← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ قوله : ﴿رَبّنا إني أسكنت مِنْ ذُرِّيتي بوادٍ غير ذي زَرْعٍ﴾ هذا قول إبراهيم ﵇. وقوله ﴿مِن ذريتي﴾ يريد بهم إسماعيل وهاجر أُمه. ﴿بوادٍ غير ذي زرع﴾ يعني مكة أسكنها في بطحائها , ولم يكن بها ساكن , ثقة بالله وتوكلاً عليه. ﴿عند بيتك المحرم﴾ لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره , ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال. ﴿ربّنا ليقيموا الصلاة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة. الثاني: أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة. ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ في ﴿أفئدة﴾ وجهان: أحدهما: أن الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب , وقد يعبر عن القلب بالفؤاد , قال الشاعر: (وإنّ فؤاداً قادَني بصبابةٍ ... إليك على طول الهوَى لصَبورُ) الثاني: أن الأفئدة جمع وفد , فكأنه قال: فاجعل وفوداً من الأمم تهوي إليهم. وفي قوله: ﴿تهوي إليهم﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنه بمعنى تحن إليهم , الثاني: أنه بمعنى تنزل إليهم , لأن مكة في واد والقاصد إليها نازل إليها،

стр. 1822

الثالث: ترتفع إليهم , لأن ما في القلوب بخروجه منها كالمرتفع عنها. الرابع: تهواهم. وقد قرىء تهْوَى. وفي مسألة إبراهيم ﵇ أن يجعل اللهُ أفئدةً من الناس تهوي إليهم قولان: أحدهما: ليهووا السكنى بمكة فيصير بلداً محرّماً , قاله ابن عباس. الثاني: لينزعوا إلى مكة فيحجوا , قاله سعيد بن جبير ومجاهد. قال ابن عباس: لولا أنه قال من الناس لحجه اليهود والنصارى وفارس والروم. ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم. الثاني: ومن الظاهر من ثمرات النخل والأشجار , فأجابه بما في الطائف من الثمار , وما يجلب إلهم من الأمصار. ﴿لَعَلَّهُمْ يشكرون﴾ أي لكي يشكروك. قوله : ﴿ربنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين﴾ وفي استغفاره لوالديه مع شركهما ثلاثة أوجه: أحدهما: كانا حيين فطمع في إيمانهما. فدعا لهما بالاستغفار , فلما ماتا على الكفر لم يستغفر لهما. الثاني: أنه أراد آدم وحوّاء. الثالث: أنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق. وكان إبراهيم يقرأ: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ يعني ابنيه , وكذلك قرأ يحيى بن يعمر.

стр. 1823

﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾ قوله : ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ قال ميمون بن مهران: وعيد للظالم وتعزية للمظلوم. قوله : ﴿مهطعين﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه مسرعين قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة , مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعاً إذا أسرع , ومنه قوله تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ أي مسرعين. قال الشاعر: (بدجلة دارُهُم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع) الثاني: أنه الدائم النظر لا يطرف , قاله ابن عباس والضحاك. الثالث: أنه المطرِق الذي لا يرفع رأسه , قاله ابن زيد. ﴿مقنعي رءُوسهم﴾ وإقناع الرأس فيه تأويلان: أحدهما: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش , قاله مؤرج السدوسي وقتادة.

стр. 1824

الثاني: رافعي رؤوسهم , وإقناع الرأس رفْعُه , قاله ابن عباس ومجاهد , ومنه قول الشاعر: (أنغض رأسه نحوي وأقنعا ... كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعَا) ﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ أي لا يرجع إليهم طرفهم , والطرف هو النظر وسميت العَيْن طرْفاً لأنها بها يكون , قال جميل: (وأَقْصِرُ طَرْفي دُون جُمْل كرامةً ... لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر) ﴿وأفئدتهم هواءٌ﴾ والمراد بالأفئدة مواضع القلوب , وهي الصدور. وقوله: ﴿هواء﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه فكأنها تهوي , قاله سعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر , فلا تنفصل ولا تعود , قاله قتادة. الثالث: أنها المتخرمَة التي لا تعي شيئاً , قاله مُرّة. الرابع: أنها خالية من الخير , وما كان خالياً فهو هواء , قاله ابن عباس ومنه قول حسان: (ألا أبلِغ أبا سفيان عني ... فأنتَ مُجوَّف نخب هواء)

