Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
الثاني: مخلصين لله بالتوحيد. قوله تعالى ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: وصدها عبادة الشمس أن تعبد الله. الثاني: وصدّها كفرها بقضاء الله أن تهتدي للحق. الثالث: وصدّها سليمان عما كانت تعبد في كفرها. الرابع: وصدها الله تعالى إليه بتوفيقها بالإيمان عن الكفر. قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها بركة بنيت قوارير , قاله مجاهد. الثاني: أنها صحن الدار , حكاه ابن عيسى يقال صرحة الدار وساحة الدار وباحة الدار وقاعة الدار كله بمعنى واحد. قال زهير مأخوذ من التصريح ومنه صرح بالأمر إذا أظهره. الثالث: أنه القصر قاله ابن شجرة , واستشهد بقول الهذلي.
(على طرق كنحو الظباء ... تحسب أعلامهن الصروحا)
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أي ماء لأن سليمان أمر الجن أن يبنوه من قوارير في ماء فبنوه وجعلوا حوله أمثال السمك فأمرها بالدخول لأنها وصفت له فأحب أن يراها. قال مجاهد: وكانت هلباء الشعر والهلباء الطويلة الشعر , قدمها كحافر الحمار وكانت أمها جنيه. قال الحسن: وخافت الجن أن يتزوجها سليمان فيطلع منها على أشياء كانت الجن تخفيها عنه. وهذا القول بأن أمها جنية مستنكر في العقول لتباين الجنسين واختلاف الطبعين وتفاوت الجسمين، لأن الآدمي جسماني , والجني روحاني , وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار وخلق الجني من مارج من نار , ويمتنع الامتزاج من هذا التباين ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف، لكنه قيل فذكرته حاكياً.
стр. 2732
﴿وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ فرآهما سليمان شعراوين فصنعت له الجن النورة فحلقهما , فكان أول من صنعت النورة. واختلفواْ في السبب الذي كان من أجله أراد سليمان كشف ساقيها لدخول الصرح على ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنه أراد أن يختبر بذلك عقلها. الثاني: أنه ذكر له أن ساقها ساق حمار لأن أمها جنية فأحب أن يختبرها. الثالث: لأنه أراد أن يتزوجها فأحب أن يشاهدها. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه المجلس ومنه الأمرد لملوسته , قاله علي بن عيسى. الثاني: أنه الواسع طوله وعرضه , قاله ابن شجرة وأنشد:
(غدوت صباحاً باكراً فوجدتهم ... قبيل الضحى في البابلي الممرد)
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ فيه قولان: أحدهما: بالشرك الذي كانت عليه , قاله ابن شجرة. الثاني: بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة وأن سليمان يريد تغريقها فيه فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن , قاله سفيان. ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي استسلمت مع سليمان لله طائعة لله رب العالمين. قال مقاتل: فتزوجها سليمان واتخذ لها حماماً ونورة بالشام , وهو أول من اتخذ ذلك , ثم لم ير إلا كذلك حتى فرق الموت بينهما , فحكى الشعبي عن ناس من حمير أنهم حفروا مقبرة الملك فوجدوا فيها أرضاً معقودة فيها امرأة عليها حلل منسوخة بالذهب وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب: -
(يا أيها الأقوام عُوجوا معاً ... وأربعوا في مقبري العيسا)
стр. 2733
(لتعلموا أني تلك التي ... قد كنت أدْعي الدهر بلقيسا)
(شيّدت قصر الملك في حمير ... قومي وقد كان مأنوسا)
(وكنت في ملكي وتدبيره ... أرغم في الله المعاطيسا)
(بَعْلي سليمان النبي الذي ... قد كان للتوراة دريسا)
(وسخّر الريح له مركباً ... تهب أحياناً رواميسا)
(مع ابن داود النبي الذي ... قدسه الرحمن تقديسا)
стр. 2734
﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون﴾ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: كافر ومؤمن , قاله مجاهد. الثاني: مصدق ومكذب , قاله قتادة. وفيم اختصموا؟ فيه قولان: أحدهما: أن تقول كل فرقة نحن عل الحق دونكم. الثاني: اختلفوا أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه , قاله مجاهد. قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: بالعذاب قبل الرحمة , قاله مجاهد , لقولهم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. الثاني: بالبلاء قبل العافية , قاله السدي. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالكفاية. الثاني: بالإِجابة. قوله: ﴿قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ أي تشاءَمنا بك وبمن معك مأخوذ من الطيرة , وفي تطيرهم به وجهان:
стр. 2735
أحدهما: لافتراق كلمتهم , قاله ابن شجرة. الثاني: للشر الذي نزل بهم , قاله قتادة. ﴿قَالَ طَآئِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مصائبكم عند الله , قاله ابن عباس , لأنها في سرعة نزولها عليكم كالطائر. الثاني: عملكم عند الله , قاله قتادة , لأنه في صعوده إليه كالطائر. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تبتلون بطاعة الله ومعصيته , قاله قتادة. الثاني: تصرفون عن دينكم الذي أمركم الله به وهو الإسلام , قاله الحسن.
