Полный текст (4 439 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فقال لهم عمار: وكيف نقض العهد عندكم؟ قالوا: شديد , قال عمار: فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً , ولا أتبع ديناً غير دينه , فقالت اليهود: أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل , فكيف أنت يا حذيفة؟ فقال حذيفة: الله ربي , ومحمد نبيي , والقرآن إمامي , أطيع ربي , وأقتدي برسولي , وأعمل بكتاب ربي. فقالا: وإلهِ موسى , لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد , فأنزل الله هذه الآية. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق﴾ يعني من بعد ما تبين لليهود , أن محمداً نبي صادق , وأن الإسلام دين حق. ﴿فَاْعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ يعني بقوله فاعفوا , أي اتركوا اليهود , واصفحوا عن قولهم ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني مَا أَذِنَ بِهِ في (بني قريظة) , من القتل والسبي , وفي (بني النضير) من الجلاء والنفي.
стр. 212
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أما المساجد فهي مواضع العبادات , وفي المراد بها هنا قولان: أحدهما: ما نسب إلى التعبد من بيوت الله تعالى استعمالاً لحقيقة الاسم.
стр. 213
والثاني: أنَّ كُلَّ موضع من الأرض , أقيمت فيه عبادة من بيوت الله وغيرها مسجد , لقول النبي ﷺ : (جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً). وفي المانع مساجد الله أن يُذْكَرَ فيها اسمه , أربعة أقاويل: أحدها: أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم النصارى الذين أعانوا (بُخْتَ نَصّر) على خرابه , وهذا قول السدي. والثالث: أنهم مشركو قريش , منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام عام الحديبية , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: أنه عَامٌّ في كل مشرك , منع من كل مسجد. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَى في خَرَابِهَا﴾ تأويلان: أحدهما: بالمنع من ذكر الله فيها. والثاني: بهدمها. ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَاّ خَآئِفِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: خائفين بأداء الجزية , وهذا قول السدي. والثاني: خائفين من الرعب , إن قُدر عليهم عوقبوا , وهذا قول قتادة.
стр. 214
﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ فيه تأويلان:
стр. 215
أحدهما: أنه قتل الحربي وجزية الذمي. والثاني: أنه فتح مدائنهم عمورية , وقسطنطينية , ورومية , وهذا قول ابن عباس. ﴿وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو أشد من كل عذاب , لأنهم أظلم من كل ظالم.
стр. 216
﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ قوله تعالى: ﴿وَاللهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويلها , وسبب نزولها , على سبعة أقاويل: أحدها: أن سبب ذلك , أن النبي ﷺ , كان يستقبل بصلاته بيت المقدس بعد هجرته ستة عشر شهراً , أو سبعة عشر شهراً , حتى قالت اليهود: إن محمداً وأصحابه , ما دروا أين قبلتهم حتى هديناهم , فأمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة , فتكلمت اليهود , فأنزل الله تعالى هذه الآية , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن هذه الآية نزلت قبل أن يفرض استقبال القبلة , فأباح لهم أن يتوجهوا بصلاتهم حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب , وهذا قول قتادة وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في صلاة التطوع للسائر حيث توجه , وللخائف حيث تمكن من مشرق أو مغرب , وهذا قول ابن عمر , روى سعيد بن جبير عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَأَينَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعاً , كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعاً , يومئ برأسه نحو المدينة. والرابع: أنها نزلت , فيمن خفيت عليهم القبلة , ولم يعرفوا جهتها , فَصَلُّوا إلى جهات مختلفة.
