← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

سورة يوسف مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة إلاّ أربع آيات منها. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 1612

﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ قوله عزوجل: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنها الآيات المتقدم ذكرها في السورة التي قبلها. الثاني: الآيات التي في هذه السورة , ويكون معنى قوله تعالى ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين. الثالث: أن تلك الآيات إشارة إلى ما افتتحت به السورة من الحروف وأنها علامات الكتاب العربي , قاله ابن بحر. وفي قوله تعالى: ﴿الكتاب المبين﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: المبين حلاله وحرامه , قاله مجاهد. الثاني: المبين هداه ورشده , قاله قتادة. الثالث: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف , قاله معاذ.

стр. 1613

قوله : ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنا أنزلنا الكتاب قرآناً عربياً بلسان العرب , وهو قول الجمهور. الثاني: إنا أنزلنا خبر يوسف قرآناً , أي مجموعاً عربياً أي يعرب عن المعاني بفصيح من القصص وهو شاذ. ﴿لعلكم تعقلون﴾. ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ أي نبين لك أحسن البيان , والقاصّ الذي يأتي بالقصة على حقيقتها.

стр. 1614

﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ قوله : ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحَدَ عشر كوكباً والشمس والقمر﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه رأى إخوته وأبويه ساجدين له فثنى ذكرهم , وعنى بأحد عشر كوكباً إخوته وبالشمس أباه يعقوب , وبالقمر أمه راحيل رآهم له ساجدين , فعبر عنه بما ذكره , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فتأول الكواكب إخوته , والشمس أباه , والقمر أمه , وهو قول الأكثرين. وقال ابن جريج: الشمس أمه والقمر أبوه , لتأنيث الشمس وتذكير القمر. وروى السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1615

رجلٌ من اليهود يقال له بستانة فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رأها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها , فسكت رسول الله ﷺ ولم يجب بشيء , فنزل عليه جبريل بأسمائها قال فبعث رسول الله ﷺ إليه وقال (أنت تؤمن إن أخبرتك بأسمائها) فقال نعم , فقال: (جريان , والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس والوثّاب والعمودان والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور) فقال اليهودي: بلى والله إنها لأسماؤها. وفي إعادة قوله ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ وجهان: أحدهما: تأكيداً للأول لبعد ما بينهما قاله الزجاج. الثاني: أن الأول رؤيته لهم والثاني رؤيته لسجودهم. وفي قوله ﴿ساجدين﴾ وجهان: أحدهما: أنه السجود المعهود في الصلاة إعظاماً لا عبادة. الثاني: أنه رآهم خاضعين فجعل خضوعهم سجوداً , كقول الشاعر: ( ... ... ... ... ... ترى الأكم فيه سُجّداً للحوافر)

стр. 1616

﴿قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ وقيل إنه كان له عند هذه الرؤيا سبع عشرة سنة , قال ابن عباس: رأى هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر , فلما قصها على يعقوب أشفق عليه من حسد

стр. 1617

إخوته فقال: يا بني هذه رؤيا الليل فلا يعول عليها , فلما خلا به ﴿قا يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين﴾. وفي تسميته بيوسف قولان: أحدهما: أنه اسم أعجمي. الثاني: أنه عربي مشتق من الأسف , والأسف في اللغة الحزن.

стр. 1618

﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم﴾ قوله : ﴿وكذلك يجتبيك ربك﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بحسن الخَلق والخُلق. الثاني: بترك الإنتقام. الثالث: بالنبوة , قاله الحسن. ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: عبارة الرؤيا , قاله مجاهد. الثاني: العلم والحكمة , قاله ابن زيد. الثالث: عواقب الأمور , ومنه قول الشاعر: (وللأحبة أيام تذكّرُها ... وللنوى قبل يوم البيْن تأويل) ﴿ويتم نعمته عليك﴾ فيه وجهان: أحدهما: باختيارك للنبوة. الثاني: بإعلاء كلمتك وتحقيق رؤياك , قال مقاتل. وفيه وجه ثالث: أن أخرج إخوته إليه حتى أنعم عليهم بعد إساءتهم إليه. ﴿وعلى آل يعقوب﴾ بأن جعل فيهم النبوة.

