← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا

стр. 2627

وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ قوله : ﴿ ... وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبّهِ ظَهِيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: عوناً , مأخوذ من المظاهر وهي المعونة , ومعنى قوله ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ أي على أولياء ربه. الثاني: هيناً , مأخوذ من قولهم ظهر فلان بحاجتي إذا تركها واستهان بها قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُم ظِهْريّاً﴾ [هود: ٩٢] أي هيناً , ومنه قول الفرزدق: (تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهرٍ فلا يعيا عَلَيّ جوابها) قيل إنها نزلت في أبي جهل. قوله : ﴿وَإِذَا قِيل لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَن قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العرب لم تكن تعرف الرحمن في أسماء الله تعالى: وكان مأخوذاً من الكتاب فلما دعوا إلى السجود لله تعالى بهذا الاسم سألواْ عنه مسألة الجاهل به فقالواْ ﴿وَمَا الرَّحْمَن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمْرُنَا﴾. الثاني: أن مسيلمة الكذاب كان يسمى الرحمن , فلما سمعوا هذا الاسم في

стр. 2628

القرآن حسبوه مسيلمة , فأنكروا ما دعوا إليه من السجود له. والثالث: أن هذا قول قوم كانواْ يجحدون التوحيد ولا يقرون بالله تعالى , فلما أمروا أن يسجدوا للرحمن ازدادوا نفوراً مع هواهم بما دعوا إليه من الإيمان , وإلا فالعرب المعترفون بالله الذين يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى كانوا يعرفون الرحمن في أسمائه وأنه اسم مسمى من الرحمة يدل على المبالغة في الوصف , وهذا قول ابن بحر.

стр. 2629

﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها النجوم العظام , وهو قول أبي صالح. الثاني: أنها قصور في السماء فيها الحرس , وهو قول عطية العوفي. الثالث: أنها مواضع الكواكب. والرابع: أنها منازل الشمس، وقرىء بُرجاً، قرأ بذلك قتادة , وتأوله النجم. ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ يعني مضيئاً، ولذا جعل الشمس سراجاً والقمر منيراً، لأنه لما اقترن بضياء الشمس وهَّج حرّها جعلها لأجل الحرارة سراجاً، ولما كان ذلك في القمر معدوماً جعله نوراً. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار خِلْفَةً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه جعل ما فات من عمل أحدهما خلفة يقضي في الآخر، قاله عمر ابن الخطاب والحسن. الثاني: أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه فجعل أحدهما أبيض والآخر أسود , قاله مجاهد. الثالث: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه إذا مضى هذا جاء هذا , قاله ابن زيد ومنه قول زهير:

стр. 2630

(بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم) ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ أي يصلي بالنهار صلاة الليل ويصلي بالليل صلاة النهار. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ هو النافلة بعد الفريضة , وقيل نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 2631

﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: علماء وكلماء , قاله ابن عباس. الثاني: أعفاء أتقياء , قاله الضحاك. الثالث: بالسكينة والوقار , قاله مجاهد. الرابع: متواضعين لا يتكبرون , قاله ابن زيد. ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً﴾ الجاهلون فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار. الثاني: السفهاء. ﴿قَالُواْ سَلَاماً﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 2632

: أحدها: قالوا سداداً , قاله مجاهد لأنه قول سليم. الثاني: قالوا وعليك السلام , قاله الضحاك. الثالث: أنه طلب المسالمة , قاله ابن بحر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لازماً , قاله ابن عيسى , ومنه الغريم لملازمته وأنشد الأعشى: (إن يعاقب يكن غَراماً وإن يع ... طر جزيلاً فإنه لا يبالي) الثاني: شديداً , قاله ابن شجرة , ومنه سميت شدة المحنة غراماً قال بشر بن أبي خازم: (ويوم الجفار ويوم النسا ... ر، كانا عذاباً، وكان غراما) الثالث: ثقيلاً، قاله قطرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦]. الرابع: أنهم أغرموا بالنعيم في الدنيا عذاب النار، قال محمد بن كعب: إن الله سأل الكفار عن فأغرمهم فأدخلهم جهنم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لم ينفقواْ في معصية الله، والإِسراف النفقة في المعاصي، قاله ابن عباس. الثاني: لم ينفقوا كثيراً فيقول الناس قد أسرفوا، قاله إبراهيم. الثالث: لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، قاله يزيد بن أبي حبيب، قال: هؤلاء أصحاب النبي ﷺ كانت قلوبهم على قلب رجل واحد.

