← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

أحدهما: يَشْكَونَ. الثاني: يذمّون.

стр. 2907

﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ قوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الموتى الكفار الذين يموتون على الكفر وهم الصم الذين تولوا عن الهدى فلم يسمعوه , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن هذا مثل ضربه الله للكافرين كما أن الميت إذا خوطب لم يسمع والأصم إذا دعي لم يسمع كذلك الكافر لا يسمع الوعظ لأن الكفر قد أماته والضلال قد أصمه. قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ﴾ فالأصم لا يسمع الدعاء مقبلاً ولا مدبراً ولكن إذا دعي مقبلاً فقد يفهم الإشارة وإن لم يسمع الصوت , فإذا دعي مدبراً فهو لا يفهم الإشارة ولا يسمع الصوت فلذلك صارت حاله مدبراً أسوأ , فذكره بأسوأ أحواله. وقيل إنها نزلت في بني عبد الدار.

стр. 2908

﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ قال قتادة: من نطفة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ قاله مجاهد: شباباً. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ يعني هرماً وشيبة، قال قتادة: لأن بياض الشعر نذير بالفناء، قال الشاعر: (أُريت الشيب من نذر المنايا ... لصاحبه وحسبك من نذير) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ من قوة وضعف. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبيره ﴿الْقَدِيرُ﴾ على إرادته.

стр. 2909

﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال ابن عباس: الكفار. ﴿مَا لَبِثواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: في الدنيا استقلالاً لأجل الدنيا لما عاينوا من الآخرة , قاله قتادة. الثاني: في قبورهم ما بين موتهم ونشورهم , قاله يحيى بن سلام. ﴿كَذلِكَ﴾ أي هكذا , قاله ابن جبير. ﴿كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يكذبون في الدنيا , قاله قتادة. الثاني: يصدون في الدنيا عن الإيمان بالبعث. قاله يحيى بن سلام. قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ فيهم وجهان: أحدهما: أنهم الملائكة , قاله الكلبي. الثاني: أهل الكتاب. ﴿وَالإِيمَانَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الإيمان بالكتاب المتقدم من غير تحريف له ولا تبديل فيه. الثاني: الإيمان بمحمد ﷺ . ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لقد لبثتم في علم الله , قاله الفراء. الثاني: لقد لبثتم بما بيانه في كتاب الله , قاله ابن عيسى. الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ في كتاب الله والإيمان ﴿لَقَدْ لَبِثْتُم إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ قاله قتادة. وفي ﴿لَبِثْتُمْ﴾ قولان: أحدهما: لبثوا في قبورهم.

стр. 2910

الثاني: في الدنيا أحياء وفي قبورهم أموات. ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ يعني الذي كذبتم به في الدنيا. ﴿وَلكِنَّكُمْ كِنْتُم لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تعلمون في الدنيا أن البعث حق وقد علمتم الآن أنه حق. قوله: ﴿فَيَومَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة. ﴿لَا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي عذرهم الذي اعتذروا به في تكذيبهم. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يعاتبون على سيئاتهم , قاله النقاش. الثاني: لا يستتابون , قاله بعض المتأخرين. الثالث: لا يطلب منهم العتبى وهو أن يُرَدُوا إلى الدنيا لِيُعْتَبُوا أي ليؤمنوا , قاله يحيى بن سلام.

стр. 2911

﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ويحتمل وجهين: أحدهما: أن وعد الله في نصرك وتأييدك حق. الثاني: أن وعده في انتقامه من أعدائك حق. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يَسْتَعْجَلَنَّكَ , قاله ابن شجرة. الثاني: لا يَسْتَفِزَّنَّكَ , قاله يحيى بن سلام. الثالث: لا يستنزلنك , قاله النقاش. ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يؤمنون.

стр. 2912

الثاني: لا يصدقون بالبعث والجزاء، روى سعيد عن قتادة أن رجلاً من الخوارج قال لعلي كرم الله وجهه وهو خلفه في صلاة الصبح ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية. فقال له عليّ وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، والله أعلم.

