Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
أحدهما: جرادة , قاله ابن عباس وابن جبير. الثاني: الأمينة , قاله شهر بن حوشب. وقال سعيد بن المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه فأخذه الشيطان من تحته. وقال مجاهد: بل أخذه الشيطان من يده لأن سليمان سأل الشيطان كيف تضل الناس؟ فقال الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك فأعطاه خاتمه , فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان متشبهاً بصورته داخلاً على نسائه , يقضي بغير الحق ويأمر بغير صواب. واختلف في إصابته النساء , فحكي عن ابن عباس: أنه كان يأتيهن في حيضهن. وقال مجاهد: منع من إتيانهن , وزال عن سليمان ملكه فخرج هارباً إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك الصيادين بالأجرة , وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه , فجلس الشيطان على سريره , وهو معنى قوله تعالى وألقينا على كرسيه جسداً. واختلف في اسم هذا الشيطان على أربعة أقاويل: أحدها: أن اسمه صخر , قاله ابن عباس. الثاني: آصف , قاله مجاهد. الثالث: حقيق , قاله السدي. الرابع: سيد , قاله قتادة. ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد قيل إنه استطعمها , وقال ابن عباس أخذها أجراً في حمل حوت حمله , فلما شق بطنه وجد خاتمه فيها , وذكل بعد أربعين يوماً من زوال ملكه عنه , وهي عدة الأيام التي عُبد الصنم في داره. قاله مقاتل وملك أربعين سنة، عشرين سنة قبل الفتنة وعشرين بعدها. وكانت الأربعون يوماً التي خرج فيها عن ملكه ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة، فسجد الناس له حين عاد الخاتم إليه وصار إلى ملكه.
стр. 3292
وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله. قال ابن عباس: ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تخت من رخام وشده بالنحاس وألقاه في البحر. فهذا تفسير قوله تعالى ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾. ﴿ثم أناب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثم رجع إلى ملكه , قاله الضحاك. الثاني: ثم أناب من ذنبه , قاله قتادة. الثالث: ثم برأ من مرضه , قاله ابن بحر. قوله : ﴿قال ربِّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليكون ذلك معجزاً له يعلم به الرضا ويستدل به على قبول التوبة. الثاني: ليقوى به على من عصاه من الجن، فسخرت له الريح حينئذٍ. الثالث: لا ينبغي لأحد من بعدي في حياتي أن ينزعه مني كالجسد الذي جلس على كرسيه , قاله الحسن. ﴿إنك أنت الوهاب﴾ أي المعطي، قال مقاتل: سأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده بعد الفتنة فزاده الله تعالى الريح والشياطين بعدما ابتلى، وقال الكلبي حكم سليمان في الحرث وهو ابن إحدى عشرة سنة، وملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة. قوله : ﴿فسخرنا له الريح﴾ أي ذللناها لطاعته. ﴿تجري بأمره﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تحمل ما يأمرها. الثاني: تجري إلى حيث يأمرها.