стр. 2633

الرابع: لم ينفقوا نفقة في غير حقها فإن النفقة في غير حقها إسراف , قاله ابن سيرين. ﴿وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لم يمنعوا حقوق الله فإن منع حقوق الله إقتار , قاله ابن عباس. الثاني: لا يعريهم ولا يجيعهم , قاله إبراهيم. الثالث: لم يمسكوا عن طاعة الله , قاله ابن زيد. الرابع: لم يقصروا في الحق , قاله الأعمش. روى معاذ بن جبل قال: لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله ﷺ عن النفقة في الإسراف والإقتار ما هو , فقال: من منع من حق فقد قتر , ومن أعطى في غير حق فقد أسرف. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَامَاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني عدلاً , قاله الأعمش. الثاني: أن القوام: أن يخرجوا في الله شطر أموالهم , قاله وهب. الثالث: أن القوام: أن ينفق في طاعة الله ويكف عن محارم الله. ويحتمل رابعاً: أن القوام ما لم يمسك فيه عزيز ولم يقدم فيه على خطر , والفرق بين القَوام بالفتح والقِوام بالكسر , ما قاله ثعلب: أنه بالفتح الاستقامة والعدل , وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.

стр. 2634

﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاًءَاخَرَ﴾ يعني لا يجعلون لله تعالى

стр. 2635

شريكاً، ولا يجعلون بينهم وبينه في العبادة وسيطاً. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يعني حرم قتلها , وهي نفس المؤمن والمعاهد. ﴿إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ والحق المستباح به قتلها , ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَاّ بِِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ , أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ , أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ). ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ والزنى إتيان النساء المحرمات في قبل أو دبر , واللواط زنى في أحد القولين وهو في القول الثاني موجب لقتل الفاعل والمفعول به , وفي إتيان البهائم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كالزنى في الفرق بين البكر والثيب. الثاني: أنه يوجب قتل البهيمة ومن أتاها للخبر المأثور فيه. الثالث: أنه يوجب التعزير. فجمع في هذه الآية بين ثلاث من الكبائر الشرك وقتل النفس والزنى , روى عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله (أو قال غيري): أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: (أَن تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ) قال: ثم أي؟ قال: (أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خِيفَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) قال: ثم أيّ.؟ قال: (أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ) قال فأنزل الله ذلك. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ يعني هذه الثلاثة أو بعضها ﴿يَلْقَ أَثَاماً﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 2636

: أحدها: أن الأثام العقوبة قاله بلعام بن قيس: (جزى اللَّه ابن عروة حيث أمسى ... عقوقاً والعقوق له أثام) الثاني: أن الأثام اسم واد في جهنم , قاله ابن عمر , وقتادة , ومنه قول الشاعر: (لقيت المهالك في حربنا ... وبعد المهالك تلقى أثاما) الثالث: الجزاء , قاله السدي , وقال الشاعر: (وإن مقامنا ندعو عليكم ... بأبطح ذي المجاز له أثامُ) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المضاعفة عذاب الدنيا وعذاب الآخرة , قاله قتادة. الثاني: أنها الجمع بين عقوبات الكبائر المجتمعة. الثالث: أنها استدامة العذاب بالخلود. ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ أي يخلد في العذاب بالشرك. ﴿مُهَاناً﴾ بالعقوبة. ﴿إِلَاّ مَن تَابَ﴾ يعني من الزنى. ﴿وَءَامَنَ﴾ يعني من الشرك. ﴿وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ يعني بعد السيئات. ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: في الدنيا يبدلهم بالشرك إيماناً، وبالزنى إحصاناً وبذكر الله بعد نسيانه، وبطاعته بعد عصيانه، وهذا معنى قول الحسن، وقتادة. الثاني: أنه في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته فيبدل الله السيئات حسنات، قاله أبو هريرة. الثالث: أنه يبدل الله عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته إذا انتقل إليها , قاله ابن بحر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ لما تقدم قبل التوبة. ﴿رَحِيماً﴾ لما بعدها. وحكى الكلبي أن وحشياً وهو عبد عتبة بن غزوان كتب بعد وقعة أحد وقَتْلِ