стр. 1619

﴿كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق﴾ قال عكرمة: فنعمته على إبراهيم أن أنجاه من النار , وعلى إسحاق أن أنجاه من الذبح.

стр. 1620

﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾ قوله : ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين﴾ في هذه الآيات وجهان: أحدهما: أنها عِبَرٌ للمعتبرين. الثاني: زواجر للمتقين. وفيها من يوسف وإخوته أربعة أقاويل: أحدها: ما أظهره الله تعالى فيه من عواقب البغي عليه. الثاني: صدق رؤياه وصحة تأويله. الثالث: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى سلم من المعصية وقام بحق الأمانة. الرابع: الفرج بعد شدة الإياس. قال ابن عطاء: ما سمع سورة يوسف محزون إلا استروح إليها. قوله : ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا مِنّا﴾ وأخوه بنيامين وهما أخوان لأب وأم , وكان يعقوب قد كلف بهما لموت أمهما وزاد في المراعاة لهما , فذلك سبب حسدهم لهما , وكان شديد الحب ليوسف , فكان الحسد له أكثر , ثم رأى الرؤيا فصار الحسد له أشد.

стр. 1621

﴿ونحن عصبة﴾ وفي العصبة أربعة أقاويل: أحدها: أنها ستة أو سبعة , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنها من عشرة إلى خمسة عشر , قاله مجاهد. الثالث: من عشرة إلى أربعين , قاله قتادة الرابع: الجماعة , قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لفي خطأ من رأيه , قال ابن زيد. الثاني: لفي جور من فعله , قال ابن كامل. الثالث: لفي محبة ظاهرة , حكاه ابن جرير. وإنما جعلوه في ضلال مبين لثلاثة أوجه: أحدها: لأنه فضّل الصغير على الكبير. الثاني: القليل على الكثير. الثالث: من لا يراعي ما له على من يراعيه. واختلف فيهم هل كانوا حينئذ بالغين؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا بالغين مؤمنين ولم يكونوا أنبياء بعد لأنهم قالوا ﴿يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ وهذه

стр. 1622

حالة لا تكون إلا من بالغ , وقال آخرون: بل كانوا غير بالغين لأنهم قالوا ﴿أرسله معنا غداً نرتع ونلعب﴾ وإنما استغفروه بعد البلوغ. قوله : ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: اطرحوه أرضاً لتأكله السباع. الثاني: ليبعد عن أبيه. ﴿يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم أرادوا صلاح الدنيا لا صلاح الدين , قاله الحسن. الثاني: أنهم أرادوا صلاح الدين بالتوبة , قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنهم أرادوا صلاح الأحوال بتسوية أبيهم بينهم من غير أثرة ولا تفضيل. وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. قوله : ﴿قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف﴾ اختلف في قائل هذا منهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه روبيل وهو أكبر إخوة يوسف وابن خالته , قاله قتادة. الثاني: أنه شمعون , قاله مجاهد. الثالث: أنه يهوذا , قال السدي. ﴿وألقُوه في غيابة الجُبِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني قعر الجب وأسفله. الثاني: ظلمه الجب التي تغيّب عن الأبصار ما فيها , قاله الكلبي. فكان رأس الجب ضيقاً وأسفله واسعاً. أحدهما: لأنه يغيب فيه خبره. وفي تسميته ﴿غيابة الجب﴾ وجهان: الثاني: لأنه يغيب فيه أثره , قال ابن أحمر:

стр. 1623

(ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثٍ ... إلى ذاك ما قد غيبتني غيابيا) وفي ﴿الجب﴾ قولان: أحدهما: أنه اسم بئر في بيت المقدس , قاله قتادة. الثاني: أنه بئر غير معينة , وإنما يختص بنوع من الآبار قال الأعشى: (لئن كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم) وفيما يسمى من الآبار جباً قولان: أحدهما: أنه ما عظم من الآبار سواء كان فيه ماء أو لم يكن. الثاني: أنه ما لا طيّ له من الآبار , قال الزجاج , وقال: سميت جبًّا لأنها قطعت من الأرض قطعاً ولم يحدث فيها غير القطع. ﴿يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾ معنى يلتقطه يأخذه , ومنه اللقطة لأنها الضالة المأخوذة. وفي ﴿السيارة﴾ قولان: أحدهما: أنهم المسافرون سُموا بذلك لأنهم يسيرون. الثاني: أنهم مارة الطريق , قاله الضحاك.

