← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ قوله : ﴿ولقد أرسلنا رُسُلاً من قبلك وجعلنا لهم أزوجاً وذرية﴾ يعني بالأزواج النساء , وبالذرية الأولاد. وفيه وجهان: أحدهما: معناه أن من أرسلناه قبلك من المرسلين بشر لهم أزواج وذرية كسائر البشر , فلمَ أنكروا رسالتك وأنت مثل من قبلك. الثاني: أنه نهاه بذلك عن التبتل , قاله قتادة. وقيل إن اليهود عابت على النبي ﷺ الأزواج , فأنزل الله تعالى إلى ذلك فيهم يعلمهم أن ذلك سُنَّة الرسل قبله. ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾ قيل إن مشركي قريش سألوه آيات قد تقدم ذكرها في هذه السورة فأنزل الله تعالى ذلك فيهم. ﴿ولكل أجل كتابٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه لكل كتاب نزل من السماء أجل. وهو من المقدِّم والمؤخر , قاله الضحاك. الثاني: معناه لكل أمر قضاه الله تعالى كتاب كتبه فيه , قاله ابن جرير. الثالث: لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله تعالى , قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: لكل عمل خَبر. قوله : ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران , قاله ابن عباس. الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء في كتاب سوى أُم الكتاب , وهما كتابان أحدهما: أم الكتاب لا يغيره ولا يمحو منه شيئاً كما أراد , قاله عكرمة.

стр. 1787

الثالث: أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه , ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه , قاله قتادة وابن زيد. الرابع: أنه يمحو مَنْ قد جاء أجلُه ويثبت من لم يأت أجلُه , قاله الحسن. الخامس: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده , ويترك ما يشاء فلا يغفره , قاله سعيد بن جبير. السادس: أنه الرجل يقدم الطاعة ثم يختمها بالمعصية فتمحو ما قد سلف , والرجل يقدم المعصية ثم يختمها بالطاعة فتمحو ما قد سلف , وهذا القول مأثور عن ابن عباس أيضاً. السابع: أن الحفظة من الملائكة يرفعون جميع أقواله وأفعاله , فيمحو الله منها ما ليس فيه ثواب ولا عقاب , ويثبت ما فيه الثواب والعقاب , قاله الضحاك. ﴿وعنده أم الكتاب﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: الحلال والحرام , قاله الحسن. الثاني: جملة الكتاب , قاله الضحاك. الثالث: هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق , قاله كعب الأحبار. الرابع: هو الذكر , قاله ابن عباس. الخامس: أنه الكتاب الذي لا يبدل , قاله السدي. السادس: أنه أصل الكتاب في اللوح المحفوظ , قاله عكرمة.

стр. 1788

﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب﴾

стр. 1789

قوله : ﴿أوَلم يروا أنا نأتي الأرض ننقُصُها من أطرافها﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: بالفتوح على المسلمين من بلاد المشركين , قاله قتادة. الثاني: بخراجها بعد العمارة , قاله مجاهد. الثالث: بنقصان بركتها وتمحيق ثمرتها , قاله الكلبي والشعبي. الرابع: بموت فقهائها وخيارها , قاله ابن عباس. ويحتمل خامساً: أنه بجور ولاتها.

стр. 1790

﴿وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ قوله : ﴿ويقول الذين كفروا لست مُرْسلاً﴾ قال قتادة: هم مشركو العرب. ﴿قلْ كفى بالله شهيداً بيني وبينكم﴾ أي يشهد بصدقي وكذبكم. ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم عبد الله بن سلام وسلمان وتميم الداري , قاله قتادة. الثاني: أنه جبريل , قاله سعيد بن جبير. الثالث: هو الله تعالى , قاله الحسن ومجاهد والضحاك. وكانوا يقرأون ﴿ومِن عنده علم الكتاب﴾ أي من عِنْد الله علم الكتاب , وينكرون على من قال هو عبد الله بن سلام وسلمان لأنهم يرون السورة مكية , وهؤلاء أسلموا بالمدينة , والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 1791