стр. 2637

حمزة إلى النبي ﷺ : هل من توبة؟ فإن الله أنزل بمكة إياسي من كل خير ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاًءَاخَرَ﴾ الآية وإن وحشياً قد فعل هذا كله , وقد زنى وأشرك وقتل النفس التي حرم الله , فأنزل الله ﴿إلَاّ مَن تَابَ﴾ أي من الزنى وآمن بعد الشرك وعمل صالحاً بعد السيئات , فكتب بها رسول الله ﷺ إليه فقال وحشي: هذا شرط شديد ولعلي لا أبقى بعد التوبة حتى أعمل صالحاً , فكتب لرسول الله ﷺ : هل من شيء أوسع من هذا؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ , ١١٦] , فكتب بها رسول الله ﷺ إلى وحشي. فأرسل وحشي إلى النبي ﷺ : إنى لأخاف أن لا أكون في مشيئة الله , فأنزل الله في وحشي وأصحابه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرًُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] الآية. فبعث بها رسول الله ﷺ إلى وحشي إلى النبي ﷺ فأسلم.

стр. 2638

﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: أنه الشرك بالله , قاله الضحاك، وابن زيد. الثاني: أنه أعياد أهل الذمة وشبهه، قال ابن سيرين هو الشعانين. الثالث: أنه الغناء , قاله مجاهد. الرابع: مجالس الخنا، قاله عمرو بن قيس. الخامس: أنه لعب كان في الجاهلية، قاله عكرمة. السادس: أنه الكذب، قاله ابن جريج، وقتادة. السابع: أنه مجلس كان يشتم فيه النبي ﷺ ، قاله خالد بن كثير.

стр. 2639

ويحتمل ثامناً: أنه العهود على المعاصي. ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغوِ مَرُّواْ كِرَاماً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه ما كان يفعله المشركون من أذية المسلمين في أنفسهم وأعراضهم فيعرضوا عنهم وعن أذاهم , قاله مجاهد. الثاني: أنهم إذا ذكروا النكاح كَنّوا عنه , حكاه العوّام. الثالث: أنهم إذا ذكروا الفروج كَنّوا عنها , قاله محمد بن علي البافر ﵀. الرابع: أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكروه , قاله ابن زيد. الخامس: أن اللغو هنا المعاصي كلها , ومرهم بها كراماً إِعراضهم عنها , قاله الحسن. ويحتمل سادساً: وإذا مروا بالهزل عدلوا عنه إلى الجد. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بوعده ووعيده. الثاني: بأمره ونهيه. ﴿لَمْ يخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً﴾ يعني سمعوا الوعظ فلم يصموا عنه وأبصروا الرشد فلم يعموا عنه بخلاف من أصمه الشرك عن الوعظ وأعماه الضلال عن الرشد. وفي قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا﴾ وجهان: أحدهما: لم يقيموا , قاله الأخفش. الثاني: لم يتغافلوا , قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: ﴿ ... رَبَّنَا لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أجعل أزواجنا وذرياتنا قرة أعين , قاله الكلبي. الثاني: ارزقنا من أزواجنا ومن ذرياتنا أعواناً ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أي أهل طاعة تقر به أعيننا في الدنيا بالصلاح , وفي الآخرة بالجنة. وفي قرة العين وجهان:

стр. 2640

أحدهما: أن تصادف ما يرضيهما فتقر على النظر إليه دون غيره. الثاني: أن القرّ البرد فيكون معناه برّد الله دمعها، لأن دمعة السرور باردة. ودمعة [الحزن] حارة , وضد قرة العين سخنة العين، قاله الأصمعي. ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أمثالا , قاله عكرمة. الثاني: رضاً، قاله جعفر الصادق. الثالث: قادة إلى الخير، قاله قتادة. الرابع: أئمة هدى يُهْتدى بنا، قاله ابن عباس. الخامس: نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا، قاله مجاهد. وفي الآية دليل عل أن طلب الرياسة في الدين ندب.