стр. 2913

سورة لقمان مكية كلها في قول الجميع إلا رواية عطاء أن آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ والتي بعدها. وقال الحسن إلا آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ لأن الصلاة والزكاة مدنيتان. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 2914

﴿الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ قوله: ﴿الم. تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: المحكم أَحكمت آياته بالحلال والحرام والأحكام. قاله يحيى بن سلام. الثاني: المتقن لا يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو قريب من المعنى الأول , قاله ابن شجرة. الثالث: البين أنه من عند الله , قاله الضحاك. الرابع: أنه يظهر من الحكمة بنفسه كما يظهره الحكيم بقوله , قاله ابن عيسى. قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ فيه وجهان: أحدهما: هدى من الضلالة، قاله الشعبي.

стр. 2915

الثاني: هدى إلى الجنة , قاله يحيى بن آدم. ﴿وَرَحْمَةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن القرآن رحمة من العذاب لما في من الزجر عن استحقاقه وهو وجهان: أحدهما: أنه خرج مخرج النعت بأنه هدى ورحمة. الثاني: أنه خرج مخرج المدح بأن فيه هدى ورحمة. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الإحسان ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الإيمان الذي يحسن به إلى نفسه , قاله ابن شجرة. الثاني: أنه الصلة والصلاة , قاله الحسن. الثالث: ما روى عمر بن الخطاب قال: بينما أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: (أًن تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَتُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحبُ لِنَفْسِكَ) قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: (نعم) قال الرجل: صدقت. ثم انطلق الرجل فقال النبي ﷺ : (عَلَيَّ بِالرَّجُلِ). فطلبناه فلم نقدر عليه فقال رسول الله ﷺ : (اللَّهُ أَكْبَرُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَكُم أَمُورَ دِينِكُم). قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على نور من ربهم , قاله ابن عباس. الثاني: على بينة , قاله ابن جبير. الثالث: على بيان , قاله يحيى بن سلام. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه أربعة أوجه:

стр. 2916

: أحدها: بمعنى السعداء , قاله يحيى بن سلام. الثاني: المنجحون , قاله ابن شجرة. الثالث: الناجحون , قاله النقاش. الرابع: أنهم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربواْ , قاله ابن عباس.

стр. 2917

﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ قوله تعالى: ﴿وَمِن النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: شراء المغنيات لرواية القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغنِيَاتِ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَلَا أَثْمَانُهُنَّ وَفِيهِنَّ أنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾). الثاني: الغناء , قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وابن جبير وقتادة. الثالث: أنه الطبل , قاله عبد الكريم , والمزمار , قاله ابن زخر. الرابع: أنه الباطل , قاله عطاء. الخامس: أنه الشرك بالله , قاله الضحاك وابن زيد. السادس: ما ألهى عن الله سبحانه , قال الحسن. السابع: أنه الجدال في الدين والخوض في الباطل , قاله سهل بن عبد الله.

стр. 2918

ويحتمل إن لم يثبت فيه نص تأويلاً ثامناً: أنه السحر والقمار والكهانة. وفيمن نزلت قولان: أحدهما: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يجلس بمكة فإذا قالت قريش إن محمداً قال كذا وكذا ضحك منه وحدثهم بحديث رستم واسفنديار ويقول لهم إن حديثي أحسن من قرآن محمد , حكاه الفراء والكلبي. الثاني: أنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشغل بها الناس عن اتباع النبي ﷺ , حكاه ابن عيسى. ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليصد عن دين الله , قاله الطبري. الثاني: ليمنع من قراءة القرآن , قاله ابن عباس. ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بغير حجة. الثاني: بغير رواية. ﴿وَيَتَّخِذُهَا هُزُواً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يتخذ سبيل الله هزواً يكذب بها , قاله قتادة. وسبيل الله دينه. الثاني: يستهزىء بها , قاله الكلبي. ﴿وَأُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي مذل.

