← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على

стр. 2452

الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ قوله تعالى: ﴿مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه العيد , قاله ابن قتيبة. الثاني: أنها المواضع المعتادة لمناسك الحج والعمرة , قاله الفراء. الثالث: المذبح , قاله الضحاك. الرابع: المنسك الْمُتَعَبد والنسك العِبَادَة ومنه سمي العَابِدُ ناسكاً , قاله الحسن.

стр. 2453

﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم: فإن قيل فأين المثل المضروب؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاُ في عبادته غيره , قاله الأخفش. الثاني: أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذباباً , قاله ابن قتيبة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:

стр. 2454

أحدها: أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله. الثاني: أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله. الثالث: أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله. ﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشىء دون المخلوق المنشأ , وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته , وسُمِّي ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها. والثاني: أَلَمُهُ في قرض أبدانهم , فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العَابِد والمَعْبُود , فيكون في معناه وجهان: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العابد والمعبود. الثاني: قهر العابد والمعبود. والاحتمال الثاني: أن يكون عائداً للسالب فيكون في معناه وجهان: أحدهما: ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُصْرَة. الثاني: ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة. ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما عظموه حق عظمته , قاله الفراء. الثاني: ما عرفوه حق معرفته , قاله الأخفش. الثالث: ما وصفوه حق صفته , قاله قطرب. قال ابن عباس: نزلت في يهود المدينة حين قالواْ استراح الله في يوم السبت.

стр. 2455

﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع

стр. 2456

بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور﴾ قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما بين أيديهم: ما كان قبل خلق الملائكة والأنبياء , وما خلفهم: ما يكون بعد خلقهم، حكاه ابن عيسى. الثاني: ما بين أيديهم: أول أعمالهم , وما خلفهم آخر أعمالهم، قاله الحسن. الثالث: ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا، قاله يحيى بن سلام. ويحتمل رابعاً: ما بين أيديهم: من أمور السماء، وما خلفهم: من أمور الأرض.

стр. 2457

﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِِهِ﴾ قال السدي: اعملوا لله حق عمله , وقال الضحاك أن يطاع فلا يعصى ويُذْكر فلا يُنْسَى ويُشْكر فلا يُكْفَر. وهو مثل قوله تعالى: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. واختلف في نسخها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 2458

والثاني: أنها ثابتة الحكم لأن حق جهاده ما ارتفع معه الحرج , روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : (خَيْرُ دِيْنِكُمْ أَيْسَرَهُ). ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي اختاركم لدينه. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يعني من ضيق , وفيه خمسة أوجه: أحدها: أنه الخلاص من المعاصي بالتوبة. الثاني: المخرج من الأيمان بالكفارة. الثالث: أنه تقديم الأهلة وتأخيرها في الصوم والفطر والأضحى , قاله ابن عباس. الرابع: أنه رخص السفر من القصر والفطر. الخامس: أنه عام لأنه ليس في دين الإٍسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من المأثم فيه. ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه وسع عليكم في الدين كما وسع ملة أبيكم إبراهيم. الثاني: وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم. الثالث: أن ملة إبراهيم وهي دينه لازمة لأمة محمد ﷺ , وداخلة في دينه. الرابع: أن علينا ولاية إبراهيم وليس يلزمنا أحكام دينه.

стр. 2459

﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الله سماكم المسلمين من قبل هذا القرآن وفي هذا القرآن , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أن إبراهيم سماكم المسلمين , قاله ابن زيد احتجاجاً بقوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليكون الرسول شهيداً عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم , وتكونوا شهداء على الناس تُبَلِغُونَهُم رسالة ربهم كما بلغتم إليهم ما بلغه الرسول إليكم. الثاني: ليكون الرسول شهيداً عليكم بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس بأن رُسُلَهُم قد بَلَّغُوهم. ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ يعني المفروضة. ﴿وَءَآتُواْ الزَّكَاةِ﴾ يعنى الواجبة. ﴿وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: امتنعوا بالله , وهو قول ابن شجرة. والثاني: معناه تمسّكوا بدين الله , وهو قول الحسن. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مَالِكُكُم. الثاني: وليكم المتولي لأموركم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصَيرُ﴾ أي فنعم المولى حين لم يمنعكم الرزق لما عصيتموه , ونعم النصير حين أعانكم لما أطعتموه.