стр. 3293
﴿رخاء﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: طيبة، قاله مجاهد. الثاني: سريعة، قاله قتادة. الثالث: مطيعة، قاله الضحاك. الرابع: لينة، قاله ابن زيد. الخامس: ليست بالعاصفة المؤذية ولا بالضعيفة المقصرة، قاله الحسن. ﴿حيث أصاب﴾ فيه وجهان: أحدهما: حيث أراد , قاله مجاهد وقال قتادة: هو بلسان هجر. قال الأصمعي: العرب تقول أصاب الصواب فأخطأ الجواب , أي أراد الصواب. الثاني: حيث ما قصد مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. قوله : ﴿والشياطين كلَّ بناءٍ وغواص﴾ يعني سخرنا له الشياطين كل بناء يعني في البر , وغواص يعني في البحر على حليّه وجواهره. ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في السلاسل: قاله قتادة. الثاني: في الأغلال , قاله السدي. الثالث: في الوثاق , قاله ابن عيسى , قال الشاعر:
(فآبُوا بالنهابِ وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مُصَفّدينا)
قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفرهم , فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم. ووجد على سور مدينة سليمان ﵇:
(لو أن حيّاً ينال الخُلد في مهل ... لنال ذاك سليمان بن داوِد)
(سالت له العين عين القطر فائضة ... فيه ومنه عطاءٌ غير موصود)
(لم يبق من بعدها في الملك مرتقياً ... حتى تضمن رمْساً بعد أخدود)
(هذا التعْلَم أنّ الملك منقطع ... إلاّ من الله ذي التقوى وذي الجود)
стр. 3294
قوله : ﴿هذا عطاؤنا ... ﴾ في المشار إليه بهذا ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين. فعلى هذا في قوله ﴿فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ وجهان: أحدهما: امنن على من شئت من الجن بإطلاقه , أو امسك من شئت منهم في عمله من غير حرج عليك فيما فعلته بهم , قاله قتادة والسدي. الثاني: اعط من شئت من الناس وامنع من شئت منهم. ﴿بغير حساب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بغير تقدير فيما تعطي وتمنع حكاه ابن عيسى. الثاني: بغير حرج , قاله مجاهد. الثالث: بغير حساب تحاسب عليه يوم القيامة , قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان فإن الله تعالى يقول: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ وحكى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﴿هذا عطاؤنا﴾ الآية. قال سليمان ﵇: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا فلم نر شيئاً هو أفضل من خشية الله في الغيب والشهادة، والقصد في الغنى والفقر , وكلمة الحق في الرضا والغضب. والقول الثاني: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك، فعلى هذا في قوله فامنن أو أمسك وجهان: أحدهما: بغير جزاء. الثاني: بغير قلة. والقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل وكان له ثلاثمائة امرأته وسبعمائة سرية فقال الله تعالى
стр. 3295
﴿هذا عطاؤنا﴾ يعني الذي أعطيناك من القوة على النكاح ﴿فامنن﴾ بجماع من تشاء من نسائِك ﴿أو أمسك﴾ عن جماع من تشاء من نسائِك. فعلى هذا في قوله بغير حساب وجهان: أحدهما: بغير مؤاخذة فيمن جامعت أو عزلت. الثاني: بغير عدد محصور فيمن استبحت أو نكحت. وهذا القول عدول من الظاهر إلى ادعاء مضمر بغير دليل لكن قيل فذكرته.
стр. 3296
﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب﴾ قوله : ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصبٍ وعذابٍ﴾ قيل هو أيوب بن حوص بن روعويل وكان في زمن يعقوب بن إسحاق , وتزوج بنته إليا بنت يعقوب وكانت أمّه بنت لوط ﵇ , وكان أبوه حوص ممن آمن بإبراهيم ﵇. وفي قوله ﴿مسني الشيطان﴾ وجهان: أحدهما: أن مس الشيطان وسوسته وتذكيره بما كان فيه من نعمة وما صار إليه من محنة، حكاه ابن عيسى. الثاني: الشيطان استأذن الله تعالى أن يسلطه على ماله فسلطه، ثم أهله وداره فسلطه، ثم جسده فسلطه، ثم على قلبه فلم يسلطه , قال ابن عباس فهو قوله: ﴿مسني الشيطان﴾ الآية. ﴿بنصب وعذاب﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالنصب الألم وبالعذاب السقم، قاله مبشر بن عبيد. الثاني: النصب في جسده، والعذاب في ماله، قاله السدي. الثالث: أن النصب العناء، والعذاب البلاء.
