Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ قوله : ﴿واستبقا الباب﴾ أي أسرعا إليه , أما يوسف فأسرع إليه هرباً , وأما امرأة العزيز فأسرعت إليه طلباً. ﴿وقَدت قميصه من دبر﴾ لأنها أدركته وقد فتح بعض الأغلاق فجذبته من ورائه فشقت قميصه إلى ساقه , قال ابن عباس: وسقط عنه وتبعته. ﴿وألفيا سيدها لَدى الباب﴾ أي وجدا زوجها عند الباب. قال أبو صالح: والسيد هو الزوج بلسان القبط. ﴿قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلاّ أن يسجن أو عذابٌ أليمٌ﴾ هذا قولها لزوجها لتدفع الريبة عن نفسها بإلقائها على يوسف , ولو صدق حبها لم تفعل ذلك به ولآثرته على نفسها , ولكنها شهوة نزعت ومحبة لم تصف. وذلك أنه لما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر بالتكذيب عليه , ولو خلص من الشهوة لطلبت دفع الضرر عنه بالصدق. ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرىء نفسه بالصدق عليها , ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها. ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى
стр. 1647
شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب , فشهد شاهد من أهلها , أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة. وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه صبي أنطقه الله تعالى في مهده , قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير والضحاك. الثاني: أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنس ولا جن , قاله مجاهد. الثالث: أنه رجل حكيم من أهلها , قاله قتادة. قال السدي وكان ابن عمها. الرابع: أنه عنى شهادة القميص المقدود , قاله مجاهد أيضاً. ﴿إن كان قميصُه قد مِن قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ﴿وإن كان قميصه قد من دُبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ لأن الرجل إذا طلب المرأة كان مقبلاً عليها فيكون شق قميصه من قبله دليلاً على طلبه. وإذا هرب من المرأة كان مدبراً عنها فيكون شق قميصه من دبره دليلاً على هربه. وهذه إحدى الآيات الثلاث في قميصه: إن كان قُدَّ من دبر فكان فيه دليل على صدقه , وحين جاءوا على قميصه بدم كذب , وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً. ﴿فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ علم بذلك صدق يوسف فصدّقه وقال إنه من كيدكن. وفي الكيد هما وجهان: أحدهما: يعني به كذبها عليه.
стр. 1648
الثاني: أنه أراد السوء الذي دعته إليه. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنه الزوج , قاله محمد بن إسحاق. الثاني: أنه الشاهد , حكاه علي بن عيسى. قوله عزوجل: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أعرض عن هذا الأمر , قال قتادة: على وجه التسلية له في ارتفاع الإثم. الثاني: أعرض عن هذا القول , قاله ابن زيد على وجه التصديق له في البراءة من الذنب. ﴿واستغفري لذنبك﴾ هذا قول الملك لزوجه وهو القائل ليوسف أعرض عن هذا. وفيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن غيوراً فلذلك كان ساكتاً. الثاني: أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كفى بادرته وحلم عنها فأمرها بالاستغفار من ذنبها توبة منه وإقلاعاً عنه. ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ يعني من المذنبين , يقال لمن قصد الذنب خَطِىءَ , ولمن لم يقصده أخطأ , وكذلك في الصوب والصواب , قال الشاعر:
(لعمرك إنما خطئي وصوبي ... عليّ وإنما أهلكت مالي)
وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث.