стр. 2460

سورة المؤمنون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2461

﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه قد سعد المؤمنون ومنه قول لبيد: (فاعقلي إن كنت لم تعقلي ... إنما أفلح من كان عقل) الثاني: أن الفلاح البقاء ومعناه قد بقيت لهم أعمالهم , وقيل: إنه بقاؤهم في الجنة , ومنه قولهم في الأذان: حي على الفلاح أي حي على بقاء الخير قال طرفة بن العبد: (أفبعدنا أو بعدهم. . ... . يرجى لغابرنا الفلاح)

стр. 2462

الثالث: أنه إدْراك المطالب قال الشاعر: (لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح) قال ابن عباس: المفلحون الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. روى عمر بن الخطاب قال كان النبي صل الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يسمع عند وجهه دويٌ كدوي النحل , فنزل عليه يوماً فلما سرى عنه استقبل القبلة ورفع يديه ثم قال: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تُنْقِصْنَا , وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا , وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا , وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَينَا , وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا) ثم قال: (لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ عَشْرَ أَيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ثم قرأ علينا ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر. روى أبو عمران الجوني قال قيل لعائشة ما كان خُلُق رسول الله صل الله عليه وسلم؟ , قالت أتقرأُون سورة المؤمنون؟ قيل: نعم , قالت اقرأُوا فقرىء عليها ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى بَلَغَ ﴿يَحَافِظُونَ﴾. فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ . قوله تعالى: ﴿الَّذِيِنَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: خائفون، وهوقول الحسن، وقتادة. والثاني: خاضعون، وهو قول ابن عيسى. والثالث: تائبون، وهو قول إبراهيم.

стр. 2463

والرابع: أنه غض البصر، وخفض الجناح، قاله مجاهد. الخامس: هو أن ينظر إلى موضع سجوده من الأرض، ولا يجوز بصره مُصَلَاّهُ، فقد روي أن النبي ﷺ كان يرفع بصره إلى السماء فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فصار لا يجوِّز بصره مُصَلَاّهُ. فصار في محل الخشوع على هذه الأوجه قولان: أحدهما: في القلب خاصة , وهو قول الحسن وقتادة. والثاني: في القلب والبصر , وهو قول الحسن وقتادة. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن اللغو الباطل , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الكذب , قاله ابن عباس. الثالث: أنه الحلف , قاله الكلبي. الرابع: أنه الشتم لأن كفار مكة كانوا يشتمون المسلمين فهو عن الإِجابة , حكاه النقاش. الخامس: أنها المعاصي كلها، قاله الحسن.

стр. 2464

قوله: ﴿أُوْلئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: (مَا مِنْكُم إِلَاّ لَهُ مَنزِلَانِ: مَنزِلٌ فِي الجَنَّةِ وَمَنزِلٌ فِي النَّارِ , فَإِن مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ , وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ , وإِنْ مَاتَ وََدَخَلَ الجَنَّةَ , وَرِثَ أَهْلُ النَّارِ مَنزِلَهُ , فَذلِكَ قولَه ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾) ثم بيَّن ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الجنة , قاله الحسن. الثاني: أنه أعلى الجنان قاله قطرب. الثالث: أنه جبل الجنة الذي تتفجر منه أنهار الجنة , قاله أبو هريرة. الرابع: أنه البستان وهو رومي معرب , قاله الزجاج. الخامس: أنه عربي وهو الكرم , قاله الضحاك.

стр. 2465

﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقنَا الإِنْسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: آدم استل من طين , وهذا قول قتادة , وقيل: لانه اسْتُلَ من قِبَل ربه. والثاني: أن المعني به كل إنسان , لأنه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة من طين , قاله ابن عباس , ومجاهد , وقيل: لأنه استل من نطفة أبيه , والسلالة من كل شيء صفوته التي تستل منه , قال الشاعر: (وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراسٍ تجلّلها بغل) وقال الزجاج: السلالة القليل مما ينسل , وقد تُسَمَّى , المضغة سلالة والولد سلالة إما لأنهما صفوتان على الوجه الأول , وإما لأنهما ينسلان على الوجه الثاني،