стр. 217
روى عاصم بن عبد الله , عن عبد الله بن عامر بن ربيعة , عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة , فنزلنا منزلاً , فجعل الرجل يأخذ الأحجار , فيعمل مسجداً يصلي فيه , فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة , فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة , فأنزل الله تعالى هذه الآية. والخامس: أنها نزلت في النجاشي , وروى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ أَخَاكُم النَّجَاشِيّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ) قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم , قال فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا
стр. 218
أُنزِلَ إِلَيْهِم خَاشِعِينَ لِلُّه﴾ [سورة آل عمران الآية: ١٩٩] قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة , فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمغْرِبُ فَأينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. والسادس: أن سبب نزولها أن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿ادعُوني أسْتَجِبْ لَكُم﴾ قالوا إلى أين؟ فنزلت: ﴿فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. والسابع: أن معناه وحيثما كنتم من مشرق أو مغرب , فلكم قبلة تستقبلونها , يعني جهة إلى الكعبة , وهذا قول مجاهد. ويجيء من هذا الاختلاف في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ تأويلان: أحدهما: معناه فثم قبلة الله. والثاني: فثم الله تعالى , ويكون الوجه عبارة عنه , كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وأما ﴿ثَمَّ﴾ فهو لفظ يستعلم في الإشارة إلى مكان , فإن كان قريباً قيل: (هنا زيد) , وإن كان بعيداً قيل: (هناك زيد).
стр. 219
﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾
стр. 220
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم النصارى في قولهم: المسيح ابن الله. والثاني: أنهم مشركو العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. ﴿سُبْحَانَهُ , بَل لَّهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ﴾ قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهاً له من قولهم ﴿اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾. قوله: ﴿لَهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ﴾ أي خالق ما في السموات والأرض. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أي مطيعون , وهذا قول قتادة , والسدي , ومجاهد. والثاني: أي مقرون له بالعبودية , وهو قول عكرمة. والثالث: أي قائمون , يعني يوم القيامة , وهذا قول الربيع , والقانت في اللغة القائم , ومنه القنوت في الصلاة , لأنه الدعاء في القيام. قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرْضِ﴾ يعني منشئها على غير حد ولا مثال , وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه , يقال له مبدع , ولذلك قيل لمن خالف في الدين: مبتدع , لإحداثه ما لم يسبق إليه ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً﴾ أي أحكمه وحتمه , وأصله الإحكام والفراغ , ومنه قيل للحاكم قاض , لفصله الأمور وإحكامه بين الخصوم , وقيل للميت قد قَضَى أي فرغ من الدنيا , قال أبو ذؤيب:
(وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تُبّع)
معنى قضاهما أي أحكمهما. وقال الشاعر في عمر بن الخطاب:
(قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق)
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ فإن قيل في أي حال يقول له كن فيكون؟
стр. 221
أفي حالة عدمه أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه , استحال أن يأمر إلا مأموراً , كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر , وإن كان في حال وجوده , فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث , لأنه موجود حادث؟. قيل: عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة: أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود , كما أمر في بني إسرائيل , أن يكونوا قردة خاسئين , ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات. الثاني: أن الله عالم , بما هو كائن قبل كونه , فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه , قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة , فجاز أن يقول لها كوني , ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود , لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم. والثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى , عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه , ويكوّنه , إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله , وإنما هو قضاء يريده , فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً , كقول أبي النجم:
(قد قالت الأنساع للبطن الحق ... قدما فآضت كالغسق المحقق)
ولا قول هناك , وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن , وكقوله عمرو بن حممة الدوسي.
(فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطياراً يقال له قَعِ)
стр. 222
﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾
стр. 223
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِيَنَآءَايَةٌ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم النصارى , وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم اليهود , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنهم مشركو العرب , وهو قول قتادة والسدي. وقوله: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ يعني هَلَاّ يكلمنا الله , كقول الأشهب بن رملية:
(تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضَوْطَرَى لولا الكمى المقنعا)
بمعنى هل لا تعدون الكمى المقنعا. ﴿كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود , وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم اليهود والنصارى , وهو قول قتادة. قوله تعالى: ﴿تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ﴾ يعني في الكفر , وفيه وجهان: أحدهما: تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى , وهذا قول مجاهد. والثاني: تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى , وهذا قول قتادة.