стр. 1649
﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل
стр. 1650
ماء آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ قوله تعالى: ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ قال جويبر: كن أربعاً: امرأة الحاجب وامرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة القهرمان. قال مقاتل: وامرأة صاحب السجن وفي هذه المدينة قولان: أحدهما: مصر. الثاني: عين شمس. ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ قلن ذلك ذماً لها وطعناً فيها وتحقيقاً لبراءة يوسف وإنكاراً لذنبه. والعزيز اسم الملك مأخوذ من عزته , ومنه قول أبى داؤد:
(درة غاص عليها تاجر ... جلبت عند عزيز يوم طل)
﴿قد شغفها حبّاً﴾ أي قد دخل حبه من شغاف قلبها. وفي شغاف القلب خمسة أقاويل: أحدها: أنه حجاب القلب , قاله ابن عباس. الثاني: أنه غلاف القلب وهو جلدة رقيقة بيضاء تكون على القلب وربما سميت لباس القلب , قاله السدي وسفيان. الثالث: أنه باطن القلب , قاله الحسن , وقيل هو حبة القلب. الرابع: أنه ما يكون في الجوف , قاله الأصمعي. الخامس: هو الذعر والفزع الحادث عن شدة الحب , قاله إبراهيم. وقد قرىء في الشواذ عن ابن محيصن: قد شعفها حباً (بالعين غير معجمة) واختلف في الفرق بينهما على قولين:
стр. 1651
أحدهما: أن الشغف بالغين معجمة هو الجنون وبالعين غير معجمة هو الحب , قاله الشعبي. والثاني: أن الشغف بالإعجام الحب القاتل , والشعف بغير إعجام دونه , قاله ابن عباس وقال أبو ذؤيب:
(فلا وجْدَ إلا دُون وجْدٍ وجَدته ... أصاب شغافَ القلب والقلبُ يشغف)
﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾ فيه وجهان: أحدهما: في ضلال عن الرشد وعدول عن الحق. الثاني: معناه في محبة شديدة. ولما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر عن نفسها بالكذب عليه , ولو خلص من الشهوة طلبت دفع الضرر عنه بالصدق على نفسها. قوله : ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه ذمهن لها وإنكارهن عليها. الثاني: أنها أسرت إليهن بحبها له فأشعْن ذلك عنها. ﴿أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ﴾ وفي ﴿أعتدت﴾ وجهان: أحدهما: أنه من الإعداد. الثاني: أنه من العدوان. وفي (المُتْكَأ) ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المجلس , قاله ابن عباس والحسن. والثاني: أنه النمارق والوسائد يتكأ عليها , قاله أبو عبيدة والسدي. الثالث: أنه الطعام مأخوذ من قول العرب اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده , وأصله أن من دعي إلى طعام أُعد له متكأ فسمي الطعام بذلك متكأ على الاستعارة. فعلى هذا أي الطعام هو؟ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه الزُّماورد , قاله الضحاك وابن زيد.
стр. 1652
الثاني: أنه الأترج , قاله ابن عباس ومجاهد وهو وتأويل من قرأها مخففة غير مهموزة , والمتْك في كلامهم الأترج , قال الشاعر:
(نشرب الإثم بالصُّواع جهارا ... وترى المتك بيننا متسعارا)
والإثم: الخمر , والمتك: الأترج. الثالث: أنه كل ما يجز بالسكين وهو قول عكرمة لأنه في الغالب يؤكل على متكأ. الرابع: أنه كل الطعام والشراب على عمومه , وهو قول سعيد بن جبير وقتادة. ﴿وآتت كلَّ واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن﴾ وإنما دفعت ذلك إليهن في الظاهر معونة على الأكل , وفي الباطن ليظهر من دهشتهن ما يكون شاهداً عليهن. قال الزجاج: كان كالعبد لها فلم تمكنه أن يخرج إلا بأمرها. ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أعظمنه , قاله ابن عباس. الثاني: معناه وجدن شأنه في الحسن والجمال كبيراً , قال ابن بحر. الثالث: معناه: حضن عند رؤيته , وهو قول رواه عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس. وقيل: إن المرأة إذا جزعت أو خافت حاضت , وقد يسمى الحيض إكباراً , قال الشاعر:
(نأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكباراً)
стр. 1653
)
﴿وقطعن أيديهن﴾ دهشاً ليكون شاهداً عليهن على ما أضمرته امرأة العزيز فيهن. وفي قطع أيديهن وجهان: أحدهما: أنهن قطعن أيديهن حتى بانت. الثاني: أنهن جرحن أيديهن حتى دميت , من قولهم قطع فلان يده إذا جرحها. ﴿وقلن حاش لله﴾ بالألف في قراءة أبي عمرو ونافع في رواية الأصمعي وقرأ الباقون حاش لله بإسقاط الألف , ومعناهما واحد. وفي تأويل ذلك وجهان: أحدهما: معاذ الله , قاله مجاهد. الثاني: معناه سبحان الله , قاله ابن شجرة. وفي أصله وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم كنت في حشا فلا أي في ناحيته. والثاني: أنه مأخوذ من قولهم حاش فلاناً أى اعزله في حشا يعني في ناحية. ﴿ما هذا بشراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما هذا أهلاً للمباشرة. الثاني: ما هذا من جملة البشر. وفيه وجهان: أحدهما: لما علمهن من عفته وأنه لو كان من البشر لأطاعها. الثاني: لما شاهدن من حسنه البارع وجماله البديع ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ وقرىء ما هذا بشراً (بكسر الباء والشين) أى ما هذا عبداً مشترى إن هذا إلا ملك كريم , مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيماً لشأنه. قوله عزوجل ﴿قال رب السجن أحب إلىَّ مما يدعونني إليه﴾ وهذا يدل على أنها دعته إلى نفسها ثانية بعد ظهور حالهما , فقال: ﴿رب السجن أحب إلىَّ﴾ يعني
стр. 1654
الحبس في السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة وكنى عنها بخطاب الجمع إما تعظيماً لشأنها في الخطاب وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. الثاني: أنه أراد بذلك جماعة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حين شاهدنه لاستحسانهن له واستمالتهن لقلبه. ﴿وإِلَاّ تصرف عني كيدهن﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما دعي إليه من الفاحشة إذا أضيف ذلك إلى امرأة العزيز. الثاني: استمالة قلبه إذا أضيف ذلك إلى النسوة. ﴿أصْبُ إِليهن﴾ فيه وجهان: أحدهما: أتابعهن , قاله قتادة. الثاني: أمل إليهن , ومنه قول الشاعر:
(إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبي)
стр. 1655
﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ قوله تعالى: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ في الآيات التي رأوها وجهان: أحدهما: قدُّ القميص وحز الأيدي. الثاني: ما ظهر لهم من عفته وجماله حتى قلن ﴿ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم﴾. ﴿ليسجننه حتى حين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحين ها هنا ستة أشهر , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه سبع سنين , قاله عكرمة.
