Полный текст (4 439 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ قوله تعالى: ﴿فَإِنْءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ فإن قيل: فهل للإيمان مثل لا يكون إيماناً؟ قيل معنى الكلام: فإن آمنوا مثل إيمانكم , وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا , وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف. ﴿وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعني في مشاقة وعداوة , وأصل الشِّقَاقِ البُعْدُ , من قولهم قد أخذ فلان في شِقٍّ , وفلان في شِقٍّ آخر , إذا تباعدوا. وكذلك قيل للخارج عن الجماعة , قد شَقَّ عصا المسلمين لبُعْدِهِ عنهم. قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه دين الله , وهذا قول قتادة. وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم , ويقولون هذا تطهير لهم كالختان , فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ أي صبغة الله أحسن صبغة , وهي الإسلام. والثاني: أن صبغة الله , هي خلقة الله , وهذا قول مجاهد. فإن كانت الصبغة هي الدين , فإنما سُمِّيَ الدين صبغة , لظهوره على صاحبه , كظهور الصِّبْغِ عَلَى الثوبِ , وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب.
стр. 247
﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ﴾ يعني قالوا: ﴿إنَّ إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسَحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ﴾ وهم إثنا عشر سَبْطاً من ولد يعقوب , والسَبْطُ الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد , والسَبْطُ في اللغة: الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض ﴿كَانُوا هُوداً أوْ نَصَارَى قُلْ: أَأَنْتُم أَعْلَمُ أمِ اللهُ﴾ يعني اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هوداً , والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى , فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم , يعني بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى. ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمان الشهادة , والارتشاء عليها من أغنيائهم وسفائهم.
стр. 248
﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ السُّفَهَاءُ: واحده سَفِيه , والسَّفِيهُ: الخفيف الحلم , من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج , ورمح سفيه إذا أسرع نفوذه.
стр. 249
وفي والمراد بالسفهاء هَا هُنَا ثلاثة أقاويل: أحدها: اليهود , وهو قول مجاهد. والثاني: المنافقون , وهو قول السدي. والثالث: كفار قريش وحكاه الزجاج. ﴿مَا ولَاّهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها , وهي بيت المقدس , حيث كان يستقبلها رسول الله ﷺ بمكة , بعد هجرته إلى المدينة بستة عشر شهراً في رواية البراء بن عازب , وفي رواية معاذ بن جبل: ثلاثة عشر شهراً , وفي رواية أنس بن مالك تسعة أشهر أو عشرة أشهر , ثم نُسِخَتْ قبلةُ بيت المقدس باستقبال الكعبة , ورسول الله ﷺ بالمدينة في صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين نحو بيت المقدس , فانصرف بوجهه إلى الكعبة , هذا قول أنس بن مالك , وقال البراء بن عازب: كنا في صلاة العصر بقباء , فمر رجل على أهل المسجد وهم ركوع في الثانية , فقال: أشهد لقد صَلَّيت مع رسول الله ﷺ قِبَلَ مكة , فداروا كما هم قِبَلَ البيت , وقِبَلُ كل شيءٍ: ما قَابَل وَجْهَه.