стр. 224
﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم
стр. 225
﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ يعني محمداً أرسله بدين الحق. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ يعني بشيراً بالجنة لمن أطاع , ونذيراً بالنار لمن عصى. ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أي لا تكون مؤاخذاً بكفرةِ من كفر بعد البشرى والإنذار , وقرأ بعض أهل المدينة: ولا تَسَلْ عن أصحاب الجحيم , بفتح التاء وجزم اللام , وذكر أن سبب نزولها , ما رواه موسى بن عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ : (لَيْتَ شِعري مَا فَعَلَ أَبَوَاي) فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
стр. 226
﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ فيه قولان:
стр. 227
أحدهما: أنهم المؤمنون برسول الله ﷺ , والكتاب هو القرآن , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم علماء اليهود , والكتاب هو التوراة , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يقرؤونه حق قراءة. والثاني: يتبعونه حق اتباعه , فيحللون حلاله , ويحرمون حرامه , وهذا قول الجمهور. ﴿أولئك يؤمنون به﴾ يعني بمحمد ﷺ , لأن من قرأ أحد الكتابين , آمن به , لِمَا فيهما من وجوب اتباعه.
стр. 228
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن﴾ فيه محذوف وتقديره: واذكر إذا ابتلى يعني اختبر , وإبراهيم بالسريانية أب رحيم , وفي الكلمات التي ابتلاه الله بها , ثمانية أقاويل: أحدها: هي شرائع الإِسلام , قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحداً بهن , فقام بها كلها , غير إبراهيم , ابتلي بالإِسلام فأتمه , فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وإبراهيم الذي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] قال: وهي ثلاثون سهماً: عشرة منها في سورة براءة: ﴿التائبون , العابدون , الحامدون , السائحون , الراكعون , الساجدون﴾ [التوبة: ١١٢].
стр. 229
وعشرة في الأحزاب: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ , وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ , وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ , وَالصَادِقينَ والصَادِقَاتِ , وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ , وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ , وَالْمُتَصَدِّقِينَ , واَلْمُتَصَدِّقَاتِ , وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ , وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحافِظَاتِ , وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالْذَّاكِرَاتِ , أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وعشرة في سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ , الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِم خَاشِعُونَ , وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ , وَالَّذيِنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ , وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ , إلَاّ عَلَى أزْوَاجِهِم أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ , فَمن ابتغى وَرَاءَ ذلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ , وَالَّذِينَ هُمُ لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ , وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ , أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ , الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] وفي سورة سأل سائل من ﴿إلا المُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] , إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِم يُحَافظُون﴾ [المعارج: ٣٤]. والقول الثاني: إنها خصال من سُنَنِ الإسلام , خمس في الرأس , وخمس في الجسد , فروى ابن عباس في الرأس: قص الشارب , والمضمضة , والاستنشاق , والسواك , وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظفار , وحلق العانة , والختان , ونتف الإبط , وغسل أثر البول والغائط بالماء. وهذا قول قتادة. والقول الثالث: إنها عشر خصال , ست في الإنسان وأربع في المشاعر , فالتي في الإنسان: حَلْقُ العانة , والختان , ونَتْفُ الإبط , وتقليم الأظفار , وقص الشارب , والغُسل يوم الجمعة. والتي في المشاعر: الطواف , والسعي بين الصفا والمروة , ورمي الجمار , والإفاضة. روى ذلك الحسن عن ابن عباس. والقول الرابع: إن الله تعالى قال لإبراهيم: إني مبتليك يا إبراهيم , قال: تجعلني للناس إماماً؟ قال نعم , قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين , قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم , قال: وأمناً؟ قال: نعم , قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال: نعم , قال: وأرنا مناسكنا وتب علينا؟ قال: نعم , قال: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال: نعم ,
стр. 230
قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال: نعم , فهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم , وهذا قول مجاهد. والخامس: أنها مناسك الحج خاصة , وهذا قول قتادة. والقول السادس: أنها الخلال الست: الكواكب , والقمر , والشمس , والنار , والهجرة , والختان , التي ابتلي بهن فصبر عليهن , وهذا قول الحسن. والقول السابع: ما رواه سهل بن معاذ بن أنس عن أمه قال: كان النبي ﷺ يقول: (ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ , وله الحمْدُ في السّموَاتِ والأرْضِ وعَشِيّاً وحين تُظْهِرُونَ). والقول الثامن , ما رواه القاسم بن محمد , عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قَالَ: أتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟ قَالُوا: اللهُ
стр. 231
وَرَسُولُهُ أعْلَمُ , قَالَ: وَفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكْعَاتٍ فِي النَّهَارِ) ﴿قَالَ إنَّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً﴾ أي مقصوداً متبوعاً , ومنه إمام المصلين , وهو المتبوع في الصلاة. ﴿قال ومن ذريتي﴾ فاحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه طمع في الإمامة لذريته , فسأل الله تعالى ذلك لهم. والثاني: أنه قال ذلك استخباراً عن حالهم , هل يكونون أهل طاعة فيصيروا أئمة؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصياً وظالماً , لا يستحق الإمامة , فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وفي هذا العهد , سبعة تأويلات: أحدها: أنه النبوة , وهو قول السدي. والثاني: أنه الإمامة , وهو قول مجاهد. والثالث: أنه الإيمان , وهو قول قتادة. والرابع: أنه الرحمة , وهو قول عطاء. والخامس: أنه دين الله وهو قول الضحاك. والسادس: أنه الجزاء والثواب. والسابع: أنه لا عهد عليك لظالم أنه تطيعه في ظلمة , وهو قول ابن عباس.
стр. 232
﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾
стр. 233
قوله تعالى: ﴿وَإذْ جَعَلْنَا مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: مجمعاً لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة. والثاني: مرجعاً من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت. وقال الشاعر:
(مثاباً لأفناءِ القبائل كلها ... تحب إليها اليعملات الذوامل)
وفي رجوعهم إليه وجهان: أحدهما: أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة. والثاني: أنهم في كل واحد من نُسُكَيَ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق. قال تعالى: ﴿وَأَمْناً﴾ فيه قولان: أحدهما: لأمنه في الجاهلية من مغازي العرب , لقوله: ﴿وءَامَنَهُم مِنْ خَوفٍ﴾ [قريش: ٤]. والثاني: لأمن الجناة فيه من إقامة الحدود عليهم حتى يخرجوا منه. ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ روى حماد , عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: قلت يا رسول الله , لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى , فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ بكسر الخاء
стр. 234
من قوله واتخذوا على وجه الأمر , وقرأ بعض أهل المدينة: ﴿وَاتَّخّذُوا﴾ بفتح الخاء على وجه الخبر. واختلف أهل التفسير في هذا المقام , الذي أُمِرُوا باتخاذه مصلى , على أربعة أقاويل: أحدها: الحج كله , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه عرفة ومزدلفة والجمار , وهو قول عطاء والشعبي. والثالث: أنه الحرم كله , وهو قول مجاهد. والرابع: أنه الحجر الذي في المسجد , وهو مقامه المعروف , وهذا أصح. وفي قوله: ﴿مُصَلَّى﴾ تأويلان: أحدهما: مَدْعَى يَدْعِي فيه , وهو قول مجاهد. والثاني: أنه مصلى يصلي عنده , وهو قول قتادة , وهو أظهر التأويلين. قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أي أَمَرْنَا.
стр. 235
والثاني: أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل. ﴿أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الأصنام. والثاني: من الكفار. والثالث: من الأنجاس. وقوله تعالى: ﴿بَيْتِيَ﴾ يريد البيت الحرام. فإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم , قبل بناء البيت بيت يطهر , قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّراً , وهذا قول السدي. والثاني: معناه أن طهرا مكان البيت. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فيهم تأويلان: أحدهما: أنهم الغرباء الذين يأتون البيت من غربة , وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أنهم الذين يطوفون بالبيت , وهذا قول عطاء. ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ فيهم أربعة تأويلات: أحدها: أنهم أهل البلد الحرام , وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. والثاني: أنهم المعتكفون وهذا قول مجاهد. والثالث: أنهم المصلون وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم المجاورون للبيت الحرام بغير طواف , وغير اعتكاف , ولا صلاة , وهذا قول عطاء. ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يريد أهل الصلاة , لأنها تجمع ركوعاً وسجوداً. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ يعني مكة ﴿وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ليجمع لأهله الأمن والخصب , فيكونوا في رغد من العيش.