стр. 1825

﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وقد

стр. 1826

مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ قوله : ﴿وأنذر النّاس يَوْمَ يأتيهم العذاب﴾ معناه وأنذرهم باليوم الذي يأتيهم فيه العذاب , يعني يوم القيامة. وإنما خصه بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب أيضاً لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي وإن تضمن ترغيباً للمطيع. ﴿فيقول الذين ظلَموا ربّنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرُّسل﴾ طلبوا رجوعاً إلى الدنيا حين ظهر لهم الحق في الآخرة ليستدركوا فارط ذنوبهم , وليست الآخرة دار توبة فتقبل توبتهم , كما ليست بدار تكليف فيستأنف تكليفهم. فأجابهم الله تعالى عن هذا الطلب فقال: ﴿أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوالٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة , قاله مجاهد. الثاني: ما لكم من زوال عن العذاب , قاله الحسن. قوله : ﴿وقد مكروا مكرهم﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عنى بالمكر الشرك , قاله ابن عباس. الثاني: أنه عنى به العتو والتجبّر , وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع النسرين في الهواء , قاله علي ﵁. وقال ابن عباس: هو النمرود بن كنعان بن سنحاريب بن حام بن نوح بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة , وجعل طوله خمسة آلاف ذراع , وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً وصعد منه مع النسور , فلما علم أنه لا سبيل إلى السماء اتخذه حصناً وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه , فأتى الله بنيانه من القواعد , فتداعى الصرح عليهم , فهلكوا جميعاً، فهذا معنى قوله ﴿وقد مكروا مكرهم﴾.

стр. 1827

﴿وعند الله مكرهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: وعند الله مكرهم عالماً به لا يخفى عليه , قاله علي بن عيسى. الثاني: وعند الله مكرهم محفوظاً عليهم حتى يجازيهم عليه , قاله الحسن وقتادة. ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ فيه قراءتان. إحداهما: بكسر اللام الأولى وفتح الثانية , ومعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال , احتقاراً له , قاله ابن عباس والحسن. الثانية: بفتح اللام الأولى وضم الثانية , ومعناها وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال استعظاماً له. قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبيّ بن كعب ﵃ ﴿وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال﴾. وفي ﴿الجبال﴾ التي عنى زوالها بمكرهم قولان: أحدهما: جبال الأرض. الثاني: الإسلام والقرآن , لأنه لثبوته , ورسوخه كالجبال.

стр. 1828

﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾ قوله : ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة , لم تعمل عليها خطيئة , قاله ابن مسعود. وقال ابن عباس: تبدل الأرض من فضة بيضاء. الثاني: أنها هي هذه الأرض , وإنما تبدل صورتها ويطهر دنسها , قاله الحسن. ﴿السمواتُ﴾ فيها ستة أقاويل:

стр. 1829

أحدها: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض فتجعل السماء من ذهب , والأرض من فضة , قاله علي بن أبي طالب. الثاني: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض , فتصير السموات جناناً والبحار نيراناً وتبدل الأرض بغيرها , قاله كعب الأحبار. الثالث: أن تبديل السموات تكوير شمسها وتكاثر نجومها , قاله ابن عيسى. الرابع: أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتب , قاله القاسم بن يحيى. الخامس: أن تبديلها أن تنشق فلا تظل , قاله ابن شجرة. السادس: أن تبديلها اختلاف أحوالها , تكون في حال كالمهل , وفي حال كالوردة , وفي حال كالدهان , حكاه ابن الأنباري. ﴿وبرزوا لله الواحد القهار﴾ أي صاروا إلى حكم الله تعالى وأمره فروى الحسن قال: قالت عائشة ﵂: يا رسول الله يوم تبدَّل الأرض غير الأرض أين الناس يومئذٍ؟ قال (إن هذا الشيء ما سألني عنه أحد ثم قال على الصراط يا عايشة).