стр. 2641

﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما﴾ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوُنَ الْغُرْفَةَ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن الغرفة الجنة , قاله الضحاك. الثاني: أنها أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى منازل الدنيا , حكاه ابن شجرة. ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما صبروا عن الشهوات , قاله الضحاك. الثاني: بما صبروا على طاعة الله. ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بقاء دائماً. الثاني: ملكاً عظيماً. ﴿وَسَلَاماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها جماع السلامة الخير.

стр. 2642

الثاني: هو أن يحيي بعضهم بعضاً بالسلام , قاله الكلبي. ولأصحاب الخواطر في التحية والسلام وجهان: أحدهما: التحية على الروح والسلام على الجسد. الثاني: أن التحية على العقل والسلام على النفس. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما يصنع , قاله مجاهد , وابن زيد. الثاني: ما يبالي , قاله أبو عمرو بن العلاء. ﴿لَوْلَا دُعآؤُكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لولا عبادتكم وإيمانكم به , والدعاء العبادة. الثاني: لولا دعاؤه لكم إلى الطاعة , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء رغبة إليه وخضوعاً إليه. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كذبتم برسلي. الثاني: قصرتم عن طاعتي مأخوذ من قولهم قد كذب في الحرب إذا قصّر. ﴿لِزَاماً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر , قاله ابن مسعود وأُبي. الثاني: عذاب الآخرة في القيامة , قاله قتادة. الثالث: أنه الموت , قاله محمد بن كعب , ومنه قول الشاعر: (يولي عند حاجتها البشير ... ولم أجزع من الموت اللزام) الرابع: هو لزوم الحجة في الآخرة على تكذيبهم في الدنيا , قاله الضحاك , وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه، والله أعلم.

стр. 2643

سورة الشعراء مكية كلها، وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها نزلن بالمدينة من قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 2644

﴿طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ قوله ﴿طسم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الله أقسم به , والمقسم عليه ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن , قاله قتادة. الثالث: أنه من الفواتح التي افتتح الله بها كتابه، قاله الحسن.

стр. 2645

الرابع: أنها حروف هجاء مقطعة من أسماء الله وصفاته: أما الطاء ففيها قولان: أحدهما: أنها من الطول. الثاني: أنها من الطاهر. وأما السين ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من القدوس. الثاني: أنها من السميع. الثالث: من السلام. وأما الميم ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من المجيد. الثاني: من الرحيم. الثالث: من الملك. ولأصحاب الخواطر في تأويل ذلك قولان: أحدهما: أن الطاء شجرة طوبى , والسين سدرة المنتهى , والميم محمد المصطفى ﷺ . الثاني: أن الطاء طرب التائبين , والسين ستر الله على المذنبين , والميم معرفته بالغاوين , وقد ذكرنا في تفسير ﴿الم﴾ من زيادة التأويلات ما يجزىء تخريجه قبل هذا الموضع. قوله ﴿بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قاتل نفسك , قاله ابن عباس , ومجاهد , والبخع القتل , قاله ذو الرمة: (ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... بشيءٍ نحته عن يديه المقادِرُ) الثاني: محرج نفسك , قاله عطاء، وابن زيد.