стр. 2736
﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرهط الجمع لا واحد له يعني من ثمود قوم صالح وهم عاقرو الناقة , وذكر ابن عباس أساميهم فقال: هم زعجي وزعيم وهرمي ودار وصواب ورباب ومسطح وقدار , وكانواْ بأرض الحجر وهي أرض الشام , وكانوا فساقاً من أشراف قومهم. ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: يفسدون بالكفر ولا يصلحون بالإيمان. الثاني: يفسدون بالمنكر ولا يصلحون بالمعروف.
стр. 2737
الثالث: يفسدون بالمعاصي ولا يصلحون بالطاعة. الرابع: يفسدون بكسر الدراهم والدنانير ولا يصلحون بتركها صحاحاً , قاله ابن المسيب , قاله عطاء. الخامس: أنهم كانوا يتتبعون عورات النساء ولا يسترون عليهن. قوله: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تحالفواْ بالله. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي لنقتلنه وأهله ليلاً , والبيات قتل الليل. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي لرهط صالح. ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي قتله , وقتل أهله , ولا علمنا ذلك. ﴿وَإِنَّا لَصّادِقُونَ﴾ في إنكارنا لقتله. ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً﴾ وهو ما همّوا به من قتل صالح. ﴿وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ وهو أن رماهم الله بصخرة فأهلكهم. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يعلمون بمكرنا وقد علمنا بمكرهم. وفي مكرهم ومكر الله تعالى بهم قولان: أحدهما: قاله الكلبي , وهم لا يشعرون بالملائكة الذين أنزل الله على صالح ليحفظوه من قومه حين دخلوا عليه ليقتلوه , فرموا كل رجل منهم بحجر حتى قتلوهم جميعاً , وسَلِمَ صالح من مكرهم. الثاني: قاله الضحاك , أنهم مكروا بأن أظهروا سفراً وخرجوا فاستتروا في غار ليعودوا في الليل فيقتلوهُ , فألقى الله صخرة على باب الغار حتى سدّه وكان هذا مكر الله بهم.
стр. 2738
﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين﴾
стр. 2739
قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة. الثاني: يبصر بعضكم بعضاً.
стр. 2740
﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون﴾ قوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها النخل , قاله الحسن. الثاني: الحائط من الشجر والنخل , قاله الكلبي. ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: ذات غضارة , قاله قتادة. الثاني: ذات حسن , قاله الضحاك. ﴿مَّا كَانَ لَكُْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ أي ما كان في قدركم أن تخلقوا مثلها. ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي ليس مع الله إله , قاله قتادة. الثاني: أإله مع الله يفعل هذا , قاله زيد بن أسلم. ﴿بَلْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي يعدلون عن الحق. الثاني: يشركون بالله فيجعلون له عدلاً أي مثلاً , قاله قطرب ومقاتل.
стр. 2741
﴿أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً﴾ أي جعلها مستقراً.