سورة إبراهيم مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها مدينة وهي ﴿ألم تر بدّلوا نعمة الله كفراً﴾ والتي بعدها. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 1792

﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد﴾ ﴿الر كتاب أنزلناه إليك﴾ يعني القرآن. ﴿لتُخرِجَ الناسَ مِن الظلماتِ إلى النُّور﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: من الشك إلى اليقين. الثاني: من البدعة إلى السنّة. الثالث: من الضلالة إلى الهدى الرابع: من الكفر إلى الإيمان ﴿بإذن ربهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: بأمر ربهم , قاله الضحاك.

стр. 1793

الثاني: بعلم ربهم. ﴿إلى صراط العزيز الحميد﴾ فروى مِقْسم عن ابن عباس قال: كان قوم آمنوا بعيسى , وقوم كفروا به , فلما بعث محمد ﷺ آمن به الذين كفروا بعيسى , وكفر به الذين آمنوا بعيسى , فنزلت هذه الآية. قوله : ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾ فيه وجهان: أحدهما: يختارونها على الآخرة , قاله أبو مالك. الثاني: يستبدلونها من الآخرة , ذكره ابن عيسى , والاستحباب هو التعرض للمحبة. ويحتمل ما يستحبونه من الحياة الدنيا على الآخرة وجهين: أحدهما: يستحبون البقاء في الحياة الدنيا على البقاء في الآخرة. الثاني: يستحبون النعيم فيها على النعيم في الآخرة. ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ قال ابن عباس: عن دين الله. ويحتمل: عن محمد ﷺ . ﴿ويبغونها غِوَجاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يرجون بمكة غير الإسلام ديناً , قاله ابن عباس. الثاني: يقصدون بمحمد ﷺ هلاكاً , قاله السدي. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن معناه يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة الله لا تستمد إلا بطاعته دون معصيته. والعِوَج بكسر العين: في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائماً. والعوج بفتح العين: في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح.

стр. 1794

﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾

стр. 1795

قوله : ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾ أي بحُججنا وبراهيننا وقال مجاهد هي التسع الآيات: ﴿أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الضلالة إلى الهدى. الثاني: من ذل الاستعباد إلى عز المملكة. ﴿وذكِّرهم بأيام الله﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وعظهم بما سلف من الأيام الماضية لهم , قاله ابن جرير. الثاني: بالأيام التي انتقم الله فيها من القرون الأولى , قاله الربيع وابن زيد. الثالث: أن معنى أيام الله أن نعم الله عليهم , قاله مجاهد وقتادة , وقد رواه أبيّ بن كعب مرفوعاً. وقد تسمَّى النعم بالأيام , ومنه قول عمرو بن كلثوم: (وأيام لنا غُرٍّ طِوالٍ ... عصينا الملْك فيها أن نَدِينا) ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن يريد الأيام التي كانوا فيها عبيداًَ مستذلين لأنه أنذرهم قبل استعمال النعم عليهم. ﴿إنَّ في ذلك لآيات لكُلِّ صبَّارٍ شكورٍ﴾ الصبار: الكثير الصبر , والشكور: الكثير الشكر , قال قتادة: هو العبد إذا أعطي شكر , وإذا ابتلي صبر. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان , والشكر نصف , وقرأ ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾. وتوارى الحسن عن الحجاج تسع سنين , فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمته فأمت سنته وسجد شكراً وقرأ ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾. وإنما خص بالآيات كل صبار شكور , وإن كان فيه آيات لجميع الناس لأنه يعتبر بها ويغفل عنها.