стр. 1830

﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب﴾ قوله : ﴿وترى المجرمين يومئذٍ مقرنين في الأصفاد﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الأصفاد الأغلال , واحدها صفد , ومنه قول حسان: (ما بين مأسورٍ يشد صِفادُهُ ... صقرٍ إذا لاقى الكريهة حامي)

стр. 1831

الثاني: أنها القيود , ومنه قول عمرو بن كلثوم: (فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأُبنا بالملوكِ مُصَفّدينا) أي مقيّدين. وأما قول النابغة الذبياني: (هذا الثناء فإن تسمع لقائله ... فلم أعرض , أبيت اللعن , بالصفدِ) فأراد بالصفد العطية , وقيل لها صف لأنها تقيد المودة. وفي المجرمين المقرنين في الأصفاد قولان: أحدهما: أنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. الثاني: أنه يجمع بين الكافر والشيطان في الأصفاد. قوله : ﴿سرابيلهم مِن قطرانٍ﴾ السرابيل: القمص , واحدها سربال , ومنه قول الأعشى: (عهدي بها في الحي قد سربلت ... صفراء مثل المهرة الضامر) وفي القطران ها هنا قولان: أحدهما: أنه القطران الذي تهنأ به الجمال , قاله الحسن , وإنما جعلت سرابيلهم من قطران لإسراع النار إليها. الثاني: أنه النحاس الحامي , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير ﴿من قطران﴾ بكسر القاف وتنوين الراء وهمزآن لأن القطر النحاس , ومنه قوله تعالى ﴿آتوني أفرغ عليه قطراً﴾ [الكهف: ٩٦] والآني: الحامي , ومنه قوله تعالى ﴿وبين حَمِيمٍ آن﴾ [الرحمن: ٤٤].

стр. 1832

﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله وحدٌ وليذكرا أولوا الألباب﴾ قوله : ﴿هذا بلاغ للناس﴾ فيه قولان: أحدهما: هذا الإنذار كاف للناس، قاله ابن شجرة. الثاني: هذا القرآن كافٍ للناس، قاله ابن زيد. ﴿ولينذروا به﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالرسول. الثاني: بالقرآن. ﴿وليعلموا أنما هو إله واحدٌ﴾ لما فيه من الدلائل على توحيده. ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ فيه وجهان: أحدهما: وليتغظ، قاله الكلبي. الثاني: ليسترجع يعني بما سمع من المواعظ. أولوا الألباب، أي ذوو العقول. وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁.

стр. 1833

سورة الحجر مكية باتفاق إلا قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ فمدنية: بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 1834

﴿الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾ ﴿ألر تلك أياتُ الكتاب وقرآن مبينٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الكتاب هو القرآن , جمع له بين الاسمين. الثاني: أن الكتاب هو التوراة والانجيل , ثم قرنها بالقرآن بالقرآن المبين. وفي المراد بالمبين ثلاثة أوجه: أحدها: المبين إعجازه حتى لا يعارض. الثاني: المبين الحق من الباطل حتى لا يشكلا. الثالث: المبين الحلال من الحرام حتى لا يشتبها. قوله : ﴿رُبما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ وفي زمان هذا التمني ثلاثة أقاويل: أحدها: عند المعاينة في الدنيا حين يتبين لهم الهدى من الضلالة، قاله الضحاك.

стр. 1835

الثاني: في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين. الثالث: إذا دخل المؤمن الجنة , والكافر النار. وقال الحسن: إذا رأى المشركون المؤمنين وقد دخلوا الجنة وصاروا هم إلى النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين. وربما مستعملة في هذا الموضع للكثير , وإن كانت في الأصل موضوعة للتقليل , كما قال الشاعر: (ألا ربّما أهدت لك العينُ نظرة ... قصاراك مِنْها أنها عنك لا تجدي) وقال بعضهم هي للتقليل أيضاً في هذا الموضع , لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها.