стр. 3297
قوله : ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشرابٌ﴾ قال قتادة هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية. وفيهما قولان: أحدهما: أنه اغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر دائه وشرب من الأخرى فأذهب الله باطن دائه , قاله الحسن. الثاني: أنه اغتسل من إحداهما فبرىء , وشرب من الأخرى فروي , قاله قتادة. وفي المغتسل وجهان: أحدهما: أنه كان الموضع الذي يغتسل منه , قاله مقاتل. الثاني: أنه الماء الذي يغتسل به , قاله ابن قتيبة. وفي مدة مرضه قولان: أحدهما: سبع سنين وسبعة أشهر , قاله ابن عباس. الثاني: ثماني عشرة سنة رواه أنس مرفوعاً. قوله : ﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم﴾ وفيما أصابهم ثلاثة أقويل: أحدها: أنهم كانوا مرضى فشفاهم الله. الثاني: أنهم غابوا عنه فردهم الله عليه , وهذا القولان حكاهما ابن بحر. الثالث: وهو ما عليه الجمهور أنهم كانوا قد ماتوا. فعلى هذا في هبتهم له ومثلهم معهم خمسة أقاويل: أحدها: أن الله تعالى رد عليه أهله وولده ومواشيه بأعيانهم , لأنه تعالى أماتهم قبل آجالهم ابتلاء ووهب له من أولادهم مثلهم، قاله الحسن. الثاني: أن الله سبحانه ردهم عليه بأعيانهم ووهب له مثلهم من غيرهم قاله ابن عباس. الثالث: أنه رد عليه ثوابهم في الجنة ووهب له مثلهم في الدنيا، قاله السدي. الرابع: أنه رد عليه أهله في الجنة، وأصاب امرأته فجاءته بمثلهم في الدنيا. الخامس: أنه لم يرد عليه منهم بعد موتهم أحداً وكانوا ثلاثة عشرا ابناً فوهب الله
стр. 3298
تعالى له من زوجته التي هي أم من مات مثلهم فولدت ستة وعشرين ابناً، قاله الضحاك. ﴿رحمة منا﴾ أي نعمة منا. ﴿وذكرَى لأولي الألباب﴾ أي عبرة لذوي العقول. قوله : ﴿وخُذْ بيدك ضِغْثاً فاضرب له ولا تحنثْ﴾ كان أيوب قد حلف في مرضه على زوجته أن يضربها مائة جلدة. وفي سبب ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب , فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت نعم , فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيب أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث: ما حكاه يحيى بن سلام أن الشيطان أغواها على أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة ليبرأ بها فحلف ليجلدنها فلما برىء أيوب وعلم الله تعالى بإيمان امرأته أمره رفقاً بها وبراً له يأخذ بيده ضغثاً. وفيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه أشكال النخل الجامع لشماريخه، قاله ابن عباس. الثاني: الأثل، حكاه مجاهد وقاله مجاهد. الثالث: السنبل , حكاه يحيى بن سلام. الرابع: الثمام اليابس، قاله سعيد بن المسيب. الخامس: الشجر الرطب، قاله الأخفش. السادس: الحزمة من الحشيش، قاله قطرب وأنشد قول الكميت:
(تحيد شِماساً إذا ما العسيفُ ... بضِغثِ الخلاء إليها أشارا)
السابع: أنه ملء الكف من القش أو الحشيش أو الشماريخ، قاله أبوعبيدة.
стр. 3299
﴿فاضرب﴾ فاضرب بعدد ما حلفت عليه وهو أن يجمع مائة من عدد الضغث فيضربها به في دفعة يعلم فيها وصول جميعها إلى بدنها فيقوم ذلك فيها مقام مائة جلدة مفردة. ﴿ولا تحنث﴾ يعني في اليمين وفيه قولان: أحدهما: أن ذلك لأيوب خاصة , قاله مجاهد. الثاني: عام في أيوب وغيره من هذه الأمة , قاله قتادة. والذي نقوله في ذلك مذهباً: إن كان هذا في حد الله تعالى جاز في المعذور بمرض أو زمانة ولم يجز في غيره , وإن كان في يمين جاز في المعذور وغيره إذا اقترن به ألم المضروب , فإن تجرد عن ألم ففي بره وجهان: أحدهما: يبر لوجود العدد المحلوف عليه. الثاني: لا يبر لعدم المقصود من الألم. ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الطاعة. الثاني: على البلاء. ﴿نِعم العبد﴾ يعني نعم العبد في صبره. ﴿إنه أوّاب﴾ إلى ربه. وفي بلائه قولان: أحدهما: أنه بلوى اختبار ودرجة ثواب من غير ذنب عوقب عليه. الثاني: أنه بذنب عوقب عليه بهذه البلوى وفيه قولان: أحدهما: أنه دخل على بعض الجبابرة فرأى منكراً فسكت عنه. الثاني: أنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع لم يطعمه.