стр. 2646

قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِءَايَةً﴾ فيها وجهان: أحدهما: ما عظم من الأمور القاهرة. الثاني: ما ظهر من الدلائل الواضحة. ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصيته. الثاني: أنه أراد أصحاب الأعناق فحذفه وأقام المضاف إليه مقامه , ذكره ابن عيسى. الثالث: أن الأعناق الرؤساء , ذكره ابن شجرة , وقاله قطرب. الرابع: أن العنق الجماعة من الناس , من قولهم: أتاني عنق من الناس أي جماعة , ورأيت الناس عنقاً إلى فلان , ذكره النقاش. قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَواْ إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي نوع معه قرينة من أبيض وأحمر , وحلو وحامض. أحدها: حسن , قاله ابن جبير. الثاني: أنه مما يأكل الناس والأنعام , قاله مجاهد. الثالث: أنه النافع المحمود كما أن الكريم من الناس هو النافع المحمود. الرابع: هم الناس نبات الأرض كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنَبتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] فمن دخل الجنة فهو كريم , ومن دخل النار فهو لئيم.

стр. 2647

﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من

стр. 2648

الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ قوله ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي أخاف أن يضيق قلبي وفيه وجهان: أحدهما: بتكذيبهم إياي , قاله الكلبي. الثاني: بالضعف عن إبلاغ الرسالة. ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: من مهابة فرعون , قاله الكلبي. الثاني: للعقدة التي كانت به. ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ أي ليكون معي رسولاً , لأن هارون كان بمصر حيث بعث الله تعالى موسى نبياً. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ فتكون علي بمعنى عندي , وهو قول المفضل , وأنشد قول أبي النجم: (قد أصبحت أم الخيار تدَّعي ... علي ذَنْبا كلّه لم أصْنَعِ) والثاني: معناه ولهم عليّ عقوبة ذنب. ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ قد خاف موسى أن يقتلوه بالنفس التي قتلها , فلا يتم إبلاغ الرسالة لأنه يعلم أن الله تعالى بعثه رسولاً تكفل بعونه على تأدية رسالته. قوله : ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالِمِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أرْسَلَنا رب العالمين , حكاه ابن شجرة. والثاني: معناه أن كل واحد منا رسول رب العالمين , ذكره ابن عيسى. والثالث: معناه إنا رسالة رب العالمين , قاله أبوعبيدة , ومنه قول كثير: (لقد كَذَّب الواشون ما بُحْتُ عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول) أي رسالة

стр. 2649

قوله : ﴿قَاَلَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي صغيراً , لأنه كان في داره لقيطاً. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ لم يؤذن له في الدخول عليه سنة , وخرج من عنده عشر سنين , وعاد إليه يدعوه ثلاثين سنة , وبقي بعد غرقه خمسين سنة , قال ذلك امتناناً عليه. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني قتل النفس. ﴿وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أي على ديننا الذي لا تقول إنه كفر , وهو قول السدي. الثاني: من الكافرين لإحساني إليك وفضلي عليك , وهذا قول محمد بن إسحاق. قوله : ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ يعني قتل النفس , قال المفضل: ومعنى إذن لموجبٍ. ﴿وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: من الجاهلين , وهو قول مجاهد لا يعلم أنها تبلغ. والثاني: من الضالين عن النبوة , لأن ذلك كان قبل الرسالة، وهو معنى قول الضحاك. الثالث: من الناسين، وهو قول ابن زيد، كما قال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾. قوله : ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه أن اتخاذك بني إسرائيل عبيداً قد أحبط نعمتك التي تمن عليّ، وهذا قول عليّ بن عيسى.

стр. 2650

والثاني: معناه أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني , أعددت ذلك نعمة تمنّ بها عليّ؟ قاله الفراء. والثالث: أنه لم تكن لفرعون على موسى نعمة لأن الذي رباه بنو إسرائيل بأمر فرعون لاستعباده لهم , فأبطل موسى نعمته لبطلان استرقاقه. والرابع: أن فرعون أنفق على موسى في تربيته من أموال بني إسرائيل التي أخذها من أكسابهم حين استعبدهم , فأبطل موسى النعمة وأسقط المنة , لأنها أموال بني إٍسرائيل لا أموال فرعون , وهذا معنى قول الحسن. وفي التعبيد وجهان: أحدهما: أنه الحبس والإِذلال , حكاه أبان بن تغلب. الثاني: أنه الاسترقاق , فالتعبيد الاسترقاق , سمي بذلك لما فيه من الإِذلال , مأخوذ من قولهم طريق معبد , ومنه قول طرفة بن العبد. (تبارى عناقاً ناجيات وأتبعت ... وظيفاً فوق مورٍ مُعَبّدِ) أي طريق مذلل.

