Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مَوسَى فَارِغاً﴾ فيه ستة أوجه:
стр. 2767
أحدها: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: فارغاً من وحينا بنسيانه , قاله الحسن وابن زيد. الثالث: فارغاً من الحزن لعلمها أنه لم يغرق , قاله الأخفش. الرابع: معنى فارغاً أي نافراً , قاله العلاء بن زيد. الخامس: ناسياً , قاله اليزيدي. السادس: معناه والهاً , رواه ابن جبير. وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري وهو صحابي: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعاً﴾ من الفزع وفي قوله ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. الثاني: أنها ألقته نهاراً ومعنى أصبح أي صار , قال الشاعر:
(مضى الخلفاء بالأمر الرشيد ... وأصبحت المدينة للوليد)
﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تصيح عند إلقائه وا إبناه، قاله ابن عباس. الثاني: أن تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني , قاله السدي لأنه ضاق صدرها لما قيل هو ابن فرعون. الثالث: أن تبدي بالوحي , حكاه ابن عيسى. ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: بالإيمان , قاله قتادة. الثاني: بالعصمة , قاله السدي. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال السدي: قد كانت من المؤمنين ولكن لتكون من المصدقين بأنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي استعلمي خبره وتتبّعي أثره. قال الضحاك , واسم أخته كلثمة. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل:
стр. 2768
أحدها: عن جانب، قاله ابن عباس. الثاني: عن بعد، قاله مجاهد ومنه الأجنبي قال علقمة بن عبدة:
(فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابةٍ ... فإني امرؤ وسط القباب غريب)
الثاني: عن شوق , حكاه أبوعمرو بن العلاء وذكر أنها لغة جذام يقولون جنبت إليك [أي اشتقت]. ﴿َوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضعة فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع كما قال امرؤ القيس:
(جالت لتصرعني فقلت لها اقصِري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام)
أي ممتنع: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل مجيء أخته وفي قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وجهان: أحدهما: ما ذكرناه. الثاني: من قبل ردّه إلى أمه. ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ الآية. وهذا قول أخته لهم حين رأته لا يقبل المراضع فقالوا لها عند قولها لهم: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وما يُدْريك؟ لعلك تعرفين أهله , فقالت: لا ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ويرغبون في ظئره. قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمَّهِ﴾ قال ابن عباس انطلقت أخته إلى أمه فأخبرتها فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه رياً وانطلق بالبشرى إلى امرأة فرعون قد وجدنا لابنك ظئراً , قال أبو عمران الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى في كل يوم ديناراً. وروي أنه قال لأم موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني.
стр. 2769
فكان من لطف الله بموسى أن جعل إلقاء موسى في البحر وهو الهلاك سبباً لنجاته وسخر فرعون لتربيته وهو يقتل الخلق من بني إسرائيل لأجله وهو في بيته وتحت كنفه. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ﴾ الآية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني من قوم فرعون. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون ما يراد بهم , قاله الضحاك. الثاني: لا يعملون مثل علمها.
стр. 2770
﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فيه تسعة أقاويل: أحدها: أربعون سنة , قاله الحسن. الثاني: أربع وثلاثون سنة , قاله سفيان. الثالث: ثلاث وثلاثون سنة , قاله ابن عباس. الرابع: ثلاثون سنة , قاله السدي. الخامس: خمس وعشرون سنة , قاله عكرمة. السادس: عشرون سنة , حكاه يحيى بن سلام. السابع: ثماني عشرة سنة , قاله ابن جبير. الثامن: خمس عشرة سنة , قاله محمد بن قيس. التاسع: الحلم. قاله ربيعة ومالك.