стр. 236
﴿مَنْءَآمَنَ مِنْهُم بِاللهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن هذا من قول إبراهيم متصلاً بسؤاله , أن يجعله بلداً آمناً , وأن يرزق أهله الذين آمنوا به من الثمرات , لأن الله تعالى قد أعلمه بقوله: ﴿لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أن فيهم ظالماً هو بالعقاب أحق من الثواب , فلم يسأل أهل المعاصي سؤال أهل الطاعات. والوجه الثاني: أنه سؤاله كان عاماً مرسلاً , وأن الله تعالى خص الإجابة لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر , ثم استأنف الإخبار عن حال الكافرين , بأن قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ يعني في الدنيا. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ﴾ يعني بذنوبه إن مات على كفره. واختلفوا في مكة , هل صارت حراماً آمناً بسؤال إبراهيم أو كانت فيه كذلك؟ على قولين: أحدهما: أنها لم تزل حرماً مِنَ الجَبَابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ , ومن الخسوف والزلازل , وإنما سأل إبراهيم ربَّه: أن يجعله آمناً من الجذب والقحط , وأن يرزق أهله من الثمرات , لرواية سعيد بن المقبري , قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: إن رسول الله ﷺ لما افتتح مكة , قتلت خزاعة رجلاً من هذيل , فقام رسول الله ﷺ خطيباً فقال: (يأَيُّهَا النَّاسُ , إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليومِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيها دَماً أَوْ يُعَضِّدُ بِهَا شَجَراً , وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلَاّ هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَباً عَلَى أَهْلِهَا , ألَا وَهِيَ قَدْ رَجِعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالأَمْسِ , ألَا لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ قَتَلَ بِهَا فَقُولُوا: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكْ) والثاني: أن مكة كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم , كسائر البلاد , وأنها
стр. 237
بدعوته صارت حرماً آمنا , وبتحريمه لها , كما صارت المدينة بتحريم رسول الله ﷺ حراماً , بعد أن كانت حلالاً , لرواية أشعب , عن نافع , عن ابن عمر , أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللهِ وَخَلِيله , وَإِنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ , وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا عَضَاهَا وَصَيْدُهَا , لَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ , وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ لَعَلَفٍ) قوله تعالى: ﴿وَإَذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيمُ , وهو أول من بناه مع إسماعيل , وأول من حجه , وإنما كانوا قَبْلُ يصلون نحوه , ولا يعرفون مكانه. والقواعد من البيت واحدتها قاعدة , وهي كالأساس لما فوقها. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ والمعنى: يقولان ربنا تقبل منا , كما قال تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيكُم﴾ أي يقولون سلام عليكم , وهي كذلك في قراءة أبيّ بن كعب: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. وتفسير (إسماعيل): إسمع يا الله , لأن إيل بالسريانية هو الله , لأن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل , فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد , سمّى بما دعا. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ على التثنية , وقرأ عوف
стр. 238
الأعرابي: ﴿مُسْلِمِينَ لك﴾ على الجمع. ويقال: أنه لم يدع نَبيُّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ والمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وخضع له , وهو في الدين القابل لأوامر الله سراً وجهراً. ﴿وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي عرفنا مناسكنا , وفيها تأويلان: أحدهما: أنها مناسك الحج ومعالمه , وهذا قول قتادة والسدي. والثاني: أنها مناسك الذبائح التي تنسك لله , وهذا قول مجاهد وعطاء. والمناسك جمع منسك , واختلفوا في تسميته منسكاً على وجهين: أحدهما: لأنه معتاد ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة , من قولهم إن لفلان منسكاً , إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر , فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها. والثاني: أن النسك عبادة الله تعالى , ولذلك سُمِّي الزاهد ناسكاً لعبادة ربه , فسميت هذه مناسك لأنها عبادات.