стр. 2466

وحكى الكلبي: أن السلالة الطين الذي إذا اعتصرته بين أصابعك خرج منه شيء , ومنه قول الشاعر: (طوت أحشاء مرتجةٍ لوقت ... على مشج سلالته مهينُ) وحكى أبان بن تغلب أن السلالة هي التراب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت. (خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطّْفَةً﴾ النطفة هي ماء الذكر الذي يعلق منه الولد , وقد ينطلق اسم النطفة على كل ماء , قال بعض شعراء هذيل: (وأنهما لحرّابا حروب ... وشرّابان بالنطف الظوامي) قوله تعالى: ﴿فِي قَرَارٍ مَّكينٍ﴾ يعني بالقرار الرحم , ومكين: أي متمكن قد هيىء لاستقراره فيه. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ العلقة الدم الطري الذي خلق من النطفة سُمّيَ علقة لأنه أول أحوال العلوق. ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قدر ما يمضغ من اللحم. ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمَاً﴾ وإنما بين الله أن الإِنسان تنتقل أحوال خلقه ليعلم نعمته عليه وحكمته فيه , وإن بعثه بعد الموت حياً أهون من إنشائه ولم يكن شيئاً. ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بنفخ الروح فيه , وهذا قول ابن عباس والكلبي. والثاني: بنبات الشعر , وهذا قول قتادة. والثالث: أنه ذكر وأنثى , وهذا قول الحسن. والرابع: حين استوى به شبابه , وهذا قول مجاهد. ويحتمل وجهاً خامساً: أنه بالعقل والتمييز.

стр. 2467

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿ثَمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقَاً آخَرَ﴾. قال عمر بن الخطاب: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

стр. 2468

﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين﴾ قوله: ﴿سَبْعَ طَرآئِقَ﴾ أي سبع سموات , وفي تسميتها طرائق ثلاثة أوجه: أحدها: لأن كل طبقة على طريقة من الصنعة والهيئة. الثاني: لأن كل طبقة منها طريق الملائكة , قاله ابن عيسى. الثالث: لأنها طباق بعضها فوق بعض , ومنه أخذ طراق الفحل إذا أطبق عليها ما يمسكها , قاله ابن شجرة , فيكون على الوجه الأول مأخوذاً من التطرق , وعلى الوجه الثاني مأخوذاً من التطارق. ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلقِ غَافِلِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: غافلين عن حفظهم من سقوط السماء عليهم , قاله ابن عيسى. الثاني: غافلين عن نزول المطر من السماء عليهم , قاله الحسن. الثالث: غافلين , أي عاجزين عن رزقهم , قاله سفيان بن عيينة. وتأول بعض المتعمقة في غوامض المعاني سبع طرائق: أنها سبع حجب بينه وبين ربه، الحجاب الأول قلبه، الثاني جسمه، الثالث نفسه، الرابع عقله، الخامس علمه، السادس إرادته، السابع مشيئته توصله إن صلحت وتحجبه إن فسدت , وهذا تكلف بعيد.

стр. 2469

﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ قوله تعالى: ﴿وَشَجَرةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنآءَ﴾ هي شجر الزيتون , وخصت بالذكر لكثرة منفعتها وقلة تعاهدها. وفي طور سيناء خمسة تأويلات: أحدها: أن سيناء البركة فكأنه قال جبل البركة , قاله ابن عباس , ومجاهد. الثاني: أنه الحسن المنظر , قاله قتادة. الثالث: أنه الكثير الشجر , قاله ابن عيسى. الرابع: أنه اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى , قاله أبو عبيدة. الخامس: أنه المرتفع مأخوذ من النساء , وهو الارتفاع فعلى هذا التأويل يكون اسماً عربياً وعلى ما تقدم من التأويلات يكون اسماً أعجمياً واختلف القائلون بأعجميته على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سرياني , قاله ابن عباس. الثاني: نبطي. الثالث: حبشي. ﴿تَنْبُتْ بِالدُّهْنِ﴾ اختلف في الدهن هنا على قولين: أحدهما: أن الدهن هنا المطر اللين، قاله محمد بن درستويه، ويكون دخول الباء تصحيحاً للكلام. الثاني: أنه الدهن المعروف أي بثمر الدهن. وعلى هذا اختلفوا في دخول الباء على وجهين:

стр. 2470

أحدهما: أنها زائدة وأنها تنبت الدهن , قاله أبو عبيدة وأنشد: ٨٩ (نضرب بالسيف ونرجو بالفرج﴾ ٩ فكانت الباء في بالفرج زائدة كذلك في الدهن وهي قراءة ابن مسعود. الثاني: أن الباء أصل وليست بزائدة , وقد قرىء تنبت بالدهن بفتح التاء الأولى إذا كانت التاء أصلاً ثابتاً. فإن كانت القراءة بضم التاء الأولى فمعناه تنبت وينبت بها الدهن ومعناهما إذا حقق متقارب وإن كان بينهما أدنى فرق. وقال الزجاج: معناه ينبت فيها الدهن , وهذه عبرة: أن تشرب الماء وتخرج الدهن. ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ﴾ أي إدام يصطبغ به الآكلون , وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الزَّيتُ مِنْ شَجَرةٍ مُبَارَكَةٍ فَائْتَدِمُواْ بِهِ وَادَّهِنُوا) وقيل إن الصبغ ما يؤتدم به سوى اللحم.