стр. 3300
﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾
стр. 3301
قوله : ﴿واذكُرْ عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الأيدي القوة على العبادة , والأبصار الفقه في الدين , قاله ابن عباس. الثاني: أن الأيدي القوة في أمر الله , والأبصار العلم بكتاب الله , قاله قتادة. الثالث: أن الأيدي النعمة رواه الضحاك , والأبصار العقول , قاله مجاهد. الرابع: الأيدي القوة في أبدانهم , والأبصار القوة في أديانهم , قاله عطية. الخامس: أن الأيدي العمل والأبصار العلم , قاله ابن بحر. قال مقاتل: ذكر الله إبراهيم واسحاق ويعقوب ولم يذكر معهم إسماعيل لأن إبراهيم صبر على إلقائه في النار , وصبر إسحاق على الذبح , وصبر يعقوب على ذهاب بصره ولم يبتل إسماعيل ببلوى. قوله : ﴿إنا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: نزع الله ما في قلوبهم من الدنيا وذكرها , وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها , قاله مالك بن دينار. الثاني: اصطفيناهم لأفضل ما في الآخرة وأعطيناهم , قاله ابن زياد. الثالث: أخلصناهم بخالصة الكتب المنزلة التي فيها ذكرى الدار الآخرة , وهذا قول مأثور. الرابع: أخلصناهم بالنبوة وذكرى الدار الآخرة , قاله مقاتل. الخامس: أخلصناهم من العاهات والآفات وجعلناهم ذاكرين الدار الآخرة , حكاه النقاش.
стр. 3302
﴿هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾
стр. 3303
قوله : ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب﴾ يعني قاصرات الطرف على أزواجهم. ﴿أتراب﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أقران، قاله عطية. الثاني: أمثال، قاله مجاهد. الثالث: متآخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. الرابع: مستويات الأسنان بنات ثلاث وثلاثين قاله يحيى بن سلام. الخامس: أتراب أزواجهن بأن خلقهن على مقاديرهم، وقال ابن عيسى: الترب اللدة وهو مأخوذ من اللعب بالتراب.
стр. 3304
﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ قوله : ﴿هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق﴾ أي منه حميم ومنه غساق والحميم الحار , وفي الغساق ستة أوجه: أحدها: أنه البارد الزمهرير , قاله ابن عباس فكأنهم عذبوا بحارّ التراب وبارده. الثاني: أنه القيح الذي يسيل من جلودهم، قاله عطية. الثالث: أنه دموعهم التي تسيل من أعينهم، قاله قتادة. الرابع: أنها عين في جهنم تسيل إليها حِمة كل ذي حِمة من حية أو عقرب، قاله كعب الأحبار.