стр. 1656
الثالث: أنه زمان غير محدود , قاله كثير من المفسرين. وسبب حبسه بعد ظهور صِدْقه ما حكى السدي أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني وقال إني راودته عن نفسه , فإما أن تطلقني حتى أعتذر وإما أن تحبسه مثل ما حبستني , فحبسه.
стр. 1657
﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ قوله : ﴿ودخَلَ معه السجن فتيان﴾ قال ابن عباس: كان أحدهما خازن الملك على طعامه , وكان الآخر ساقي الملك على شرابه , وكان الملك وهو الملك الأكبر الوليد بن الرّيان قد اتهمهما بسمّه فحبسهما , فحكى مجاهد أنهما قالا ليوسف لما حُبسا معه: والله لقد أحببناك حين رأيناك , فقال يوسف: أنشدكما بالله أن أحببتماني فما أحبّني أحد إلا دخل عليّ من حبه
стр. 1658
بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي العزيز فدخل عليّ من حبها بلاء، لا أريد أن يحبني إلا ربي. وقال ﴿فتيان﴾ لأنهما كان عبدين , والعبد يسمى فتى صغيراً كان أم كبيراً. ﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحملُ فوق رأسي خُبزاً تأكل الطير منه﴾ وسبب قولهما ذلك ما حكاه ابن جرير الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا , فسألاه عن رؤياهما وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها قال مجاهد وابن إسحاق: وكذلك صدق تأويلها. روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً). الثاني: أنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجربة , فلما أجابهما قالا: إنما كنا نلعب فقال ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ وهذا معنى قول ابن مسعود والسدي. الثالث: أن المصلوب منهما كان كاذباً , والآخر صادقاً , قاله أبو مجلز. وقوله ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ أي عنباً. وفي تسميته خمراً وجهان: أحدهما: لأن عصيره يصير خمراً فعبر عنه بما يؤول إليه. الثاني: أن أهل عُمان يسمون العنب خمراً , قال الضحاك. وقرأ ابن مسعود: إني أراني أعصر عنباً. ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أنهم وصفوه بذلك لأنه كان يعود مريضهم ويعزي حزينهم ويوسع على من ضاق مكانه منهم , قاله الضحاك. الثاني: معناه لأنه كان يأمرهم بالصبر ويعدهم بالثواب والأجر.
стр. 1659
الثالث: إنا نراك ممن أحسن العلم. حكاه ابن جرير الطبري. الرابع: أنه كان لا يرد عذر معتذر. الخامس: أنه كان يقضي حق غيره ولا يقضي حق نفسه. السادس: إنا نراك من المحسنين إن أنبأتنا بتأويل رؤيانا هذه , قاله ابن إسحاق.
стр. 1660
﴿قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ قوله ﴿قَال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبّأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في اليقظة قاله السدي. الثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يصلكما لأنه كان يخبر بما غاب مثل عيسى , قاله الحسن. الثالث: أن الملك كان من عادته إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً وأرسل به إليه , فكره يوسف تعبير رؤيا السوء قبل الإياس من صاحبها لئلا يخوفه بها فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه , فلما ألحّ عليه عبرها , لئلا يخوفه بها فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه , فلما ألحَّ عليه عبرها , قاله ابن جريج. وكذلك روى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (من رأى رؤيا فلا يقصها إلا على حبيب أو لبيب).
стр. 1661
﴿ذلكما مما علمنى ربي﴾ يعني تأويل الرؤيا. ﴿إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾. وإنما عدل عن تأويل ما سألاه عنه لما كان فيها من الكرامة , وأخبر بترك ملة قوم لا يؤمنون تنبيهاً لهم على ثبوته وحثاً لهم على طاعة الله. قوله : ﴿ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ قال ابن عباس: من فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء , وعلى الناس أن بعثنا إليهم رسلاً. ويحتمل وجهاً آخر ذلك من فضل الله علينا في أن برأنا من الزنى , وعلى الناس من أن خلصهم من مأثم القذف.