стр. 2771
والأشد جمع واختلف هل له واحد أم لا , على قولين: أحدهما: لا واحد له , قاله أبو عبيدة. الثاني: له واحد وفيه وجهان: أحدهما: شد , قاله سيبويه. الثاني: شدة , قاله الكسائي. ﴿وَاسْتَوَى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: اعتدال القوة , قاله ابن شجرة. الثاني: خروج اللحية , قاله ابن قتيبة. الثالث: انتهى شبابه , قاله ابن قتيبة. الرابع: أربعون سنة , قاله ابن عباس. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ في الحكم أربعة أقاويل: أحدها: أنه العقل , قاله عكرمة. الثاني: النبوة , قاله السدي. الثالث: القوة , قاله مجاهد. الرابع: الفقه , قاله ابن اسحاق. قوله: ﴿وَدَخَل الْمَدِينَةَ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مصر , قاله ابن شجرة. الثاني: منف , قاله السدي. الثالث: عين الشمس , قاله الضحاك. ﴿عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: نصف النهار والناس قائلون , قاله ابن جبير. الثاني: ما بين المغرب والعشاء , قاله ابن عباس. الثالث: يوم عيد لهم وهم في لهوهم , قاله الحسن. الرابع: لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به , حكاه ابن عيسى. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: من شيعته إسرائيلي ومن عدوه قبطي، قاله ابن عباس. الثاني: من شيعته مسلم ومن عدوه كافر، قاله ابن إسحاق.
стр. 2772
﴿فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ حكى ابن سلام أن القبطي سخّر الإسرائيلي ليحمل له حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازاً لفرعون ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ قال قتادة: بعصاه وقال مجاهد: بكفه أي دفعه , الوكز واللكز واحد والدفع. قال رؤبة:
٨٩ (بعدد ذي عُدَّةٍ ووكز﴾ ٩
إلا أن الوكز في الصدر واللكز في الظهر. فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله وانما يريد دفعه. ﴿فَقَضَى عَلَيهِ﴾ أي فقتله. و ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي من إغوائه. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ قال الحسن: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذٍ في تلك الحال لأنها كانت حال كف عن القتال. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من المغفرة. الثاني: من الهداية. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ أي عوناً. قال ابن عباس: قال ذلك فابتلي لأن صاحبه الذي أعانه دل عليه.
стр. 2773
﴿فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين﴾
стр. 2774
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ في الْمَدِينَةِ خَائِفَاً يَتَرَقَّبُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خائفاً من قتل النفس أن يؤخذ بها. الثاني: خائفاً من قومه. الثالث: خائفاً من الله. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يتلفت من الخوف , قاله ابن جبير. الثاني: ينتظر. وفيما ينتظر فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ينتظر الطلب إذا قيل إن خوفه كان من قتل النفس. الثاني: ينتظر أن يسلمه قومه إذا قيل إن خوفه منهم. الثالث: ينتظر عقوبة الله إذا قيل إن خوفه كان منه. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يعني الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس ووكز من أجله القبطي فقتله , استصرخه واستغاثه على رجل آخر من القبط خاصمه. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك للإسرائيلي لأنه قد أغواه بالأمس حتى قتل من أجله رجلاً ويريد أن يغويه ثانية. الثاني: أنه قال ذلك للقبطي فظن الإسرائيلي أنه عناه فخافه , قاله ابن عباس. ﴿فلَمَّآ أَنْ أَرادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا ... ﴾ وهو القبطي لأن موسى أخذته الرقة على الإسرائيلي فقال الإسرائيلي: ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الإسرائيلي رأى غضب موسى عليه وقوله إنك لغوي مبين، فخاف أن قتله فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ﴾. الثاني: أن الإسرائيلي خاف أن يكون موسى يقتل القبطي فيقتل به الإسرائيلي فقال ذلك دفعاً لموسى عن قتله , قاله يحيى بن سلام: قال يحيى: وبلغني أن هذا الإسرائيلي هو السامري.
стр. 2775
وخلى الإسرائيلي القبطي فانطلق القبطي وشاع أن المقتول بالأمس قتله موسى. ﴿ ... إلَاّ تَكُونَ جَبَّارا فِي الأَرْضِ﴾ قال السدي: يعني قتالاً. قال أبو عمران الجوني: وآية الجبابرة القتل بغير [حق]. وقال عكرمة: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين [بغير حق]. ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أي وما هكذا يكون الإصلاح.