стр. 1624

﴿قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون﴾ قوله : ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: نلهو ونلعب , قاله الضحاك. الثاني: نسعى وننشط , قاله قتادة. الثالث: نتحارس فيحفظ بعضنا بعضاً ونلهو , قاله مجاهد. الرابع: نرعى ونتصرف , قاله ابن زيد , ومنه قول الفرزدق. (راحت بمسلمة البغالُ مودعاً ... فارعي فزارة لا هناك المرتع)

стр. 1625

الخامس: نطعم ونتنعم مأخوذ من الرتعة وهي سعة المطعم والمشرب , قاله ابن شجرة وأنشد قول الشاعر: (أكُفراً بعد رَدّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرِّتاعا) أي الراتعة لكثرة المرعى. ولم ينكر عليهم يعقوب ﵇ اللعب لأنهم عنوا به ما كان مباحاً.

стр. 1626

﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون﴾ قوله : ﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخافُ أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك لخوفه منهم عليه , وأنه أرادهم بالذئب , وخوفه إنما كان من قتلهم له فكنى عنهم بالذئب مسايرة لهم , قال ابن عباس فسماهم ذئاباً. والقول الثاني: ما خافهم عليه , ولو خافهم ما أرسله معهم , وإنما خاف الذئب لأنه أغلب ما يخاف منه من الصحارى. وقال الكلبي: بل رأى في منامه أن الذئب شَدّ على يوسف فلذلك خافه عليه.

стр. 1627

﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ ﴿وأوحينا إليه﴾ فيه وجهان:

стр. 1628

أحدهما: يعني وألهمناه , كما قال تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧]. الثاني: أن الله تعالى أوحى إليه وهو في الجب , قاله مجاهد وقتادة. ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا , فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجب تبشيراً له بالسلامة. الثاني: أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به , فعلى هذا يكون الوحي قبل إلقائه في الجب إنذاراً له. ﴿وهم لا يشعرون﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يشعرون بأنه أخوهم يوسف , قاله قتادة وابن جريج. الثاني: لا يشعرون بوحي الله تعالى له بالنبوة , قاله ابن عباس ومجاهد.

стр. 1629

﴿وجاؤوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ قوله : ﴿قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق﴾ وهو نفتعل من السباق وفيه أربعة أوجه: أحدها: معناه ننتصل , من السباق في الرمي , قاله الزجاج. الثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على أقدامهم. الثالث: أنهم عنوا استباقهم في العمل الذي تشاغلوا به من الرعي والاحتطاب. الرابع: أي نتصيد وأنهم يستبقون على اقتناص الصيد. ﴿وتركنا يوسف عند متاعنا﴾ يحتمل أن يعنوا بتركه عند متاعهم إظهار الشفقة عليه , ويحتمل أن يعنوا حفظ رحالهم.

стр. 1630

﴿فأكله الذئب﴾ لما سمعوا أباهم يقول: وأخاف أن يأكله الذئب أخذوا ذلك من فيه وتحرّموا به لأنه كان أظهر المخاوف عليه. ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ أي بمصدق لنا. ﴿ولو كنا صادقين﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه لم يكن ذلك منهم تشكيكاً لأبيهم في صدقهم وإنما عنوا: ولو كنا أهل صدق ما صدقتنا , قاله ابن جرير. الثاني: معناه وإن كنا قد صدقنا , قاله ابن إسحاق. قوله عزوجل: ﴿وجاءُوا على قميصه بدمٍ كذب﴾ قال مجاهد: كان دم سخلة. وقال قتادة: كان دم ظبية. قال الحسن: لما جاءُوا بقميص يوسف فلم ير يعقوب فيه شقاً قال: يا بني والله ما عهدت الذئب حليماً أيأكل ابني ويبقي على قميصه. ومعنى قوله ﴿بدم كذب﴾ أي مكذوب فيه , ولكن وصفه بالمصدر فصار تقديره بدم ذي كذب. وقرأ الحسن ﴿بدم كذب﴾ بالدال غير معجمة , ومعناه بدم متغير قاله الشعبي. وفي القميص ثلاث آيات: حين جاءُوا عليه بدم كذب , وحين قُدَّ قميصه من دُبر , وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيراً. ﴿قال بل سوَّلت لكن أنفسكم أمراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: بل أمرتكم أنفسكم , قاله ابن عباس. الثاني: بل زينت لكم أنفسكم أمراً , قاله قتادة. وفي ردّ يعقوب عليهم وتكذيبه لهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان ذلك بوحي من الله تعالى إليه بعد فعلهم.