стр. 1796

﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد﴾ قوله : ﴿ ... وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة من ربكم , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: شدة البلية , ذكره ابن عيسى. الثالث: اختبار وامتحان , قاله ابن كامل. قوله : ﴿وإذ تأذن ربُّكم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وإذ سمع ربكم , قاله الضحاك. الثاني: وإذا قال ربكم , قاله أبو مالك. الثالث: معناه وإذ أعلمكم ربكم , ومنه الأذان لأنه إعلام , قال الشاعر: (فلم نشعر بضوء الصبح حتى ... سَمِعْنا في مجالِسنا الأذينا) ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي , قاله الربيع. الثاني: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي , قاله الحسن وأبو صالح. الثالث: لئن وحّدتم وأطعتم لأزيدنكم , قاله ابن عباس. ويحتمل تأويلاً رابعاً: لئن آمنتم لأزيدنكم من نعيم الآخرة إلى نعيم الدنيا. وسُئِل بعض الصلحاء على شكر الله تعالى , فقال: أن لا تتقوى بنِعَمِهِ على معاصيه. وحكي أنَّ داود ﵇ قال: أي ربِّ كيف أشكرك وشكري لك نعمة مجددة منك عليّ؟ قال: (يا داود الآن شكرتني). ﴿ولئن كفرتم إن عذابي لشديدٌ﴾ وعد الله تعالى بالزيادة على الشكر , وبالعذاب على الكفر.

стр. 1797

﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب﴾ قوله : ﴿ ... والذين من بعدهم لا يَعْلمُهم إلا الله﴾ فيها وجهان: أحدهما: يعني بعد من قص ذكره من الأمم السالفة قرون وأمم لم يقصها على رسول الله ﷺ لا يعلمهم إلا الله عالم ما في السموات والأرض. الثاني: ما بين عدنان وإسماعيل من الآباء. قال ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. وكان ابن مسعود يقرأ: لا يعلمهم إلا الله كذب النسّابون. ﴿جاءَتهم رسلهم بالبينات﴾ أي بالحجج. ﴿فردُّوا أيديهم في أفواههم﴾ فيه سبعة أوجه: أحدها: أنهم عضوا على أصابعهم تغيظاً عليهم , قاله ابن مسعود واستشهد أبو عبيدة بقول الشاعر: (لو أن سلمى أبصرت تخدُّدي ... ودقةً في عظم ساقي ويدي) (وبعد أهلي وجفاءَ عُوَّدي ... عضت من الوجد بأطراف اليد) الثاني: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه ووضعوا أيديهم على أفواههم , قاله ابن عباس. الثالث: معناه أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم إني رسول الله إليكم , أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم بأن اسكت تكذيباً له ورداً لقوله , قاله أبو صالح.

стр. 1798

الرابع: معناه أنهم كذبوهم بأفواههم , قاله مجاهد. الخامس: أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل رداً لقولهم , قاله الحسن. السادس: أن الأيدي هي النعم , ومعناه أنهم ردوا نعمهم بأفواههم جحوداً لها. السابع: أن هذا مثل أريد به أنهم كفوا عن قبول الحق ولم يؤمنوا بالرسل , كما يقال لمن أمسك عن الجواب رَدّ في فيه.

стр. 1799

﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ قوله عزوجل: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك﴾ فيه وجهان: أحدهما: أفي توحيد الله شك؟ قاله قتادة. الثاني: أفي طاعة الله شك؟ ويحتمل وجهاً ثالثاً: أفي قدرة الله شك؟ لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها. ﴿فاطر السموات والأرض﴾ أي خالقهما , لسهوهم عن قدرته. ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ أي يدعوكم إلى التوبة ليغفر ما تقدمها من معصية. وفي قوله تعالى: ﴿من ذنوبكم﴾ وجهان: أحدهما: أن ﴿من﴾ زائدة , وتقديره , ليغفر لكم ذنوبكم، قاله أبو عبيدة.