стр. 2742
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَآ أَنْهَاراً﴾ أي في مسالكها ونواحيها أنهار جارية ينبت بها الزرع ويحيي به الخلق. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ يعني جبالاً هي لها ماسكة والأرض بها ثابتة. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَينِ حَاجِزاً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: بحر السماء والأرض , قاله مجاهد. الثاني: بحر فارس والروم , قاله الحسن. الثالث: بحر الشام والعراق , قاله السدي. الرابع: العذب والمالح , قاله الضحاك. والحاجز المانع من اختلاط أحدهما بالآخر فيه وجهان: أحدهما: حاجزاً من الله لا يبغي أحدهما على صاحبه , قاله قتادة. الثاني: حاجزاً من الأرض أن يختلط أحدهما بالآخر , حكاه قتادة. ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يعقلون , قاله ابن عباس. الثاني: لا يعلمون توحيد الله , حكاه النقاش. الثالث: لا يتفكرون , حكاه ابن شجرة.
стр. 2743
﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾ قوله ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ وإنما خص إجابة المضطر لأمرين: أحدهما: لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع. الثاني: لأن إجابته أعم وأعظم لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عن المضطر بإجابته. الثاني: عمن تولاه ألَاّ ينزل به. وفي ﴿السُّوءَ﴾ وجهان: أحدهما: الضر.
стр. 2744
الثاني: الجور , قاله الكلبي. ﴿وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: خلفاً من بعد خلف , قاله قتادة. الثاني: أولادكم خلفاء منكم , حكاه النقاش. الثالث: خلفاء من الكفار ينزلون أرضهم وطاعة الله بعد كفرهم , قاله الكلبي. ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَرُونَ﴾ أي ما أقل تذكركم لنعم الله عليكم!
стр. 2745
﴿أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ قوله ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرَّ وَالْبَحْرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يرشدكم من مسالك البر والبحر. الثاني: يخلصكم من أهوال البر والبحر , قاله السدي. وفي ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وجهان: أحدهما: أن البر الأرض والبحر الماء. الثاني: أن البر بادية الأعراب والبحر الأمصار والقرى , قاله الضحاك. ﴿وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مبشرة , قاله ابن عباس وتأويل من قرأ بالباء. الثاني: منشرة , قاله السدي وهو تأويل من قرأ بالنون. الثالث: ملقحات , قاله يحيى بن سلام. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وهو المطر في قول الجميع. ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي عما أشرك المشركون به من الأوثان.
стр. 2746
﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون﴾ قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ وفي صفة علمهم بهذه الصفة قولان: أحدهما: أنها صفة ذم فعلى هذا في معناه أربعة أوجه: أحدها: غاب عليهم , قاله ابن عباس. الثاني: لم يدرك علمهم , قاله ابن محيصن. الثالث: اضمحل علمهم , قاله الحسن. الرابع: ضل علمهم وهو معنى قول قتادة. فهذا تأويل من زعم أنها صفة ذم. والقول الثاني: أنها صفة حمد لعلمهم وإن كانوا مذمومين فعلى هذا في معناه ثلاثة أوجه: أحدها: أدرك علمُهم , قاله مجاهد. الثاني: اجتمع علمهم , قاله السدي. الثالث: تلاحق علمهم , قاله ابن شجرة. ﴿فِي شَكٍّ مِّنْهَا﴾ يعني من الآخرة فمن جعل ما تقدم صفة ذمٍ لعلمهم جعل نقصان علمهم في الدنيا فلذلك أفضى بهم إلى الشك في الآخرة , ومن جعل ذلك صفة حمد لعلمهم جعل كمال علمهم في الآخرة فلم يمنع ذلك أن يكونوا في الدنيا على شك في الآخرة.
стр. 2747
﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم
стр. 2748
لا يشكرون وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ قوله: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه اقترب لكم ودنا منكم: قاله ابن عباس وابن عيسى. الثاني: أعجل لكم , قاله مجاهد. الثالث: تبعكم , قاله ابن شجرة ومنه رِدْف المرأة لأنه تبع لها من خلفها، قال أبو ذؤيبٍ:
(عاد السواد بياضاً في مفارقه ... لا مرحباً ببياض الشيب إذ ردِفا)
وفي قوله تعالى: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وجهان: أحدهما: يوم بدر. الثاني: عذاب القبر. قوله: ﴿وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ ... .﴾ الآية. فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن الغائبة القيامة , قاله الحسن. الثاني: ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض , حكاه النقاش. الثالث: جميع ما أخفى الله عن خلقه وغيَّبه عنهم , حكاه ابن شجرة. وفي ﴿كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ قولان: أحدهما: اللوح المحفوظ.