стр. 1662
﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ قوله : ﴿ذلك الدين القيم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ذلك الدين المستقيم , قاله السدي. الثاني: الحساب البيّن , قاله مقاتل بن حيان. الثالث: يعني القضاء الحق , قاله ابن عباس.
стр. 1663
﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾
стр. 1664
قوله : ﴿يا صاحبي السجين أما أحدكما فيسقي ربه خمراً﴾ وهو الذي قال: إني أراني أعصر خمراً , بشره بالنجاة وعوده إلى سقي سيده خمراً لأنه كان ساقيه. ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وهو الذي قال ﴿إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه﴾ فأنذره بالهلكة وكان خباز الملك , قال ابن جرير: وكان اسمه مجلثاً , واسم الساقي نبواً. فلما سمع الهالك منهما تأويل رؤياه قال: إنما كنا نلعب. قال ﴿قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ فيه وجهان: أحدهما: قضي السؤال والجواب. الثاني: سيقضى تأويله ويقع. فإن قيل: فكيف قطع بتأويل الرؤيا وهو عنده ظن من طريق الاجتهاد الذي لا يقطع فيه؟ ففيه وجهان: أحدهما: يجوز أن يكون قاله عن وحي من الله تعالى. الثاني: لأنه نبي يقطع بتحقيق ما أنطقه الله تعالى وأجراه على لسانه , بخلاف من ليس بنبي.
стр. 1665
﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ قوله : ﴿وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني للذي علم أنه ناج , فعبر عن العلم بالظن , قاله ابن شجرة. الثاني: أنه ظن ذلك من غير يقين. وفي ظنه وجهان: أحدهما: لأن عبارة الرؤيا بالظن فلذلك لم يقطع به , قاله قتادة. الثاني: أنه لم يتيقن صدقهما في الرؤيا فكان الظن في الجواب لشكه في صدقهما.
стр. 1666
﴿اذكرني عند ربك﴾ أي عند سيدك يعني الملك الأكبر الوليد بن الريان تأميلاً للخلاص إن ذكره عنده. ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربِّه﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الذي نجا منهما أنساه الشيطان ذكر يوسف عند سيده حتى رأى الملك الرؤيا قاله محمد بن إسحاق. الثاني: أن يوسف أنساه الشياطن ذكر ربه في الاستغاثة به والتعويل عليه. روى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث). ﴿فلبث في السِّجن بضع سنين﴾ قال ابن عباس: عوقب يوسف بطول السجن بضع سنين لما قال للذي نجا منهما اذكرني عند ربك , ولو ذكر يوسف ربه لخلصه. وفي (البضع) أربعة أقاويل: أحدها: من ثلاث إلى سبع , وهذا قول أبي بكر الصديق وقطرب. الثاني: من ثلاث إلى تسع , قاله مجاهد والأصمعي. الثالث: من ثلاث إلى عشر , قاله ابن عباس. الرابع: ما بين الثلاث إلى الخمس , حكاه الزجاج. قال الفراء: والبِضع لا يذكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين , ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجوناً ثلاثة أقاويل: أحدها: سبع سنين , قاله ابن جريج وقتادة. الثاني: أنه لبث اثنتي عشرة سنة , قاله ابن عباس. الثالث: لبث أربعة عشرة سنة , قاله الضحاك , وإنما البضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله.
стр. 1667
وقال وهب: حبس يوسف سبع سنين , ومكث أيوب في البلاء سبع سنين. قال الكلبي: حبس سبع سنين بعد الخمس السنين التي قال فيها ﴿اذكرني عند ربك﴾.
стр. 1668
﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ قوله : ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ سمان ... ﴾ الآية. وهذه الرؤيا رآها الملك الأكبر الوليد بن الريان وفيها لطف من وجهين: أحدهما: أنها كانت سبباً لخلاص يوسف من سجنه. الثاني: أنها كانت نذيراً بجدب أخذوا أهبته وأعدوا له عدته. ﴿يا أيها الملأ افتوني في رؤياي﴾ وذلك أن الملك لما لم يعلم تأويل رؤياه نادى بها في قومه ليسمع بها من يكون عنده عِلْمٌ بتأويلها فيعبرها له. قوله : ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أخلاط أحلام , قاله معمر وقتادة.