стр. 1631

الثاني: أنه كان عنده علم بذلك قديم أطلعه الله عليه. الثالث: أنه قال ذلك حدساً بصائب رأيه وصدق ظنه. قال ترضيه لنفسه ﴿فصبر جميل﴾ فاحتمل ما أمر به نفسه من الصبر وجهين: أحدهما: الصبر على مقابلتهم على فعلهم فيكون هذا الصبر عفواً عن مؤاخذتهم. الثاني: أنه أمر نفسه بالصبر على ما ابتُلي به من فقد يوسف. وفي قوله: ﴿فصبرٌ جميل﴾ وجهان: أحدهما: أنه بمعنى أن من الجميل أن أصبر. الثاني: أنه أمر نفسه بصبر جميل. وفي الصبر الجميل وجهان: أحدهما: أنه الصبر الذي لا جزع فيه قاله مجاهد. الثاني: أنه الصبر الذي لا شكوى فيه. روى حباب بن أبي حبلة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى ﴿فصبر جميل﴾ فقال: (صبر لا شكوى فيه , ومن بث لم يصبر). ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: والله المستعان على الصبر الجميل. الثاني: والله المستعان على احتمال ما تصفون. الثالث: يعني على ما تكذبون , قاله قتادة. قال محمد بن إسحاق: ابتلى الله يعقوب في كبره , ويوسف في صغره لينظر كيف عزمهما.

стр. 1632

﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين﴾

стр. 1633

قوله : ﴿وجاءت سيارةٌ فأرسلوا واردهم﴾ وهو الذي يرد أمامهم الماء ليستقي لهم. وذكر أصحاب التواريخ أنه مالك بن ذعر بن حجر بن يكه بن لخم. ﴿فأدلى دلوه﴾ أي أرسلها ليملأها , يقال أدلاها إذا أرسل الدلو ليملأها , ودلاّها إذا أخرجها ملأى. قال قتادة: فتعلق يوسف ﵇ بالدلو حين أرسلت. والبئر ببيت المقدس معروف مكانها. ﴿قال يا بشرى هذا غلام﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه ناداهم بالبشرى يبشرهم بغلام , قاله قتادة. الثاني: أنه نادى أحدهم , كان اسمه بشرى فناداه باسمه يعلمه بالغلام , قاله السدي. ﴿وأسرُّوه بضاعة﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن إخوة يوسف كانوا بقرب الجب فلما رأوا الوارد قد أخرجه قالوا هذا عبدنا قد أوثقناه فباعوه وأسرّوا بيعه بثمن جعلوه بضاعة لهم , قاله ابن عباس. الثاني: أن الواردين إلى الجُب أسرّوا ابتياعه عن باقي أصحابهم ليكون بضاعة لهم كيلا يشركوهم فيه لرخصه وتواصوا أنه بضاعة استبضعوها من أهل الماء , قاله مجاهد. الثالث: أن الذين شروه أسرُّوا بيعه على الملك حتى لا يعلم به أصحابهم وذكروا أنه بضاعة لهم. وحكى جويبر عن الضحاك أنه ألقيَ في الجب وهو ابن ست سنين , وبقي فيه إلى أن أخرجته السيارة منه ثلاثة أيام. وقال الكلبي: ألقي فيه وهو ابن سبع عشرة سنة.