стр. 2919

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من

стр. 2920

كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين﴾ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: بعمد لا ترونها , قاله عكرمة ومجاهد. الثاني: أنها خلقت بغير عمد , قاله الحسن وقتادة. ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أي جبالاً. ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تميد بكم وفيه وجهان: أحدهما: معناه أن لا تزول بكم , قاله النقاش. الثاني: أن لا تتحرك بكم , قاله يحيى بن سلام. وقيل: إن الأرض كانت تتكفأ مثل السفينة فأرساها الله بالجبال وأنها تسعة عشر جبلاً تتشعب في الأرض حتى صارت لها أوتاداً فتثبتت وروى أبو الأشهب عن الحسن قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فلما رأت الملائكة ما تفعل الأرض قالوا: ربنا هذه لا يقر لك على ظهرها خلق , فأصبح قد ربطها بالجبال فلما رأت الملائكة الذي أرسيت به الأرض عجبواْ فقالوا: يا ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الجبال؟ قال: نَعَم الرِّيحُ قالوا: هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال: (نَعَمْ ابنُ آدَمَ). ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وخلق فيها , قاله السدي. الثاني: وبسط , قاله الكلبي. الثالث: فرق فيها من كل دابة وهو الحيوان سُمِّيَ بذلك لدبيبه والدبيب الحركة. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم الناس هم نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم , قاله الشعبي. الثاني: أن نبات الأرض أشجارها وزرعها , والزوج هو النوع. وفي الكريم ثلاثة أوجه:

стр. 2921

أحدها: أنه الحسن , قاله قتادة. الثاني: أنه الطيب الثمر , قاله ابن عيسى. الثالث: أنه اليانع , قاله ابن كامل. ويحتمل رابعاً: أن الكريم ما كثر ثمنه لنفاسة القدر.

стр. 2922

﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ اختلف في نبوته على قولين: أحدهما: أنه نبي , قاله عكرمة والشعبي. الثاني: أنه حكيم وليس بنبي، قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب. ووهب بن منبه , قال إسماعيل: كان لقمان من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال قتادة: خير الله لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح ينطق بها، فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه العون منه ولكنت أرجو أن أقوم بها , ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إليّ. واختلف في جنسه على قولين: أحدهما: أنه كان من النوبة قصيراً أفطس، قاله جابر بن عبد الله. الثاني: كان عبداً حبشياً، قاله ابن عباس. واختلف في صنعته على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان خياطاً بمصر، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنه كان راعياً فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله

стр. 2923

وأدائي الأمانة، وصدق الحديث وتركي ما لا يعنيني , قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر. الثالث: أنه كان نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين فأتاه باللسان والقلب فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت , ثم أمره فذبح له شاة ثم قال: أَلقِ أخبثها مضغتين فألقى اللسان والقلب فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت باللسان والقلب فقال إنه ليس شيىء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا , قاله خالد الربعي. واختلف في زمانه على قولين: أحدهما: أنه كان فيما بين عيسى ومحمد ﵉. الثاني: أنه ولد كوش بن سام بن نوح , ولد لعشر سنين من ملك داود ﵇ وبقي إلى زمن يونس ﵇. وفي ﴿الْحِكْمَةَ﴾ التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الفهم والعقل , قاله السدي. الثاني: الفقه والعقل والإصابة في القول , قاله مجاهد. الثالث: الأمانة. ﴿أَنِ اشكُرْ لِلَّهِ﴾ يعني نعم اللَّه، فيه وجهان: أحدهما: معنى الكلام: ولقد آتيناه الحكمة وآتيناه الشكر لله، قاله المفضل. الثاني: آتيناه الحكمة لأن يشكر لله , قاله الزجاج. وفي شكره أربعة أوجه: أحدها: هو حمده على نعمه. الثاني: هو ألا يعصيه على نعمه. الثالث: هو ألا يرى معه شريكاً في نعمه عليه. الرابع: هو طاعته فيما أمره.

стр. 2924

﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي يعود شكره إلى نفسه لأنه على النعمة إذا زاد من الشكر. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني كفر بالله واليوم الآخر , قاله مجاهد. الثاني: كُفْرُ النعمة , قاله يحيى بن سلام. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غني عن خلقه حميد في فعله , قاله يحيى بن سلام. الثاني: غني عن شكره مستحمد إلى خلقه , قاله ابن عيسى.