стр. 1669
الثاني: ألوان أحلام , قاله الحسن. الثالث: أهاويل أحلام قاله مجاهد. الرابع: أكاذيب أحلام , قاله الضحاك. وفيه خامس: شبهة أحلام , قاله ابن عباس. قال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا , ومنه قول الشاعر:
٨٩ (كضغث حلم عُزَّ منه حالمُه.﴾ ٩
وروى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب). وفي تقارب الزمان وجهان: أحدهما: أنه استواء الليل والنهار لأنه وقت اعتدال تنفتق فيه الأنوار وتطلع فيه الثمار فكان أصدق الزمان في تعبير الرؤيا. الثاني: أنه آخر الزمان وعند انتهاء أمده. والأضغاث جمع واحده ضغث والضغث الحزمة من الحشيش المجموع بعضه إلى بعض وقيل هو ملء الكف , ومنه قوله تعالى: ﴿خذ بيدك ضغثاً﴾ وقال ابن مقبل.
(خَوْذٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ ... أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالِ)
والأحلام جمع حُلم , والحُلم الرؤيا في النوم , وأصله الأناة , ومنه الحلم ضد الطيش فقيل لما يرى في النوم حلم لأنها حال أناة وسكون. ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ فدل ذلك على أنه ليس التأويل الأول مما تؤؤل به الرؤيا هو الحق المحكوم به لأن يوسف عرفهم تأويلها بالحق , وإنما قال يوسف للغلامين ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ لأنه منه نذير نبوة. ويجوز أن يكون
стр. 1670
الله تعالى صرف هؤلاء عن تفسير هذه الرؤيا لطفاً بيوسف ليتذكر الذي نجا منهما حاله فتدعوهم الحاجة إليه فتكون سبباً لخلاصه. قوله : ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بَعْدَ أمة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني بعد حين , قاله ابن عباس. الثاني: بعد نسيان , قاله عكرمة. الثالث: بعد أمة من الناس , قاله الحسن. قال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة , وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة وجمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. وقرىء ﴿وادّكر بعد أمَةٍ﴾ بفتح الألف وتخفيف الميم , والأمه: بالتخفيف النسيان. ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ أي أخبركم بمن عنده علم بتأويله ثم لم يذكره لهم. قال ابن عباس: لم يكن السجن بالمدينة فانطلق إلى يوسف حين أذن له وذلك بعد أربع سنين بعد فراقه. قوله : ﴿يوسف أيها الصديق أفتنا﴾ احتمل تسميته بالصديق وجهين: أحدهما: لصدقه في تأويل رؤياهما. الثاني: لعلمه بنبوته. والفرق بين الصادق والصديق أن الصادق في قوله بلسانه , والصديق من تجاوز صدقه لسانه إلى صدق أفعاله في موافقة حاله لا يختلف سره وجهره , فصار كل صدّيق صادقاً وليس كل صادق صدّيقاً. ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ قال قتادة: هي السنون المخصبات. ﴿يأكلهن سبع عجافٌ﴾ قال قتادة: هي السنون المجدبات. ﴿وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات﴾ والخضر الخصب لأن الأرض بنباتها
стр. 1671
خضراء , واليابسات هي الجدب لأنّ الأرض فيه يابسة , كما أن ماشية الخصب سمان , وماشية الجدب عجاف. ﴿لعلي أرجع إلى الناس﴾ أي لكي أرجع إلى الناس وهو الملك وقومه , ويحتمل أن يريد الملك وحده فعبر عنه بالناس تعظيماً له. ﴿ولعلهم يعلمون﴾ لأنه طمع أن يعلموا وأشفق أن لا يعلموا , فلذلك قال ﴿لعلهم يعلمون﴾ يعني تأويلها. ولم يكن ذلك منه شكاً في علم يوسف. لأنه قد وقر في نفسه علمه وصدقه , ولكن تخوف أحد أمرين إما أن تكون الرؤيا كاذبةً , وإما ألاّ يصدقوا تأويلها لكراهتهم له فيتأخر الأمر إلى وقت العيان. قوله : ﴿قال تزرعون سبع سنين دأباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني تباعاً متوالية. الثاني: يعني العادة المألوفة في الزراعة. ﴿فما حصدتم فذروه في سُنْبُلهِ إلا قليلاً مما تأكلون﴾ يعني فيخرج من سنبله لأن ما في السنبل مدخر لا يؤكل , وهذا القول منه أمر , والأول خبر , ويجوز لكونه نبياً أن يأمر بالمصالح , ويجوز أن يكون القول الأول أيضاً أمراً وإن كان الأظهر منه أنه خبر. قوله : ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شداد﴾ يعني المجدبات لشدتها على أهلها. وحكى زيد بن أسلم عن أبيه أن يوسف كان يصنع طعام اثنين فيقربه إلى رجل فيأكل نصفه ويدع نصفه , حتى إذا كان يوماً قربه له فأكله كله , فقال يوسف: هذا أول يوم السبع الشداد. ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ يعني تأكلون فيهن ما ادخرتموه لهن. ﴿إلا قليلاً مما تحصنون﴾ فيه وجهان: أحدهما: مما تدخرون , قاله قتادة. الثاني: مما تخزنون في الحصون. ويحتمل وجهاً ثالثاً: إلا قليلاً مما تبذرون لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات.