стр. 2749
الثاني: القضاء المحتوم.
стр. 2750
﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ قوله ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: وجب الغضب عليهم , قاله قتادة. الثاني: إذا حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون , قاله مجاهد. الثالث: إذا لم يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم , قاله ابن عمر وأبو سعيد الخدري. الرابع: إذا نزل العذاب , حكاه الكلبي. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ فيها قولان: أحدهما: ما حكاه محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله لها ذنب وإن لها للحية , وفي هذا القول إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح. الثاني: وهو قول الجمهور أنها دابة من دواب الأرض، واختلف من قال بهذا في صفتهاعلى ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم، قاله ابن عباس: الثاني: أنها دابة ذات وبر تناغي السماء , قاله الشعبي. القول الثالث: أنها دابة رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن آيِّل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان فيسود وجهه، قاله ابن الزبير.
стр. 2751
وفي قوله ﴿مِّنَ الأَرْضِ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: أنها تخرج من بعض أودية تهامة , قاله ابن عباس. الثاني: من صخرة من شعب أجياد , قاله ابن عمر. الثالث: من الصفا , قاله ابن مسعود. الرابع: من بحر سدوم , قاله ابن منبه. وفي ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قراءتان: الشاذة منهما: ﴿تَسِمهُم﴾ بفتح التاء , وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسمهم في وجوههم بالبياض في وجه المؤمن , وبالسواد في وجه الكافر حتى يتنادى الناس في أسواقهم يا مؤمن يا كافر , وقد روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: (تَخْرُجُ الدَّابَّهُ فَتَسِم الناسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِم). الثاني: معناه تجرحهم وهذا مختص بالكافر والمنافق , وجرحه إظهار كفره ونفاقه ومنه جرح الشهود بالتفسيق , ويشبه أن يكون قول ابن عباس. والقراءة الثانية: وعليها الجمهور ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بضم التاء وكسر اللام من الكلام , وحكى قتادة أنها في بعض القراءة: ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ وحكى يحيى بن سلام أنها في بعض القراءة: ﴿تُحَدِّثُهُمْ﴾. وفي كلامها على هذا التأويل قولان: أحدهما: أن كلامها ظهور الآيات منها من غير نطق ولا لفظ. والقول الثاني: أنه كلام منطوق به.
стр. 2752
فعلى هذا فيما تكلم به قولان: أحدهما: أنها تكلمهم بأن هذا مؤمن وهذا كافر. الثاني: تكلمهم بما قاله الله ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِئَايَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ قاله ابن مسعود وعطاء. وحكى ابن البيلماني عن ابن عمر أن الدابة تخرج ليلة جمع وهي ليلة النحر والناس يسيرون إلى منى.
стр. 2753
﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أَمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِئَايَتِنَا﴾ وهم كفارها المكذبون. وفي قوله ﴿بَئَايَاتِنَا﴾ وجهان: أحدهما: محمد ﷺ , قاله السدي. الثاني: جميع الرسل , وهو قول الأكثرين. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يجمعون، قاله ابن شجرة. الثاني: يدفعون، قاله ابن عباس. الثالث: يساقون، قاله ابن زيد والسدي، ومنه قول الشماخ.
(وكم وزعنا من خميس جحفل ... وكم حبونا من رئيس مسحل)
الرابع: يُرَدُّ أولاهم على أُخراهم , قاله قتادة.