стр. 2651

﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في

стр. 2652

المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم﴾ قوله : ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ قال سعيد بن جبير: كانت من عوسج , قال الحكيم: ولم يسخر العوسج لأحد بعده , وقال الكلبي: كانت من آس الجنة عشرة أذرع على طول موسى. ﴿فإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الحية الذكر , قاله ابن عباس. الثاني: أنه اعتم الحيات الصفر شعراء العنق , حكاه النقاش. ﴿مُّبِينٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مبين أنه ثعبان. الثاني: مبين أنها آية وبرهان , وكان فرعون قد همّ بموسى , فلما صارت العصا ثعباناً فَاغِراً فَاهُ خافه ولَاذَ بموسى مستجيراً وَوَلَّى قومُه هرباً حتى وطىء بعضهم على بعض , قال ابن زيد: وكان اجتماعهم بالإسكندرية , قال الزجاج: روي أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً , وقيل: تسعة عشر ألفاً. قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي تشيرون لأنه لا يجوز أن يأمر التابع المتبوع , فجعل المشورة أمراً لأنها على لفظه. ويحتمل استشارته لهم وجهين: أحدهما: أنه أراد أن يستعطفهم لضعف نفسه. الثاني: أنه أذهله ما شاهد فحار عقله فلجأ إلى رأيهم وهو يقول أنا ربكم الأعلى , وقد خفي عليه تناقض الأمرين خذلانا.

стр. 2653

﴿فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا

стр. 2654

لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أخره وأخاه , قاله ابن عباس. الثاني: احبسه وأخاه , قاله قتادة. وفي مشورتهم على فرعون بإرجائه ونهيهم له عن قتله ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم خافوا إن قتلوه أن يفتن الناس بما شاهدوه منه , وأمّلوا إن جاء السحرة أن يغلبوه. الثاني: أنهم شاهدوا من فعله ما بهر عقولهم , فخافوا الهلاك من قتله. الثالث: أن الله صرفهم عن ذلك تثبيتاً لدينه وتأييداً لرسوله.

стр. 2655

﴿وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ في الشرذمة وجهان: أحدهما: أنهم سفلة الناس وأدنياؤهم , قاله الضحاك , ومنه قول الأعشى: (وهم الأعبد في أحيائهم ... لعبيدٍ وتراهم شرذمة.)

стр. 2656

الثاني: أنهم العصبة الباقية من عصبة كبيرة وشرذمة كل شيء بقيته القليلة. ويقال لما قطع من فضول النعال من الجلد شراذم , وللقميص إذا خلق شراذم , وأنشد أبو عبيدة. (جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منها التواق) واختلف في عدد بني إسرائيل حين قال فرعون فيهم: إنه لشرذمة قليلون , على أربعة أقاويل: أحدها: ستمائة وتسعين ألفاً , قال مقاتل: لا يعد ابن عشرين سنة لصغيره ولا ابن ستين لكبره , وهو قول السدي. الثالث: كانوا ستمائة ألف مقاتل , قاله قتادة. الرابع: كانوا خمسمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة , وإنما استقل هذا العدد لأمرين: أحدهما: لكثرة من قتل منهم. الثاني: لكثرة من كان معه , حكى السدي أنه كان على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماديانه , وقال الضحاك كانوا سبعة آلاف ألف. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ قراءة ابن كثير ونافع , وأبي عمرو , وقرأ الباقون ﴿حَاذِرُونَ﴾ وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنهما لغتان ومعناهما واحد , حكاه ابن شجرة وقاله أبو عبيدة واسْتَشْهَد بقول الشاعر: (وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذره.)