стр. 2471

﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين﴾

стр. 2472

قوله : ﴿مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِيءَابَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما سمعنا بمثل دعوته. والثاني: ما سمعنا بمثله بشراً أتى برسالة من ربه. وفي أبائهم الأولين وجهان: أحدهما: أنه الأب الأدنى , لأنه أقرب , فصار هو الأول. والثاني: أنه الأب الأبعد لأنه أوّل أبٍ وَلدَك. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حتى يموت. الثاني: حتى يستبين جنونه.

стр. 2473

﴿قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين﴾ قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورَ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: تنور الخابزة , قاله الكلبي. الثاني: أنه آخر مكان في دارك , قاله أبو الحجاج. الثالث: أنه طلوع الفجر , قاله علي ﵁. الرابع: أنه مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لاشتداد الأمر كما قال النبي ﷺ : (الآن حَمِيَ الوَطِيسُ) قاله ابن بحر.

стр. 2474

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ قراءة الجمهور بضم الميم وفتح الزاي , وقرأ عاصم في رواية بكر بفتح الميم وكسر الزاي والفرق بينهما أن المُنزَلَ بالضم فعل النزول وبالفتح موضع النزول. ﴿وَأَنتَ خَيْرٌ الْمُنزِلِينَ﴾ في ذلك قولان: أحدهما: أن نوحاً قال ذلك عند نزوله في السفينة فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالسلامة والنجاة. الثاني: أنه قاله عند نزوله من السفينة , قاله مجاهد. فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالماء والشجر.

стр. 2475

﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين﴾ قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يموت منا قوم ويحيا منا قوم , قاله ابن عيسى. الثاني: يموت قوم ويولد قوم , قاله يحيى بن سلام , قال الكلبي , يموت الآباء ويحيا الأبناء.

стр. 2476

الثالث: أنه مقدم ومؤخر معناه نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين , قاله ابن شجرة. قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثآءً﴾ أي هلكى كالغثاء , وفي الغثاء ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه البالي من الشجر , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , وقتادة. والثاني: ورق الشجر إذا وقع في الماء ثم جف , وهذا قول قطرب. والثالث: هو ما احتمله الماء من الزبد والقذى , ذكره ابن شجرة وقاله الأخفش. ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فبعداً لهم من الرحمة كاللعنة , قاله ابن عيسى. الثاني: فبعداً لهم في العذاب زيادة في الهلاك , ذكره أبو بكر النقاش.

стр. 2477

﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون﴾ قوله: ﴿ثَمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فيه قولان: أحدهما: متواترين يتبع بعضهم بعضاً , قاله ابن عباس , ومجاهد. الثاني: منقطعين بين كل اثنين دهر طويل وهذا تأويل من قرأ بالتنوين. وفي اشتقاق تترى ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مشتق من وتر القوس لاتصاله بمكانه منه , قاله ابن عيسى. وهو اشتقاقه على القول الأول. الثاني: أنه مشتق من الوتر وهو الفرد لأن كل واحد بعد صاحبه فرد , قاله الزجاج , وهو اشتقاقه على التأويل الثاني. الثالث: أنه مشتق من التواتر , قاله ابن قتيبة ويحتمل اشتقاقه التأويلين معاً.

стр. 2478

﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون﴾ قوله: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: متكبرين , قاله المفضل. الثاني: مشركين , قاله يحيى بن سلام. الثالث: قاهرين , قاله ابن عيسى. الرابع: ظالمين , قاله الضحاك. قوله: ﴿ ... وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: مطيعون , قاله ابن عيسى. الثاني: خاضعون , قاله ابن شجرة. الثالث: مستبعدون , قاله يحيى بن سلام. الرابع: ما قاله الحسن كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون وكان فرعون يعبد الأصنام.