стр. 2776
﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين﴾ قوله: ﴿وََجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ قال الضحاك: هو مؤمن آل فرعون. وقال شعيب: اسمه شمعون. وقال محمد بن اسحاق: شمعان. وقال الضحاك والكلبي: اسمه حزقيل بن شمعون. قال الكلبي: هوابن عم فرعون أخي أبيه. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقتُلُوكَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يتشاورون في قتلك , قاله الكلبي , ومنه قول النمر بن تولب:
(أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر)
الثاني: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك ومنه قوله ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الطلاق: ٦] أي ليأمر بعضكم بعضاً وكقول امرىء القيس:
(أحارِ بن عمرٍو كأني خَمِرْ ... ويعدو على المرء ما يأتمر)
стр. 2777
﴿فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان
стр. 2778
قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ قال عكرمة: عرضت لموسى أربع طرق فلم يدر أيتها يسلك. ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك عند استواء الطرق فأخذ طريق مدين , قاله عكرمة. الثاني: أنه قال ذلك بعد أن اتخذ طريق مدين فقال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي قصد الطريق إلى مدين، قاله قتادة والسدي. قال قتادة: مدين ماء كان عليه قوم شعيب. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ قال ابن عباس: لما خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينهما ثماني ليل ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر وخرج حافياً فما وصل إليها حتى وقع خف قدميه. ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ﴾ أي جماعة. قال ابن عباس: الأمة أربعون. ﴿يَسْقُونَ﴾ يعني غنمهم ومواشيهم. ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تحبسان , قاله قطرب , ومنه قول الشاعر:
(أبيتُ على باب القوافي كأنما ... أذود بها سِرباً من الوحش نُزَّعا)
الثاني: تطردان. قال الشاعر:
(لقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأيِّ عصى تذود)
وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهما تحبسان غنمهما عن الماء لضعفهما عن زحام الناس. قاله أبو مالك والسدي. الثاني: أنهما تذودان الناس عن غنمهما، قاله قتادة.
стр. 2779
الثالث: تمنعان غنمهما أن تختلط بغنم الناس، حكاه يحيى بن سلام. ﴿قَالَ مَا خَطْبَكُمَا﴾ أي ما شأنكما , وفي الخطب تضخيم الشيء ومنه الخطبة لأنها من الأمر المعظم. ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ﴾ والصدور الانصراف , ومنه الصّدر لأن التدبير يصدر عنه , والمصدر لأن الأفعال تصدر عنه. والرعاء جمع راع. وفي امتناعهما من السقي حتى يصدر الرعاء وجهان: أحدهما: تصوناً عن الاختلاط بالرجال. الثاني: لضعفهما عن المزاحمة بماشيتهما. ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وفي قولهما ذلك وجهان: أحدهما: أنهما قالتا ذلك اعتذاراً إلى موسى عن معاناتهما سقي الغنم بأنفسهما. الثاني: قالتا ذلك ترقيقاً لموسى ليعاونهما. ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه زحم القوم عن الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما , قاله ابن إسحاق. الثاني: أنه أتى بئراً عليه صخرة لا يقلها من أهل مدين إلا عشرة فاقتلعها بنفسه وسقى لهما. قال عمر بن الخطاب ﵁: ولم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم. ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ قال السدي: إلى ظل الشجرة وذكر أنها سَمْرة. ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: قال موسى ذلك وقد لصق بطنه بظهره من الجوع وهو فقير إلى شق تمرة ولو شاء إنسان لنظر إلى خضرة أمعائه من شدة الجوع. قال الضحاك: لأنه مكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً إلاّ بقل الأرض؛ فعرض لهما بحاله فقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: شبعة من طعام، قاله ابن عباس. الثاني: شبعة يومين، قاله ابن جبير.
