← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

قوله تعالى: ﴿وَأَرْلَفْنَا ثَمَّ الأَخَرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قربنا إلى البحر فرعون وقومه , قاله ابن عباس: وقتادة , ومنه قول الشاعر: (وكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيه النفوس إلى الآجال تزدلف) الثاني: جمعنا فرعون وقومه في البحر , قاله أبو عبيدة , وحكي عن أُبي وابن عباس أنهما قرآ: ﴿وَأَزْلَقْنَا﴾ بالقاف من زلق الأقدام , كأقدام فرعون أغرقهم الله تعالى في البحر حتى أزلقهم في طينه الذي في قعره.

стр. 2662

﴿الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الي خلقني بنعمته فهو يهدين لطاعته. الثاني: الذي خلقني لطاعته فهو يهديني لجنته , فإن قيل فهذه صفة لجميع الخلق فكيف جعلها إبراهيم عل هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطاعة , لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يُعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها , وهذا إلزام صحيح ثم فصل ذلك بتعديد نعمه عليه وعليهم فقال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينَ وَإِذَا مَرِضَتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وهذا احتجاجاً عليهم لموافقتهم له ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يَحْيِينِ﴾ وهذا قوله استدلالاً ولم يقله احتجاجاً , لأنهم خالفوه فيه , فبين لهم أن ما وافقوه عليه موجب لما خالفوه فيه. وتجوز بعض المتعمقة في غوامض المعاني فعدل بذلك عن ظاهره إلى ما

стр. 2663

تدفعه بداهة العقول فتأول ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي يطعمني لذة الإيمان ويسقيني حلاوة القبول. وفي قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وجهان: أحدهما: إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. الثاني: مرضت بمقاساة الخلق شفاني بمشاهدة الحق. وتأولوا قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ على ثلاثة أوجه: أحدها: والذي يميتني بالمعاصي ويحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف ويحييني بالرجاء. الثالث: يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة. وهذه تأويلات تخرج عن حكم الاحتمال إلى جهة الاستطراف، فلذلك ذكرناها وإن كان حذفها من كتابنا أوْلى.

стр. 2664

﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه اللب , قاله عكرمة. الثاني: العلم , قاله ابن عباس. الثالث: القرآن , قاله مجاهد. الرابع: النبوة , قاله السدي. ويحتمل خامساً: أنه إصابة الحق في الحكم. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: مع الأنبياء والمؤمنين. ويحتمل وجهين: أحدهما: بالصالحين من أصفيائك في الدنيا. الثاني: بجزاء الصالحين في الآخرة ومجاورتهم في الجنة.

стр. 2665

قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ثناء حسناً في الأمم كلها , قاله مجاهد , وقتادة , وجعله لساناً لأنه يكون باللسان. الثاني: أن يؤمن به أهل كل ملة , قاله ليث بن أبي سليم. الثالث: أن يجعل من ولده من يقول بالحق بعده , قاله علي بن عيسى. ويحتمل رابعاً: أن يكون مصدقاً في جمع الملل وقد أجيب إليه. قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لأَبِي﴾ الآية. في أبيه قولان: أحدهما: أنه كان يسر الإيمان ويظهر الكفر فعلى هذا يصح الاستغفار له. الثاني: وهو الأظهر أنه كان كافراً في الظاهر والباطن. فعلى هذا في استغفاره له قولان: أحدهما: أنه سأل أن يغفر له في الدنيا ولا يعاقبه فيها. والثاني: أنه سأل أن يغفر له سيئاته التي عليه والتي تسقط بعفوه. قوله تعالى: ﴿بِقَلْبٍ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: سليم من الشك , قاله مجاهد. الثاني: سليم من الشرك , قاله الحسن , وابن زيد. الثالث: من المعاصي , لأنه إذا سلم القلب سلمت الجوارح. الرابع: أنه الخالص , قاله الضحاك. الخامس: أنه الناصح في خلقه , قاله عبد الرحمن بن أبي حاتم. ويحتمل سادساً: سليم القلب من الخوف في القيامة لما تقدم من البشرى عند المعاينة.