стр. 250
واختلف أهل العلم في استقبال رسول الله ﷺ بيت المقدس , هل كان برأيه واجتهاده , أو كان عن أمر الله تعالى لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التَّي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُوُلَ﴾ , وهذا قول ابن عباس وابن جريج. والقول الثاني: أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده , وهذا قول الحسن , وعكرمة , وأبي العالية , والربيع. واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين: أحدهما: أنه اختار بيت المقدس ليتألَّف أهل الكتاب , وهذا قول أبي جعفر الطبري. والثاني: لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس , فأحب الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه , ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عَقِبَيْهِ , وهذا قول أبي إسحاق الزجاج , فلما استقبل رسول الله ﷺ الكعبة , قال ابن عباس: أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحُقَيْقِ , فقالوا لرسول الله ﷺ : ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملةِ إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها , نتبعك ونصدقك. وإنما يريدون فتنته عن دينه , فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيها؟ قُل: لِلَّهِ الْمَشْرِقْ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ يعني حيثما أمر الله تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب والصراط: الطريق: والمستقيم: المستوي. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني خياراً , من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه , إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه , ومنه قول زهير:
стр. 251
(هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الإلهُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيالي بِمُعَظَّمِ)
والثاني: أن الوسط من التوسط في الأمور , لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين , فلا هم أهل غلوٍّ فيه , ولا هم أهل تقصير فيه , كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتَّلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم , فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط , لأن أحب الأمور إليه أوسطها. والثالث: يريد بالوسط: عدلاً , لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان , وقد روى أبو سعيد الخدري , عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً﴾ أي عَدْلاً. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لتشهدوا على أهل الكتاب , بتبليغ الرسول إليهم رسالة ربهم. والثاني: لتشهدوا على الأمم السالفة , بتبليغ أنبيائهم إليهم رسالة ربهم , وهذا مروي عن النبي ﷺ , أن الأمم السالفة تقول لهم: كيف تشهدون علينا ولم تشاهدونا , فيقولون أعْلَمَنَا نبيُّ الله بما أُنْزِلَ عليه من كتاب الله. والثالث: أن معنى قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي لتكونوا مُحْتَجِّينَ على الأمم كلها , فعبر عن الاحتجاج بالشهادة , وهذا قول حكاه الزجاج.
стр. 252
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يكون الرسول شهيداً على أمته أنْ قد بلّغ إليهم رسالة ربه. والثاني: أنّ معنى ذلك أنْ يكون شهيداً لهم بإيمانهم , وتكون (عليهم) بمعنى (لهم). والثالث: أن معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيداً﴾ أي مُحْتَجّاً. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ أي بيت المقدس , ﴿إلاّ لِنَعَلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإن قيل: الله أعلم بالأشياء قبل كونها , فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟ قيل: في قوله: ﴿إلَاّ لِنَعْلَمَ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: يعني إلا ليعلم رسولي , وحزبي , وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه , كما قالوا: فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا. والثاني: أن قوله تعالى: ﴿إلَاّ لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى: إلا لنرى , والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية , والرؤية مكان العلم , كما قال تعالى ﴿ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] يعني: ألم تعلم. والثالث: قوله تعالى: ﴿إلَاّ لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم , فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها. والرابع: أن قوله: ﴿إلَاّ لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك , وهذا قول ابن عباس. قوله تعالى: ﴿مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ﴾ بمعنى فيما أمر به من استقبال الكعبة ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ بمعنى: ممن يَرْتَدُّ عن دينه , لأن المرتد راجع مُنْقَلِب عما كان عليه , فشبهه بالمُنْقلِب على عقبه , لأن القبلة لمَّا حُوِّلَتْ ارْتَدَّ من المسلمين قَوْمٌ , ونافق قوم , وقالت اليهود: إن محمداً قد اشتاق إلى بلد أبيه , وقالت قريش: إن محمداً قد علم أننا على هدى وسَيُتَابِعُنَا.
стр. 253
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ , وهذا هو قول ابن عباس , ومجاهد , وقتادة. والثاني: إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله ﷺ يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل , وهذا قول أبي العالية الرياحي. والثالث: أن الكبيرة هي الصلاة , التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم﴾ يعني صلاتكم إلى بيت المقدس , فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل , وسبب ذلك أن المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة , قالوا لرسول الله ﷺ : كيف من مات من إخواننا؟ فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمَانَكُم﴾. فإن قيل: هم سألوه عن صلاةِ غيرهم , فأجابهم بحال صلاتهم؟ قيل: لأن القوم أشفقوا , أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي , فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين , على أنه قد روى قوم أنهم قالوا: كيف تضيع صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك. ﴿إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الرأفة: أشد من الرحمة , وقال أبو عمر عمرو بن العلاء: الرأفة أكثر من الرحمة.