стр. 2925

﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ أي واذكر يا محمد مقالة لقمان لابنه، وفي اسم ابنه ثلاثة أقاويل: أحدها: مشكم , قاله الكلبي. الثاني: أنعم , حكاه النقاش. الثالث: بابان. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ أي يُذكِرُهُ ويؤدبه. ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ يعني عند اللَّه , وسماه ظلماً لأنه قد ظلم به نفسه، وقيل إنه قال ذلك لابنه وكان مشركاً، وقوله ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ليس هو حقيقة

стр. 2926

التصغير وإن كان على لفظه وإنما هوعلى وجه الترقيق كما يقال للرجل يا أُخَيّ. وللصبي هو كُوَيّس. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ يعني براً وتحنناً عليهما. وفيهما قولان: أحدهما: أنها عامة وإن جاءت بلفظ خاص والمراد به جميع الناس , قاله ابن كامل. الثاني: خاص في سعد بن أبي وقاص وُصي بأبويه؛ واسم أبيه مالك واسم أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية , حكاه النقاش. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه شدة على شدة , قاله ابن عباس. الثاني: جهداً على جهد. قاله قتادة. الثالث: ضعفاً على ضعف , قاله الحسن وعطاء. ومن قول قعنب ابن أم صاحب: (هل للعواذل من ناهٍ فيزجرها ... إن العواذل فيها الأيْنُ والوهن) يعني الضعف. ثم فيه على هذا التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: ضعف الولد على ضعف الوالدة , قاله مجاهد. الثاني: ضعف نطفة الأب على نطفة الأم , قاله ابن بحر. الثالث: ضعف الولد حالاً بعد حال فضعفه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً سوياً ثم مولوداً ثم رضيعاً ثم فطيماً , قاله أبو كامل. ويحتمل رابعاً: ضعف الجسم على ضعف العزم. ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ يعني بالفصال الفطام من رضاع اللبن. واختلف في حكم الرضاع بعد الحولين هل يكون في التحريم كحكمه في الحولين على أربعة أقاويل:

стр. 2927

أحدهما: أنه لا يحرم بعد الحولين ولو بطرفة عين لتقدير الله له بالحولين ولقول النبي ﷺ : (لَا رَضَاعةَ بَعْدَ الحَولَينِ) وهذا قول الشافعي. الثاني: أنه يحرم بعد الحولين بأيام , وهذا قول مالك. الثالث: يحرم بعد الحولين بستة أشهر استكمالاً لثلاثين شهراً لقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] قاله أبو حنيفة. الرابع: أن تحريمه غير مقدر وأنه يحرم في الكبير كتحريمه في الصغير , وهذا قول بعض أهل المدينة. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي اشكر لي النعمة ولوالديك التربية. وشكر الله بالحمد والطاعة وشكر الوالدين بالبر والصلة , قال قتادة: إن الله فرق بين حقه وحق الوالدين وقال اشكر لي ولوالديك. ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يعني إلى اللَّه المرجع فيجازي المحسن بالجنة والمسيء بالنار. وقد

стр. 2928

روى عطاء عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (رِضَا الرَّبِّ مِن رِضَا الوَالَدِ وَسَخَط الرَّبِّ مَن سَخَط الوَالِدِ).

стр. 2929

قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ يعني أراداك. ﴿عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ معناه أنك لا تعلم أن لي شريكاً. ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾ يعني في الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي احْتِسَاباً. قال قتادة: تعودهما إذا مرضا وتشيعهما إذا ماتا , وتواسيهما مما أعطاك الله تعالى. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ قال يحيى بن سلام: من أقبل بقلبه مخلصاً وهو النبي صلى الله ﵇ والمؤمنون. روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: حلفت أم سعد ألا تأكل ولا تشرب حتى تشرب حتى يتحوّل سعد عن دينه فأبى عليها فلم تزل كذلك حتى غشى عليها ثم دعت الله عليه فأنزل الله فيه هذه الآية.