стр. 2666

﴿وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين

стр. 2667

إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُم وَالْغَاوُونَ﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: معناه جمعوا فيها النار , قاله ابن عباس. الثاني: طرحوا فيها على وجوههم , قاله ابن زيد , وقطرب. الثالث: نكسوا فيها على رؤؤسهم , قاله السدي , وابن قتيبة. الرابع: قلب بعضهم على بعض , قاله اليزيدي , قال الشاعر: (يقول لهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القَليب) ﴿هُم وَالْغَاوُونَ﴾ يعني الآلهة التي يعبدون. وفي الغاوين قولان: أحدهما: المشركون , قاله ابن عباس. الثاني: الشياطين , قاله قتادة. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أعوانه من الجن. الثاني: أتباعه من الإنس. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ فيهم قولان: أحدهما: الملائكة. الثاني: من الناس. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الشقيق: قاله مجاهد. الثاني: القريب النسيب , يقال حم الشيء إذا قرب ومنه الحمى لأنها تقرب الأجل , قال قيس بن ذريح: (لعل لبنى اليوم حُمّ لقاؤها ... وببعض بلاء إِنَّ ما حُمَّ واقِعُ) وقال ابن عيسى: إنما سمي القريب حميماً لأنه يحمى بغضب صاحبه، فجعله

стр. 2668

مأخوذاً من الحمية، وقال قتادة: يذهب الله يومئذٍ مودة الصديق، ورقة الحميم.

стр. 2669

﴿كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين﴾ قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يسألون ولا يقنعون. الثاني: أنهم المتكبرون. الثالث: سفلة الناس وأراذلهم , قاله قتادة. الرابع: أنهم الحائكون , قاله مجاهد. الخامس: أنهم الأساكفة , قاله ابن بحر. ويحتمل سادساً: أنهم أصحاب المهن الرذلة كلها.

стр. 2670

﴿قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ قوله تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُرْجُومِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بالحجارة، قاله قتادة. الثاني: بالقتل، قاله محمد بن الحسن. الثالث: بالشتيمة، قاله السدي. قال أبو داود: (صدّت غواة معدٍّ أن تراجمنى ... كما يصدون عن لب كجفان)

стр. 2671

قوله تعالى: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وِبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ قال قتادة والسدي: معنا واقض بيني وبينهم قضاء , وهو أن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويفرق الكافرين، ولم يدعُ نوح ربه عليه إلا بعد أن أعلمه، ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] فحينئذ دعا عليهم.

стр. 2672

﴿كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بَكُلِّ رِيعٍ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الريع الطريق , قاله السدي , ومنه قول المسيب بن علي: (في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع يلوح كأنه سحل) السحل: الثوب الأبيض , شبه الطريق به. الثاني: أنه الثنية الصغيرة , قاله مجاهد. الثالث: أنه السوق , حكاه الكلبي. الرابع: أنه الفج بين الجبلين , قاله مجاهد. الخامس: أنه الجبال , قاله أبو صخر. السادس: أنه المكان المشرف من الأرض , قاله ابن عباس , قال ذو الرمة: (طِراق الخوافي مشرق فوق ريعهِ ... ندى ليله في ريشه يترقرق)

стр. 2673

﴿ءَايةٍ تَعْبَثُونَ﴾ في آية ثلاثة أوجه: أحدها: البنيان , قاله مجاهد. الثاني: الأعلام , قاله ابن عباس. الثالث: أبراج الحمام , حكاه ابن أبي نجيح. وفي العبث قولان: أحدها: اللهو واللعب , قاله عطية. الثاني: أنه عبث العشّارين بأموال من يمر بهم , قاله الكلبي. قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: القصور المشيدة , قاله مجاهد , ومنه قول الشاعر: (تركنا ديارهم منهم قفاراً ... وهَدّمنا المصانع والبُروجا) الثاني: أنها مآجل الماء تحت الأرض , قاله قتادة , ومنه قول لبيد: (بَلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع) الثالث: أنها بروج الحمام , قاله السدي. ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي كأنكم تخلدون باتخاذكم هذه الأبينة , وحكى قتادة: أنها في بعض القراءات: كأنكم خالدون. قوله تعالى: ﴿وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أقوياء , قاله ابن عباس. الثاني: هو ضرب السياط، قاله مجاهد.

