Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه وطأنا له مكان البيت , حكاه ابن عيسى. والثاني: معناه عرفناه مكان البيت بعلامة يستدل بها. وفي العلامة قولان: أحدهما: قاله قطرب , بعثت سحابة فتطوقت حيال الكعبة فبنى على ظلها. الثاني: قاله السدي , كانت العلامة ريحاً هبت وكنست حول البيت يقال لها الخجوج. ﴿أَن لَاّ تُشْرِكَ بِي شَيْئاً﴾ أي لا تعبد معي إلهاً غيري. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الشرك وعبادة الأوثان , وهذا قول قتادة. الثاني: من الأنجاس والفرث والدم الذي كان طرح حول البيت , ذكره ابن عيسى. والثالث: من قول الزور , وهو قول يحيى بن سلام. ﴿لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أما الطائفون فيعني بالبيت وفي ﴿الْقَائِمِينَ﴾ قولان: أحدهما: يعني القائمين في الصلاة , وهو قول عطاء. والثاني: المقيمين بمكة , وهو قول قتادة. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يعني في الصلاة , وفي هذا دليل على ثواب الصلاة في البيت. وحكى الضحاك أن إبراهيم لما حضر أساس البيت وحد لَوْحاً , عليه
стр. 2417
مكتوب: أنا الله ذو بكّة , خلقت الخير والشر , فطوبى لمن قَدَّرْتُ على يديه الخير , وويلٌ لمن قدرت على يديه الشر. وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يعني القلوب. ﴿لِلطَّآئِفِينَ﴾ يعني حجاج الله , ﴿وَالْقَآئِمِينَ﴾ يعني الإِيمان , ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يعني الخوف والرجاء. قوله : ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ يعني أَعْلِمْهُم ونَادِ فيهم بالحق , وفيه قولان: أحدهما: أن هذا القول حكاية عن أمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم , فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قبيس فقال: عباد الله إن الله قد ابتنى بيتاً وأمَرَكُمْ بحجه فَحُجُّوا , فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا لبيك. ولا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم , وقيل إن أول من أجابه أهل اليمن , فهم أكثر الناس حجاً له. والثاني: أن هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يأمر الناس بحج البيت. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ يعني مشاة على أقدامهم , والرجال جمع راجل. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي جملٍ ضامر , وهو المهزول , وإنما قال ﴿ضَامِرٍ﴾ لأنه ليس يصل إليه إلا وقد صار ضامراً. ﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي بعيد , ومنه قول الشاعر:
(تلعب لديهن بالحريق ... مدى نياط بارح عميق)
стр. 2418
﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ قوله : ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه شهود المواقف وقضاء المناسك. والثاني: أنها المغفرة لذنوبهم , قاله الضحاك. والثالث: أنها التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة , وهذا قول مجاهد. ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامِ مَّعْلُومَاتٍ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عشر ذي الحجة آخرها يوم النحر , وهذا قول ابن عباس , والحسن , وهو مذهب الشافعي.
стр. 2419
والثاني: أنها أيام التشريق الثلاثة , وهذا قول عطية العوفي. والثالث: أنها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر , وهذا قول الضحاك. ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ يعني على نحر ما رزقهم نحره من بهيمة الأنعام , وهي الأزواج الثمانية من الضحايا والهدايا. ﴿فَكَلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ في الأكل والإِطعام ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأكل والإِطعام واجبان لا يجوز أن يخل بأحدهما , وهذا قول أبي الطيب بن سلمة. والثاني: أن الأكل والإطعام مستحبان , وله الاقتصار على أيهما شاء وهذا قول أبي العباس بن سريج. والثالث: أن الأكل مستحب والإطعام واجب , وهذا قول الشافعي , فإن أطعم جميعها أجزأه , وإن أكل جميعها لم يُجْزه , وهذا فيما كان تطوعاً , وأما واجبات الدماء فلا يجوز أن نأكل منها. وفي ﴿الْبآئِسَ الْفَقِيرَ﴾ خمسة أوجه: أحدها: أن الفقير الذي به زمَانةٌ , وهو قول مجاهد. والثاني: الفقير الذي به ضر الجوع. والثالث: أن الفقير الذي ظهر عليه أثر البؤس. والرابع: أنه الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف بالطلب. والخامس: أنه الذي يؤنف عن مجالسته. قوله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضَواْ تَفَثَهُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: مناسك الحج، وهو قول ابن عباس , وابن عمر. والثاني: حلق الرأس , وهو قول قتادة , قال أمية بن أبي الصلت.
(حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثاً ... ... ... ... ... . .)
)
والثالث: رمي الجمار , وهو قول مجاهد. والرابع: إزالة قشف الإِحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر وغسل واستعمال الطيب , وهو قول الحسن. وقيل لبعض الصلحاء: ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك الإِعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. وسئل الحسن عن التجرد في الحج فقال: جرّد قلبك من السهو , ونفسك من اللهو ولسانك من اللغو , ثم يجوز كيف شئت. وقال الشاعر:
(قضوا تفثاً ونحباً ثم سارواْ ... إلى نجدٍ وما انتظروا علياً)
﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ وهو تأدية ما نذروه في حجهم من نحر أو غيره. ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني طواف الإِفاضة , وهو الواجب في الحج
стр. 2420
والعمرة، ولا يجوز في الحج إلا بعد عرفة , وإن جاز السعي. وفي تسمية البيت عتيقاً أربعة أوجه: أحدها: أن الله أعتقه من الجبابرة , وهو قول ابن عباس. الثاني: لأنه عتيق لم يملكه أحد من الناس , وهو قول مجاهد. والثالث: لأنه أعتق من الغرق في الطوفان , وهذا قول ابن زيد.
стр. 2421
﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ قوله : ﴿ذلِكَ وَمَن يَعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه فعل ما أمر به من مناسكه , قاله الكلبي. والثاني: أنه اجتناب ما نهى عنه في إحرامه. ويحتمل عندي قولاً ثالثاً: أن يكون تعظيم حرماته أن يفعل الطاعة ويأمر بها , وينتهي عن المعصية وينهى عنها. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: إلا ما يتلى عليكم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبحَ على النصب. والثاني: إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم. ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ فيه وجهان:
стр. 2422
: أحدهما: أي اجتنبواْ من الأوثان الرجس , ورجس الأوثان عبادتها , فصار معناه: فاجتنبوا عبادة الأوثان. الثاني: معناه: فاجتنبواْ الأوثان فإنها من الرجس. ﴿وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: الشرك , وهوقول يحيى بن سلام. والثاني: الكذب , وهو قول مجاهد. والثالث: شهادة الزور. روى أيمن بن محمد أن النبي ﷺ قام خطيباً فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَرَّتِينَ) ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾. والرابع: أنها عبادة المشركين , حكاه النقاش. ويحتمل عندي قولاً خامساً: أنه النفاق لأنه إسلام في الظاهر زور في الباطن.
стр. 2423
قوله : ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني مسلمين لله , وهو قول الضحاك , قال ذو الرمة:
(إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر)
والثاني: مخلصين لله , وهو قول يحيى بن سلام. والثالث: مستقيمين لله , وهو قول عليّ بن عيسى. والرابع: حجاجاً إلى الله , وهو قول قطرب. ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غير مرائين بعبادته أحداً من خلقه. والثاني: غير مشركين في تلبية الحج به أحداً لأنهم كانواْ يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك , قاله الكلبي.
стр. 2424
﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ قوله : ﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فروض الله. والثاني: معالم دينه , ومنه قول الكميت:
(نقتلهم جيلاً فجيلاً نراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب)
وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مناسك الحج , وتعظيمها إشعارها , وهو مأثور عن جماعة. والثاني: أنها البُدن المشعرة , وتعظيمها استسمانها واستحسانها , وهو قول مجاهد. والثالث: أنها دين الله كله , وتعظيمها التزامها , وهو قول الحسن. ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال الكلبي والسدي: من إخلاص القلوب. ويحتمل عندي وجهاً آخر أنه قصد الثواب.