стр. 254
﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك
стр. 255
شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾ قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَآءِ﴾ هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِن النَّاسِ﴾. وفي قوله: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ﴾ تأويلان: أحدهما: معناه: تحول وجهك نحو السماء , وهذا قول الطبري. والثاني: معناه: تقلب عينيك في النظر إلى السماء , وهذا قول الزجاج. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها﴾ يعني الكعبة كان رسول الله ﷺ يرضاها ويختارها ويسأل [ربه] أن يُحوَّل إليها. واختُلِفَ في سبب اختياره لذلك على قولين: أحدهما: مخالفة اليهود وكراهة لموافقتهم , لأنهم قالوا: تتبع قبلتنا وتخالفنا في ديننا؟ وبه قال مجاهد , وابن زيد. والثاني: أنه اختارها , لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم , وبه قال ابن عباس. فإن قيل: أكان رسول الله ﷺ غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة , حتى قال تعالى له في الكعبة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؟ قيل: لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببيت المقدس , لَمَّا أمره الله تعالى به , لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى , لكن معنى ترضاها: أي تحبها وتهواها , وإنما أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين , لما فيها من تآلف قومه وإسراعهم إلى إجابته , ويحتمل أن يكون قوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ محمولاً على الحقيقة بمعنى: ترضى ما يحدث عنها من التأليف , وسرعة الإجابة , ثم قال تعالى مجيباً لرغبته وآمراً بطَلِبَتِه: ﴿فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي حَوِّلْ وجهك في الصلاة , شطر المسجد الحرام أي: نحو المسجد الحرام , كما قال الهذلي:
стр. 256
(إنَّ العسير بها دَاءٌ يُخَامِرُها ... فشطرُهَا نظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ)
أي نحوها , والشطر من الأضداد , يقال: شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه , وشطر عن كذا إذا بَعُدَ منه وأعرض عنه , وشِطْرُ الشيء: نصفه , فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحوٍ غير الإِستواء. قوله تعالى: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني به الكعبة , لأنها فيه فعبر به عنها. واختلف أهل العلم في المكان , الذي أمر رسول الله ﷺ أن يولي وجهه إليه: فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ﴿فَلَنُولِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حيال ميزاب الكعبة. وقال عبد الله بن عباس: البيت كله , وقبلة البيت الباب. ثم قال تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كَنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ﴾ يعني نحو المسجد الحرام أيضاً تأكيداً للأمر الأول لأن عمومه يقتضيه , لكن أراد بالتأكيد احتمال التخصيص , ثم جعل الأمر الأول مواجهاً به النبي ﷺ , والثاني مواجهاً به جميع الناس , فكلا الأمرين عام في النبي ﷺ وجميع أمته , لكن غاير بين الأمرين ليمنع من تغيير الأمر في المأمور به , وليكون كل واحد منهما جارياً على عمومه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى. ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يعني تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة. ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من الخوض في إِفْتَانِ المسلمين عن دينهم بذلك.
стр. 257
﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾
стр. 258
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يعني استقبال الكعبة. ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُم﴾ يعني استقبال بيت المقدس , بعد أن حُوِّلَتْ قِبْلَتُك إلى الكعبة. ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابٍعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يعني أن اليهود لا تتبع النصارى في القبلة , فهم فيها مختلفون , وإن كانوا على معاندة النبي ﷺ متفقين. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني في القبلة. ﴿مَن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يعني في تحويلها عن بيت المقدس إلى الكعبة. ﴿إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وليس يجوز أن يفعل النبي ما يصير به ظالماً. وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أن هذه صفة تنتفي عن النبي , وإنما أراد بذلك بيان حكمها لو كانت. والوجه الثاني: أن هذا خطاب للنبي والمراد به أمته.