стр. 1672
قوله : ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس﴾ فيه وجهان: أحدهما: يغاثون بنزول الغيث , قاله ابن عباس. الثاني: يغاثون بالخصب , حكاه ابن عيسى. ﴿وفيه يعصرون﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعصرون العنب والزيتون من خصب الثمار , قاله مجاهد وقتادة. الثاني: أي فيه يجلبون المواشي من خصب المراعي , قاله ابن عباس. الثالث: يعصرون السحاب بنزول الغيث وكثرة المطر , من قوله تعالى ﴿وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤]. قاله عيسى بن عمر الثقفي. الرابع: تنجون , مأخوذ من العُصْرة وهي المنجاة , قاله أبو عبيدة والزجاج , ومنه قول الشاعر:
(صادياً يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عُصْرَة المنجود)
الخامس: تحسنون وتفضلون , ومنه قول الشاعر:
(لو كان في أملاكنا ملك ... يعصر فينا مثل ما تعصر)
أي يحسن: وهذا القول من يوسف غير متعلق بتأويل الرؤيا وإنما هو استئناف خبر أطلقه الله تعالى عليه من آيات نبوته.
стр. 1673
﴿وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ قوله : ﴿وقال الملك ائتوني به﴾ يعني يوسف ﵇.
стр. 1674
﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك﴾ يعني الملك. ﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ وإنما توقف عن الخروج مع طول حبسه ليظهر للملك عذره قبل حضوره فلا يراه مذنباً ولا خائناً. فروى أبو الزناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (يرحم الله يوسف إنه كان ذا أناةٍ لو كنت أنا المحبوس ثم أُرسل لخرجت سريعاً). وفي سؤاله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ثلاثة أوجه: أحدها: أن في سؤاله عنها ظنَّةً ربما صار بها متهماً. والثاني: صيانة لها لأنها زوج الملك فلم يتبذلها بالذكر. الثالث: أنه أرادهن دونها لأنهن الشاهدات له عليها. ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه إن الله بكيدهن عليم. الثاني: أن سيدي الذي هو العزيز بكيدهن عليم. قوله : ﴿قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ فهذا سؤال الملك قد تضمن تنزيه يوسف لما تخيله من صدقه لطفاً من الله تعالى به حتى لا تسرع واحدة منهن إلى التكذب عليه. وفي قوله: ﴿راودتن﴾ وإن كانت المراودة من إحداهن وجهان: أحدهما: أن المراودة كانت من امرأة العزيز وحدها فجمعهن في الخطاب وإن توجه إليها دونهن احتشاماً لها. الثاني: أن المراودة كانت من كل واحدة منهن. ﴿قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوءٍ﴾ فشهدن له بالبراءة من السوء على علمهن لأنها شهادة على نفي , ولو كانت شهادتهن على إثبات لشهدن قطعاً، وهكذا
стр. 1675
حكم الله تعالى في الشهادات أن تكون على العلم في النفي , وعلى القطع في الإثبات. ﴿قالت امرأة العزيز الآنَ حصحص الحق﴾ معناه الآن تبين الحق ووضح , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وأصله مأخوذ من قولهم حَصّ شعره إذا استأصل قطعه فظهرت مواضعه ومنه الحصة من الأرض إذا قطعت منها. فمعنى حصحص الحق أي انقطع عن الباطل بظهوره وبيانه. وفيه زيادة تضعيف دل عليها الاشتقاق مثل قوله: (كبوا , وكبكبوا) قاله الزجاج. وقال الشاعر:
(ألا مبلغ عني خداشاً فإنه ... كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم)
﴿أنا راودته عن نفسه , وإنه لمن الصادقين﴾ وهذا القول منها وإن لم تسأل عنه إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف ونزاهته لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه , فجمع الله تعالى ليوسف في إظهار صدقه الشهادة والإقرار حتى لا يخامر نفساً ظن ولا يخالجها شك. قوله : ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قول امرأة العزيز عطفاً على ما تقدم , ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب , يعني الآن في غيبه بالكذب عليه وإضافة السوء إليه لأن الله لا يهدي كيد الخائنين , حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه قول يوسف بعد أن علم بظهور صدقه , وذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب عنه في زوجته , قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي. ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ معناه وأن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم.