стр. 1836

﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ قوله : ﴿وما أهلكنا من قرية﴾ يعني من أهل قرية. ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أجل مقدر. الثاني: فرض محتوم. قوله : ﴿ما تسبق من أمةٍ أجَلَها وما يَستأخرون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يتقدم هلاكهم عن أجله ولا يتأخر عنه. الثاني: لا يموتون قبل العذاب فيستريحوا , ولا يتأخر عنهم فيسلموا. وقال الحسن فيه تأويلاً ثالثاً: ما سبق من أمة رسولها وكتابها فتعذب قبلهما ولا يستأخر الرسول والكتاب عنها.

стр. 1837

﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾

стр. 1838

قوله : ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: إلا بالقرآن , قاله القاسم. الثاني: إلا بالرسالة , قاله مجاهد. الثالث: إلا بالقضاء عند الموت لقبض أرواحهم , قاله الكلبي. الرابع: إلا بالعذاب إذا لم يؤمنوا , قاله الحسن. ﴿وما كانوا إذاً منظرين﴾ أي مؤخَّرين. قوله : ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ قال الحسن والضحاك يعني القرآن. ﴿وإنا له لحافظون﴾ فيه قولان: أحدهما: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه , حكاه ابن جرير. الثاني: وإنا للقرآن لحافظون. وفي هذا الحفظ ثلاثة أوجه: أحدها: حفظه حتى يجزى به يوم القيامة , قاله الحسن. الثاني: حفظه من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً , أو يزيل منه حقاً , قاله قتادة. الثالث: إنا له لحافظون في قلوب من أردنا به خيراً , وذاهبوان به من قلوب من أردنا به شراً.

стр. 1839

﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين﴾ قوله : ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشيع الأمم , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أن الشيع جمع شيعة , والشيعة الفرقة المتآلفة المتفقة الكلمة , فكأن الشيع الفرق , ومنه قوله تعالى ﴿أو يلبسكم شيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥] أي فرقاً , وأصله مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار , فهو عون النار.

стр. 1840

الثالث: أن الشيع القبائل , قاله الكلبي. قوله : ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين , وإن لم يعرفوا , قاله قتادة. الثاني: كذلك نسلك التكذيب في قلوب المجرمين , قاله ابن جريج. الثالث: كذلك نسلك القرآن في قلوب المجرمين , وإن لم يؤمنوا , قاله الحسن. الرابع: كذلك إذا كذب به المجرمون نسلك في قلوبهم أن لا يؤمنوا به. قوله : ﴿لا يؤمنون به﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالقرآن أنه من عند الله. الثاني: بالعذاب أن يأتيهم. ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ السنة: الطريقة , قال عمر بن أبي ربيعة: (لها من الريم عيناه وسُنّتُهُ ... ونحرُه السابق المختال إذ صَهَلا) فيه وجهان: أحدهما: قد خلت سنة الأولين بالعذاب لمن أقام على تكذيب الرسل. الثاني: بأن لا يؤمنوا برسلهم إذا عاندوا. ويحتمل ثالثاً: بأن منهم مؤمناً وكافراً. كما يحتمل رابعاً: من أقام على الكفر بالمعجزات بعد مجيء ما طلب من الآيات.