стр. 3305
الخامس: أنه المنتن , رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. السادس: أنه السواد والظلمة وهو ضد ما يراد من صفاء الشراب ورقته , قاله ابن بحر. وفي هذا الاسم وجهان: أحدهما: حكاه النقاش أنه بلغة الترك. الثاني: حكاه ابن بحر وابن عيسى أنه عربي مشتق واختلف في اشتقاقه على وجهين: أحدهما: من الغسق وهو الظمة , قاله ابن بحر. الثاني: من غسقت القرحة تغسق غسقاً. إذا جرت , وأنشد قطرب قول الشاعر:
(فالعين مطروقة لبينهم ... تغسق في غربة سرها)
وإليه ذهب ابن عيسى. وفي ﴿غساق﴾ قراءتان بالتخفيف والتشديد وفيها وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد , قاله الأخفش. الثاني: معناهما مختلف والمراد بالتخفيف الاسم وبالتشديد الفعل وقيل إن في الكلام تقديماً وتأخيراً , وتقديره: هذا حميم وهذا غساق فليذوقوه. قوله : ﴿وآخر مِنْ شكله أزواج﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وآخر من شكل العذاب أنواع , قاله السدي. الثاني: وآخر من شكل عذاب الدنيا أنواع في الآخرة لم تر في الدنيا , قاله الحسن. الثالث: أنه الزمهرير , قاله بن مسعود. وفي الأزواج هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنواع. الثاني: ألوان. الثالث: مجموعة.
стр. 3306
قوله : ﴿هذا فوج مقتحم معكم ... ﴾ فوج بعد فوج أي قوم بعد قوم , مقتحمون النار أي يدخلونها. وفي الفوج قولان: أحدهما: أنهم بنو إبليس. والثاني: بنو آدم , قاله الحسن. والقول الثاني: أن كلا الفوجين بنو آدم إلى أن الأول الرؤساء والثاني الأتباع. وحكىالنقاش أن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر , والفوج الثاني أتباعهم ببدر. وفي القائل ﴿هذا فوجٌ مقتحم معكم﴾ قولان: أحدهما: الملائكة قالوا لبني إبليس لما تقدموا في النار هذا فوج مقتحم معكم إشارة لبني آدم حين دخلوها. قال بنو إبليس ﴿لا مرحَباً بهم إنهم صالوا النار قالوا﴾ أي بنو آدم: ﴿بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار﴾. والقول الثاني: أن الله قال للفوج الأول حين أمر بدخول الفوج الثاني: ﴿هذا فوج مقتحم معكم﴾ فأجابوه ﴿لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار﴾ فأجابهم الفوج الثاني ﴿بل أنتم مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أنتم شرعتموه لنا وجعلتم لنا إليه قدماً , قاله الكلبي. الثاني: قدمتم لنا هذا العذاب بما أضللتمونا عن الهدى ﴿فبئس القرار﴾ أي بئس الدار النار , قاله الضحاك. الثالث: أنتم قدمتم لنا الكفر الذي استوجبنا به هذا العذاب في النار , حكاه ابن زياد. ﴿قالوا ربنا من قدم لنا هذا﴾ الآية. يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قاله الفوج الأول جواباً للفوج الثاني. الثاني: قاله الفوج تبعاً لكلامهم الأول تحقيقاً لقولهم عند التكذيب. وفي تأويل ﴿من قدم لنا هذا﴾ وجهان: أحدهما: من سنه وشرعه , قاله الكلبي. الثاني: من زينه , قاله مقاتل. والمرحب والرحب: السعة ومنه سميت الرحبة
стр. 3307
لسعتها ومعناه لا اتسعت لكم أماكنكم؛ وأنشد الأخفش قول أبي الأسود.
(اذا جئت بوّاباً له قال مرحباً ... ألا مَرْحباً واديك غير مضيق)
قوله : ﴿وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً ... ﴾ الآية. قال مجاهد هذا يقوله أبو جهل وأشياعه في النار: ما لنا لا نرى رجلاً كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار لا نرى عماراً وخباباً وصهيباً وبلالاً. ﴿أتخذناهم سخرياً﴾ قال مجاهد اتخذناهم سخرياً في الدنيا فأخطأنا. ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم. وقال أبو عبيدة من كسر ﴿سخرياً﴾ جعله من الهزء , ومن ضمه جعله من التسخير ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ يعني أهم معنا في النار أم زاغت أبصارنا فلا نراهم وإن كانوا معنا.