стр. 259
﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى , أوتوا التوراة , والإنجيل. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنآءَهُمُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعرفون أن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة حق كما يعرفون أبناءهم. والثاني: يعرفون الرسول وصدق رسالته كما يعرفون أبناءهم. ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ﴾ يعني علماءهم وخواصَّهمْ.
стр. 260
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الحق هو استقبال الكعبة. والثاني: أن الحق محمد ﷺ , وهذا قول مجاهد وقتادة. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعلمون أنه حق متبوع. والثاني: يعلمون ما عليه من العقاب المستحق. ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني استقبال الكعبة , لا ما أخبرتك به شهود من قبلتهم. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي من الشاكِّين يقال: امترى فلان في كذا إذا اعترضه اليقين مَرَّةً , والشك أخرى , فدافع أحدهما بالآخر. فإن قيل: أفكان شاكّاً حين نهى عنه؟ قيل: هذا وإن كان خطاباً للنبي ﷺ فالمراد به غيره من أمته.
стр. 261
﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني ولكل أهل ملة من سائر الملل وجهة هو مولِّيها. وفيه قولان: أحدهما: قبلة يستقبلونها , وهو قول ابن عباس وعطاء والسدي. والثاني: يعني صلاة يصلونها , وهو قول قتادة. وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ قولان: أحدهما: أن أهل كل وجهة هم الذين يَتَوَلَّونَهَا ويستقبلونها. والثاني: أن أهل كل وجهةٍ الله تعالى هو الذي يوليهم إليها ويأمرهم
стр. 262
باستقبالها , وقد قرئ ﴿هُوَ مَوْلاها﴾ وهذا حسن يدل على الثاني من القولين. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه فسارعوا إلى الأعمال الصالحة , وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والثاني: معناه: لا تُغلَبوا على قبلتكم بما تقول اليهود من أنكم إذا اتبعتم قبلتهم اتبعوكم , وهذا قول قتادة. ﴿ ... يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ إلى الله مرجعكم جميعاً , يعني يوم القيامة. ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني على إعادتكم إليه أحياء بعد الموت والبلى.
стр. 263
﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ ثم أكد الله أمره في استقبال الكعبة , لما جرى من خوض المشركين ومساعدة المنافقين , بإعادته فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تبييناً لِنَبِيِّهِ وصرفاً له عن الاغترار بقول اليهود: أنهم يتبعونه إن عاد. ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول ذلك ترغيباً لهم في الخير.
стр. 264
والثاني: تحذيراً من المخالفة. ثم أعاد الله تعالى تأكيد أمره , ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم إلى غير ما أَلِفُوه , فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها في التزام الحكم فائدة مستجده: أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره , وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أنه لا يتعقبه نسخ. وأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه , لقوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمُ﴾ ليس يريد أن لهم عليكم حجة. وفيه قولان: أحدهما: أن المعنى , ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل الحجج , وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها , لإقامتها في التعلق بها مقام الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم , مع خفائها على من جهل , كما قال تعالى ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فَسَمَّاهَا حجة , وجعلها عند الله دَاحِضَةْ. والقول الثاني: أن المعنى لِئَلَاّ يكون للناس عليكم حُجَّةٌ بعد الذين ظلموا , فتكون (إلاّ) بمعنى (بعد)] كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكَحُوا مَا نَكَحَءَابَاءُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي بعدما قد سلف. وكما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلَاّ المَوتَةَ الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] أي بعد الموتة الأولى. وأراد بالذين ظلموا قريشاً واليهود , لقول قريش حين استقبل الكعبة: قد علم أننا على هُدًى , ولقول اليهود: إن رَجَعَ عنها تابعناه. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِي﴾ في المخالفة ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتي عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فيما هديناكم إليه من القبلة. والثاني: ما أعددته لكم من ثواب الطاعة.