стр. 1634

قوله عزوجل: ﴿وشروه بثمن بخسٍ﴾ معنى شروه أي باعوه , ومنه قول ابن مفرغ الحميري. (وشريت برداً ليتني ... من بعدِ بُرْدٍ كنت هامه) واسم البيع والشراء يطلق على كل واحد من البائع والمشتري لأن كل واحد منهما بائع لما في يده مشتر لما في يد صاحبه. وفي بائعه قولان: أحدهما: أنهم إخوته باعوه على السيارة حين أخرجوه من الجب فادّعوه عبداً , قاله ابن عباس والضحاك ومجاهد. الثاني: أن السيارة باعوه عن ملك مصر , قاله الحسن وقتادة. ﴿بثمن بخس﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن البخس ها هنا الحرام , قاله الضحاك , قال ابن عطاء: لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها فكان ثمنه وإن جَلّ بخساً , وما هو وإن باعه أعداؤه بأعجب منك في بيع نفسك بشهوةٍ ساعةٍ من معاصيك. الثاني: أنه الظلم , قاله قتادة. الثالث: أنه القليل , قاله مجاهد والشعبي. ﴿دراهم معدودة﴾ اختلف في قدرها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه بيع بعشرين درهماً اقتسموها وكانوا عشرة فأخذ كل واحد منهم درهمين , قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة وعطية والسدي. الثاني: باثنين وعشرين درهماً , كانوا أحد عشر فأخذ كل واحد درهمين , قاله مجاهد. الثالث بأربعين

стр. 1635

درهما , قاله عكرمة وابن إسحاق. وكان السدي يقول: اشتروا بها خفافاً ونِعالاً. وفي قوله تعالى ﴿دراهم معدودة﴾ وجهان: أحدهما: معدودة غير موزونة لزهدهم فيه. الثاني: لأنها كانت أقل من أربعين درهماً , وكانوا لا يَزِنُون أقل من أربعين درهماً , لأن أقل الوزن عندهم كان الأوقية , والأوقية أربعون درهماً. ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ وفي المعنيّ بهم قولان: أحدهما: أنهم إخوة يوسف كانوا فيه من الزاهدين حين صنعوا به ما صنعوا. الثاني: أن السيارة كانوا فيه من الزاهدين حين باعوه بما باعوه به. وفي زهدهم فيه وجهان: أحدهما: لعلمهم بأنه حرٌّ لا يبتاع. الثاني: أنه كان عندهم عبداً فخافوا أن يظهر عليه مالكوه فيأخذوه. وفيه وجه ثالث: أنهم كانوا في ثمنه من الزاهدين لاختبارهم له وعلمهم بفضله , وقال عكرمة أعتق يوسف حين بيع.

стр. 1636

﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين﴾ قوله عزو جل: ﴿وقال الذي اشتراه من مصر﴾ وهو العزيز ملكها واسمه إظفير بن رويجب. ﴿لامرأته﴾ واسمها راعيل بنت رعاييل , على ما ذرك ابن اسحاق. وقال ابن عباس: اسمه قطفير وكان على خزائن مصر , وكان الملك يومئذ الوليد بن الرّيان من العماليق. قال مقاتل: وكان البائع له للملك مالك بن ذعر بعشرين ديناراً وزاده حُلة ونعلين. ﴿أكرمي مثواه﴾ فيه وجهان: أحدهما: أجملي منزلته.

стр. 1637

الثاني: أجلي منزلته , قال كثير: (أريد ثواءً عندها وأظُنُّها ... إذا ما أطَلْنا عندها المكث ملَّت) وإكرام مثواه بطيب طعامه ولين لباسه وتوطئة مبيته. ﴿عسى أن ينفعنا﴾ قيل: في ثمنه إن بعناه. ويحتمل: ينفعنا في الخدمة والنيابة. ﴿أو نتخذه ولداً﴾ إن أعتقناه وتبنيناه. قال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس في فراسة ثلاثة: العزيز في يوسف حين قال لامرأته ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا﴾ وابنة شعيب في موسى حين قالت لأبيها ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر حين استخلف عمر. ﴿وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض﴾ فيه وجهان: أحدهما: بإخراجه من الجب. الثاني: باستخلاف الملك له. ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ قد ذكرنا في تأويله وجهين. ﴿والله غالبٌ على أمره﴾ فيه وجهان: أحدهما: غالب على أمر يوسف حتى يبلغ فيه ما أراده له , قاله مقاتل. الثاني: غالب على أمر نفسه فيما يريده , أن يقول له كن فيكون. قوله : ﴿ولما بلغ أشدَّه﴾ يعني منتهى شدته وقوة شبابه. وأما الأشدُّ ففيه ستة أقاويل:

стр. 1638

أحدها: ببلوغ الحلم , قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم. الثاني: ثماني عشرة سنة , قاله سعيد بن جبير. الثالث: عشرون سنة , قاله ابن عباس والضحاك. الرابع: خمس وعشرون سنة , قاله عكرمة. الخامس: ثلاثون سنة , قاله السدي. السادس: ثلاث وثلاثون سنة. قاله الحسن ومجاهد وقتادة. هذا أول الأشد , وفي آخر الأشد قولان: أحدهما: أنه أربعون سنة , قاله الحسن. الثاني: أنه ستون سنة , حكاه ابن جرير الطبري , وقال سُحَيْم بن وثيل الرياحي: (أخو خمسين مجتمع أشُدّي ... وتجذّني مداورة الشئون) وفي المراد ببلوغ الأشد في يوسف قولان: أحدهما: عشرون سنة , قاله الضحاك. الثاني: ثلاثون سنة , وهو قول مجاهد. ﴿آتيناه حكماً وعلماً﴾ في هذا الحكم الذي آتاه خمسة أوجه: أحدها: العقل , قاله مجاهد. الثاني: الحكم على الناس. الثالث: الحكمة في أفعاله. الرابع: القرآن , قاله سفيان. الخامس: النبوة , قاله السدي. وفي هذا العلم الذي آتاه وجهان: أحدهما: الفقه , قاله مجاهد. الثاني: النبوة , قاله ابن أبي نجيح. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنه العلم بتأويل الرؤيا.

стр. 1639

﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ فيه وجهان: أحدهما: المطيعين. الثاني: المهتدين , قاله ابن عباس. والفرق بين الحكيم والعالم أن الحكيم هو العامل بعلمه , والعالم هو المقتصر على العلم دون العمل.

стр. 1640

﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾ ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾ وهي راعيل امرأة العزيز إظفير. قال الضحاك: وكان اسمها زليخا. قال محمد بن إسحاق: وكان إظفير فيما يحكى لنا رجلاً لا يأتي النساء وكانت امرأته حسناء , وكان يوسف ﵇ قد أُعطي من الحسن ما لم يعطه أحد قبله ولا بعده كما لم يكن في النساء مثل حواء حسناً. قال ابن عباس: اقتسم يوسف وحواء الحسن نصفين. فراودته امرأة العزيز عن نفسه استدعاء له إلى نفسها. ﴿وغلقت الأبواب﴾ فيه وجهان: أحدهما: بتكثير الأغلاق. الثاني: بكثرة الإيثاق. ﴿وقالت هيت لك﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه تهيأت لك , قاله عكرمة وأبو عبد الرحمن السلمي , وهذا تأويل من قرأ بكسر الهاء وترك الهمز , وقال الشاعر: (قد رابني أن الكرى أسكتا ... لو كان معنياً بها لهيتا)

стр. 1641

الثاني: هلم لك , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة: وأنشد أبو عمرو بن العلاء: (أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا) (أن العراق وأهله ... عنق إليك , فهيت هيتا) وهذا تأويل من قرأ هيت لك بفتح الهاء وهي أصح وأفصح , قال طرفة بن العبد: (ليس قومي بالأبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة: هيتا) ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الكلمة فحكى عطية عن ابن عباس أن ﴿هيت لك﴾ كلمة بالقبطية معناها هلم لك , وقال مجاهد بل هي كلمة عربية هذا معناها وقال الحسن: هي كلمة سريانية. ﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ أي أعوذ بالله. وفي ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ وجهان: أحدهما: إن الله ربي أحسن مثواي فلا أعصيه , قاله الزجاج. الثاني: أنه أراد العزيز إظفير إنه ربي أي سيدي أحسن مثواي فلا أخونه. قاله مجاهد وابن إسحاق والسدي.