стр. 3308
﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ قوله : ﴿قُلْ هو نبأ عظيم﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه القيامة لأن الله تعالى قد أنبأنا بها في كتبه. والقول الثاني: هو القرآن , قاله مجاهد والضحاك والسدي. ﴿أنتم عنه معرضون﴾ قال الضحاك أنتم به مكذبون. قال السدي: يريد به المشركين. وفي تسميته نبأ وجهان: أحدهما: لأن الله أنبأ به فعرفناه. الثاني: لأن فيه أنباء الأولين. وفي وصفه بأنه عظيم وجهان: أحدهما: لعظم قدره وكثرة منفعته.
стр. 3309
الثاني: لعظيم ما تضمنه من الزواجر والأوامر. قوله : ﴿ما كان لي من عِلم بالملإِ الأعلى﴾ قال ابن عباس يعني الملائكة. ﴿إذ يختصمون﴾ فيه وجهان: أحدهما: في قوله تعالى للملائكة: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها﴾ الآية. فهذه الخصومة , قاله ابن عباس. الثاني: ما رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (سألني ربي فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت في الكفارات والدرجات , قال وما الكفارات؟ قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات , وإسباغ الوضوء في السبرات , والتعقيب في المساجد انتظار الصلوات بعد الصلوات. قال وما الدرجات؟ قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بليل والناس نيام).
стр. 3310
﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني
стр. 3311
إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ قوله : ﴿قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خَلَقْتُ بيديَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بقوتي، قاله علي بن عاصم. الثاني: بقدرتي، ومنه قول الشاعر:
(تحملت من عفراء، ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان)
الثالث: لما توليت خلقه بنفسي , قاله ابن عيسى. ﴿أستكبرت﴾ أي عن الطاعة أم تعاليت عن السجود؟ قوله : ﴿قال فالحق والحق أقول﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنا الحق , وأقول الحق، قاله مجاهد. الثاني: الحق مني والحق قولي، رواه الحكم.
стр. 3312
الثالث: معناه حقاً لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين , قاله الحسن. قوله : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجْر﴾ فيه وجهان: أحدهما: قل يا محمد للمشركين ما أسألكم على ما أدعوكم إليه من طاعة الله أجراً قاله ابن عباس. الثاني: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن أجراً , قاله عطاء. ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما أنا من المتكلفين لهذا القرآن من تلقاء نفسي. الثاني: وما أنا من المتكلفين لأن آمركم بما لم أؤمر به. الثالث: وما أنا بالذي أكلفكم الأجر وهو معنى قول مقاتل. قوله : ﴿ولتعلَمُنَّ نبأه بَعْد حين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نبأ القرآن أنه حق. الثاني: نبأ محمد ﷺ أنه رسول. الثالث: نبأ الوعيد أنه صدق. ﴿بعد حين﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بعد الموت , قاله قتادة. وقال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. الثاني: يوم بدر , قاله السدي. الثالث: يوم القيامة , قاله ابن زيد وعكرمة، والله أعلم.
стр. 3313
سورة الزمر
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس إلا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما ﴿الله نزل أحسن الحديث﴾، والأخرى ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الآية وقال آخرون إلا سبع آيات من قوله تعالى ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾ إلى آخر السبع. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3314
﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ قوله : ﴿تنزيل الكتاب﴾ والكتاب هو القرآن سمي بذلك لأنه مكتوب. ﴿من الله العزيز الحكيم﴾ فيه وجهان: أحدهما: العزيز في ملكه الحكيم في أمره. الثاني: العزيز في نقمته الحكيم في عدله. قوله : ﴿فاعبد الله مخلصاً له الدين﴾ فيه وجهان:
стр. 3315
أحدهما: أنه الإخلاص بالتوحيد , قاله السدي. الثاني: إخلاص النية لوجهه , وفي قوله ﴿له الدين﴾ وجهان: أحدهما: له الطاعة , قاله ابن بحر. الثاني: العبادة. ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شهادة أن لا إله إلا الله , قاله قتادة. الثاني: الإسلام , قاله الحسن. الثالث: ما لا رياء فيه من الطاعات. ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء﴾ يعني آلهة يعبدونها. ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ قال كفار قريش هذه لأوثانهم وقال من قبلهم ذلك لمن عبدوه من الملائكة وعزير وعيسى , أي عبادتنا لهم ليقربونا إلى الله زلفى , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الزلفى الشفاعة في هذا الموضع , قاله قتادة. الثاني: أنها المنزلة , قاله السدي. الثالث: أنها القرب , قاله ابن زيد.