стр. 2674

الثالث: هو القتل بالسيف في غير حق , حكاه يحيى بن سلام. وقال الكبي: هو القتل على الغضب. ويحتمل رابعاً: أنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء.

стр. 2675

﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين﴾ قوله تعالى ﴿إِنْ هَذا إِلَاّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: دين الأولين، قاله ابن عباس. الثاني: كدأب الأولين، قاله مجاهد. الثالث: عادة الأولين، قاله الفراء. الرابع: يعني أن الأولين قبلنا كانوا يموتون فلا يبعثون ولا يحاسبون , قاله قتاة.

стр. 2676

﴿أتتركون في ما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ قوله تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ فيه عشرة تأويلات: أحدها: أنه الرطب اللين، قاله عكرمة. الثاني: المذنب من الرطب، قاله ابن جبير. الثالث: أنه الذي ليس فيه نوى، قاله الحسن. الرابع: أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتّت، قاله مجاهد.

стр. 2677

الخامس: المتلاصق بعضه ببعض، قاله أبو صخر. السادس: أنه الطلع حين يتفرق ويخضر، قاله الضحاك. السابع: اليانع النضيج , قاله ابن عباس. الثامن: أنه المتنكر قبل أن ينشق عنه القشر , حكاه ابن شجرة , قال الشاعر: (كأن حمولة تجلى عليه ... هضيم ما يحس له شقوقُ) التاسع: أنه الرخو , قال الحسن. العاشر: أنه اللطيف , قاله الكلبي. ويحتمل أن يكون الهضيم هو الهاضم المريء. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور , ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات. قوله تعالى: ﴿فَرِهِينَ﴾ قرأ بذلك أبو عمرو , وابن كثير , ونافع , وقرأ الباقون ﴿فَارِهِينَ﴾ بالألف فمن قرأ ﴿فَرِهِينَ﴾ ففي تأويله ستة أوجه: أحدها: شرهين , قاله مجاهد. الثاني: معجبين , قاله خصيف. الثالث: آمنين , قاله قتادة. الرابع: فرحين , حكاه ابن شجرة. الخامس: بطرين أشرين , قاله ابن عباس. السادس: متخيرين , قاله الكلبي. ومنه قول الشاعر: (إلى فره يماجدُ كلَّ أمْرٍ ... قصدت له لأختبر الطّباعَا) ومن قرأ: ﴿فَارِهِينَ﴾ ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: معناه كيّسين قاله ال. الثاني: حاذقين: قاله أبو صالح , مأخوذ من فراهة الصنعة , وهو قول ابن عباس.

стр. 2678

الثالث: قادرين , قاله ابن بحر. الرابع: أنه جمع فارِه , والفاره المرح , قاله أبو عبيدة , وأنشد لعدي بن الرقاع الغنوي: (لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ... ولن تراني بخير فاره اللبب) أي من اللبب.

стр. 2679

﴿قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: من المسحورين , قاله مجاهد. الثاني: من السكرانين , قاله قتادة. الثالث: من المخلوقين , قاله ابن عباس. الرابع: من المخدوعين , قاله سهل بن عبد الله. الخامس: أن المسحر الذي ليس له شيء ولا يملك , وهو المقل , أي لست بملك فيبقى , وهذا معنى قول الكلبي. السادس: ممن له سحر أي رقية , حكاه ابن عيسى. السابع: ممن يأكل ويشرب , حكاه ابن شجرة , ومنه قول لبيد: (إن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر) أي المعلل بالطعام والشراب , قال امرؤ القيس: (أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب)

стр. 2680

﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين﴾ قوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه القبان , قاله الحسن. الثاني: الحديد , رواه ابن المبارك. الثالث: أنه المعيار , قاله الضحاك. الرابع: الميزان , قاله الأخفش والكلبي. الخامس: العدل. واختلف قائلو هذا التأويل فيه هل هو عربي أو رومي؟ فقال مجاهد والشعبي: هو العدل بالرومية , وقال أبو عبيدة وابن شجرة: هو عربي وأصله القسط وهو العدل،