стр. 2754
﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وهو يوم النشور من القبور وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الصور جمع صورة , والنفخ فيها إعادة الأرواح إليها. الثاني: أنه شيء ينفخ فيه كالبوق يخرج منه صوت يحيا بن الموتى. الثالث: أنه مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد بخروجهم فيه كخروج الجيش إذا أُنذروا بنفخ البوق فاجتمعوا في الخروج وقتاً واحداً. ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ وفي هذا الفزع هنا قولان: أحدهما: أنه الإجابة والإسراع إلى النداء من قولك فزعت إليه من كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك قال الشاعر:
(كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب)
فعلى هذا يكون ﴿إِلَاّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء لهم من الإِجابة والإسراع إلى النار. ويحتمل من أريد بهم وجهين: أحدهما: الملائكة الذين أخروا عن هذه النفخة. والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم
стр. 2755
أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين فعلى هذا يكون قوله ﴿إِلَاّ مَن شَآءَ﴾ استثناء لهم من الخوف والفزع. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم , قاله ابن عيسى. الثاني: أنهم الشهداء. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنهم الشهداء ولولا هذا النص لكان الأنبياء بذلك أحق لأنهم لا يقصرون عن منازل الشهداء وإن كان في هذا النص تنبيه عليهم. وقيل إن إسرافيل هو النافخ في الصور. ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: راغمين , قاله السدي. الثاني: صاغرين , قاله ابن عباس وقتادة ويكون المراد بقوله ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ من فزع ومن استثني من الفزع بقوله ﴿إِلَاّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ وهذا يكون في النفخة الثانية , والفزع بالنفخة الأولى , وروى الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: (بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَاماً). قوله ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي واقفة. ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي لا يرى سيرها لبعد أطرافها كما لا يرى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه وهذا مثل , وفيم ضرب له ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب , قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثل ضربه الله للإيمان , تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى القدس.
стр. 2756
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيىْءٍ﴾ أي فعل الله الذي أتقن كل شيء. وفيه أربعة أوجه: أحدها: أحكم كل شيء , قاله ابن عباس. الثاني: أحصى، قاله مجاهد. الثالث: أحسن، قاله السدي. الرابع: أوثق , واختلف فيها فقال الضحاك: هي كلمة سريانية , وقال غيره: هي عربية مأخوذ من إتقان الشيء إذا أحكم وأوثق , وأصلها من التقن وهو ما ثقل من الحوض من طينة. قوله: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها أداء الفرائض كلها. الثاني: أفضل منها لأنه يعطى بالحسنة عشراً , قاله زيد بن أسلم. الثالث: فله منها خير للثواب العائد عليه , قاله ابن عباس ومجاهد. ﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍءَامِنُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وهم من فزع يوم القيامة آمنون في الجنة. الثاني: وهم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة. ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةٍ﴾ الشرك في قول ابن عباس وأبي هريرة.
стр. 2757
﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدُ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدِةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فيها قولان: أحدهما: مكة , قاله ابن عباس. الثاني: مِنى , قاله أبو العالية , وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها.
стр. 2758
﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ يعني ملك كل شيء مما أحله وحرمه فيحل منه ما شاء ويحرم منه ما شاء لأن للمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء. قوله: ﴿سَيُرِيكُمْءَآيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريكم في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا , قاله الحسن. الثاني: يريكم في الدنيا ما ترون من الآيات في السموات والأرض فتعرفونها أنها حق , قاله مجاهد. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر فلا بد أن يجازي عليه، والله أعلم.
стр. 2759
سورة القصص
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها نزلت بين مكة والمدينة، وقيل بالجحفة وهي: ﴿إن الذين فرض عليك القرآن لرأدك إلى معاد﴾ الآية: بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 2760
﴿طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ببغيه في استعباد بني إسرائيل وقتل أولادهم , قاله قتادة. الثاني: بكفره وادعاء الربوبية. الثالث: بملكه وسلطانه.