стр. 1800

الثاني: ليست زائدة , ومعناه أن تكون المغفرة بدلاً من ذنوبكم , فخرجت مخرج البدل. ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ يعني إلى الموت فلا يعذبكم في الدنيا. قوله : ﴿قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ينكر قومهم أن يكونوا مثلهم وهم رسل الله إليهم. الثاني: أن يكون قومهم سألوهم معجزات اقترحوها. وفي قوله تعالى: ﴿ولكن الله يمنّ على مَنْ يشاء من عباده﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: بالنبوة. الثاني: بالتوفيق والهداية. الثالث: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه , قاله سهل بن عبد الله. ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بكتاب. الثاني: بحجة. الثالث: بمعجزة.

стр. 1801

﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ قوله : ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ أي المقام بين يدّي , وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به: والفرق بين المقام بالفتح وبين المقام بالضم أنه إذا ضم فهو فعل الإقامة، وإذا فتح فهو مكان الإقامة.

стр. 1802

﴿وخاف وعيد﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه العذاب. والثاني: أنه ما في القرآن من زواجر. ﴿واستفتحوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الرسل استفتحوا بطلب النصر , قاله ابن عباس. الثاني: أن الكفار استفتحوا بالبلاء , قاله ابن زيد. وفي الاستفتاح وجهان: أحدهما: أنه الإبتداء. الثاني: أنه الدعاء , قاله الكلبي. ﴿وخاب كلُّ جبار عنيد﴾ في ﴿خاب﴾ وجهان: أحدهما: خسر عمله. الثاني: بطل أمله. وفي ﴿جبار﴾ وجهان: أحدهما: أنه المنتقم. الثاني: المتكبر بطراً. وفي ﴿عنيد﴾ وجهان. أحدهما: أنه المعاند للحق. الثاني: أنه المتباعد عن الحق , قال الشاعر: (ولست إذا تشاجر أمْرُ قوم ... بأَوَّلِ مَنْ يخالِفهُم عَنيدا) قوله : ﴿مِن ورائه جهنم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه من خلفه جهنم. قال أبو عبيدة: وراء من الأضداد وتقع على خلف وقدام. جميعاً. الثاني: معناه أمامه جهنم , ومنه قول الشاعر: (ومن ورائك يومٌ أنت بالغه ... لا حاضرٌ معجز عنه ولا بادي)

стр. 1803

الثالث: أن جهنم تتوارى ولا تظهر , فصارت من وراء لأنها لا ترى حكاه ابن الأنباري. الرابع: من ورائه جهنم معناه من بعد هلاكه جهنم , كما قال النابغة: (حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراءَ الله للمرْءِ مذهب) أراد: وليس بعد الله مذهب. ﴿ويسقى من ماءٍ صديد﴾ فيه وجهان: أحدهما: من ماء مثل الصديد كما يقال للرجل الشجاع أسد , أي مثل الأسد. الثاني: من ماء كرهته تصد عنه , فيكون الصديد مأخوذاً من الصد. قوله : ﴿ ... ويأتيه الموت مِنْ كل مكان﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره , قاله إبراهيم التيمي , للآلام التي في كل موضع من جسده. الثاني: تأتيه أسباب الموت من كل جهة , عن يمينه وشماله , ومن فوقه وتحته , ومن قدامه وخلفه , قاله ابن عباس. الثالث: تأتيه شدائد الموت من كل مكان , حكاه ابن عيسى. ﴿وما هو بميتٍ﴾ لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه ليكون ذلك زيادة في عذابه. ﴿ومن ورائه عذاب غليظ﴾ فيه الوجوه الأربعة الماضية. والعذاب الغليظ هو الخلود في جهنم.