стр. 2681

ومنه قوله تعالى: ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أي بالعدل. قوله تعالى: ﴿ ... وَلَا تَعْثَواْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فيه قولان: أحدها: معناه ولا تمشوا فيها بالمعاصي , قاله أبو مالك. الثاني: لا تمشوا فيها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل , قاله ابن المسيب. ويحتمل ثالثاً: أن عبث المفسد ما ضر غيره ولم ينفع نفسه. قوله تعالى: ﴿وَالجِبِلَّةِ﴾ يعني الخليقة , قال امرؤ القيس: (والموت أعظم حادثٍ ... فيما يمر على الجبلة) ﴿الأَوَّلِينَ﴾ يعني الأمم الخالية , والعرب تكسر الجيم والباء من الجبلة , وقد تضمها وربما أسقطت الهاء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ [يس: ٦٢]. قال أبو ذؤيب: (صناتا يقربن الحتوف لأهلها ... جهازاً ويستمتعن بالأنس الجبل)

стр. 2682

﴿قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ قوله تعالى: ﴿كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: جانباً من السماء , قاله الضحاك. الثاني: قطعاً , قاله قتادة. الثالث: عذاباً , قاله السدي , قال الشاعر:

стр. 2683

(وُدّي لها خالص في القلب مجتمع ... وودها فاعلمي كسف لما فوق)

стр. 2684

﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ يعني القرآن. ﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ يعني جبريل. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يعني محمد ﷺ . ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يعني لأمتك. ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُبِينٍ﴾ يعني أن لسان القرآن عربي مبين لأن المنزل عليه عربي , والمخاطبون به عرب ولأنه تحدى بفصاحته فصحاء العرب. وفي اللسان العربي قولان: أحدهما: لسان جرهم , قاله أبو برزة. الثاني: لسان قريش , قاله مجاهد.

стр. 2685

﴿وإنه لفي زبر الأولين أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ يعني كتب الأولين من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد به ذكر القرآن في زبر الأولين , قاله قتادة. الثاني: بعث محمد ﷺ في زبر الأولين , قاله السدي. الثالث: ذكر دينك وصفة أمتك في زبر الأولين , قاله الضحاك.

стр. 2686

﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم

стр. 2687

فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين﴾ قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كذلك أدخلنا الشرك , قاله أنس بن مالك. الثاني: التكذيب , قاله يحيى بن سلام. الثالث: القسوة , قاله عكرمة.

стр. 2688

﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لمصروفون عن السمع للقرآن. الثاني: أنهم مصروفون عن فهمه وإن سمعوه. الثالث: أنهم مصروفون عن العمل به وإن سمعوه وفهموه.

стр. 2689

﴿فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: حين تقوم في الصلاة , قاله ابن عباس. الثاني: حين تقوم من فراشك ومجلسك، قاله الضحاك.

стр. 2690

الثالث: يعني قائماً وجالساً وعلى حالاتك كلها , قاله قتادة. الرابع: يعني حين تخلو , قاله الحسن , ويكون القيام عبارة عن الخلوة لوصوله إليها بالقيام عن ضدها. قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً , قاله ابن عباس. الثاني: يرى تقلبك في صلاتك وركوعك وسجودك , حكاه ابن جرير. الثالث: أنك ترى تقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك , قاله مجاهد. الرابع: معناه وتصرفك في الناس , قاله الحسن لتقلبه في أحواله وفي أفعاله. الخامس: تقلب ذكرك وصفتك على ألسنة الأنبياء من قبلك. السادس: أن معنى قوله ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت منفرداً ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ إذا صليت في الجماعة , قاله قتادة. ويحتمل سابعاً: الذي يراك حين تقوم لجهاد المشركين , ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ﴾ فيما تريد به المسلمين وتشرعه من أحكام الدين.

стр. 2691

﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونُ﴾ يعني إذا غضبوا سبوا، وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الشياطين، قاله مجاهد. الثاني: المشركون، قاله ابن زيد. الثالث: السفهاء، قاله الضحاك.