стр. 2479

﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مرْيَمَ وَأُمَّهُءَايَةً﴾ فآيته أن خلق من غير ذكر وآيتها أن حملت من غير بعل , ثم تكلم في المهد فكان كلامه آية له , وبراءة لها. ﴿وَءَاوَيْنَا هُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ﴾ الآية. الربوة ما ارتفع من الأرض وفيه قولان: أحدهما: أنها لا تسمى ربوة إلا إذا اخضرت بالنبات وربت , وإلاّ قيل نشز اشتقاقاً من هذا المعنى واستشهاداً بقول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٦٥] ويقول الشاعر: (طوى نفسه طيّ الحرير كأنه ... حوى جنة في ربوة وهو خاشع)

стр. 2480

الثاني: تسمى ربوة وإن لم تكن ذات نبات قال امرؤ القيس: (فكنت هميداً تحت رمس بربوة ... تعاورني ريحٌ جنوب وشمألُ) وفي المراد بها هنا أربعة أقاويل: أحدها: الرملة , قاله أبو هريرة. الثاني: دمشق , قاله ابن جبير. الثالث: مصر , قاله ابن زيد. الرابع: بيت المقدس. قاله قتادة , قال كعب الأحبار , هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وفي: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أربعة أوجه: أحدها: ذات استواء , قاله ابن جبير. الثاني: ذات ثمار , قاله قتادة. الثالث: ذات معيشة تقرهم , قاله الحسن. الرابع: ذات منازل تستقرون فيها , قاله يحيى بن سلام. وفي ﴿مَعَينٍ﴾ وجهان: أحدهما: أنه الجاري , قاله قتادة. الثاني: أنه الماء الطاهر , قاله عكرمة ومنه قول جرير: (إن الذين غروا بلبك غادروا ... وشلاً بعينك ما يزال معينا) أي ظاهراً , في اشتقاق المعين ثلاثة أوجه: أحدها: لأنه جار من العيون , قاله ابن قتيبة فهو مفعول من العيون. الثاني: أنه مشتق من المعونة. الثالث: من الماعون.

стр. 2481

﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما

стр. 2482

نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ قوله: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدةً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: دينكم دين واحد , قاله الحسن , ومنه قول الشاعر: (حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وهل يأتَمن ذو أمة وهو طائع) الثاني: جماعتكم جماعة واحدة , حكاه ابن عيسى. الثالث: خلقكم خلق واحد. قوله: ﴿فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ففرقوا دينهم بينهم قاله الكلبي. الثاني: انقطع تواصلهم بينهم. وهو محتمل. ﴿زُبُراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما يعني قطعاً وجماعات , قاله مجاهد , والسدي , وتأويل من قرأ بفتح الباء. الثاني: يعني , كتباً , قاله قتادة , وتأويل من قرأ بضم الباء ومعناه , أنهم تفرقوا الكتب , فأخذ كل فريق منهم كتاباً , آمن به وكفر بما سواه. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كل حزب بما تفردوا به من دين وكتاب فرحون. والثاني: كل حزب بما لهم من أموال وأولاد فرحون. وفي فرحهم وجهان: أحدهما: أنه سرورهم. والثاني: أنها أعمالهم. قوله : ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: في ضلالتهم , وهو قول قتادة.

стр. 2483

والثاني: في عملهم , وهو قول يحيى بن سلام. والثالث: في حيرتهم , وهو قول ابن شجرة. والرابع: في جهلهم , وهو قول الكلبي. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حتى الموت. والثاني: حتى يأتيهم ما وعدوا به , وهو يوم بدر. والثالث: أنه خارج مخرج الوعيد كما تقول للتوعد: لك يوم , وهذا قول الكلبي. قوله : ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي نعطيهم ونزيدهم من أموال وأولاد. ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: نجعله في العامل خيراً. والثاني: أنما نريد لهم بذلك خيراً. ﴿بَل لَاّ يَشْعُرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بل لا يشعرون أنه استدراج. والثاني: بل لا يشعرون أنه اختبار.

стр. 2484

﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني الزكاء. الثاني: أعمال البر كلها. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي خائفة

стр. 2485

قال بعض أصحب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر من وجِلِه من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة , والطاعة تطلب لتصحيح الغرض. ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يخافون ألا ينجوا من عذابه إذا قدموا عليه. الثاني: يخافون أن لا تقبل أعمالهم إذا عرضت عليهم. روته عائشة مرفوعاً. قوله : ﴿أُوْلئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يستكثرون منها لأن المسارع مستكثر. الثاني: يسابقون إليها لأن المسارع سابق. ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وهم بها سابقون إلى الجنة. الثاني: وهم إلى فعلها سابقون. وفيه وجه ثالث: وهم لمن تقدمهم من الأمم سابقون , قاله الكلبي.