стр. 265
﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ يعني من العرب ﴿رَسُولاً مِّنكُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْءَآيَاتِنَا﴾ يعني القرآن. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني يطهركم من الشرك. والثاني: أن يأمركم بما تصيرون به عند الله أزكياء. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكَتَابَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: القرآن. والثاني: الإخبار بما في الكتب السالفة من أخبار القرون الخالية. ﴿وَالحِكْمَةَ﴾ فيها تأويلان: أحدهما: السنّة. والثاني: مواعظ القرآن. ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يعني من أحكام الدين وأمور الدنيا. ﴿فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: اذكروني بالشكر أذكركم بالنعمة. والثاني: اذكروني بالقبول أذكركم بالجزاء.
стр. 266
﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلَاةِ﴾ أما الصبر ها هنا ففيه قولان:
стр. 267
أحدهما: الثبات على أوامر الله تعالى. والثاني: الصيام المقصود به وجه الله تعالى. وأما الاستعانة بالصلاة فتحتمل وجهين: أحدهما: الاستعانة بثوابها. والثاني: الاستعانة بما يُتلى في الصلاة ليعرف به فضل الطاعة فيكون عوناً على امتثال الأوامر. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَكِن لَاّ تَشْعُرُونَ﴾ وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد: مات فلان , ومات فلان , فنزلت الآية وفيها تأويلان: أحدهما: أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام. والثاني: أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء , كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فجعل الضالَّ ميتاً , والمُهْتَدي حياً. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر.
стр. 268
﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ يعني أهل مكة , لما تقدم من دعاء النبي ﷺ أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ حين قحطوا سبع سنين , فقال الله تعالى مجيباً لدعاء نبيه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ﴾ الخوف يعني الفزع في القتال , والجوع يعني المجاعة بالجدب. ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الأمَوَالِ﴾ يحتمل وجهين:
стр. 269
أحدهما: نقصها بالجوائح المتلفة. والثاني: زيادة النفقة في الجدب. ﴿وَالأَنفُسِ﴾ يعني ونقص الأنفس بالقتل والموت. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ قلة النبات وارتفاع البركات. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: وبشر الصابرين على الجهاد بالنصر. والثاني: وبشر الصابرين على الطاعة بالجزاء. والثالث: وبشر الصابرين على المصائب بالثواب , وهو أشبه لقوله من بعد: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني: إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا: إنا لله: أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا لله , لا يظلمنا فيما يصنعه بنا ﴿وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني بالبعث في ثواب المحسن ومعاقبة المسيء. ثم قال تعالى في هؤلاء: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الصلاة اسم مشترك المعنى فهي من الله تعالى الرحمة , ومن الملائكة الاستغفار , ومن الناس الدعاء , كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾. وقال الشاعر:
(صلّى على يحيى وأشياعه ... رَبٌّ كريمٌ وشفيع مطاع)
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي رحمة , وذكر ذلك بلفظ الجمع لأن بعضها يتلو بعضاً. ثم قال: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فأعادها مع اختلافها للفظين لأنه أوكد وأبلغ كما قال: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. وفي قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وجهان محتملان: أحدهما: المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن. والثاني: المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر.