стр. 239
﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم﴾ يعني في هذه الأمة ﴿رَسُولاً مِنْهُم﴾ يعني محمداً ﷺ , وقيل في قراءة أبيّ بن كعب ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِي آخِرِهِم رَسُولاً مِنْهُم﴾. وقد روى خالد بن معدان: أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا:
стр. 240
يا رسول الله أخبرنا عن نفسك , قال: (نَعَم , أَنَا دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى). ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِكَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يقرأ عليهم حجتك. والثاني: يبين لهم دينك. ﴿ويُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن. ﴿وَالْحِكْمَة﴾ فيها تأويلان: أحدهما: أنها السنة , وهو قول قتادة. والثاني: أنها المعرفة بالدين , والفقه فيه , والاتباع له , وهو قول ابن زيد. ﴿وَيُزَكِّيهِم﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه يطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان. والثاني: يزكيهم بدينه إذا اتبعوه فيكونون به عند الله أزكياء.
стр. 241
﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 242
أحدها: أن ذلك سفّه نفسه , أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً , وهذا قول الأخفش. والثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه , فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي عَلَى عقدة النكاح , وهذا قول الزجَّاج. والثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا , وهذا قول أبي عبيدة. قال المبرِّد وثعلب: سَفِه بكسر الفاء يتعدى , وسفُه بضم الفاء لا يتعدى. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي اخترناه , ولفظه مشتق من الصفوة , فيكون المعنى: اخترناه في الدنيا للرسالة. ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لنفسه في إنجائها من الهلكة. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ الهاء كناية ترجع إلى الملة لتَقَدُّم قولهِ: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهيمَ﴾ ووصّى أبلغ من أوصى , لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة , وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً. ﴿وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ والمعنى أن إبراهيم وَصَّى , ثم وَصَّى بعده يعقوبُ بَنِيهِ , فقالا جميعاً: ﴿يَا بَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ يعني اختار لكم الدين , أي الإسلام , ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إلَاّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فإن قيل: كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم , وإنما يُمَاتُون؟ قيل: هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى , لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام , لا إلى الموت , ومعناه: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت.
стр. 243
﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها
стр. 244
واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا: كُونُوا هُوداً أوْ نَصَارى تَهْتَدُوا﴾ يعني أن اليهودَ قالوا: كونوا هوداً تهتدوا , وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا , فرد الله تعالى ذلك عليهم , فقال: ﴿قُلْ: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ وفي الكلام حذف , يحتمل وجهين: أحدهما: أن المحذوف بل نتبع ملة إبراهيم , ولذلك جاء به منصوباً. والثاني: أن المحذوف بل نهتدي بملة إبراهيم , فلما حذف حرف الجر , صار منصوباً , والملة: الدين , مأخوذ من الإملاء , أي ما يُمْلُون من كتبهم. وأما الحنيف , ففيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه المخلص , وهو قول السدي. والثاني: أنه المتَّبع , وهو قول مجاهد. والثالث: الحاج , وهو قول ابن عباس , والحسن. والرابع: المستقيم. وفي أصل الحنيف في اللغة وجهان: أحدهما: الميل , والمعنى أن إبراهيم حَنَفَ إلى دين الله , وهو الإسلام فسمي حنيفاً , وقيل للرجل أحْنَف لميل كل واحدة من قدميه إلى أختها. والوجه الثاني: أن أصله الاستقامة , فَسُمِّي دين إبراهيم (الحنيفية) لاستقامته وقيل للرجل أحنف , تطيّراً من الميل وتفاؤلاً بالاستقامة , كما قيل لِلًّدِيغ سليم , وللمُهْلِكةِ من الأرض مفازة.