стр. 2425
ويحتمل وجهاً آخر أيضاً: أنه ما أرضى الله تعالى: قوله : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المنافع التجارة , وهذا قول من تأول الشعائر بأنها مناسك الحج , والأجل المسمى العود. والثاني: أن المنافع الأجر , والأجل المسمى القيامة , وهذا تأويل من تأولها بأنها الدين. والثالث: أن المنافع الركوب والدر والنسل , وهذا قول من تأولها بأنها الهَدْى فعلى هذا في الأجل المسمى وجهان: أحدهما: أن المنافع قبل الإِيجاب وبعده , والأجل المسمى هو النحر , وهذا قول عطاء. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعتِيقِ﴾ إن قيل إن الشعائر هي مناسك الحج ففي تأويل قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وجهان: أحدهما: مكة , وهو قول عطاء. والثاني: الحرم كله محل لها , وهو قول الشافعي. وإن قيل إن الشعائر هي الدين كله فيحتمل تأويل قوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ أن محل ما اختص منها بالأجر له , هو البيت العتيق.
стр. 2426
﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ قوله : ﴿وَلِكُلِّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حجاً , وهو قول قتادة.
стр. 2427
والثاني: ذبحاً , وهو قول مجاهد. والثالث: عيداً , وهو قول الكلبي والفراء , والمنسك في كلام العرب هو الموضع المعتاد , ومنه تسمية مناسك الحج , لاعتياد مواضعها. ﴿لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها الهدي، إذا قيل إن المنسك الحج. والثاني: الأضاحي , إذا قيل إن المنسك العيد. قوله : ﴿ ... وَبَشِّر الْمُخْبِتينَ﴾ فيه تسعة تأويلات: أحدها: المطمئنين إلى ذكر إلههم , وهو قول مجاهد , ومنه قوله تعالى: ﴿فَتُخْبتْ لَهُ قُلُوبُهُم﴾ [الحج: ٥٤]. والثاني: معناه المتواضعين , وهو قول قتادة. والثالث: الخاشعين , وهو قول الحسن. والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع في الأخلاق والخشوع في الأبدان. والرابع: الخائفين , وهو معنى قول يحيى بن سلام. والخامس: المخلصين , وهو قول إبراهيم النخعي. والسادس: الرقيقة قلوبهم , وهو قول الكلبي. والسابع: أنهم المجتهدون في العبادة , وهو قول الكلبي ومجاهد. والثامن: أنهم الصالحون المطمئنون , وهو مروي عن مجاهد أيضاً. والتاسع: هم الذين لا يظلمون , وإذا ظلمواْ لم ينتصرواْ , وهو قول الخليل بن أحمد.
стр. 2428
﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون﴾
стр. 2429
قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ في البدن ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الإِبل , وهو قول الجمهور. والثاني: أنها الإِبل , والبقر , والغنم , وهو قول جابر , وعطاء. والثالث: كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل , والبقر , والغنم , وهو شاذ حكاه ابن الشجرة , وسميت بُدْناً لأنها مبدنة في السمن , وشعائر الله تعالى دينه في أحد الوجهين , وفروضه في الوجه الآخر. وتعمق بعض أصحاب الخواطر فتأول البُدْن أن تطهر بدنك من البدع , والشعائر أن تستشعر بتقوى الله وطاعته , وهو بعيد. ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أي أجر , وهو قول السدي. والثاني: منفعة فإن احْتِيجَ إلى ظهرها رُكبَ , وإن حُلِبَ لَبَنُها شُرِبَ , وهو قول إبراهيم النخعي. ﴿فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوآفَّ﴾ وهي قراءة الجمهور , وقرأ الحسن: صوافي , وقرأ ابن مسعود: صوافن. فتأول صواف على قراءة الجمهور فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مصطفة , ذكره ابن عيسى. والثاني: قائمة لتصفّد يديها بالقيود , وهو قول ابن عمر. والثالث: معقولة , وهو قول مجاهد. وتأويل صوافي , وهي قراءة الحسن: أي خالصة لله تعالى , مأخوذ من الصفوة. وتأويل صوافن وهي قراءة ابن مسعود: أنها مصفوفة , وهو أن تَعقِل إحدى يديها حتى تقف على ثلاث , مأخوذ من صفن الفرس إذا ثنى إحدى يديه حتى يقف على ثلاث , ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ وقال الشاعر:
стр. 2430
(الف الصفون مما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيراً)
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبهُا﴾ أي سقطت جنوبها على الأرض , ومنه وجب الحائط إذا سقط , ووجبت الشمس إذا سقطت للغروب , وقال أوس بن حجر:
(ألم تكسف الشمس ضوء النهار ... والبدر للجبل الواجب)