стр. 2780
﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ قوله تعالى: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾ قال ابن عباس: فاستبكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حُفّلا بطاناً فقال لهما: إن لكما اليوم لشأناً فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه فجاءته تمشي على استحياء , وفيه قولان: أحدهما: أنه استتارها بكم درعها , قاله عمر بن الخطاب ﵁. الثاني: أنه بعدها من النداء , قاله الحسن. وفي سبب استحيائها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها دعته لتكافئه وكان الأجمل مكافأته من غير عناء. الثاني: لأنها كانت رسولة أبيها. الثالث: ما قاله عمر لأنها ليست بسلفع من النساء خَرَّاجة ولاّجة. ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ وفي أبيها قولان: أحدهما: أنه شعيب النبي ﵇. الثاني: أنه يثرون ابن أخي شعيب , قاله أبو عبيدة والكلبي. وكان اسم التي دعت موسى وتزوجها: صفوريا. واسم الأخرى فيه قولان:
стр. 2781
إحدهما: ليا , قاله ابن اسحاق. الثاني: شرفا , قاله ابن جرير. ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي ليكافئك على ما سقيت لنا فمشت أمامه فوصف الريح عجيزتها فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي أخبره بخبره مع آل فرعون. ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يعني أنه ليس لفرعون وقومه عليّ سلطان ولسنا في مملكته. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَآ أَبَتِ أَسْتَأْجِرْهُ﴾ والقائلة هي التي دعته وهي الصغرى يعني استأجره لرعي الغنم. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ فيه قولان: أحدهما: القوي فيما ولي , الأمين فيما استودع , قاله ابن عباس. الثاني: القوي في بدنه , الأمين في عفافه. وروي أن أباها لما قالت له ذلك دخلته الغيرة فقال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته فأنه كشف الصخرة التي على بئر آل فلان ولا يكشفها دون عشرة , وأما أمانته فإنه خلفني خلف ظهره حين مشى. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ فروى عبد الرحمن بن زيد أن موسى قال: فأيهما تريد أن تنكحني؟ قال: التي دعتك , قال: لا إلا أن تكون تريد ما دخل في نفسك عليها فقال: هي عندي كذلك فزوجه وكانت الصغيرة واسمها صفوريا. ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حَجَجٍ﴾ يعني عمل ثماني حجج فأسقط ذكر العمل واقتصر على المدة لأنه مفهوم منها , والعمل رعي الغنم. واختلف في هذه الثماني حجج على قولين: أحدهما: أنها صداق المنكوحة. الثاني: أنها شرط الأب في إنكاحها إياه وليس بصداق.
стр. 2782
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرَاً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن عباس كانت على نبي الله موسى ثماني حجج واجبة وكانت سنتان عِدة منه فقضى الله عنه عِدته فأتمها عشراً. ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: من الصالحين في حسن الصحبة. قاله ابن إسحاق. الثاني: فيما وعده به. حكى يحيى بن سلام أنه جعل لموسى كل سخلة توضع على خلاف شبه أمها فأوحى الله إلىموسى أن ألق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. وقال غير يحيى: بل جعل له كل بلقاء فولدن كلهن بُلْقاً. قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ قال السدي: لا سبيل عليّ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قول السدي: شهيد. الثاني: حفيظ , قاله قتادة. الثالث: رقيب , قاله ابن شجرة. فروي أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ مُوسَى أَجَّرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وَطُعْمَةِ بَطْنِهِ , فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى؟ فَقَالَ أَبَرُّهُمَا وَأَوفَاهُمَا).
стр. 2783
﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من
стр. 2784
النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ يعني العمل الذي شُرِطَ عليه. ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي بزوجته. ﴿ءانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ أي رأى , وقد يعبر عن الرؤية بالعلم. ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّيءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بخبر الطريق الذي أراد قصده هل هو على صوبه أو منحرف عنه. الثاني: بخبر النار التي رأها هل هي لخير يأنس به أو لشر يحذره. ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: الجذوة أصل الشجرة فيها نار , قاله قتادة. الثاني: أنها عود في بعضه نار وليس في بعضه نار , قاله الكلبي. الثالث: أنها عود فيه نار ليس له لهب , قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنها شهاب من نار ذي لهب , قاله ابن عباس. قال الشاعر:
(وألقي على قبس من النار جذوة ... شديدٌ عليها حميها والتهابها.)
﴿لَعلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي تستدفئون. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا﴾ يعني النار أي قرب منها. ﴿نُودِيَ مِن شَاطِيءِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارََكَةِ﴾ وهي البقعة التي قال الله فيها لموسى ﴿اخلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طَوًى﴾.