стр. 1841

﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ قوله : ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون﴾ فيه وجهان:

стр. 1842

أحدهما: فظل هؤلاء المشركون يعرجون فيه , قاله الحسن وقتادة. الثاني: فظلت الملائكة فيه يعرجون وهم يرونهم , قاله ابن عباس والضحاك. قوله : ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ في ﴿سكرت﴾ قراءتان: إحداهما بتشديد الكاف , والثانية بتخفيفها , وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: معناهما واحد , فعلى هذا ستة تأويلات: أحدها: سُدّت , قاله الضحاك. الثاني: عميت , قاله الكلبي. الثالث: أخذت , قاله قتادة. الرابع: خدعت , قاله جويبر. الخامس: غشيت وغطيت , قاله أبو عمرو بن العلاء , ومنه قول الشاعر: (وطلعت شمسٌ عليها مغفر ... وجَعَلَتْ عين الحرورو تسكر) السادس: معناه حبست , قاله مجاهد. ومنه قول أوس بن حجر: (فصرن على ليلة ساهرة ... فليست بطلقٍ ولا ساكرة) والوجه الثاني: أن معنى سكرت بالتشديد والتخفيف مختلف , وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: أن معناه بالتخفيف سُحِرَتْ , وبالتشديد: أخذت. الثاني: أنه بالتخفيف من سُكر الشراب , وبالتشديد مأخوذ من سكرت الماء. ﴿بل نحن مسحورون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي سحرنا فلا نبصر. الثاني: مضللون، حكاه ثعلب.

стр. 1843

الثالث: مفسدون.

стр. 1844

﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ قوله : ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجاً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنها قصور في السماء فيها الحرس , قاله عطية. الثاني: أنها منازل الشمس والقمر , قاله علي بن عيسى. الثالث: أنها الكواكب العظام , قاله أبو صالح , يعني السبعة السيارة. الرابع: أنها النجوم , قاله الحسن وقتادة. الخامس: أنها البروج الاثنا عشر. وأصل البروج الظهور , ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت نفسها. ﴿وزيناها للناظرين﴾ أي حسنّاها. ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ يعني السماء. وفي الرجيم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الملعون , قاله قتادة. الثاني: المرجوم بقول أو فعل , ومنه قول الأعشى: (يظل رجيماً لريب المنون ... والسقم في أهله والحزن) الثالث: أنه الشتيم. زعم الكلبي أن السموات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى زمن عيسى , فلما بعث الله تعالى عيسى حفظ منها ثلاث سموات , إلى مبعث رسول الله ﷺ فحفظ جميعها بعد بعثه وحرسها منهم بالشهب. قوله : ﴿إلا من استرق السمع﴾ ومسترق السمع من الشياطين يسترقه من أخبار الأرض دون الوحي , لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم. ومن استراقهم له قولان:

стр. 1845

أحدهما: أنهم يسترقونه من الملائكة في السماء. الثاني: في الهواء عند نزول الملائكة من السماء. وفي حصول السمع قبل أخذهم بالشهاب قولان: أحدهما: أن الشهاب يأخذهم قبل وصولهم إلى السمع , فيصرفون عنه. الثاني: أنه يأخذهم بعد وصول السمع إليهم. وفي أخذهم بالشهاب قولان: أحدهما: أنه يخرج ويحرق ولا يقتل , قاله ابن عباس. الثاني: أنه يقتل , قاله الحسن وطائفة. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم , فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء , قاله ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة. الثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن , ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الإستراق وانقطع الإحراق. وفي الشهب التي يرجمون بها قولان: أحدهما: أنها نور يمتد بشدة ضيائه فيحرقهم ولا يعود , كما إذا أحرقت النار لم تعد. الثاني: أنها نجوم يرجمون بها وتعود إلى أماكنها , قال ذو الرمة: (كأنه كوكب في إثر عفريةٍ ... مُسَوَّمٌ في سوادِ الليل منقضبُ) قوله : ﴿والأرض مددناها﴾ أي بسطناها. قال قتادة. بسطت من مكة لأنها أم القرى. ﴿وألقينا فيها رواسي﴾ وهي الجبال. ﴿وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني مقدر معلوم , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قيل