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن أكله منها واجب إذا تطوع بها , وهو قول أبي الطيب بن سلمة. والثاني: وهو قول الجمهور أنه استحباب وليس بواجب , وإنما ورد الأمر به لأنه بعد حظر , لأنهم كانواْ في الجاهلية يحرمون أكلها على نفوسهم. ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ والْمُعْتَرَّ﴾ فيهم أربعة تأويلات: أحدها: أن القانع السائل , والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل , وهذا قول الحسن , وسعيد بن جبير , ومنه قول الشماخ:
(لمالُ المرء يصلحه فيغني ... مفاقِرَه أعف من القُنُوع)
أي من السؤال. والثاني: أن القانع الذي يقنع ولا يسأل , والمعتر الذي يسأل , وهذا قول قتادة , ومنه قول زهير:
(على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحةُ والبذلُ)
والثالث: أن القانع المسكين الطوّاف , والمعتر: الصديق الزائر , وهذا قول زيد بن أسلم , ومنه قول الكميت:
٨٩ (إما اعتياداً وإما اعتراراً﴾ ٩
والرابع: أن القانع الطامع , والمعتر الذي يعتري البُدْنَ ويتعرض للحم لأنه
стр. 2431
ليس عنده لحم , وهذا قول عكرمة , ومنه قول الشاعر:
(على الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما اعتراني بين قدري وصخرتي)
стр. 2432
﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ قوله : ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: لن يقبل الله الدماء وإنما يقبل التقوى , وهذا قول علي بن عيسى. والثاني: معناه لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها , لأنهم كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا بُدنهم استقبلوا الكعبة بدمائها فيضجعونها نحو البيت , فأراد المسلمون فعل ذلك , فأنزل الله تعالى: ﴿لَنَ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم﴾ أي يصعد إليه التقوى والعمل الصالح , وهذا قول ابن عباس. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي ذللها لكم يعني الأنعام. ﴿لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني التسمية عند الذبح. والثاني: لتكبروا عند الإِحلال بدلاً من التلبية في الإِحرام. ﴿عَلَى مَا هَداكُمْ﴾ أي ما أرشدكم إليه من حجكم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالقبول. والثاني: بالجنة.
стр. 2433
﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس
стр. 2434
بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالكفار عن المؤمنين , وبالعصاة عن المطيعين , وبالجهال عن العلماء. والثاني: يدفع بنور السنة ظلمات البدعة , قاله سهل بن عبد الله. قوله : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين , وهذا قول ابن جريج. الثاني: ولولا دفع الله عن الدين بالمجاهدين , وهذا قول ابن زيد. والثالث: ولولا دفع الله بالنبيين عن المؤمنين , وهذا قول الكلبي. والرابع: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله ﷺ عمن بعدهم من التابعين , وهذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. والخامس: ولولا دفع الله بشهادة الشهود على الحقوق , وهذا قول مجاهد. والسادس: ولولا دفع الله على النفوس بالفضائل , وهذا قول قطرب. ويحتمل عندي تأويلاً سابعاً: ولولا دفع الله عن المنكر بالمعروف. ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ فيه قولان: أحدها: أنها صوامع الرهبان , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنها مصلى الصابئين , وهو قول قتادة.
стр. 2435
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (صَوْمَعَةُ المُؤْمِنِ بَيْتُه) وسميت صومعة لانضمام طرفيها , والمنصمع: المنضم , ومنه أذنٌ صمعاء. ﴿وَبِيَعٌ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها بيع النصارى , وهو قول قتادة. والثاني: أنها كنائس اليهود , وهو قول مجاهد , والبيعة اسم أعجمي مُعَرَّب. ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها كنائس اليهود يسمونها: صلوتا , فعرب جمعها , فقيل صلوات , وهذا قول الضحاك. والثاني: معناه: وتركت صلوات , ذكره ابن عيسى. ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ المسلمين , ثم فيه قولان: أحدهما: لهدمها الآن المشركون لولا دفع الله بالمسلمين , وهو معنى قول الضحاك. والثاني: لهدمت صوامع في أيام شريعة موسى , وبيع في أيام شريعة عيسى ومساجد في أيام شريعة محمد ﷺ , وهذا قول الزجاج , فكان المراد بهدم كل شريعة , الموضع الذي يعبد الله فيه.