стр. 2930

﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ﴾ وهذا مثل مضروب لمثقال حبة من خردل. قال قتادة: من خير أو شر. ﴿فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها الصخرة التي تحت الأرض السابعة قاله الرُبَيعُ بن أنس والسدي. قال عبد الله بن الحارث وهي صخرة على ظهر الحوت , قال الثوري: بلغنا أن خضرة السماء من تلك الصخرة , وقال ابن عباس هذه الصخرة ليست في

стр. 2931

السماء ولا في الأرض. وقيل إن هذه الصخرة هي سجِّين التي يكتب فيها أعمال الكفار ولا ترفع إلى السماء. الثاني: معنى قوله في صخرة أي في جبل , قاله قتادة. ﴿أَوْ فِي السَّمَواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بجزاء ما وازنها من خير أو شر. الثاني: يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء , كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله فيجازي عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها , قاله الربيع بن أنس. روى علي بن رباح اللخمي قال: لما وعظ لقمان ابنه بهذا أخذ حبة من خردلٍ فأتى بها البحر فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء ثم ذكرها وبسط يده فبعث الله ذبابة فاختطفتها وحملتها حتى وضعتها في يده. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على ما أصابك من الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الثاني: على ما أصابك من البلوى في نفسك أو مالك. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما أمر الله به من الأمور. الثاني: من ضبط الأمور , قاله المفضل. الثالث: من قطع الأمور. وفي العزم والحزم وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. الثاني: معناهما مختلف وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: أن الحزم الحذر والعزم القوة , ومنه المثل: لا خير في عزم بغير حزم. الثاني: أن الحزم التأهب للأمر والعزم النفاذ فيه , ومنه قولهم في بعض الأمثال: رَوِّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم.

стр. 2932

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع. ﴿تُصَاعِر﴾ بألف , وتصاعر تفاعل من الصعر وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الكبر , قاله ابن عباس. الثاني: الميل , قاله المفضل. الثالث: التشدق في الكلام , حكاه اليزيدي , وتُصِّعرْ هو على معنى المبالغة. وفي معنى الآية خمسة أوجه: أحدها: أنه إعراض الوجه عن الناس تكبراً , قاله ابن جبير. الثاني: هوالتشدق , قاله إبراهيم النخعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الثالث: أن يلوي شدقه عند ذكر الإنسان احتقاراً , قاله أبو الجوزاء , قال عمرو بن كلثوم. (وكنا إذا الجبّارُ صعر خَدّه ... أقمنا له من صعره فتقوّما) الرابع: هو أن يعرض عمن بينه وبينه إحنة هجراً له فكأنه أمر بالصفح والعفو , قاله الربيع بن أنس. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالمعصية , قاله الضحاك. الثاني: بالخيلاء والعظمة , قاله ابن جبير. الثالث: أن يكون بطراً أشراً , قاله ابن شجرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المنان , قاله أبو ذر.

стр. 2933

الثاني: المتكبر , قاله مجاهد. الثالث: البطر , قاله ابن جبير.

стр. 2934

وروى أبو ذر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ثَلَاثَةٌ يَشْنَؤُهُم اللَّهُ: الفَقِيرُ المُخْتَالُ , والبَخِيلُ المَنَّانُ , والبَيّعُ الحَلَاّفُ). ﴿فَخُورٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المتطاول على الناس بنفسه , قاله ابن شجرة. الثاني: أنه المفتخر عليهم بما يصفه من مناقبه , قاله ابن عيسى. الثالث: أنه الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله فيما أعطاه , قاله مجاهد. قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه تواضع في نفسك، قاله مجاهد. الثاني: انظر في مشيك موضع قدمك , قاله الضحاك. الثالث: اسرْع في مشيتك , قاله يزيد بن أبي حبيب. الرابع: لا تسرع في المشي , حكاه النقاش. وقد روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ وَجْهِ المَرْءِ). الخامس: لا تختل في مشيتك , قاله ابن جبير. ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوتِكَ﴾ أي اخفض من صوتك والصوت هو أرفع من كلام المخاطبة. ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ يعني شر الأصوات , قاله عكرمة وفيه أربعة أوجه: أحدها: أقبح الأصوات , قاله ابن جبير. الثاني: قد تقدم. الثالث: أشد , قاله الحسن. الرابع: أبعد , قاله المبرد. ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها العطسة المرتفعة , قاله جعفر الصادق. الثاني: أنه صوت الحمار. وفي تخصيصه بالذكر من بين الحيوان وجهان: أحدهما: لأنه أقبحها في النفس وأنكرها عند السمع وهو عند العرب مضروب به المثل , قال قتادة: لأن أوله زفير وآخره شهيق. الثاني: لأن صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان , قاله سفيان الثوري، وقد حكي عن بشر بن الحارث أنه قال: نهيق الحمار دعاء على الظلمة. والسبب في أن ضرب الله صوت الحمار مثلا ما روى سليمان بن أرقم عن الحسن أن المشركين كانواْ في الجاهلية يتجاهرون ويتفاخرون برفع الأصوات فمن كان منهم أشد صوتاً كان أعز، ومن كان أخفض صوتاً كان أذل , فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أي لو أن شيئاً يُهَابُ لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل بمنزلته.