стр. 1846

﴿موزون﴾ لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء. قاله الشاعر: (قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّةٍ ... عندي لكل مُخاصِم ميزانُه) الثاني: يعني به الأشياء التي توزن في أسواقها , قاله الحسن وابن زيد. الثالث: معناه مقسوم , قاله قتادة. الرابع: معناه معدود , قاله مجاهد. ويحتمل خامساً: أنه ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدراً وأعم نفعاً مما لا ثمن له. قوله : ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الملابس , قاله الحسن. الثاني: أنها المطاعم والمشارب التي يعيشون فيها , ومنه قول جرير: (تكلفني معيشة آل زيدٍ ... ومَن لي بالمرقق والصنابِ) الثالث: أنها التصرف في أسباب الرزق مدة أيام الحياة , وهو الظاهر. ﴿ومن لستم له برازقين﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الدواب والأنعام , قاله مجاهد. الثاني: أنها الوحوش , قاله منصور. الثالث: العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١] قاله ابن بحر.

стр. 1847

﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم﴾

стр. 1848

قوله : ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ يعني وإن من شيء من أرزاق الخلق إلا عندنا خزائنه وفيه وجهان: أحدهما: يعني مفاتيحه لأن في السماء مفاتيح الأرزاق , وهو معنى قول الكلبي. الثاني: أنها الخزائن التي هي مجتمع الأرزاق. وفيها وجهان: أحدهما: ما كتبه الله تعالى وقدره من أرزاق عباده. الثاني: يعني المطر المنزل من السماء , لأنه نبات كل شيء , قال الحسن: المطر خزائن كل شيء. ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ قال ابن مسعود: ما كان عامٌ بأمطر من عام ولكن الله يقسمه حيث يشاء , فيمطر قوماً ويحرم آخرين. قوله : ﴿وأرسلنا الرياحَ لواقِحَ﴾ فيه قولان: أحدهما: لواقح السحاب حتى يمطر , قاله الحسن وقتادة , وكل الرياح لواقح. غير أن الجنوب ألقح وقد روي عن النبي ﷺ : (ما هبت ريح جنوب إلا أنبع الله تعالى بها عيناً غدقة). الثاني: لواقح للشجر حتى يثمر , قاله ابن عباس. وقال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح. وقال عبيد بن عمير: يرسل الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قمّاً، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب , ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر. قوله : ﴿فأنزلنا من السماء ماءً﴾ يعني من السحاب مطراً. ﴿فأسقيناكموه﴾ أي مكناكم منه , والفرق بين السقي والشرب أن السقي بذل

стр. 1849

المشروب , والشرب: استعمال المشروب , فصار الساقي باذلاً , والشارب مستعملاً. ﴿وما أنتم له بخازنين﴾ فيه وجهان: أحدهما: بخازني الماء الذي أنزلناه. الثاني: بمانعي الماء الذي أنزلناه. قوله : ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد عَلِمنا المستأخرين﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أن المستقدمين الذين خلقوا , والمستأخرين الذين لم يخلقوا , قاله عكرمة. الثاني: المستقدمين الذين ماتوا , والمستأخرين الذين هم أحياء لم يموتوا , قاله الضحاك. الثالث: المستقدمين أول الخلق , والمستأخرين آخر الخلق , قاله الشعبي. الرابع: المستقدمين أول الخلق ممن تقدم على أمة محمد , والمستأخرين أمة محمد ﷺ , قاله مجاهد. الخامس: المستقدمين في الخير , والمستأخرين في الشر , قاله قتادة. السادس: المستقدمين في صفوف الحرب , والمستأخرين فيها , قاله سعيد بن المسيب. السابع: المستقدمين من قتل في الجهاد , والمستأخرين من لم يقتل , قاله القرظي. الثامن: المستقدمين في صفوف الصلاة , والمستأخرين فيها. روى عمر بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت تصلي

стр. 1850

خلف رسول الله ﷺ امرأةٌ من أحسن الناس , لا والله ما رأيت مثلها قط , فكان بعض الناس يستقدم في الصف الأول لئلا يراها , ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه في الصف , فأنزل الله تعالى في شأنها هذه الآية.