стр. 2436
﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي
стр. 2437
ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ قوله : ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: يعني خالية من أهلها لهلاكها. والثاني: غائرة الماء. والثالث: معطلة من دلالتها وأرشيتها. ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المشيد الحصين وهو قول الكلبي , ومنه قول امرىء القيس:
(وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أطماً إلا مشيراً بجندل)
والثاني: أن المشيد الرفيع , وهو قول قتادة , ومنه قول عدي بن زيد:
(شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وُكورُ)
والثالث: أن المشيد المجصص , والشيد الجص , وهو قول عكرمة ومجاهد ومنه قول الطرماح:
٨٩ (كحية الماء بين الطين والشيد﴾ ٩
وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره: وقصر مشيد مثلها معطل , وقيل إن القصر والبئر بحضرموت من أرض اليمن معروفان , وقصرِ مشرف على قلة جبل ولا
стр. 2438
يرتقى إليه بحال , والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته , وأصحاب القصور ملوك الحضر , وأصحاب الآبار ملوك البوادي , أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. قوله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ هذا يدل على أمرين: على أن العقل علم , ويدل على أن محله القلب. وفي قوله: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وجهان: أحدهما: يعملون بها , لأن الأعين تبصر والقلوب تصير. ﴿أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي يفقهون بها ما سمعوه من أخبار القرون السالفة. ﴿فَإنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدورِ﴾ يحتمل عندي وجهين: أحدهما: أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى ولكن تعمى القلوب عن الاهتداء. والثاني: فإنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار ولكن تعمى القلوب عن الادّكار. قال مجاهد: لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه , وعينان في قلبه لآخرته , فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً , وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئاً. قال قتادة: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى وهو عبد الله بن زائدة.
стр. 2439
﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف
стр. 2440
سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم. ﴿وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ولن يؤخر عذابه عن وقته. ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفْ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة , قاله مجاهد. الثاني: أن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة من أيام الدنيا في المدة. الثالث: أن ألم العذاب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا في الشدة وكذلك يوم النعيم.
стр. 2441
﴿قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِيءَآيِاتِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تكذيبهم بالقرآن , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه عنادهم في الدين , قاله الحسن. ﴿مُعَجِزِينَ﴾ قراءة ابن كثير وأبي عمرو , وقرأ الباقون ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ فمن قرأ معجزين ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: مثبطين لمن أراد اتباع النبي ﷺ , وهو قول السدي.
стр. 2442
الثاني: مثبطين في اتباع النبي ﷺ , وهو قول مجاهد. والثالث: مكذبين , حكاه ابن شجرة. الرابع: مَعَجِزِينَ لمن آمن بإظهار تعجيزة في إيمانه. ومن قرأ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: مشاققين , قاله ابن عباس. والثاني: متسارعين , حكاه ابن شجرة. والثالث: معاندين , قاله قطرب. والرابع: مُعَاجِزِينَ يظنون أنهم يُعْجِزُونَ الله هرباً , قاله السدي.
стр. 2443
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني أنه إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في نفسه , قاله الكلبي. الثاني: إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته , قاله قتادة ومجاهد , قال الشاعر:
(تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادِرِ)
﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ... ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الرسول والنبي واحد، ولا فرق بين الرسول والنبي، وإنما
стр. 2444
جمع بينهما لأن الأنبياء تخص البشر، والرسل تعم الملائكة والبشر. والقول الثاني: أنهما مختلفان , وأن الرسول أعلى منزلة من النبي. واختلف قائل هذا في الفرق بين الرسول والنبي على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الرسول هو الذي تتنزل عليه الملائكة بالوحي , والنبي يوحى إليه في نومه. والثاني: أن الرسول هو المبعوث إلى أُمَّةٍ , والنبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة , قاله قطرب. والثالث: أن الرسول هو المبتدىء بوضع الشرائع والأحكام , والنبي هو الذي يحفظ شريعة الله , قاله الجاحظ. ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يرفعه. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُءَآيَاتِهِ﴾ أي يثبتها , واختلف أهل التأويل فيما قرأه النبي ﷺ من ذلك على أربعة أقاويل: أحدها: أنه ألقاه الشيطان على لسانه فقرأه ساهياً. الثاني: أنه كان ناعساً فألقاه الشيطان على لسانه فقرأه في نعاسه قاله قتادة. الثالث: أن بعض المنافقين تلاه عن إغواء الشيطان فخيل للناس أنه من تلاوة رسول الله ﷺ , حكاه ابن عيسى. الرابع: إنما قال: هي كالغرانيق العلا - يعني الملائكة - وأن شفاعتهم لترتجى , أي في قولكم , قاله الحسن. سبب نزول هذه الآية ما روي أن النبي ﷺ لما نزلت عليه سورة النجم
стр. 2445
قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَاّتَ وَالْعُزَّى , وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه (أولئك الغرانيق العلا. وأن شفاعتهن لترتجى) ثم ختم السورة وسجد. وسجد معه المسلمون والمشركون ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه , وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود , ورضي بذلك كفار قريش , وسمع بذلك من هاجر لأرض الحبشة. فأنكر جبريل على النبي ﷺ ما قرأه , وشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾. قوله تعالى: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ فيه وجهان: أولهما: محنة. الثاني: اختباراً. ﴿لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي نفاق. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني المشركين. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لفي ضلال طويل , قاله السدي. الثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة , قاله يحيى بن سلام.