стр. 2761
وهذه الأرض أرض مصر لأن فرعون ملك مصر , ولم يملك الأرض كلها , ومصر تسمى الأرض ولذلك قيل لبعض نواحيها الصعيد. وفي علوه وجهان: أحدهما: هو لظهوره في غلبته. الثاني: كبره وتجبره. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ أي فرقاً. قاله قتادة: فَرّق بين بني إسرائيل والقبط. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ وهم بنو إسرائيل بالاستعباد بالأعمال القذرة. ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ﴾ قال السدي: إن فرعون رأى في المنام أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فسأل علماء قومه عن تأويله , فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون على يده هلاك مصر , فأمر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم , وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل فقال القبط لفرعون: إن شيوخ بني إسرائيل قد فنوا بالموت وصغارهم بالقتل فاستبقهم لعملنا وخدمتنا أن يستحيوا في عام ويقتلوا في عام فولد هارون في عام الاستحياء وموسى في عام القتل. وطال بفرعون العمر حتى حكى النقاش أنه عاش أربعمائة سنة وكان دميماً قصيراً. وكان أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مائة وعشرين سنة. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: بنو إسرائيل , قاله يحيى بن سلام. الثاني: يوسف وولده , قاله علي ﵁. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمََّةً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ولاة الأمر , قاله قتادة. الثاني: قادة متبوعين , قاله قتادة. الثالث: أنبياء لأن الأنبياء فيما بين موسى وعيسى كانوا من بني إسرائيل أولهم موسى وآخرهم عيسى وكان بينهما ألف نبي , قاله الضحاك. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم بعد غرق فرعون سبَوا القبط فاستعبدوهم بعد أن كانوا عبيدهم فصاروا وارثين لهم، قاله الضحاك.
стр. 2762
الثاني: أنهم المالكون لأرض فرعون التي كانوا فيها مستضعفين. والميراث زوال الملك عمن كان له إلى من صار إليه , ومنه قول عمرو بن كلثوم:
(ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا)
стр. 2763
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون﴾ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إلهام من الله قد قذفه في قلبها وليس بوحي نبوة , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه كان رؤيا منام , حكاه ابن عيسى. الثالث: أنه وحي من الله إليها مع الملائكة كوحيه إلى النبيين , حكاه قطرب. ﴿أَنْ أَرْضِعِيه﴾ قال مجاهد: كان الوحي بالرضاع قبل الولادة , وقال غيره بعدها. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني القتل الذي أمر به فرعون في بني إسرائيل ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ واليم: البحر وهو النيل.
стр. 2764
﴿وَلَا تَخافِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تخافي عليه الغرق , قاله ابن زيد. الثاني: لا تخافي عليه الضيعة , قاله يحيى بن سلامة. ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تحزني على فراقه، قاله ابن زيد. الثاني: لا تحزني أن يقتل، قال يحيى بن سلام. فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر بعد أن أرضعته أربعة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعه التابوت أتى إلى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينه وقلبه فلم يعرف الطريق فأيقن أنه المولود الذي تخوف فرعون منه فآمن من ذلك الوقت وهو مؤمن آل فرعون. قال ابن عباس: فلما توارى عنها ندَّمها الشيطان وقالت في نفسها لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب أليّ من إلقائه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه , فقال الله: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ... ﴾ الآية , حكى الأصمعي قال: سمعت جارية أعرابية تنشد:
(استغفر الله لذنبي كله ... قبلت إنساناً بغير حلّه)
(مثل الغزال ناعماً في دَله ... فانتصف الليل ولم أُصله)
)
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أوَيعد هذا فصاحة مع قوله تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... ﴾ الآية , فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله ﴿فَالتْقَطَهُءَآلُ فِرْعَوْنَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه التقطه جواري امرأته حين خرجن لاستسقاء الماء فوجدن تابوته فحملنه إليها , قاله ابن عباس. الثاني: أن امرأة فرعون خرجت إلى البحر وكانت برصاء فوجدت تابوته فأخذته فبرئت من برصها فقالت: هذا الصبي مبارك , قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدوّاً وََحَزَناً﴾ أي ليكون لهم عَدُوّاً وحزناً في عاقبة أمره ولم يكن
стр. 2765
لهم في الحال عدوّاً ولا حزناً لأن امرأة فرعون فرحت به وأحبته حباً شديداً فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر:
(وللمنايا تربي كل مرضعةٍ ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها.)