стр. 1804

﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد﴾ قوله : ﴿مثل الذين كفروا بربّهم أعمالُهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾ وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكافر في أنه لا يحصل على شيء منها , بالرماد الذي هو بقية النار الذاهبة لا ينفعه , فإذا اشتدت به الريح العاصف: وهي

стр. 1805

الشديدة: فأطارته لم يقدر على جمعه , كذلك الكافر في عمله. وفي قوله ﴿في يوم عاصف﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح , لأن الريح تكون فيه , كما يقال يوم بارد , ويوم حار , لأن البرد والحر يكونان فيه. الثاني: أن المراد به في يوم عاصف الريح , فحذف الريح لأنها قد ذكرت قبل ذلك. الثالث: أن العصوف من صفة الريح المقدم ذكرها , غير أنه لما جاء بعد اليوم ابتع إعرابه. ﴿لا يقدرون مما كسَبَوا على شيءٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يقدرون في الآخرة على شيء من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا لإحباطه بالكفر. الثاني: لا يقدرون على شيء مما كسبوه من عروض الدنيا , بالمعاصي التي اقترفوها , أن ينتفعوا به في الآخرة. ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ وإنما جعله بعيداً لفوات استدراكه بالموت.

стр. 1806

﴿ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ قوله : ﴿وبرزوا لله جميعاً﴾ أي ظهروا بين يديه تعالى في القيامة. ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم الأتباع. ﴿للذين استكبروا﴾ وهم القادة المتبوعون. ﴿إنا كُنّا لكم تبعاً﴾ يعني في الكفر بالإجابة لكم. ﴿فهل أنتم مغنون عَنّا مِن عذاب الله من شيء﴾ أي دافعون عنا يقال أغنى عنه

стр. 1807

إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. ﴿قالوا لو هَدانا الله لهديناكم﴾ فيه ثلاثة أوجه أحدها: لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه. الثاني: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. الثالث: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيصٍ﴾ أي من منجى أو ملجأ , قيل إن أهل النار يقولون: يا أهل النار إن قوماً جزعوا في الدنيا وبكوا ففازوا , فيجزعون ويبكون. ثم يقولون: يا أهل النار إن قوماً صبروا في الدنيا ففازوا , فيصبرون. فعند ذلك يقولون ﴿سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾.

стр. 1808

﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام﴾ قوله عزوجل: ﴿وقال الشيطان لمّا قضي الأمر﴾ يعني إبليس. قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعذاب العاصي. ﴿ووعدتكم﴾ أن , لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب. ﴿فأخلفتكم وما كان لي عليكم مِن سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ﴾ فيه وجهان:

стр. 1809

أحدهما: معناه ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجيَّ , قاله الربيع بن أنس. الثاني: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي , قاله مجاهد. والمصرخ: المغيث. والصارخ: المستغيث. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: (فلا تجزعوا إنّي لكم غير مُصْرخ ... فليس لكم عندي غناءٌ ولا صبر) ﴿إني كفرتُ بما أشركتمون مِن قبل﴾ فيه وجهان: أحدهما: إني كفرت اليوم بما كنتم في الدنيا تدعونه لي من الشرك بالله تعالى , قاله ابن بحر. الثاني: إني كفرت قبلكم بما أشركتموني من بعد , لأن كفر إبليس قبل كفرهم. قوله : ﴿ ... تحيّتُهم فيها سلامٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن تحية أهل الجنة إذا تلاقوا فيها السلامه , وهو قول الجمهور. الثاني: أن التحية ها هنا الملك , ومعناه أن ملكهم فيها دائم السلام , مأخوذ من قولهم في التشهد: التحيات لله , أي الملك لله , ذكره ابن شجرة. وفي المحيّي لهم بالسلام ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى يحييهم بالسلام. الثاني: أن الملائكة يحيونهم بالسلام. الثالث: أن بعضهم يحيي بعضاً بالسلام. وتشبيه الكلمة الطيبة بها لأنها ثابتة في القلب كثبوت أصل النخلة في الأرض , فإذا ظهرت عرجت إلى السماء كما يعلو فرع النخلة نحو السماء فكلما ذكرت نفعت , كما أن النخلة إذا أثمرت نفعت.