стр. 2446
﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين﴾
стр. 2447
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ يعني في شك ﴿مِّنْهُ﴾ من القرآن ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ساعة القيامة على من يقوم عليه من المشركين , قاله الحسن. الثاني: ساعة موتهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: يوم القيامة , قاله عكرمة , والضحاك. الثاني: يوم بدر , قاله مجاهد , وقتادة. وفي العقيم وجهان: أحدهما: أنه الشديد , قاله الحسن. الثاني: أنه الذي ليس له مثيل ولا عديل , قال يحيى بن سلام: لقتال الملائكة فيه. ويحتمل ثالثاً: أن يكون العقيم هو الذي يجدب الأرض ويقطع النسل.
стр. 2448
﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور﴾ قوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ الآية , فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قوم من مشركي قريش لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله المسلمين فنزل ذلك فيهم , حكاه النقاش. الثاني: أنها في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد فعاقبهم رسول الله ﷺ بمثله فنزل ذلك فيهم , حكاه ابن عيسى. ونصر الله في
стр. 2449
الدنيا بالغلبة والقهر , وفي الآخرة بالحجبة والبرهان.
стр. 2450
﴿ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحق اسم من أسمائه تعالى , قاله يحيى ابن سلام. الثاني: أنه ذو الحق , قاله ابن عيسى. الثالث: معناه أن عبادته حق وهو معنى قول السدي. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ فيه قولان: أحدهما: الأوثان , قاله الحسن. الثاني: إبليس , قاله قتادة.
стр. 2451
﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على
стр. 2452
الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ قوله تعالى: ﴿مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه العيد , قاله ابن قتيبة. الثاني: أنها المواضع المعتادة لمناسك الحج والعمرة , قاله الفراء. الثالث: المذبح , قاله الضحاك. الرابع: المنسك الْمُتَعَبد والنسك العِبَادَة ومنه سمي العَابِدُ ناسكاً , قاله الحسن.
стр. 2453
﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم: فإن قيل فأين المثل المضروب؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاُ في عبادته غيره , قاله الأخفش. الثاني: أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذباباً , قاله ابن قتيبة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
стр. 2454
أحدها: أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله. الثاني: أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله. الثالث: أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله. ﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشىء دون المخلوق المنشأ , وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته , وسُمِّي ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها. والثاني: أَلَمُهُ في قرض أبدانهم , فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العَابِد والمَعْبُود , فيكون في معناه وجهان: أحدهما: أن يكون عائداً إلى العابد والمعبود. الثاني: قهر العابد والمعبود. والاحتمال الثاني: أن يكون عائداً للسالب فيكون في معناه وجهان: أحدهما: ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُصْرَة. الثاني: ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة. ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما عظموه حق عظمته , قاله الفراء. الثاني: ما عرفوه حق معرفته , قاله الأخفش. الثالث: ما وصفوه حق صفته , قاله قطرب. قال ابن عباس: نزلت في يهود المدينة حين قالواْ استراح الله في يوم السبت.
стр. 2455
﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع
следующие страницы →