стр. 2486

﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون﴾

стр. 2487

قوله : ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمرَةٍ مِّنْ هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: في غطاء , قاله ابن قتيبة. والثاني: في غفلة قاله قتادة. ﴿مِنْ هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: من هذا القرآن , وهو قول مجاهد. الثاني: من هذا الحق , وهو قول قتادة. ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خطايا [يعملونها] من دون الحق , وهو قول قتادة. الثاني: أعمال [رديئة] لم يعملوها وسيعملونها , حكاه يحيى ابن سلام. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنه ظلم المخلوقين مع الكفر بالخالق. قوله : ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْغَذَابِ﴾ فيهم وجهان: أحدهما: أنهم الموسع عليهم بالخصب , قاله ابن قتيبة. والثاني: بالمال والولد , قاله الكلبي , فعلى الأول يكون عامّاً وعلى الثاني يكون خاصاً. ﴿إذَا هُم يَجْأَرُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يجزعون , وهو قول قتادة. الثاني: يستغيثون , وهوقول ابن عباس. والثالث: يصيحون , وهو قول علي بن عيسى. والرابع: يصرخون إلى الله تعالى بالتوبة , فلا تقبل منهم , وهو قول الحسن. قال قتادة نزلت هذه الآية في قتلى بدر , وقال ابن جريج ﴿حَتَّى إِذَا أَخذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ﴾ هم الذين قتلواْ ببدر. قوله : ﴿وَكُنتُم عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تستأخرون , وهو قول مجاهد. والثاني: تكذبون.

стр. 2488

والثالث: رجوع القهقرى. ومنه قول الشاعر: زعموا أنهم على سبل الحق وأنا نكص على الأعقاب. وهو أي النكوص , موسع هنا ومعناه ترك القبول. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي بحرمة الله , ألا يظهر عليهم فيه أحد , وهو قول ابن عباس , والحسن , ومجاهد , وقتادة. ويحتمل وجهاً آخر: مستكبرين بمحمد أن يطيعوه , وبالقرآن أن يقبلوه. ﴿سَامِراً تَهْجُرونَ﴾ سامر فاعل من السمر. وفي السمر قولان: أحدهما: أنه الحديث ليلاً , قاله الكلبي , وقيل به: سمراً تهجرون. والثاني: أنه ظل القمر , حكاه ابن عيسى , والعرب تقول حلف بالسمر والقمر أي بالظلمة والضياء , لأنهم يسمرون في ظلمة الليل وضوء القمر , والعرب تقول أيضاً: لا أكلمه السمر والقمر , أي الليل والنهار , وقال الزجاج ومن السمر أخذت سمرة اللون. وفي ﴿تَهْجُرُونَ﴾ وجهان: أحدهما: تهجرون الحق بالإِعراض عنه , قاله ابن عباس. والثاني: تهجرون في القول بالقبيح من الكلام , قاله ابن جبير , ومجاهد. وقرأ نافع ﴿تُهْجِرُونَ﴾ بضم التاء وكسر الجيم وهو من هجر القول. وفي مخرج هذا الكلام قولان: أحدهما: إنكار تسامرهم بالإِزراء على الحق مع ظهوره لهم. الثاني: إنكاراً منهم حتى تسامروا في ليلهم والخوف أحق بهم.

стр. 2489

﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن

стр. 2490

فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾ قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الحق هنا قولان: أحدهما: أنه الله , قاله الأكثرون. الثاني: أنه التنزيل أي لو نزل بما يريدون لفسدت السموات والأرض. وفي اتباع أهوائهم قولان: أحدهما: لو اتبع أهواءهم فيما يشتهونه. الثاني: فيما يعبدونه. ﴿لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لفسد تدبير السموات والأرض , لأنها مدبرة بالحق لا بالهوى. الثاني: لفسدت أحوال السموات والأرض لأنها جارية بالحكمة لا على الهوى. ﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ أي ولفسد من فيهن , وذلك إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض , وقال الكلبي: يعني ما بينهم من خلق , وفي قراءة ابن مسعود لفسدت السموات والأرض وما بينهما , فتكون على تأويل الكلبي , وقراءة ابن مسعود , محمولاً على فساد ما لا يعقل من حيوان وجماد , وعلى ظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولاً على فساد ما يعقل وما لا يعقل من الحيوان , لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد. فعلى هذا يكون من الفساد ما يعود على من في السموات من الملائكة بأن جعلت أرباباً وهي مربوبة , وعبدت وهي مستعبدة. وفساد الإِنس يكون على وجهين:
следующие страницы →