стр. 1810

﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾

стр. 1811

قوله : ﴿ألم تَرَ كَيْفَ ضرب اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ﴾ في الكلمة الطيبة قولان: أحدهما: أنها الإيمان , قاله مجاهد وابن جريج. الثاني: أنه عنى بها المؤمن نفسه , قاله عطية العوفي والربيع بن أنس. وفي الشجرة الطيبة قولان: أحدهما: أنها النخلة , وروى ذلك عن النبي ﷺ عبد الله بن عمر وأنس بن مالك. الثاني: أنها شجرة في الجنة , قاله ابن عباس. وحكى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة: الإيمان , والشجرة الطيبة: المؤمن. ﴿أصلها ثابت﴾ يعني في الأرض. ﴿وفرعها في السماء﴾ أي نحو السماء. ﴿تؤتي أكُلَها﴾ يعني ثمرها. ﴿كلَّ حين بإذن ربها﴾ والحين عند أهل اللغة: الوقت. قال النابغة: (تناذرها الرّاقون من سُوءِ سُمِّها ... تُطلِّقُه حيناً وحيناً تُراجع) وفي ﴿الحين﴾ ها هنا ستة تأويلات: أحدها: يعني كل سنة , قاله مجاهد , لأنها تحمل كل سنة. الثاني: كل ثمانية أشهر , قاله علي بن أبي طالب ﵁ , لأنها مدة الحمل ظاهراً وباطناً. الثالث: كل ستة أشهر , قاله الحسن وعكرمة , لأنها مدة الحمل ظاهراً. الرابع: كل أربعة أشهر , قاله سعيد بن المسيب لأنها مدة يرونها من طلعها إلى جذاذها.

стр. 1812

الخامس: كل شهرين , لأنها مدة صلاحها إلى جفافها. السادس: كل غدوة وعشية , لأنه وقت اجتنائها , قاله ابن عباس. وفي قوله تعالى ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ وجهان: أحدهما: أن المراد بالحياة الدنيا زمان حياته فيها , وبالآخرة المساءلة في القبر , قاله طاوس وقتادة. الثاني: أن المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر أن يأتيه منكر ونكير فيقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: إن اهتَدَى: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ . ﴿ويضلُّ اللهُ الظالمين﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن حجتهم في قبورهم , كما ضلوا في الحياة الدنيا بكفرهم. الثاني: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا. ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ فيه وجهان: أحدهما: مِن إمهال وانتقام. الثاني: من ضغطة القبر ومساءلة منكر ونكير. وروى ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال: (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منه سعد بن معاذ , ولقد ضم ضَمّةً). وقال قتادة: ذكر لنا أنّ عذاب القبر من ثلاثة: ثلثٌ من البول. وثلثٌ من الغيبة , وثلثٌ من النميمة.

стр. 1813

وسبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي ﷺ لما وصف مساءَلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا رسول الله أيكون معي عقلي:؟ قال: (نعم) قال. كُفيت إذن , فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله : ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها الكفر. الثاني: أنها الكافر نفسه. ﴿كشجرة خبيثةٍ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها شجرة الحنظل , قاله أنس بن مالك. الثاني: أنها شجرة لم تخلف , قاله ابن عباس. الثالث: أنها الكشوت. ﴿اجتثت من فوق الأرض﴾ أي اقتلعت من أصلها , ومنه قول لقيط:

стр. 1814

(هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مِثل ذا يوماً ومَنْ سمعا) ﴿ما لها من قرار﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما لها من أصل. الثاني: ما لها من ثبات. وتشبيه الكلمة الخبيثة بهذه الشجرة التي ليس لها أصل يبقى , ولا ثمر يجتنى أن الكافر ليس له عمل في الأرض يبقى , ولا ذكر في السماء يرقى.