стр. 2935

﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وفي تسخيره ذلك وجهان: أحدهما: تسهيله. الثاني: الانتفاع به. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيَكُمْ نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحفص بغير تنوين على الجمع والباقون بالتنوين يعني نعمة واحدة , وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما: أنه عنى الإسلام فجعلها واحدة , قاله إبراهيم. الثاني: أنه قصد التكثير بلفظ الواحد كقول العرب: كثر الدينار والدرهم، والأرض سيف وفرس , وهذا أبلغ في التكثير من لفظ الجمع , قاله ابن شجرة. وفي قوله: ﴿ظَاهِرةً وَبَاطِنَةً﴾ خمسة أقاويل: أحدها: أن الظاهرة الإسلام , والباطنة ما ستره الله من المعاصي قاله مقاتل. الثاني: أن الظاهرة على اللسان , والباطنة في القلب , قاله مجاهد ووكيع. الثالث: أن الظاهرة ما أعطاهم من الزي والثياب , والباطنة متاع المنازل , حكاه النقاش. الخامس: الظاهرة الولد , والباطنة الجماع. ويحتمل سادساً: أن الظاهرة في نفسه , والباطنة في ذريته من بعده. ويحتمل سابعاً: أن الظاهرة ما مضى , والباطنة ما يأتي.

стр. 2936

ويحتمل ثامناً: أن الظاهرة في الدنيا , والباطنة في الآخرة. ويحتمل تاسعاً: أن الظاهرة في الأبدان , والباطنة في الأديان. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ في اللَّهِ بِغَيرِ عَلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كَتَابٍ مُنِيرٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: نزلت في يهودي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته. الثاني: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يقول: إن الملائكة بنات الله , قاله أبو مالك.

стр. 2937

﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلّى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه يخلص لله , قاله السدي. الثاني: يقصد بوجهه طاعة الله. الثالث: يسلم نفسه مستسلماً إلى الله وهو محسن يعني في عمله. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: قول لا إله إلا الله , قاله ابن عباس. الثاني: القرآن , قاله أنس بن مالك. الثالث: الإسلام , قاله السدي. الرابع: الحب في الله والبغض في الله , قاله سالم بن أبي الجعد. وفي تسميتها بالعروة الوثقى وجهان: أحدهما: أنه قد استوثق لنفسه فيما تمسك به كما يستوثق من الشيء بإمساك عروته.

стр. 2938

الثاني: تشبيهاً بالبناء الوثيق لأنه لا ينحل. ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبةُ الأُمُورِ﴾ قال مجاهد: وعند الله ثواب ما صنعواْ.

стр. 2939

﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ. .﴾ الآية. وفي سبب نزولها قولان: أحدهما: ما رواه سعيد عن قتادة أن المشركين قالوا إنما هو كلام يعني القرآن يوشك أن ينفد، فأنزل الله هذه الآية يعني أنه لو كان شجر البر أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر مداداً لتكسرت الأقلام ونفد ماء البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وعلمه. الثاني: ما رواه ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة قالت له أحبار اليهود يا محمد أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإٍسراء: ٨٥] إِيانا تريد أم قومك؟ قال: (كُلٌ لَمْ يُؤْتَ مِنَ الُعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً أَنْتُم وَهُمْ) قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك من الله أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء , فقال رسول الله ﷺ : (إنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ) فنزلت هذه الآية. ومعنى: ﴿ ... يَمُدُّهُ ... ﴾ أي يزيد فيه شيئاً بعد شيء فيقال في الزيادة. مددته وفي المعونة أمددته. ﴿ ... مَا نَفَدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ونفاد الشيء هو فناء آخره بعد نفاد أوله فلا يقال لما فني جملة: نفد.