стр. 2785
واحتمل وصفها بالبركة وجهين: أحدهما: لأن الله كلم فيها موسى وخصه فيها بالرسالة. الثاني: أنها كانت من بقاع الخصب وبلاد الريف. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأحل الله كلامه في الشجرة حتى سمعه موسى منها , لأنه لا يستطيع أن يسمعه من الله وهذه أعلى منازل الأنبياء أن يسمعوا كلام الله من غير رسول مبلغ وكان الكلام مقصوراً على تعريفه بأنه الله رب العالمين إثباتاً لوحدانيته ونفياً لربوبية غيره , وصار بهذا الكلام من أصفياء الله من رسله لأنه لا يصير رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة , والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام. فإن قيل: فكيف أضاف البركة إلى البقعة دون الشجرة والشجرة بالبركة أخص لأن الكلام عنها صدر ومنها سُمِعَ؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الشجرة لما كانت في البقعة أضاف البركة إلى البقعة لدخول الشجرة فيها ولم يخص به الشجرة فتخرج البقعةوصار إضافتها إلى البقعة أعم. الثاني: أن البركة نفذت من الشجرة إلى البقعة فصارت البقعة بها مباركة فلذلك خصّها الله بذكر البركة , قاله ابن عباس , والشجرة هي العليق وهي العوسج. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ... ﴾ الآية وإنما أمره بإلقاء عصاه في هذا الحال ليكون برهاناً عنده بأن الكلام الذي سمعه كلام الله ثم ليكون برهاناً له إلى من يرسل إليه من فرعون وملئه. فإن قيل: فإذا كانت برهاناً إليه وبرهاناً له فلم ولَّى منها هارباً؟ قيل لأمرين: أحدهما: رأى ما خالف العادة فخاف. الثاني: أنه يجوز أن يظن الأمر بإلقائها لأجل أذاها فولَّى هارباً حتى نودي فعلم. ﴿ ... ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولم يثبت , اشتقاقاً من العقب الذي يثبت القدم.
стр. 2786
الثاني: ولم يتأخر لسرعة مبادرته. ويحتمل ثالثاً: أي لم يلتفت إلى عقبه لشدة خوفه وسرعة هربه. ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مَنَ الآمِنِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الآمنين من الخوف. الثاني: من المرسلين لقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولاً بهذا القول. وعلى التأويل الأول يصير رسولاً بقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَاناَنِ مِنَ رَبِّكَ إلَى فِرْعَونَ وَمَلإِئْهِ﴾ والبرهانان اليد والعصا. وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وجهان: أحدهما: أن الجناح الجيب جيب القميص وكان عليه مدرعة صوف. الثاني: أن الجيب جنب البدن. ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الرهب الكُمّ , قاله مورق. الثاني: أنه من الخوف.
стр. 2787
﴿قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ قوله تعالى: ﴿رِدْءاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: عوناً , قاله مجاهد.
стр. 2788
الثاني: زيادة , والردء الزيادة وهو قول مسلم بن جندب وأنشد قول الشاعر:
(وأسمر خطيّاً كأن كعوبه ... نوى القسب قد أردى ذِراعاً على العشر)
стр. 2789
﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قال ابن عباس: كان بينها وبين قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ أربعون سنة. ﴿فأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانَ عَلَى الطِّينِ﴾ قال قتادة: هو أول من طبخ الآجر. ﴿فَاجْعَلَ لِّي صَرْحاً﴾ الصرح القصر العالي. قال قتادة: هو أول من صنع له الصرح. ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الآية. فحكى السدي أن فرعون صعد الصرح ورمى نشابه نحو السماء فرجعت إليه متلطخة دماً: قد قتلت إِله موسى. قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قال قتادة: بحر يقال له أساف من وراء مصر غرقهم الله فيه. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ يعني فرعون وقومه , وفيه وجهان: أحدهما: زعماء يُتْبَعُونَ على الكفر. الثاني: أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر.
стр. 2790
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يدعون إلى عمل أهل النار. الثاني: يدعون إلى ما يوجب النار. قوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني خزياً وغضباً. الثاني: طرداً منها بالهلاك فيها. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: من المقبحين بسواد الوجوه وزرقة الأعين , قاله الكلبي. الثاني: من المشوهين بالعذاب , قاله مقاتل. الثالث: من المهلكين , قاله الأخفش وقطرب. الرابع: من المغلوبين , قاله ابن بحر.