стр. 2657

الثاني: أن الحذر المطبوع على الحذر , والحاذر الفاعل الحذر , حكاه ابن عيسى. الثالث: أن الحذر الخائف والحاذر المستعد. الرابع: أن الحذر المتيقظ , والحاذر آخذ السلاح , لأن السلاح يسمى حذراً قاله الله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُم﴾ [النساء: ١٠٢] أي سلاحكم , وقرأ ابن عامر. ﴿حَادِرُونَ﴾ بدال غير معجمة وفي تأويله وجهان:: أحدهما: أقوياء من قولهم جمل حادر إذا كان غليظاً. الثاني: مسرعون. قوله تعالى: ﴿وَكُنُوزٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الخزائن. الثاني: الدفائن. الثالث: الأنهار , قاله الضحاك. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها المنابر , قاله ابن عباس , ومجاهد. الثاني: مجالس الأمراء , حكاه ابن عيسى. الثالث: المنازل الحسان , قاله ابن جبير. ويحتمل رابعاً: أنها مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عُدة وزينة فصار مقامها أكرم منزول.

стр. 2658

﴿فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم واتل عليهم

стр. 2659

نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ قوله تعالى ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: حين أشرقت الشمس بالشعاع , قاله السدي. الثاني: حين أشرقت الأرض بالضياء , قاله قتادة. الثالث: أي بناحية المشرق , قاله أبو عبيدة. قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت , وأشرقت إذا أضاءت. واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبني إسرائيل حتى أشرقوا على قولين: أحدهما: لاشتغالهم بدفن أبكارهم لأن الوباء في تلك الليلة وقع فيهم. الثاني: لأن سحابة أظلتهم فخافوا وأصبحوا , فانقشعت عنهم. وقرىء ﴿مُشَرِّقِينَ﴾ بالتشديد أي نحو المشرق , مأخوذ من قولهم شرّق وغرّب , إذا سار نحو المشرق والمغرب. ﴿قَالَ: كَلَاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي سيرشدني إلى الطريق. الثاني: معناه سيكفيني , قاله السدي. و ﴿كَلَاّ﴾ كلمة توضع للردع والزجر , وحكي أن موسى لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ عليها موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا , قال موسى فأيكم يدري أين قبره؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل فأرسل إليها

стр. 2660

فقال: دلِّيني على قبر يوسف , قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي , قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة فثقل عليه فقيل له أعطاها حكمها فدلتهم عله فاحتفروه واستخرجوا عظامه , فلما ألقوها فإذا الطريق مثل ضوء النهار. فروى أبو بردة عن أبي موسى: أن النبي ﷺ نزل بأعرابي فأكرمه فقال رسول الله ﷺ : (حَاجَتُكَ) قاله له: ناقة أرحلها وأعنزاً أحلبها فقال رسول الله ﷺ : (أَعَجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائيلَ) فقال الصحابة: وما عجوز بني إسرائيل فَذَكَرَ لَهُم حَالَ هَذِهِ العَجُوزِ الَّتِي حَكَمَت عَلَى مُوسَى أَنْ تَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ. قوله تعالى: ﴿فأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ روى عكرمة عن ابن عباس أن موسى لما بلغ البحر واتبعه فرعون قاله له فتاهُ يوسع بن نون: أين أمرك ربك؟ قال: أمامك , يشير إلى البحر , ثم ذكر أنه أمر أن يضرب بعصاه البحر فضربه , فانفلق له اثنا عشر طريقاً وكانوا اثني عشر سبطاً لكل سبط طريق , عرض كل طريق فرسخان. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ساكناً لا يتحرك , فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر. وحكى النقاش: أن موسى ضرب بعصاه البحر وقد مضى من النهار أربع ساعات , وكان يوم الاثنين عاشر المحرم وهو يوم عاشوراء , قال: والبحر هو نهر النيل ما بين إيلة ومصر وقطعوه في ساعتين , فصارت ست ساعات. ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي كالجبل العظيم , قاله امرؤ القيس: (فبينا المرءُ في الأحياء طُوْدٌ ... رماه الناس عن كَثَبٍ فمالا) وكان الأسباط لا يرى بعضهم بعضاً فقال كل سبط: قد هلك أصحابنا فدعا موسى ربه فجعل في كل حاجز مثل الكوى حتى رأى بعضهم بعضاً.