стр. 1851

﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ قوله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حَمَإٍ مسنون﴾ أما الإنسان ها هنا فهو آدم ﵇ في قول أبي هريرة والضحاك. أما الصلصال ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار , فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة , قاله ابن عباس وقتادة , ومنه قول الشاعر: (وقاعٍ ترى الصَّلصال فيه ودونه ... بقايا بلالٍ بالقرى والمناكبِ) والصلصة: الصوت الشديد المسموع من غير الحيوان , وهو مثل القعقعة في الثوب. الثاني: أنه طين خلط برمل , قاله عكرمة. الثالث: أنه الطين المنتن , قاله مجاهد , مأخوذ من قولهم: صَلَّ اللحمُ وأصَلَّ إذا أنتن , قال الشاعر: (ذاك فتى يبذل ذا قدرِهِ ... لا يفسد اللحم لديه الصلول) والحمأ: جمع حمأة وهو الطين الأسود المتغير. وفي المسنون سبعة أقاويل:

стр. 1852

أحدها: أن المسنون المنتن المتغير , من قولهم قد أسن الماء إذا تغير , قاله ابن عباس , ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: (سَقَتْ صدايَ رضاباً غير ذي أَسَنٍ ... كالمسكِ فُتَّ على ماءٍ العناقيد) الثاني: أن المسنون المنصوب القائم , من قولهم وجه مسنون , قاله الأخفش. الثالث: أن المسنون المصبوب , من قولهم سنيتُ الماء على الوجه إذا صببته عليه , قاله أبو عمرو بن العلاء , ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه ولا يشنُّه , والشن تفريق الماء , والسن صبه. الرابع: أن المسنون الذي يحك بعضه بعضاً , من قولهم سننت الحجر على الحجر إذا حككت أحدهما بالآخر , ومنه سمي المسَنّ لأن الحديد يسن عليه , قاله الفراء. الخامس: أن المسنون المنسوب. السادس: أنه الرطب , قاله ابن أبي طلحة. السابع: أنه المخلص من قولهم سن سيفك أي اجلهُ. قوله : ﴿والجانَّ خلقناه من قبل من نار السموم﴾ وفي الجان ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إبليس , قاله الحسن. الثاني: أنهم الجن حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه أبو الجن قاله الكلبي فآدم أبو الإنس , والجان: أبو الجن , وإبليس أبو الشياطين. قال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين. والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. والجن يموتون , ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. ﴿خلقناه من قبل﴾ يعني من قبل آدم. قال قتادة: لأن آدم إنما خلق آخر الخلق.

стр. 1853

وقوله تعالى: ﴿من نار السّموم﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني من لهب النار , قاله ابن عباس. الثاني: يعني من نار الشمس , قاله عمرو بن دينار. الثالث: من حر السموم , والسموم: الريح الحارة. ذكره ابن عيسى. الرابع: أنه نار السموم نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها , قاله الكلبي وسمي سموماً لدخوله في مسام البدن.

стр. 1854

﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ قوله : ﴿قال رَبِّ فأنظرني إلى يوم يبعثونَ﴾ وهذا السؤال من إبليس لم يكن من ثقة منه بمنزلته عند الله تعالى وأنه أهل أن يجاب له دعاء , ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة. وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون أن لا يموت , لأن يوم البعث لا موت فيه ولا بعده. فقال الله تعالى: ﴿فإنك من المنظرين﴾ يعني من المؤجلين. ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ فلم يجبه إلى البقاء. وفي الوقت المعلوم وجهان: أحدهما: معلوم عند الله تعالى , مجهول عند إبليس.

стр. 1855

الثاني: إلى يوم النفخة الأولى يموت إبليس. وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. فتكون مدة موت إبليس أربعين سنة , وهو قول ابن عباس وسمي يوم الوقت المعلوم لموت جميع الخلائق فيه. وليس هذا من الله تعالى إجابة لسؤاله , لأن الإجابة تكرمة , ولكن زيادة في بلائه , ويعرف أنه لا يضر بفعله غير نفسه. وفي كلام الله تعالى له قولان: أحدهما: أنه كلمه على لسان رسول. الثاني: أنه كلمه تغليظاً في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب.