стр. 1815

﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ قوله : ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ فيه وجهان: أحدهما: يزيدهم الله أدلة على القول الثابت. الثاني: يديمهم الله على القول الثابت , ومنه قول عبد الله بن رواحة. (يُثبِّتُ الله ما آتاكَ من حسنٍ ... تثبيتَ موسى ونصراً كالذي نصِرا) وفي قوله: ﴿بالقول الثابت﴾ وجهان: أحدهما: أنه الشهادتان , وهو قول ابن جرير. الثاني: أنه العمل الصالح. ويحتمل ثالثاً: أنه القرآن.

стр. 1816

﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ قوله : ﴿ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً﴾ فيهم خمسة أقاويل:

стр. 1817

أحدهما: أنهم قريش بدلوا نعمة الله عليهم لما بعث رسوله منهم , كفراً به وجحوداً له , قاله سعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: أنها نزلت في الأفجرين من قريش بني أميه وبني مخزوم فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين , وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر , قاله عليٌّ , ونحوه عن عمر ﵄. الثالث: أنهم قادة المشركين يوم بدر , قاله قتادة. الرابع: أنه جبلة من الأيهم حين لُطم , فجعل له عمر ﵁ القصاص بمثلها , فلم يرض وأنف فارتد متنصراً ولحق بالروم في جماعة من قومه , قاله ابن عباس. ولما صار إلى بلاد الروم ندم وقال: (تنصَّرت الأشْرافُ من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضَرَرْ) (تكنفني منها لجاجٌ ونخوةٌ ... وبعث لها العين الصحيحة بالعور) (فيا ليتني أرْعَى المخاض ببلدتي ... ولم أنكِرِ القول الذي قاله عمر) الخامس: أنها عامة في جميع المشركين , قاله الحسن. ويحتمل تبديلهم نعمة الله كفراً وجهين: أحدهما: أنهم بدلوا نعمة الله عليهم في الرسالة بتكذيب الرسول ﷺ . الثاني: أنهم بدلوا نعم الدنيا بنقم الآخرة. ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها جهنم , قاله ابن زيد. الثاني: أنها يوم بدر , قاله علي بن أبي طالب ﵁ ومجاهد. والبوار في كلامهم الهلاك، ومنه قول الشاعر:

стр. 1818

(فلم أر مثلهم أبطال حربٍ ... غداة الحرب إن خيف البَوارُ)

стр. 1819

﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال﴾ قوله : ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصّلاة وينفقوا مما رزَقناهم سِرًّا وعلانية﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بالسر ما خفي , وبالعلانية ما ظهر , وهو قول الأكثرين. الثاني: أن السر التطوع , والعلانية الفرض , قاله القاسم بن يحيى. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن السر الصدقات , والعلانية النفقات. ﴿مِنْ قبل أن يأتي يومٌ , لا بَيْعٌ فيه ولا خلالٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا فِدية ولا شفاعة للكافر. الثاني: أن معنى قوله ﴿لا بيع﴾ أي لا تباع الذنوب ولا تشتري الجنة. ومعنى قوله ﴿ولا خِلال﴾ أي لا مودة بين الكفار في القيامة لتقاطعهم. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الخلال جمع خلة , مثل قِلال وقُلّة. الثاني: أنه مصدر من خاللت خِلالاً , مثل قاتلت قِتالاً. ومنه قول لبيد: (خالت البرقة شركاً في الهدى ... خلة باقية دون الخلل)