стр. 2940

وفي ﴿كَلِمَاتُ اللُّهِ﴾ هنا أربعة أوجه: أحدها: أنها نعم الله على أهل طاعته في الجنة. الثاني: على أصناف خلقه. الثالث: جميع ما قضاه في اللوح المحفوظ من أمور خلقه. الرابع: أنها علم الله. قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقَكُمُ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يقال إنها نزلت في أُبي بن خلف وأبي الأشدين ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن السباق قالوا للنبي ﷺ : إِن الله خلقنا أطواراً نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم تقول إنا نبعث خلقاً جديداً جميعاً في ساعة واحدة فأنزل الله هذه الآية لأن الله لا يصعب عليه ما يصعب على العباد وخلقه لجميع العالم كخلقه لنفس واحدة. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سميع لما يقولون , بصير بما يفعلون.

стр. 2941

﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِج النَّهارِ فِي اللَّيلِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف , قاله ابن مسعود ومجاهد. الثاني: ينقص من النهار ليجعله في الليل وينقص من الليل ليجعله في النهار , قاله الحسن وعكرمة وابن جبير وقتادة. الثالث: يسلك الظلمة مسالك الضياء ويسلك الضياء مسالك الظلمة فيصير كل واحد منهما مكان الآخر , قاله ابن شجرة. ويحتمل رابعاً: أنه يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل , ويدخل ضوء النهار في ظلمة الليل إذا أقبل , فيصير كل واحد منهما داخلاً في الآخر.

стр. 2942

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال وإتماماً للمنافع. ﴿كَلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه , وهو معنى قول قتادة. الثاني: إلى يوم القيامة , قاله الحسن. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بَمَا َعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعني بما تعملون في الليل والنهار. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو الله الذي لا إله غيره , قاله ابن كامل. الثاني: أن الحق اسم من أسماء الله , قاله أبو صالح. الثالث: أن الله هو القاضي بالحق. ويحتمل رابعاً: أن طاعة الله حق. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الشيطان هو الباطل , قاله مجاهد. الثاني: ما أشركوا بالله تعالى من الأصنام والأوثان , قاله ابن كامل. ﴿وأن الله هو العلي الكبير﴾ أي العلي في مكانته الكبير في سلطانه.

стр. 2943

﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين

стр. 2944

له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: برحمة الله لكم في خلاصكم منه. الثاني: بنعمة الله عليكم في فائدتكم منه. ﴿لِيُرِيَكُم مِّنَءَايَاتِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جري السفن فيه , قاله يحيى بن سلام , وقال الحسن: مفتاح البحار السفن , ومفتاح الأرض الطرق , ومفتاح السماء الدعاء. الثاني: ما تشاهدونه من قدرة الله فيه , قاله ابن شجرة. الثالث: ما يرزقكم الله منه , قاله النقاش. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: صبَّار على البلوى شكور على النعماء. الثاني: صبَّار على الطاعة شكور على الجزاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان , والشكر نصف الإيمان , واليقين الإيمان كله , ألم تر إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ وإلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُوقِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كالسحاب , قاله قتادة. الثاني: كالجبال , قاله الحسن ويحيى بن سلام. وفي تشبيهه بالظل وجهان: أحدهما: لسواده , قاله أبو عبيدة. الثاني: لعظمه.

стр. 2945

﴿دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُم إِلَى الْبَرِّ﴾ يعني من البحر. ﴿فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه عَدل في العهد , يفي في البر بما عاهَد الله عليه في البحر , قاله النقاش. الثاني: أنه المؤمن المتمسك بالتوحيد والطاعة , قاله الحسن. الثالث: أنه المقتصد في قوله وهو كافر , قاله مجاهد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلَاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الجاحد , قاله عطية. الثاني: وهو قول الجمهور أنه الغدار , قال عمرو بن معدي كرب: (فإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدرٍ وختر) وجحد الآيات إنكار أعيانها والجحد بالآيات دلائلها.
следующие страницы →