стр. 270
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾ أما الصفا والمروة فهما مبتدأ السعي ومنتهاه. وفيه قولان: أحدهما: أن الصفا: الحجارة البيض , والمروة الحجارة السود. واشتقاق الصفا من قولهم صفا يصفو إذا خَلَص , وهو جمع واحده صفاة. والثاني: أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً , والمروة الحجارة الرخوة , وهذا أظهر القولين في اللغة. يدل على الصفا قول الطرماح:
(أبت لي قوتي والطول إلاّ ... يؤيسَ حافراً أبداً صفاتي)
ويدل على المروة قول الكميت:
(ويُوَلّي الأرضَ خفاً ذابلاً ... فإذا ما صادف المَرْوَ رضخ)
وحُكِيَ عن جعفر بن محمد قال: نزل آدم على الصفا , وحواء على المروة , فَسُمِّي الصفا باسم آدم المصطفى وسميت المروة باسم المرأة. وقيل إن اسم الصفا ذكّر بإساف وهو صنم كان عليه مذكر الاسم , وأنثت المروة بنائلة وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم. وفي قوله: ﴿مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾ وجهان: أحدهما: يعني من معالم الله التي جعلها لعباده معلماً , ومنه قول الكميت:
(نقتّلهم جيلاً فجيلاً تراهُمُ ... شعائر قربان بها يُتَقَرَّبُ)
стр. 271
والثاني: إن الشعائر جمع شعيرة وهو الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه , وهي من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم من الطواف بهما , وهذا قول مجاهد. ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أما الحج ففيه قولان: أحدهما: أنه القصد , سمي به النسك لأن البيت مقصود فيه , ومنه قول الشاعر:
(وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا)
يعني بقوله يحجون أي يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته , فسمي الحج حجاً لأن الحاج يأتي قِبَلَ البيت ثم يعود إليه لطواف الإفاضة , ثم ينصرف إلى منى ويعود إليه لطواف الصدر , فلتكرر العَوْد إليه مرة بعد أخرى قيل له: حاجّ. وأما العمرة ففيها قولان: أحدهما: أنها القصد أيضاً , وكل قاصد لشيء فهو معتمر , قال العجاج:
(لقد غزا ابن معمر حين اعتمر ... مَغْزىً بعيداً من بعيد وصَبَر)
يعني بقوله حين اعتمر أي حين قصد. والقول الثاني: أنها الزيارة ومنه قول الشاعر:
(وجاشت النفسُ لمَّا جاءَ فَلُّهم ... وراكب جاءَ من (تثليث) معتمرا)
أي زائراً. ثم قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ورفع الجناح من أحكام المباحث دون الواجبات.
стр. 272
فذهب أبو حنيفة على أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج والعمرة منسكاً بأمرين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ورفع الجناح من أحكام المباحات دون الواجبات. والثاني: أن ابن عباس وابن مسعود قَرَء: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَاّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وذهب الشافعي , ومالك , وفقهاء الحرمين , إلى وجوب السعي في النسكين تمسكاً بفحوى الخطاب ونص السنة , وليس في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ دليل على إباحته دون وجوبه , لخروجه على سبب , وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف , وعلى المروة صنم اسمه نائلة , فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإساف ونائلة , فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة , مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة , فأباح الله تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وأما قراءة ابن مسعود , وابن عباس: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَاّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ , فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن (لا) صلة في الكلام إذا تقدمها جَحْد , كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] بمعنى ما منعك أن تسجد , وكما قال الشاعر:
(ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ)
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة , وهذا قول مَنْ أسقط وجوب السعي. والثاني: ومن تطوع بالزيادة على الواجب , وهذا قول من أوجب السعي. والثالث: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما.
стр. 273
﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: شاكر للعمل عليم بالقصد. والثاني: شاكر للقليل عليم بالثواب.
стр. 274
﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾ قيل: هم رؤساء اليهود , كعب ابن الأشرف , وكعب بن أسد , وابن صوريا , وزيد بن التابوت , هم الذين كتموا ما أنزل الله. ﴿مَنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ فيه قولان: أحدهما: أن البينات هي الحجج الدالة على نبوة محمد ﷺ , والهدى: الأمر باتباعه. والثاني: أن البينات والهدى واحد , والجمع بينهما تأكيد , وذلك ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه. ﴿مَنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ﴾ فيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإنس والجن , وهذا قول ابن عباس والبراء بن عازب.