стр. 2692

الرابع: الرواة، قاله ابن عباس. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في كل فن من الكلام يأخذون , قاله ابن عباس. الثاني: في كل لغو يخوضون، قاله قطرب , ومنه قول الشاعر: (إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم) الثالث: هو أن يمدح قوماً بباطل , ويذم قوماً بباطل , قاله قتادة. وفي الهائم وجهان: أحدهما: أنه المخالف في القصد , قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه المجاوز للحد. ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني ما يذكرونه في شعرهم من الكذب بمدح أو ذم أو تشبيه أو تشبيب. ﴿إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تقديره فإنهم لا يتبعهم الغاوون ولا يقولون ما لا يفعلون. روي أن عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت أتوا رسول الله ﷺ حين نزل ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فبكواْ عنده وقالوا: هلكنا يا رسول الله،

стр. 2693

فأنزل الله ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ فقرأها عليهم حتى بلغ إلى قوله: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ فقال: أنتم. ﴿وَذَكرُواْ اللَّهَ كَثِيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: في شعرهم. الثاني: في كلامهم. ﴿وَانتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ أي ردّوا على المشركين ما كانوا يهجون به المؤمنين فقاتلوهم عليه نصرة للمؤمنين وانتقاماً من المشركين. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وهذا وعيد يراد به من هجا رسول الله ﷺ من الشعراء لكل كافر من شاعر وغير شاعر سيعلمون يوم القيامة أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون , لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير , ومرجعهم إلى العذاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها , فصارإلى مرجع منقلباً وليس كل منقلب مرجعاً.

стр. 2694

سورة النمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2695

﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَءَايَاتُ الْقُرْءانِ﴾ أي هذه آيات القرآن. ﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي وآيات الكتاب المبين , والكتاب هو القرآن , فجمع له بَيْنَ الصفتين بأنه قرآن وأنه كتاب لأنه ما يظهر بالكتابة ويظهر بالقراءة. ﴿مُّبِينٍ﴾ لأنه يبين فيه نهيه وأمره , وحلاله وحرامه , ووعده ووعيده. وفي المضمر في ﴿تِلْكَءَايَاتُ الْقُرْءانِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه يعود إلى الحروف التي في ﴿طس﴾ قاله الفراء. الثاني: إلى جميع السورة. ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هدى إلى الجنة وبشرى بالثواب , قاله يحيى بن سلام.

стр. 2696

الثاني: هدى من الضلالة وبشرى بالجنة , قاله الشعبي. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةِ﴾ يعني المفروضة، وفي إقامتها وجهان: أحدهما: استيفاء فروضها وسنتها , قاله ابن عباس. الثاني: المحافظة على مواقيتها , قاله قتادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها زكاة المال , قاله عكرمة , وقتادة والحسن. الثاني: أنها زكاة الفطر؛ قاله الحارث العكلي. الثالث: أنها طاعة الله والإخلاص , رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الرابع: أنها تطهير أجسادهم من دنس المعاصي. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يترددون , قاله ابن عباس , ومجاهد. الثاني: يتمادون , قاله أبو العالية , وأبو مالك , والربيع بن أنس. الثالث: يلعبون , قاله قتادة , والأعمش. الرابع: يتحيرون , قاله الحسن , ومنه قول الراجز: (ومهمه أطرافه في مهمة ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه) قوله تعالى: ﴿وَإِنََّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: لتأخذ القرآن , قاله قتادة. الثاني: لتوفى القرآن , قاله السدي. الثالث: لتلقن القرآن , قاله ابن بحر. ويحتمل رابعاً: لتقبل القرآن , لأنه أوّل من يلقاه عند نزوله. ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَليمٍ﴾ أي من عند حكيم في أمره , عليم بخلقه.