стр. 1676
﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور
стр. 1677
رحيم وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ قوله : ﴿وما أبرىء نفسي﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قول العزيز أي وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. ﴿إنَّ النفس لأمارة بالسوء﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الأمارة بسوء الظن. الثاني: بالاتهام عند الارتياب. ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إلَاّ ما رحم ربي إن كفاه سوء الظن. الثاني: أن يثنيه حتى لا يعمل. فهذا تأويل من زعم أنه قول العزيز. الوجه الثاني: أنه قول امرأة العزيز وما أبرىء نفسي إن كنت راودت يوسف عن نفسه لأن النفس باعثة على السوء إذا غلبت الشهوة عليها. ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إلا ما رحم ربي من نزع شهوته منه. الثاني: إلا ما رحم ربي في قهره لشهوة نفسه , فهذا تأويل من زعم أنه من قول امرأة العزيز. الوجه الثاني: أنه من قول يوسف , واختلف قائلو هذا في سببه على أربعة أقاويل: أحدها: أن يوسف لما قال ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ قالت امرأة العزيز: ولا حين حللت السراويل؟ فقال: وما أبريء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء، قاله السدي.
стр. 1678
الثاني: أن يوسف لما قال ذلك غمزه جبريل ﵇ فقال: ولا حين هممت؟ فقال ﴿وما أُبريء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء﴾ قاله ابن عباس. الثالث: أن الملك الذي مع يوسف قال له: اذكر ما هممت به , فقال: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء﴾ قاله قتادة. الرابع: أن يوسف لما قال ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال ﴿وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ قاله الحسن. ويحتمل قوله ﴿لأمارة بالسوء﴾ وجهين: أحدهما: يعني أنها مائلة إلى الهوى بالأمر بالسوء. الثاني: أنها تستثقل من عزائم الأمور ما إن لم يصادف حزماً أفضت إلى السوء. قوله : ﴿وقال الملك ائتوني به اسْتخلصه لنفسي﴾ وهذا قول الملك الأكبر لما علم أمانة يوسف اختاره ليستخلصه لنفسه في خاص خدمته. ﴿فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ لأنه استدل بكلامه على عقله , وبعصمته على أمانته فقال: ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ وهذه منزلة العاقل العفيف. وفي قوله ﴿مكين﴾ وجهان: أحدهما: وجيه , قاله مقاتل. الثاني: متمكن في المنزلة الرفيعة. وفي قوله ﴿أمين﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بمعنى آمن لا تخاف العواقب , قاله ابن شجرة. الثاني: أنه بمعنى مأمون ثقة , قاله ابن عيسى. الثالث: حافظ , قاله مقاتل. قوله : ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض﴾ أي على خزائن أرضك , وفيها قولان:
стр. 1679
أحدهما: هو قول بعض المتعمقة أن الخزائن ها هنا الرجال , لأن الأفعال والأقوال مخزونة فيهم فصاروا خزائن لها. الثاني: وهو قول أصحاب الظاهر أنها خزائن الأموال , وفيها قولان: أحدهما: أنه سأله جميع الخزائن , قاله ابن زيد. الثاني: أنه سأله خزائن الطعام , قاله شيبة بن نعامة الضبي. وفي هذا دليل على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً وهو بحقوقه وشروطه قائم. فيما حكى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: نزعني عمر بن الخطاب عن عمل البحرين ثم دعاني إليها فأبيت , فقال: لم؟ وقد سأل يوسف العمل. فإن كان المولي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إن عمل بالحق فيما تقلده , لأن يوسف ﵇ ولي من قبل فرعون , ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: لا يجوز ذلك له لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم وتزكيتهم بتنفيذ أعمالهم.
стр. 1680
وأجاب من ذهب إلى هذا القول عن ولايته من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً , وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله فزالت عنه التبعة فيه. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات فيجوز توليته من جهة الظالمين لأن النص على متسحقيه قد أغنى عن الاجتهاد فيه , وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التنفيذ. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الإجتهاد في مصرفه كأموال الفيء فلا يجوز توليته من جهة الظالم لأنه يتصرف بغير حقٍ ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه أهله وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام , فعقد التقليد فيه محلول , فإن كان النظر تننفيذاً لحكم بين متراضيين أو توسطاً بين مجبورين جاز , وإن كان إلزام إجبار لم يجز. ﴿إني حفيظ عليم﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني , قاله ابن زيد. الثاني: حفيظ بالكتاب , عليم بالحساب , حكاه ابن سراقة , وأنه أول من كتب في القراطيس. الثالث: حفيظ بالحساب , عليم بالألسن , قاله الأشجع عن سفيان. الرابع: حفيظ لما وليتني , قاله قتادة , عليم بسني المجاعة , قاله شيبة الضبي.