стр. 3316
﴿خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون﴾ قوله : ﴿يكوِّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحمل الليل على النهار، ويحمل النهار على الليل، قاله ابن عباس.
стр. 3317
الثاني: يغشى الليل على النهار فيذهب ضوءه، ويغشى النهارعلى الليل فيذهب ظلمته، قاله قتادة. الثالث: هو نقصان أحدهما عن الآخر، فيعود نقصان الليل في زيادة النهار ونقصان النهار في زيادة الليل، قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: يجمع الليل حتى ينتشر النهار، ويجمع النهار حتى ينتشر الليل. قوله : ﴿خلقكم من نفسٍ واحدة﴾ يعني من آدم. ﴿ثم جعل منها زوجها﴾ يعني حواء. فيه وجهان: أحدهما: أنه خلقها من ضلع الخَلْف من آدم وهو أسفل الأضلاع , قاله الضحاك. الثاني: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم , فيكون معنى قوله ﴿جعل منها﴾ أي من مثلها , قاله ابن بحر. ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ قال قتادة: من الإبل اثنين , ومن البقر اثنين , ومن الضأن اثنين , ومن المعز اثنين , كل واحد زوج. وفي قوله ﴿أنزل﴾ وجهان: أحدهما: يعني جعل , قاله الحسن. الثاني: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة , حكاه ابن عيسى. ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق﴾ فيه وجهان: أحدهما: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحماً , قاله قتادة والسدي. الثاني: خلقاً في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهرآدم , قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: خلقاً في ظهر الأب ثم خلقاً في بطن الأم ثم خلقاً بعد الوضع. ﴿في ظلمات ثلاث﴾ فيه وجهان: أحدهما: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة. الثاني: ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم، حكاه ابن
стр. 3318
عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنها ظلمة عتمة الليل التي تحيط بظلمة المشيمة مظلمة الأحشاء وظلمة البطن.
стр. 3319
﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار﴾ قوله : ﴿وإذا مس الإنسان ضُرٌّ دعا ربَّهُ منيباً إليه﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مخلصاً إليه , قاله الضحاك. الثاني: مستغيثاً به , قاله السدي. الثالث: مقبلاً عليه , قاله الكلبي وقطرب. ﴿ثم إذا خوّله منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل﴾ فيه وجهان: أحدهما: إذا أصابته نعمة ترك الدعاء , قاله الكلبي. الثاني: إذا أصابته نعمة ترك الدعاء , قاله الكلبي. الثاني: إذا أصابته عافية نَسي الضر. والتخويل العطية العظيمة من هبة أو منحة , قال أبو النجم:
(أعطى فلم يبخل ولم يبخلِ ... كوم الذّرى من خول المخوِّلِ)
стр. 3320
﴿أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ قوله : ﴿أمَّن هو قانتٌ﴾ في الألف التي في ﴿أمّن﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألف استفهام. الثاني: ألف نداء.