стр. 2697

﴿إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب

стр. 2698

العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنِّيءَانَسْتُ نَاراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: رأيت ناراً , قاله أبو عبيدة ومنه سمي الإنساء إنساً لأنهم مرئيون. الثاني: أحسست ناراً , قاله قتادة , والإيناس: الإحساس من جهة يؤنس بها. ﴿سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: سأخبركم عنها بعلم , قاله ابن شجرة. الثاني: بخبر الطريق , لأنه قد كان ضل الطريق , قاله ابن عباس. ﴿أَوْ ءاتِيكُم بِشهَابٍ قَبَسٍ﴾ والشهاب الشعاع المضي , ومنه قيل للكوكب الذي يمر ضوؤه في السماء شهاب، قال الشاعر: (في كفِّهِ صعدة مثقفة ... فيها سنان كشعلة القبسِ) والقبس هو القطعة من النار , ومنه اقتبست النارَ، أخذت منها قطعة , واقتبست منه علماً إذا أخذت منه علماً , لأنك تستضيء به كما تستضيء بالنار. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي لكي تصطلون من البرد، قال قتادة: وكان شتاء. قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ يعني ظن أنها نار , وهي نور , قال وهب بن منبه: فلما رأى موسى وقف قريباً منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا تضرماً وعظماً , ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسناً , فعجب منها ودنا وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها , فمالت إليه فخافها

стр. 2699

فتأخر عنها , ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضع أمْرها على أنها مأمورة ولا يدري ما أمرها، إلى أن: ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وفي ﴿بُورِكَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: يعني قُدِّس , قاله ابن عباس. الثاني: تبارك , حكاه النقاش. الثالث: البركة في النار , حكاه ابن شجرة , وأنشد لعبد الله بن الزبير: (فبورك في بنيك وفي بنيهم ... إذا ذكروا ونحن لك الفداء) ) وفي النار وجهان: أحدهما: أنها نار فيها نور. الثاني: أنها نور ليس فيها نار , وهو قول الجمهور. وفي ﴿بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: بوركت النار , و ﴿مَن﴾ زيادة , وهي في مصحف أُبي: ﴿بُورِكَتِ النَّارُ وَمَن حَوْلَهَا﴾ قاله مجاهد. الثاني: بورك النور الذي في النار , قاله ابن عيسى. الثالث: بورك الله الذي في النور , قاله عكرمة , وابن جبير. الرابع: أنهم الملائكة , قاله السدي. الخامس: الشجرة لأن النار اشتعلت فيها وهي خضراء لا تحترق. وفي قوله: ﴿وَمَن حَوْلَهَا﴾ وجهان: أحدهما: الملائكة , قاله ابن عباس. الثاني: موسى , قالها أبو صخر. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن موسى قال حين فرغ من سماع النداء من قوله الله: ﴿سبْحَانِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ استعانة بالله وتنزيهاً له , قاله السدي. الثاني: أن هذا من قول الله ومعناه: وبورك فيمن يسبح الله رب العالمين , حكاه ابن شجرة. ويكون هذا من جملة الكلام الذي نودي به موسى. وفي ذلك الكلام قولان:

стр. 2700

أحدهما: أنه كلام الله تعالى من السماء عند الشجرة وهو قول السدي. قال وهب بن منبه: ثم لم يمس موسى امرأة بعدما كلمه ربه. والثاني: أن الله خلق في الشجرة كلاماً خرج منها حتى سمعه موسى , حكاه النقاش. قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ قال وهب: ظن موسى أن الله أمره برفضها فرفضها. ﴿فَلَمَا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الجان الحية الصغيرة , سميت بذلك لاجتنانها واستتارها. والثاني: أنه أراد بالجان الشيطان من الجن , لأنهم يشبهون كل ما استهولوه بالشيطان , كما قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وقد كان انقلاب العصا إلى أعظم الحيات لا إلى أصغرها , كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] و [الشعراء: ٣٣]. قال عبد الله بن عباس: وكانت العصا قد أعطاه إياها ملك من الملائكة حين توجه إلى مَدْيَن وكان اسمها: ما شاء , قال ابن جبير: وكانت من عوسج. ﴿وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ ... ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولم يرجع , قاله مجاهد , قال قطرب: مأخوذ من العقب. الثاني: ولم ينتظر , قاله السدي. الثالث: ولم يلتفت , قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: أن يكون معناه أنه بقي ولم يمش , لأنه في المشيء معقب لابتدائه بوضع عقبة قبل قدمه. قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ قيل إنه أراد في الموضع الذي يوحى فيه إليهم , ولا فالمرسلون من الله أخوف.
следующие страницы →