стр. 2791
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى
стр. 2792
بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها ست من المثاني التي التي أنزلها الله على رسوله محمد صلىالله عليه وسلم، قاله ابن عباس ورواه مرفوعاً. الثاني: أنها التوراة، قاله قتادة. قال يحيى بن سلام: هو أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام. ﴿مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ قال أبو سعيد الخدري: ما أهلك الله أمة من الأمم ولا قرناً من القرون ولا قرية من القرى بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل الله التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخهم الله قردة , ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابِ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾. ومعنى قوله: ﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي بينات. ﴿وَهُدًى﴾ أي دلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي نعمة. ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي ليذكروا هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا ويثقوا بثوابهم في الآخرة.
стр. 2793
﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾ قوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِب الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ , وما كنت يا محمد ﴿بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ وفيه وجهان: أحدهما: نودي يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني , قاله أبو هريرة. الثاني: أنهم نودوا في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بُعِثْتَ , قاله مقاتل. ﴿وَلَكِن رَّحْمَةَ مِّن رَّبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن ما نودي به موسى من جانب الطور من ذكرك نعمة من ربك. الثاني: أن إرسالك نبياً إلى قومك نعمة من ربك. ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ يعني العرب.
стр. 2794
﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون
стр. 2795
قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون﴾ قوله تعالى: ﴿ ... قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ قرأ الكوفيون سحران , فمن قرأ ساحران ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: موسى ومحمد ﵉ , وهذا قول مشركي العرب , وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني: موسى وهارون ﵉ وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة , قاله ابن جبير ومجاهد وأبو زيد. الثالث: عيسى ومحمد ﷺ , وهذا قول اليهود اليوم , وبه قال قتادة. ومن قرأ سحران ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التوارة والقرآن , قاله عاصم الجحدري والسدي. الثاني: التوراة والإنجيل، قاله إسماعيل وأبو مجلز. الثالث: الإنجيل والقرآن، قاله قتادة. ﴿قَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ يعني بما ذكره على اختلاف الأقاويل وفي قائل ذلك قولان: إحداهما: اليهود. الثاني: قريش. قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه بيَّنا لهم القول، قاله السدي. الثالث: أتبعنا بعضه بعضاً، قاله علي بن عيسى. وفي ﴿الْقَوْلَ﴾ وجهان: أحدهما: أن الخبر عن الدنيا والآخرة، قاله ابن زيد.
стр. 2796
الثاني: إخبارهم بمن أهلكنا من قوم نوح بكذا وقوم صالح بكذا وقوم هود بكذا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يتذكرون محمداً فيؤمنوا به , قاله ابن عباس. الثاني: يتذكرون فيخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم , قاله ابن عيسى. الثالث: لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأوثان , حكاه النقاش.
стр. 2797
﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَءَآتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون , قاله يحيى بن سلام. الثاني: الذي آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون , قاله ابن شجرة. وفيمن نزلت قولان: أحدهما: نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها , قاله قتادة. الثاني: أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ﷺ قبل مبعثه , اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه وثمانية قدموا من الشام. منهم بحيراً وأبرهة والأشراف وعامر وأيمن وإدريس ونافع فأنزل الله فيهم هذه الآية , والتي بعدها إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتُوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ قال قتادة: [بإيمانهم] بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر.