стр. 2661

قوله تعالى: ﴿وَأَرْلَفْنَا ثَمَّ الأَخَرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قربنا إلى البحر فرعون وقومه , قاله ابن عباس: وقتادة , ومنه قول الشاعر: (وكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيه النفوس إلى الآجال تزدلف) الثاني: جمعنا فرعون وقومه في البحر , قاله أبو عبيدة , وحكي عن أُبي وابن عباس أنهما قرآ: ﴿وَأَزْلَقْنَا﴾ بالقاف من زلق الأقدام , كأقدام فرعون أغرقهم الله تعالى في البحر حتى أزلقهم في طينه الذي في قعره.

стр. 2662

﴿الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الي خلقني بنعمته فهو يهدين لطاعته. الثاني: الذي خلقني لطاعته فهو يهديني لجنته , فإن قيل فهذه صفة لجميع الخلق فكيف جعلها إبراهيم عل هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطاعة , لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يُعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها , وهذا إلزام صحيح ثم فصل ذلك بتعديد نعمه عليه وعليهم فقال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينَ وَإِذَا مَرِضَتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وهذا احتجاجاً عليهم لموافقتهم له ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يَحْيِينِ﴾ وهذا قوله استدلالاً ولم يقله احتجاجاً , لأنهم خالفوه فيه , فبين لهم أن ما وافقوه عليه موجب لما خالفوه فيه. وتجوز بعض المتعمقة في غوامض المعاني فعدل بذلك عن ظاهره إلى ما

стр. 2663

تدفعه بداهة العقول فتأول ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي يطعمني لذة الإيمان ويسقيني حلاوة القبول. وفي قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وجهان: أحدهما: إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. الثاني: مرضت بمقاساة الخلق شفاني بمشاهدة الحق. وتأولوا قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ على ثلاثة أوجه: أحدها: والذي يميتني بالمعاصي ويحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف ويحييني بالرجاء. الثالث: يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة. وهذه تأويلات تخرج عن حكم الاحتمال إلى جهة الاستطراف، فلذلك ذكرناها وإن كان حذفها من كتابنا أوْلى.

стр. 2664

﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه اللب , قاله عكرمة. الثاني: العلم , قاله ابن عباس. الثالث: القرآن , قاله مجاهد. الرابع: النبوة , قاله السدي. ويحتمل خامساً: أنه إصابة الحق في الحكم. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: مع الأنبياء والمؤمنين. ويحتمل وجهين: أحدهما: بالصالحين من أصفيائك في الدنيا. الثاني: بجزاء الصالحين في الآخرة ومجاورتهم في الجنة.

стр. 2665

قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ثناء حسناً في الأمم كلها , قاله مجاهد , وقتادة , وجعله لساناً لأنه يكون باللسان. الثاني: أن يؤمن به أهل كل ملة , قاله ليث بن أبي سليم. الثالث: أن يجعل من ولده من يقول بالحق بعده , قاله علي بن عيسى. ويحتمل رابعاً: أن يكون مصدقاً في جمع الملل وقد أجيب إليه. قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لأَبِي﴾ الآية. في أبيه قولان: أحدهما: أنه كان يسر الإيمان ويظهر الكفر فعلى هذا يصح الاستغفار له. الثاني: وهو الأظهر أنه كان كافراً في الظاهر والباطن. فعلى هذا في استغفاره له قولان: أحدهما: أنه سأل أن يغفر له في الدنيا ولا يعاقبه فيها. والثاني: أنه سأل أن يغفر له سيئاته التي عليه والتي تسقط بعفوه. قوله تعالى: ﴿بِقَلْبٍ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: سليم من الشك , قاله مجاهد. الثاني: سليم من الشرك , قاله الحسن , وابن زيد. الثالث: من المعاصي , لأنه إذا سلم القلب سلمت الجوارح. الرابع: أنه الخالص , قاله الضحاك. الخامس: أنه الناصح في خلقه , قاله عبد الرحمن بن أبي حاتم. ويحتمل سادساً: سليم القلب من الخوف في القيامة لما تقدم من البشرى عند المعاينة.
следующие страницы →