стр. 1642

﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ قوله : ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى بُرهان ربه﴾ أما همها به ففيه قولان: أحدهما: أنه كان هَمَّ شهوة. الثاني: أنها استلقت له وتهيأت لمواقعته. وأما همّه بها ففيه ستة أقاويل:

стр. 1643

أحدها: أنه همّ بها أن يضربها حين راودته عن نفسه ولم يهم بمواقعتها قاله بعض المتأخرين. الثاني: أن قوله ولقد همت به كلام تام قد انتهى , ثم ابتدأ الخبر عن يوسف فقال ﴿وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ ومعنى الكلام لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها , قاله قطرب. الثالث: أن همها كان شهوة , وهمه كان عفة. الرابع: أن همه بها لم يكن عزماً وإرادة وإنما كان تمثيلاً بين الفعل والترك , ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزم ولا فعل , وأصل الهم حديث النفس حتى يظهر فيصير فعلاً , ومنه قول جميل: (هممت بهمِّ من بثينة لو بدا ... شفيت غليلات الهوى من فؤاديا) الخامس: أنه همه كان حركة الطباع التي في قلوب الرجال من شهوة النساء وإن كان قاهراً له وهو معنى قول الحسن. السادس: أنه هم بمواقعتها وعزم عليه. قال ابن عباس: وحل الهميان

стр. 1644

يعني السراويل وجلس بين رجليها مجلس الرجل من المرأة , وهو قول جمهور المفسرين. فإن قيل: فكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا الفعل وهو نبي الله ؟ قيل: هي منه معصية , وفي معاصي الأنبياء ثلاثة أوجه: أحدها: أن كل نبي ابتلاه الله بخطيئة إنما ابتلاء ليكون من الله تعالى على وجل إذا ذكرها فيجدّ في طاعته إشفاقاً منها ولا يتكل على سعة عفوه ورحمته. الثاني: أن الله تعالى ابتلاهم بذلك ليعرفهم موقع نعمته عليهم بصفحه عنهم وترك عقوبتهم في الآخرة على معصيتهم. الثالث: أنه ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك الإياس في عفوه عنهم إذا تابوا. وفي قوله تعالى ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ستة أقاويل: أحدها: أن برهان ربه الذي رآه أن نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة , قال ابن عباس: نودي اي ابن يعقوب تزني فيكون مثلك مثل طائر سقط ريشه فذهب يطير فلم يستطع. الثاني: أنه رأى صورة يعقوب وهو يقول: يا يوسف أتهمُّ بفعل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فخرجت شهوته من أنامله , قاله قتادة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير.

стр. 1645

قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكراً إلا يوسف فلم يولد له إلا غلامان ونقص بتلك الشهوة ولده. الثالث: أن البرهان الذي رآه ما أوعد الله تعالى على الزنى , قال محمد بن كعب القرظي: رأى كتاباً على الحائط: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]. الرابع: أن البرهان الذي رآه. الملك إظفير سيده , قاله ابن إسحاق. الخامس: أن البرهان الذي رآه هو ما آتاه الله تعالى من آداب آبائه في العفاف والصيانة وتجنب الفساد والخيانة , قاله ابن بحر. السادس: أن البرهان الذي رآه أنه لما همت به وهم بها رأى ستراً فقال لها: ما وراء هذه الستر؟ فقالت: صنمي الذي أعبده أستره استحياء منه. فقال: إذا استحيت مما لا يسمع ولا يبصر فأنا أحق أن أستحي من إلهي وأتوقاه , قاله الضحاك. ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن السوء الشهوة , والفحشاء المباشرة. الثاني: أن السوء عقوبة الملك العزيز. والفحشاء مواقعة الزنى. ﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر المخلصين بكسر اللام , وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله تعالى. وقرأ الباقون بفتح اللام , وتأويلها الذين أخلصهم الله برسالته , وقد كان يوسف ﵇ بهاتين الصفتين لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى , مستخلصاً لرسالة الله.