стр. 1820

﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وإذ قال إبراهيم رب

стр. 1821

اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ قوله : ﴿رَبّنا إني أسكنت مِنْ ذُرِّيتي بوادٍ غير ذي زَرْعٍ﴾ هذا قول إبراهيم ﵇. وقوله ﴿مِن ذريتي﴾ يريد بهم إسماعيل وهاجر أُمه. ﴿بوادٍ غير ذي زرع﴾ يعني مكة أسكنها في بطحائها , ولم يكن بها ساكن , ثقة بالله وتوكلاً عليه. ﴿عند بيتك المحرم﴾ لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره , ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال. ﴿ربّنا ليقيموا الصلاة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة. الثاني: أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة. ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ في ﴿أفئدة﴾ وجهان: أحدهما: أن الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب , وقد يعبر عن القلب بالفؤاد , قال الشاعر: (وإنّ فؤاداً قادَني بصبابةٍ ... إليك على طول الهوَى لصَبورُ) الثاني: أن الأفئدة جمع وفد , فكأنه قال: فاجعل وفوداً من الأمم تهوي إليهم. وفي قوله: ﴿تهوي إليهم﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنه بمعنى تحن إليهم , الثاني: أنه بمعنى تنزل إليهم , لأن مكة في واد والقاصد إليها نازل إليها،

стр. 1822

الثالث: ترتفع إليهم , لأن ما في القلوب بخروجه منها كالمرتفع عنها. الرابع: تهواهم. وقد قرىء تهْوَى. وفي مسألة إبراهيم ﵇ أن يجعل اللهُ أفئدةً من الناس تهوي إليهم قولان: أحدهما: ليهووا السكنى بمكة فيصير بلداً محرّماً , قاله ابن عباس. الثاني: لينزعوا إلى مكة فيحجوا , قاله سعيد بن جبير ومجاهد. قال ابن عباس: لولا أنه قال من الناس لحجه اليهود والنصارى وفارس والروم. ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم. الثاني: ومن الظاهر من ثمرات النخل والأشجار , فأجابه بما في الطائف من الثمار , وما يجلب إلهم من الأمصار. ﴿لَعَلَّهُمْ يشكرون﴾ أي لكي يشكروك. قوله : ﴿ربنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين﴾ وفي استغفاره لوالديه مع شركهما ثلاثة أوجه: أحدهما: كانا حيين فطمع في إيمانهما. فدعا لهما بالاستغفار , فلما ماتا على الكفر لم يستغفر لهما. الثاني: أنه أراد آدم وحوّاء. الثالث: أنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق. وكان إبراهيم يقرأ: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ يعني ابنيه , وكذلك قرأ يحيى بن يعمر.

стр. 1823

﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾ قوله : ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ قال ميمون بن مهران: وعيد للظالم وتعزية للمظلوم. قوله : ﴿مهطعين﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه مسرعين قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة , مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعاً إذا أسرع , ومنه قوله تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ أي مسرعين. قال الشاعر: (بدجلة دارُهُم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع) الثاني: أنه الدائم النظر لا يطرف , قاله ابن عباس والضحاك. الثالث: أنه المطرِق الذي لا يرفع رأسه , قاله ابن زيد. ﴿مقنعي رءُوسهم﴾ وإقناع الرأس فيه تأويلان: أحدهما: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش , قاله مؤرج السدوسي وقتادة.

стр. 1824

الثاني: رافعي رؤوسهم , وإقناع الرأس رفْعُه , قاله ابن عباس ومجاهد , ومنه قول الشاعر: (أنغض رأسه نحوي وأقنعا ... كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعَا) ﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ أي لا يرجع إليهم طرفهم , والطرف هو النظر وسميت العَيْن طرْفاً لأنها بها يكون , قال جميل: (وأَقْصِرُ طَرْفي دُون جُمْل كرامةً ... لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر) ﴿وأفئدتهم هواءٌ﴾ والمراد بالأفئدة مواضع القلوب , وهي الصدور. وقوله: ﴿هواء﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه فكأنها تهوي , قاله سعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر , فلا تنفصل ولا تعود , قاله قتادة. الثالث: أنها المتخرمَة التي لا تعي شيئاً , قاله مُرّة. الرابع: أنها خالية من الخير , وما كان خالياً فهو هواء , قاله ابن عباس ومنه قول حسان: (ألا أبلِغ أبا سفيان عني ... فأنتَ مُجوَّف نخب هواء)

стр. 1825

﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وقد
следующие страницы →