﴿وَقَالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاءوا ليذبحوه فمنعتهم وجاءت به إلى فرعون وقالت: قرة عين لي ولك. ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ فقال فرعون: قرة عين لك فأما لي فلا , فقال رسول الله ﷺ : (وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَونُ بِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ قُرَّةُ عَيْنٍ كَمَا أَقَرَّت امْرَأَتُهُ لَهَدَاهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا هَدَاهَا وََلَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهُ ذلِكَ) وفي قرة العين وجهان: أحدهما: أنه بردها بالسرور مأخوذ من القر وهو البرد. الثاني: أنه قر فيها دمعها فلم يخرج بالحزن مأخوذ من قر في المكان إذا أقام فيه. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنّ هلاكهم على يديه وفي زمانه.
стр. 2766
﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مَوسَى فَارِغاً﴾ فيه ستة أوجه:
стр. 2767
أحدها: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: فارغاً من وحينا بنسيانه , قاله الحسن وابن زيد. الثالث: فارغاً من الحزن لعلمها أنه لم يغرق , قاله الأخفش. الرابع: معنى فارغاً أي نافراً , قاله العلاء بن زيد. الخامس: ناسياً , قاله اليزيدي. السادس: معناه والهاً , رواه ابن جبير. وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري وهو صحابي: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعاً﴾ من الفزع وفي قوله ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. الثاني: أنها ألقته نهاراً ومعنى أصبح أي صار , قال الشاعر:
(مضى الخلفاء بالأمر الرشيد ... وأصبحت المدينة للوليد)
﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تصيح عند إلقائه وا إبناه، قاله ابن عباس. الثاني: أن تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني , قاله السدي لأنه ضاق صدرها لما قيل هو ابن فرعون. الثالث: أن تبدي بالوحي , حكاه ابن عيسى. ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: بالإيمان , قاله قتادة. الثاني: بالعصمة , قاله السدي. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال السدي: قد كانت من المؤمنين ولكن لتكون من المصدقين بأنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي استعلمي خبره وتتبّعي أثره. قال الضحاك , واسم أخته كلثمة. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل:
стр. 2768
أحدها: عن جانب، قاله ابن عباس. الثاني: عن بعد، قاله مجاهد ومنه الأجنبي قال علقمة بن عبدة:
(فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابةٍ ... فإني امرؤ وسط القباب غريب)
الثاني: عن شوق , حكاه أبوعمرو بن العلاء وذكر أنها لغة جذام يقولون جنبت إليك [أي اشتقت]. ﴿َوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضعة فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع كما قال امرؤ القيس:
(جالت لتصرعني فقلت لها اقصِري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام)
أي ممتنع: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل مجيء أخته وفي قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وجهان: أحدهما: ما ذكرناه. الثاني: من قبل ردّه إلى أمه. ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ الآية. وهذا قول أخته لهم حين رأته لا يقبل المراضع فقالوا لها عند قولها لهم: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وما يُدْريك؟ لعلك تعرفين أهله , فقالت: لا ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ويرغبون في ظئره. قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمَّهِ﴾ قال ابن عباس انطلقت أخته إلى أمه فأخبرتها فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه رياً وانطلق بالبشرى إلى امرأة فرعون قد وجدنا لابنك ظئراً , قال أبو عمران الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى في كل يوم ديناراً. وروي أنه قال لأم موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني.
стр. 2769
فكان من لطف الله بموسى أن جعل إلقاء موسى في البحر وهو الهلاك سبباً لنجاته وسخر فرعون لتربيته وهو يقتل الخلق من بني إسرائيل لأجله وهو في بيته وتحت كنفه. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ﴾ الآية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني من قوم فرعون. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون ما يراد بهم , قاله الضحاك. الثاني: لا يعملون مثل علمها.
стр. 2770
﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فيه تسعة أقاويل: أحدها: أربعون سنة , قاله الحسن. الثاني: أربع وثلاثون سنة , قاله سفيان. الثالث: ثلاث وثلاثون سنة , قاله ابن عباس. الرابع: ثلاثون سنة , قاله السدي. الخامس: خمس وعشرون سنة , قاله عكرمة. السادس: عشرون سنة , حكاه يحيى بن سلام. السابع: ثماني عشرة سنة , قاله ابن جبير. الثامن: خمس عشرة سنة , قاله محمد بن قيس. التاسع: الحلم. قاله ربيعة ومالك.
следующие страницы →