стр. 275
والثاني: اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما , فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: أنهم البهائم , إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةِ بني آدم , وهذا قول مجاهد وعكرمة. والرابع: أنهم المؤمنون من الإنس والجن , والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله واليوم الآخر , وهذا قول الربيع بن أنس. ﴿إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ يعني بالإسلام من كفرهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إصلاح سرائرهم وأعمالهم. والثاني: أصلحوا قومهم بإرشادهم إلى الإسلام ﴿وَبَيَّنُوا﴾ يعني ما في التوراة من نبوة محمد ﷺ ووجوب اتَباعه ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم﴾ والتوبة من العباد: الرجوع عن الذنب , والتوبة من الله تعالى: قبولها من عباده. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وإنما شرط الموت على الكفر لأن حُكْمَهُ يستقر بالموت عليه ويرتفع بالتوبة منه. ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ واللعنة من العباد: الطرد , ومن الله تعالى: العذاب. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقرأ الحسن البصري: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ﴾ بالرفع , وتأويلها: أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون. فإن قيل: فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم , قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس , فغلب حكم الأكثر على الأقل. والثاني: أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى: ﴿يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]. ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فيه تأويلان:
стр. 276
أحدهما: لا يخفف بالتقليل والاستراحة. والثاني: لا يخفف بالصبر عليه والاحتمال له. ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون. والثاني: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم.
стр. 277
﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أراد بذلك أمرين: أحدهما: أن إله جميع الخلق واحد , لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من العرب وغيرهم أن لكل قوم إلَهاً غير إله من سواهم. والثاني: أن الإله وإنْ كان إلهاً لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل له. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لآَّ إِلّهَ إِلَاّ هُوَ﴾ , ثم وصف فقال: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ترغيباً في عبادته وحثاً على طاعته.
стр. 278
﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ ثم دل على ما ذكرهم من وحدانيته وقدرته , بقوله تعالى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: فآية السماء: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها , ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة. وآية الأرض: بحارها , وأنهارها , ومعادنها , وشجرها , وسهلها , وجبلها. وآية الليل والنهار: اختلافها بإقبال أحدهما وإدبار الآخر , فيقبل الليل من
стр. 279
حيث لا يعلم , ويدبر النهار إلى حيث لا يعلم , فهذا اختلافهما. ثم قال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ الفلك: السفن , الواحدُ والجمع بلفظ واحد , وقد يذكر ويؤنث. والآية فيها: من وجهين: أحدهما: استقلالها لحملها. والثاني: بلوغها إلى مقصدها. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ﴾ يعني به المطر المنزل منها , يأتي غالباً عند الحاجة , وينقطع عند الاستغناء عنه , وذلك من آياته. ثم قال تعالى: ﴿فَأَحْيَا الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وإحياؤها بذلك قد يكون من وجهين: أحدهما: ما تجري به أنهارها وعيونها. والثاني: ما ينبت به من أشجارها وزروعها , وكلا هذين سبب لحياة الخلق من ناطق وبُهْم. ثم قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ يعني جميع الحيوان الذي أنشأه فيها , سماه (دابة) لدبيبه عليها , والآية فيها مع ظهور القدرة على إنشائها من ثلاثة أوجه: أحدها: تباين خلقها. والثاني: اختلاف معانيها. والثالث: إلهامها وجوه مصالحها. ثم قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ﴾ والآية فيها من وجهين: أحدهما: اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها , والصبا دبوراً , فلا يعلم لانتقالها سبب , ولا لانصرافها جهة. والثاني: ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع , وانتقام يؤذي. وقد روى سعيد بن جبير عن شريح قال: ما هاجت ريح قط إلا لسُقْمِ صحيح أو لشفاء سقيم والرياح جمع ريح وأصلها أرواح. وحكى أبو معاذ أنه كان في مصحف حفصة: ﴿وَتَصْرِيفِ الأرْوَاحِ﴾. وقال ابن عباس: سميت الريح لأنها تريح ساعة بعد ساعة. قال ذو الرمة:
стр. 280
(إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به آل مَيٍّ هاج شوقي هبوبها)
ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ المسخر: المذلل , والآية فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه. والثاني: ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق. والثالث: تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله . وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي العقول مرشداً وإلى الحق قائداً. فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه بالنظر والاعتبار.