стр. 1646

﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ قوله : ﴿واستبقا الباب﴾ أي أسرعا إليه , أما يوسف فأسرع إليه هرباً , وأما امرأة العزيز فأسرعت إليه طلباً. ﴿وقَدت قميصه من دبر﴾ لأنها أدركته وقد فتح بعض الأغلاق فجذبته من ورائه فشقت قميصه إلى ساقه , قال ابن عباس: وسقط عنه وتبعته. ﴿وألفيا سيدها لَدى الباب﴾ أي وجدا زوجها عند الباب. قال أبو صالح: والسيد هو الزوج بلسان القبط. ﴿قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلاّ أن يسجن أو عذابٌ أليمٌ﴾ هذا قولها لزوجها لتدفع الريبة عن نفسها بإلقائها على يوسف , ولو صدق حبها لم تفعل ذلك به ولآثرته على نفسها , ولكنها شهوة نزعت ومحبة لم تصف. وذلك أنه لما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر بالتكذيب عليه , ولو خلص من الشهوة لطلبت دفع الضرر عنه بالصدق. ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرىء نفسه بالصدق عليها , ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها. ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى

стр. 1647

شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب , فشهد شاهد من أهلها , أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة. وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه صبي أنطقه الله تعالى في مهده , قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير والضحاك. الثاني: أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنس ولا جن , قاله مجاهد. الثالث: أنه رجل حكيم من أهلها , قاله قتادة. قال السدي وكان ابن عمها. الرابع: أنه عنى شهادة القميص المقدود , قاله مجاهد أيضاً. ﴿إن كان قميصُه قد مِن قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ﴿وإن كان قميصه قد من دُبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ لأن الرجل إذا طلب المرأة كان مقبلاً عليها فيكون شق قميصه من قبله دليلاً على طلبه. وإذا هرب من المرأة كان مدبراً عنها فيكون شق قميصه من دبره دليلاً على هربه. وهذه إحدى الآيات الثلاث في قميصه: إن كان قُدَّ من دبر فكان فيه دليل على صدقه , وحين جاءوا على قميصه بدم كذب , وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً. ﴿فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ علم بذلك صدق يوسف فصدّقه وقال إنه من كيدكن. وفي الكيد هما وجهان: أحدهما: يعني به كذبها عليه.

стр. 1648

الثاني: أنه أراد السوء الذي دعته إليه. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنه الزوج , قاله محمد بن إسحاق. الثاني: أنه الشاهد , حكاه علي بن عيسى. قوله عزوجل: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أعرض عن هذا الأمر , قال قتادة: على وجه التسلية له في ارتفاع الإثم. الثاني: أعرض عن هذا القول , قاله ابن زيد على وجه التصديق له في البراءة من الذنب. ﴿واستغفري لذنبك﴾ هذا قول الملك لزوجه وهو القائل ليوسف أعرض عن هذا. وفيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن غيوراً فلذلك كان ساكتاً. الثاني: أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كفى بادرته وحلم عنها فأمرها بالاستغفار من ذنبها توبة منه وإقلاعاً عنه. ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ يعني من المذنبين , يقال لمن قصد الذنب خَطِىءَ , ولمن لم يقصده أخطأ , وكذلك في الصوب والصواب , قال الشاعر: (لعمرك إنما خطئي وصوبي ... عليّ وإنما أهلكت مالي) وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث.

стр. 1649

﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل

стр. 1650

ماء آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ قوله تعالى: ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ قال جويبر: كن أربعاً: امرأة الحاجب وامرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة القهرمان. قال مقاتل: وامرأة صاحب السجن وفي هذه المدينة قولان: أحدهما: مصر. الثاني: عين شمس. ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ قلن ذلك ذماً لها وطعناً فيها وتحقيقاً لبراءة يوسف وإنكاراً لذنبه. والعزيز اسم الملك مأخوذ من عزته , ومنه قول أبى داؤد: (درة غاص عليها تاجر ... جلبت عند عزيز يوم طل) ﴿قد شغفها حبّاً﴾ أي قد دخل حبه من شغاف قلبها. وفي شغاف القلب خمسة أقاويل: أحدها: أنه حجاب القلب , قاله ابن عباس. الثاني: أنه غلاف القلب وهو جلدة رقيقة بيضاء تكون على القلب وربما سميت لباس القلب , قاله السدي وسفيان. الثالث: أنه باطن القلب , قاله الحسن , وقيل هو حبة القلب. الرابع: أنه ما يكون في الجوف , قاله الأصمعي. الخامس: هو الذعر والفزع الحادث عن شدة الحب , قاله إبراهيم. وقد قرىء في الشواذ عن ابن محيصن: قد شعفها حباً (بالعين غير معجمة) واختلف في الفرق بينهما على قولين:
следующие страницы →