стр. 1681
وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل , وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ولكن مخصوص فيما اقترن بوصلة أو تعلق بظاهر من مكسب وممنوع منه فيما سواه لما فيه من تزكية ومراءاة , ولو تنزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله , فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ولما يرجوه من الظفر بأهله.
стр. 1682
﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ قوله : ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض﴾ قال ابن جرير الطبري: استخلصه الملك الأكبر الوليد بن الريان على عمل إظفير وعزله. قال مجاهد: وأسلم على يده. قال ابن عباس: ملك بعد سنة ونصف. فروى مقاتل أن النبي ﷺ قال: (لو أن يوسف قال: إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته ذلك). ثم مات إظفير فزوّجه الملك بامرأة إظفير راعيل , فدخل بها يوسف فوجدها عذراء وولدت له ولدين أفرائيم ومنشا ابني يوسف. ومن زعم أنها زليخا قال لم يتزوجها يوسف وأنها لما رأته في موكبه بكت , ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بالمعصية , وجعل العبيد بالطاعة ملوكاً , فضمها إليه فكانت في عياله حتى ماتت عنده ولم يتزوجها. ﴿يتبوَّأ منها حيث يشاء﴾ فيه وجهان:
стр. 1683
أحدهما: يتخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء , قاله سعيد بن جبير. الثاني: يصنع في الدنيا ما يشاء لتفويض الأمر إليه , قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ يعني في الدنيا بالرحمة والنعمة. ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ يعني في الآخرة بالجزاء. ومنهم من حملها على الدنيا , ومنهم من حملها على الآخرة , والأصح ما قدمناه. واختلف فيما أوتيه من هذا الحال على قولين: أحدهما: ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني: أنه أنعم بذلك عليه تفضلاً منه , وثوابه باقٍ على حاله في الآخرة. قوله ﴿ولأجر الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا من أجر الدنيا , لأن أجر الآخرة دائم , وأجر الدنيا منقطع. الثاني: ولأجر الآخرة خير ليوسف من التشاغل بملك الدنيا ونعيمها لما فيه من التبعة.
стр. 1684
﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون﴾ قوله : ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه﴾ الآية. قال ابن إسحاق والسدي: وإنما جاءُوا ليمتاروا من مصر في سني القحط التي ذكرها يوسف في تفسير الرؤيا , ودخلوا على يوسف لأنه كان هو الذي يتولى بيع الطعام لعزته. ﴿فعرفهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عرفهم حين دخلوا عليه من غير تعريف , قاله ابن عباس.
стр. 1685
الثاني: ما عرفهم حتى تعرفوا إليه فعرفهم , قاله الحسن. وقيل بل عرفهم بلسانهم العبراني حين تكلموا به. قال ابن عباس: إنما سميت عبرانية لأن إبراهيم ﵇ عبر بهم فلسطين فنزل من وراء نهر الأردن فسمّوا العبرانية. ﴿وهم له منكرون﴾ لأنه فارقوه صغيراً فكبر , وفقيراً فاستغنى , وباعوه عبداً فصار ملكاً , فلذلك أنكروه , ولم يتعرف إليهم ليعرفوه. قوله : ﴿ولمّا جهزهم بجهازهم﴾ وذلك أنه كال لهم الطعام , قال ابن إسحاق: وحمل لكل رجل منهم بعيراً بعدَّتهم. ﴿قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم﴾ قال قتادة: يعني بنيامين وكان أخا يوسف لأبيه وأمه. قال السدي: أدخلهم الدار وقال: قد استربت بكم تنكر عليهم فأخبروني من أنتم فإني أخاف أن تكونوا عيوناً , فذكروا حال أبيهم وحالهم وحال يوسف وحال أخيه وتخلفه مع أبيه , فقال: إن كنتم صادقين فائتوني بهذا الأخ الذي لكم من أبيكم , وأظهر لهم أنه يريد أن يستبرىء به أحوالهم. وقيل: بل وصفوا له أنه أحَبُّ إلى أبيهم منهم , فأظهر لهم محبة رؤيته. ﴿ألا تروْن أني أوفي الكيلَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أرخص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل. الثاني: أنه كال لهم بمكيال واف. ﴿وأنا خير المنزلين﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني خير المضيفين , قاله مجاهد. الثاني: وهو محتمل , خير من نزلتم عليه من المأمونين. فهو على التأويل الأول مأخوذ من النزل وهو الطعام , وعلى التأويل الثاني مأخوذ من المنزل وهو الدار.
следующие страницы →