стр. 281
﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ ثم أخبر أن مع هذه الآيات الباهرة لذوي العقول ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً﴾ والأنداد الأمثال , واحدها ند , والمراد به الأصنام التي كانوا يتخذونها آلهة يعبدونها كعبادة الله تعالى مع عجزها عن قدرة الله في آياته الدالة على وحدانيته. ثم قال تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ يعني أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب الله مع قدرته. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ يعني من حب أهل الأوثان لأوثانهم , ومعناه أن المخلصين لله تعالى هم المحبون حقاً.
стр. 282
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فيهم قولان: أحدهما: أن الذين اتبعوا هم السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر , وهذا قول عطاء. والثاني: أنهم الشياطين تبرؤوا من الإنس , وهذا قول السدي. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ يعني به المتبوعين والتابعين. وفي رؤيتهم للعذاب وجهان محتملان: أحدهما: تيقنهم له عند المعاينة في الدنيا. والثاني: أن الأمر بعذابهم عند العرض والمساءلة في الآخرة. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الأسباب تواصلهم في الدنيا , وهو قول مجاهد وقتادة. والثاني: المنازل التي كانت لهم في الدنيا , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنها الأرحام , وهو رواية ابن جريج عن ابن عباس. والرابع: أنها الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا , وهو قول السدي. والخامس: أنها العهود والحلف الذي كان بينهم في الدنيا. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مَنْهُم كَمَا تَبَرَّءُوا مَنَّا﴾ يريد بذلك أن الأتباع قالوا للمتبوعين لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منكم فيها كما تبرأتم منا في الآخرة. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يريد المتبوعين والأتباع , والحسرة شدة الندامة على محزون فائت. وفي ﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجهان: أحدهما: برهم الذي حبط بكفرهم , لأن الكافر لا يثاب مع كفره. والثاني: ما نقصت به أعمارهم في أعمال المعاصي أن لا تكون مصروفة إلى طاعة الله. ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ يريد به أمرين: أحدهما: فوات الرجعة.
стр. 283
والثاني: خلودهم في النار.
стр. 284
﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الأَرْضِ حَلَلاً طَيِّباً﴾ قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام والزرع , فأباح لهم الله تعالى أكله وجعله لهم حلالاً طيباً. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ وهي جمع خطوة , واختلف أهل التفسير في المراد بها على أربعة أقاويل: أحدها: أن خطوات الشيطان أعماله , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنها خطاياه وهو قول مجاهد. والثالث: أنها طاعته , وهو قول السدي. والرابع: أنها النذور في المعاصي. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة. ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَآءِ﴾ قال السدي: السوء في هذا الموضع معاصي الله , سميت سوءاً لأنها تسوء صاحبها بسوء عواقبها. وفي الفحشاء ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: الزنى. والثاني: المعاصي. والثالث: كل ما فيه الحد , سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه. ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم. والثاني: أن تجعلوا له شريكاً.
стр. 285
﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتٌّبِعُوا مَا أَنَزَلَ اللهُ﴾ يعني في تحليل ما حرموه من الأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَابَآءَنَا﴾ يعني في تحريم ذلك عليهم. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن مثل الكافر فيما يوعظ به مثل البهيمة التي ينعق بها تسمع الصوت ولا تفهم معناه , وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه , وهذا قول ابن زيد. ﴿صُمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي صم عن الوعظ فلا يسمعونه , بكم عن الحق فلا يذكرونه , عمي عن الرشد فلا يبصرونه فهم لا يعقلونه , لأنهم إذا لم يعملوا بما يسمعونه ويقولونه ويبصرونه كانوا بمثابة من فقد السمع والنطق والبصر. والعرب تقول لمن سمع ما لا يعمل به: أصم. قال الشاعر:
(. . . . . . . . . . . . . . ... أصمُّ عَمّا ساءَه سميعُ)
﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ أخبر الله تعالى بما حرم بعد
следующие страницы →