стр. 2798
وفي قوله بما صبروا ثلاثة أوجه: أحدها: بما صبروا على الإيمان , قاله ابن شجرة. الثاني: على الأذى , قاله مجاهد. الثالث: على طاعة الله وصبروا عن معصية الله , قاله قتادة. ﴿ ... وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: يدفعون بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب , قاله ابن شجرة. الثاني: يدفعون بالحلم جهل الجاهل , وهذا معنى قول يحيى بن سلام. الثالث: يدفعون بالسلام قبح اللقاء , وهذا معنى قول النقاش. الرابع: يدفعون بالمعروف المنكر , قاله ابن جبير. الخامس: يدفعون بالخير الشر , قاله ابن زيد. ويحتمل سادساً: يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُفِقُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يؤتون الزكاة احتساباً , قاله ابن عباس. الثاني: نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول الزكاة , قاله السدي. الثالث: يتصدقون من أكسابهم , قاله قتادة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يتلقونهم بالشتم والسب فيعرضون عنهم , قاله مجاهد. الثاني: أنهم قوم من اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غَيّره اليهود من التوراة وبدلوه من نعت محمد ﷺ وصفته أعرضوا عنه وكرهوا تبديله , قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. الثالث: أنهم المؤمنون إذا سمعوا الشرك أعرضوا عنه , قاله الضحاك ومكحول. الرابع: أنهم أناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهوداً ولا نصارى وكانوا على دين أنبياء الله وكانوا ينتظرون بعثة رسول الله ﷺ فلما سمعوا بظهوره بمكة قصدوه , فعرض عليهم القرآن وأسلمواْ.
стр. 2799
وكان أبو جهل ومن معه من كفار قريش يلقونهم فيقولون لهم: أفٍّ لكم من قوم منظور إليكم تبعتم غلاماً قد كرهه قومه وهم أعلم به منكم فإذا ذلك لهم أعرضوا عنهم , قاله الكلبي. ﴿قَالُواْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لنا ديننا ولكم دينكم , حكاه النقاش. الثاني: لنا حلمنا ولكم سفهكم. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ رَدّوا خيراً واستكفوا شراً , وفيه تأويلان: أحدهما: لا نجازي الجاهلين , قاله قتادة. الثاني: لا نتبع الجاهلين , قاله مقاتل.
стр. 2800
﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من أحببت هدايته. الثاني: من أحببته لقرابته , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: نزلت في أبي طالب عم الرسول ﷺ . وروى أبو هريرة أن النبي قال لعمه أبي طالب (قُل لَاّ إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِندَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ) فقال: لولا أن تعيرني بها قريش لأقررت عينيك بها. وروى مجاهد أنه قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ , فنزلت الآية تعني أبا طالب. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ قاله قتادة: يعني العباس.
стр. 2801
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ قال مجاهد: يعني بمن قدر له الهدى والضلالة. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾ قيل إن هذه الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي ﷺ إنا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني بمكة فإنما نحن أكلة رأس العرب ولا طاقة لنا بهم , فأجاب الله عما اعتل به فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماًءَامِناً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه جعله آمناً بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة. الثاني: أنه جعله آمناً بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به , قاله يحيى بن سلام. يقول كنتم آمنين في حرمي تأكلون وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي تجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد. وحكى مجاهد أن كتاباً وجد عند المقام فيه: إني أنا الله ذو بكة , وضعتها يوم خلقت الشمس والقمر , وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض , وحففتها بسبعة أملاك حنفاء , يأتيها رزقها من ثلاثة سبل , مبارك لأهلها في الماء واللحم , أول من يحلها أهلها. ﴿رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ أي عطاء من عندنا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يعقلون , قاله الضحاك. الثاني: لا يتدبرون , قاله ابن شجرة.
стр. 2802
﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾
стр. 2803
قوله: ﴿بَطِرَتْ مَعَيشَتَهَا﴾ والبطر الطغيان بالنعمة. وفيه وجهان: أحدها: يعني بطرت في معيشتها , قاله الزجاج. الثاني: أبطرتها معيشتها , قاله الفراء. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلَكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمَّهَا رَسُولاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في أوائلها، قاله الحسن. الثاني: في معظم القرى من سائر الدنيا , حكاه ابن عيسى. الثالث: أن أم القرى مكة، قاله قتادة.
стр. 2804
﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين﴾ قوله: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: هو حمزة بن عبد المطلب والوعد الحسن الجنة و ﴿لَاقِيهِ﴾ دخولها , قاله السدي. الثاني: هو النبي ﷺ والوعد الحسن النصر في الدنيا والجنة في الآخرة , قاله الضحاك. ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال السدي والضحاك: هو أبو جهل. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من المحضرين للجزاء , قاله ابن عباس. الثاني: من المحضرين في النار , قاله يحيى بن سلام. الثالث: من المحضرين: المحمولين , قاله الكلبي.
стр. 2805
﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا
следующие страницы →