كان لهم أن يعمروها بالكفر لأن مساجد الله تعالى تعمر بالإيمان. والثاني: ما كان لهم أن يعمروه بالزيارة له والدخول إليه. ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن فيما يقولونه أو يفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه إقرارهم،

стр. 1320

فكأن ذلك منهم هو شهادتهم على أنفسهم , قاله الحسن. والثاني: يعني شاهدين على رسول الله ﷺ بالكفر لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم , قاله الكلبي. والثالث: أن النصراني إذا سئل ما أنت؟ قال: نصراني , واليهودي إذا سئل قال: يهودي , وعابد الوثن يقول: مشرك , وكان هؤلاء كفار وإن لم يقروا بالكفر , قاله السدي. ثم قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ في هذه المساجد قولان: أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى , فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: بالمحافظة على إقامة الصلاة. والثاني: بترك الرياء. والثالث: بالخشوع والإعراض عما ينهى. والقول الثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات , فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى. والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى. والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى. ﴿وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِن الْمُهْتَدِينَ﴾ فيه وجهان:

стр. 1321

أحدهما: أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم. والثاني: أن كل ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً , قاله ابن عباس والسدي.

стр. 1322

﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ قوله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني بعمارته السدانة والقيام به. ﴿كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ لأن قريشاً فضلت ذلك على الإيمان بالله , فرد الله تعالى عليهم وأعلمهم أنهما لا يستويان , وأن ذلك مع الكفر محبط. وحكى مقاتل أن هذا الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب , وهو صاحب السقاية , وفي شيبة بن عثمان وهو صاحب السدانة وحاجب الكعبة أُسرا يوم بدر فعيرا بالمقام على الكفر بمكة وأغلظ لهما المهاجرون , فقالا نحن أفضل منكم أجراً نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فنزل هذا فيهم.

стр. 1323

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم

стр. 1324

من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ قوله ﴿قُلْ إِن كَانَءَآبَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ يعني اكتسبتموها. ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها أموال التجارات إذا نقص سعرها وكسد سوقها. والثاني: أنهن البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن. ﴿وَمَسَاكِنَ تَرْضَونَهَا﴾ وهذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا إِشفاقاً على فراق ما ذكره الله تعالى ميلاً إليه وحبّاً له فذمهم الله تعالى على ذلك وقال: ﴿ ... فَتَربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه فتح مكة , قاله مجاهد. والثاني: حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة , قاله الحسن.

стр. 1325

﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾ قوله ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ. .﴾ الآية , وفي السكينة ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الرحمة , قاله علي بن عيسى. والثاني: أنها الأمن والطمأنينة. والثالث: أنها الوقار , قاله الحسن.

стр. 1326

﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: الملائكة. والثاني: أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم , وهو محتمل. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالخوف والحذر. والثاني: بالقتل والسبي.

стр. 1327

﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ قوله ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخرِ﴾ فإن قيل: فأهل الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم ,؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه , فكانوا بترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرّ به. والثاني: أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته , وهم في الذم بالكفر كغيرهم. ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه ما أمر الله بنسخه من شرائعهم. والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم. ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ﴾ والحق هنا هو الله تعالى , وفي المراد بدينه في هذا الموضع وجهان:

стр. 1328

أحدهما: العمل بما في التوراة من اتباع الرسول , قاله الكلبي. والثاني: الدخول في دين الإسلام لأنه ناسخ لما سواه من الأديان , وهو قول الجمهور. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب. الثاني: من الذين أوتوا الكتاب بين أظهرهم لأنه في اتباعه كآبائهم. ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: حتى يضمنوا الجزية وهو قول الشافعي لأنه يرى أن الجزية تجب انقضاء الحول وتؤخذ معه. والثاني: حتى يدفعوا الجزية. وفي الجزية وجهان: أحدهما: أنها من الأسماء المجملة لا يوفق على علمها إلا بالبيان. والثاني: أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خص بالدليل. ثم قال تعالى ﴿عَن يَدٍ﴾ وفيه أربعة تأويلات: أحدها: عن غنى وقدرة. والثاني: أنها من عطاء لا يقابله جزاء , قاله أبو عبيدة. والثالث: أن يروا أن لنا في أخذها منهم يداً عليهم بحقن دمائهم بها. والرابع: يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون. ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن يكونوا قياماً والآخذ لها جالساً , قاله عكرمة. والثاني: أن يمشوا بها وهم كارهون , قاله ابن عباس. والثالث: أن يكونوا أذلاء مقهورين , قاله الطبري.

стр. 1329

والرابع: أن دفعها هو الصَّغار بعينه. والخامس: أن الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام , قاله الشافعي.

стр. 1330

﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية. أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها , ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم , فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم , فقذفها الله في قلب عزير , فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله. واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ذلك كان قول جميعهم , وهو مروي عن ابن عباس.

стр. 1331

والثاني: أنه قول طائفة من سلفهم. والثالث: أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله ﷺ . واختلف فيهم على قولين: أحدهما: أنه فنحاص وحده , ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج. والثاني: أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف , وهذا مروي عن ابن عباس. فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟ قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره , فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهذا قول جميعهم , واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله , تعالى الله عن ذلك. الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى. ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ﴾ معنى ذلك: وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه: أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان , فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به. ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ﴾ أي يشابهون , مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث: (أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ) أي يشبهون به. وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله , قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله , قاله الطبري. والثالث: أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم , قاله الزجاج. ﴿قَاتََلَهُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لعنهم الله , قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص:

стр. 1332

(قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي) والثاني: معناه قتلهم الله , قاله بعض أهل العربية. والثالث: أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب. قوله ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أما الأحبار منهم العلماء , واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها. وأما الرهبان فجمع راهب , مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته , غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى. وقوله ﴿أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم , فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب , وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 1333

﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وفي نوره قولان: أحدهما: أنه القرآن والإسلام , قاله الحسن وقتادة. والثاني: أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار. وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل تاماً. ويحتمل المراد به وجهين: أحدهما: إظهار دلائله. والثاني: معونة أنصاره. قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يعني محمداً ﷺ أرسله الله إلى خلقه بالهدى ودين الحق. وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن الهدى البيان , ودين الحق الإسلام , قاله الضحاك. والثاني: أن الهدى الدليل , ودين الحق المدلول عليه. والثالث: معناه بالهدى إلى دين الحق. والرابع: أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني عند نزول عيسى ﵇ فإنه لا يعبد الله تعالى إلاّ بالإٍسلام , قاله أبو هريرة.

стр. 1334

والثاني: معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه , قاله ابن عباس. والثالث: ليظهر دلائله وحججه , وقد فعل الله تعالى ذلك , وهذا قول كثير من العلماء. والرابع: ليظهره برغم المشركين من أهله. والخامس: أنه وارد على سبب , وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة في الدين فذكروا ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما. والسادس: أن الظهور الاستعلاء , ودين الإسلام أعلى الأديان كلها وأكثرها أهلاً , قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر , فروى الربيع بن أنس عن الحسن أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهِ يُؤَيِّدُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الأَخِرَةِ مِن خَلَاقٍ).

стр. 1335

﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون
следующие страницы →