стр. 245
﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
стр. 246
والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ قوله تعالى: ﴿فَإِنْءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ فإن قيل: فهل للإيمان مثل لا يكون إيماناً؟ قيل معنى الكلام: فإن آمنوا مثل إيمانكم , وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا , وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف. ﴿وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعني في مشاقة وعداوة , وأصل الشِّقَاقِ البُعْدُ , من قولهم قد أخذ فلان في شِقٍّ , وفلان في شِقٍّ آخر , إذا تباعدوا. وكذلك قيل للخارج عن الجماعة , قد شَقَّ عصا المسلمين لبُعْدِهِ عنهم. قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه دين الله , وهذا قول قتادة. وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم , ويقولون هذا تطهير لهم كالختان , فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ أي صبغة الله أحسن صبغة , وهي الإسلام. والثاني: أن صبغة الله , هي خلقة الله , وهذا قول مجاهد. فإن كانت الصبغة هي الدين , فإنما سُمِّيَ الدين صبغة , لظهوره على صاحبه , كظهور الصِّبْغِ عَلَى الثوبِ , وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب.
стр. 247
﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ﴾ يعني قالوا: ﴿إنَّ إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسَحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ﴾ وهم إثنا عشر سَبْطاً من ولد يعقوب , والسَبْطُ الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد , والسَبْطُ في اللغة: الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض ﴿كَانُوا هُوداً أوْ نَصَارَى قُلْ: أَأَنْتُم أَعْلَمُ أمِ اللهُ﴾ يعني اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هوداً , والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى , فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم , يعني بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى. ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمان الشهادة , والارتشاء عليها من أغنيائهم وسفائهم.
стр. 248
﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ السُّفَهَاءُ: واحده سَفِيه , والسَّفِيهُ: الخفيف الحلم , من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج , ورمح سفيه إذا أسرع نفوذه.
стр. 249
وفي والمراد بالسفهاء هَا هُنَا ثلاثة أقاويل: أحدها: اليهود , وهو قول مجاهد. والثاني: المنافقون , وهو قول السدي. والثالث: كفار قريش وحكاه الزجاج. ﴿مَا ولَاّهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها , وهي بيت المقدس , حيث كان يستقبلها رسول الله ﷺ بمكة , بعد هجرته إلى المدينة بستة عشر شهراً في رواية البراء بن عازب , وفي رواية معاذ بن جبل: ثلاثة عشر شهراً , وفي رواية أنس بن مالك تسعة أشهر أو عشرة أشهر , ثم نُسِخَتْ قبلةُ بيت المقدس باستقبال الكعبة , ورسول الله ﷺ بالمدينة في صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين نحو بيت المقدس , فانصرف بوجهه إلى الكعبة , هذا قول أنس بن مالك , وقال البراء بن عازب: كنا في صلاة العصر بقباء , فمر رجل على أهل المسجد وهم ركوع في الثانية , فقال: أشهد لقد صَلَّيت مع رسول الله ﷺ قِبَلَ مكة , فداروا كما هم قِبَلَ البيت , وقِبَلُ كل شيءٍ: ما قَابَل وَجْهَه.
стр. 250
واختلف أهل العلم في استقبال رسول الله ﷺ بيت المقدس , هل كان برأيه واجتهاده , أو كان عن أمر الله تعالى لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التَّي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُوُلَ﴾ , وهذا قول ابن عباس وابن جريج. والقول الثاني: أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده , وهذا قول الحسن , وعكرمة , وأبي العالية , والربيع. واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين: أحدهما: أنه اختار بيت المقدس ليتألَّف أهل الكتاب , وهذا قول أبي جعفر الطبري. والثاني: لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس , فأحب الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه , ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عَقِبَيْهِ , وهذا قول أبي إسحاق الزجاج , فلما استقبل رسول الله ﷺ الكعبة , قال ابن عباس: أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحُقَيْقِ , فقالوا لرسول الله ﷺ : ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملةِ إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها , نتبعك ونصدقك. وإنما يريدون فتنته عن دينه , فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيها؟ قُل: لِلَّهِ الْمَشْرِقْ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ يعني حيثما أمر الله تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب والصراط: الطريق: والمستقيم: المستوي. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني خياراً , من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه , إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه , ومنه قول زهير:
следующие страницы →