стр. 1856

﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ قوله : ﴿قال ربِّ بما أغوَيتني﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بما أضللتني , قاله ابن عباس. الثاني: بما خيبتني من رحمتك. الثالث: بما نسبتني إلى الإغواء. ويحتمل هذا من إبليس وجهين: أحدهما: أنه يقوله على وجه القسم وتقديره: وحق إغوائك لي. الثاني: أنه يقوله على وجه الجزاء , وتقديره لأجل إغوائك لي. ﴿لأزينن لهم في الأرض﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لأزينن لهم فعل المعاصي. الثاني: لأشغلنهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة.

стр. 1857

﴿ولأغوينهم أجمعين﴾ أي لأضلنهم عن الهدى. ﴿إلاّ عبادك منهم المخلصين﴾ وهم الذين أخلصوا العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى ﵇ عن المخلص لله , فقال: الذي يعمل لله ولا يحب أن يحمده الناس. قوله : ﴿قال هذا صراطٌ عليَّ مستقيم﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة , قاله عمر ﵁. الثاني: هذا صراط إليَّ مستقيم , قاله الحسن فتكون عليَّ بمعنى إليَّ. الثالث: أنه وعيد وتهديد , ومعناه أن طريقه إليَّ ومرجعه عليَّ , كقول القائل لمن يهدده ويوعده: عليَّ طريقك , قاله مجاهد. الرابع: معناه هذا صراط , عليّ استقامته بالبيان والبرهان. وقيل بالتوفيق والهداية. وقرأ الحسن وابن سيرين: ﴿عليٌّ مستقيم﴾ برفع الياء وتنوينها , ومعناه رفيع مستقيم , أي رفيع أن ينال , مستقيم أن يمال.

стр. 1858

﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ قوله : ﴿ادخلوها بسلامٍ آمنين﴾ في قوله ﴿بسلام﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: بسلامة من النار , قاله القاسم ابن يحيى. الثاني: بسلامة تصحبكم من كل آفة , قاله علي بن عيسى. الثالث: بتحية من الله لهم , وهو معنى قول الكلبي. ﴿آمنين﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1859

أحدها: آمنين من الخروج منها. الثاني: آمنين من الموت. الثالث: آمنين من الخوف والمرض. قوله : ﴿ونزعنا ما في صدورهم مِنْ غِلٍّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: نزعنا بالإسلام ما في صدورهم من غل الجاهلية , قاله علي بن الحسين. الثاني: نزعنا في الآخرة ما في صدورهم من غل الدنيا , قاله الحسن , وقد رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. ﴿إخواناً عَلَى سُرُرٍ متقابلين﴾ في السرر وجهان: أحدهما: أنه جمع أسرة هم عليها. الثاني: أنه جمع سرورهم فيه. وفي ﴿متقابلين﴾ خمسة أوجه: أحدها: متقابلين بالوجوه يرى بعضهم بعضاً فلا يصرف طرفه عنه تواصلاً وتحابياً , قاله مجاهد. الثاني: متقابلين بالمحبة والمودة , لا يتفاضلون فيها ولا يختلفون , قاله علي بن عيسى. الثالث: متقابلين في المنزلة لا يفضل بعضهم فيها على بعض لاتفاقهم على الطاعة واستهوائهم في الجزاء , قاله أبو بكر بن زياد. الرابع: متقابلين في الزيارة والتواصل , قاله قتادة. الخامس: متقابلين قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهم بالود، حكاه القاسم.

стр. 1860

قيل إن هذه الآية نزلت في العشرة من قريش. وروي عن علي ﵁ أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير منهم. قوله : ﴿نَبِّىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ سبب نزولها ما روي أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يضحكون , فقال: (تضحكون وبين أيديكم الجنة والنار) فشق ذلك عليهم , فأنزل الله تعالى: ﴿نَبِّىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾.
следующие страницы →