стр. 3321
وفي قانت أربعة أوجه: أحدها: أنه المطيع , قاله ابن مسعود. الثاني: أنه الخاشع في صلاته , قاله ابن شهاب. الثالث: القائم في صلاته , قاله يحيى بن سلام. الرابع: أنه الداعي لربه. ﴿آناء الليل﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طرف الليل , قاله ابن عباس. الثاني: ساعات الليل , قاله الحسن. الثالث: ما بين المغرب والعشاء , قاله منصور. ﴿ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه﴾ قال السدي: يحذر عذاب الآخرة ويرجوا نعيم الجنة. وفيمن أريد به هذا الكلام خمسة أقاويل: أحدها: أنه رسول الله ﷺ , حكاه يحيى بن سلام. الثاني: أبو بكر , قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه. الثالث: عثمان بن عفان , قاله ابن عمر. الرابع: عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وابن مسعود , قاله الكلبي. الخامس: أنه مرسل فيمن كان على هذه الحال قانتاً آناء الليل. فمن زعم أن الألف الأولى استفهام أضمر في الكلام جواباً محذوفاً تقديره: أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً كمن جعل لله أنداداً؟ قاله يحيى. وقال ابن عيسى: المحذوف من الجواب: كمن ليس كذلك. ومن زعم أن الألف للنداء لم يضمر جواباً محذوفاً , وجعل تقدير الكلام: أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هل يستوي الذين يعلمون هذا فيعملون به والذين لا يعلمون هذا فلا يعملون به , قاله قتادة. الثاني: أن الذين يعلمون هم المؤمنون يعلمون أنهم لاقو ربهم , والذين لا
стр. 3322
يعلمون هم المشركون الذين جعلوا لله أنداداً قاله يحيى. الثالث: ما قاله أبو جعفر محمد بن علي قال: الذين يعلمون نحن , والذين لا يعلمون عدونا. ويحتمل رابعاً: أن الذين يعلمون هم الموقنون , والذين لا يعلمون هم المرتابون.
стр. 3323
﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ قوله : ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه , للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الآخرة , وهي الجنة. الثاني: للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا فيكون ذلك زائداً على ثواب الآخرة. وفيما أريد بالحسنة التي لهم في الدنيا أربعة أوجه:
стр. 3324
أحدها: العافية والصحة , قاله السدي. الثاني: ما رزقهم الله من خير الدنيا , قاله يحيى بن سلام. الثالث: ما أعطاهم من طاعته في الدنيا وجنته في الآخرة , قاله الحسن. الرابع: الظفر والغنائم , حكاه النقاش. ويحتمل خامساً: إن الحسنة في الدنيا الثناء وفي الآخرة الجزاء. ﴿وأرض الله واسعة﴾ فيها قولان: أحدهما: أرض الجنة رغبهم في سعتها , حكاه ابن عيسى. الثاني: هي أرض الهجرة , قاله عطاء. ويحتمل ثالثاً: أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه. ورزق الله واسع , وهو أشبه لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان بها. ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بغير مَنٍّ عليهم ولا متابعة , قاله السدي. الثاني: لا يحسب لهم ثواب عملهم فقط ولكن يزدادون على ذلك , قاله ابن جريج. الثالث: لا يعطونه مقدراً لكن جزافاً. الرابع: واسعاً بغير تضييق قال الراجز:
(يا هند سقاك بلا حسابه ... سقيا مليك حسن الربابة)
وحكي عن علي كرم الله وجهه قال: كل أجر يكال كيلاً ويوزن وزناً إلا أجر الصابرين فإنه يحثى حثواً.
стр. 3325
﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون﴾ قوله : ﴿قل إن الخاسرين الَّذِينَ خَسِروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: خسروا أنفسهم بإهلاكها في النار , وخسروا أهليهم بأن لا يجدوا في النار أهلاً , وقد كان لهم في الدنيا أهل , قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: خسروا أنفسهم بما حرموها من الجنة وأهليهم من الحور العين الذين أعدوا [لهم] في الجنة , قاله الحسن وقتادة. الثالث: خسروا أنفسهم وأهليهم بأن صاروا هم بالكفر إلى النار , وصار أهلوهم بالإيمان إلى الجنة وهو محتمل.
стр. 3326
﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين
стр. 3327
يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد﴾ قوله : ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الطاغوت الشيطان , قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: الأوثان , قاله الضحاك والسدي. وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي مثل هاروت وماروت. الثاني: عربي مشتق من الطغيان. ﴿وأنابوا إلى الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: أقبلوا إلى الله , قاله قتادة. الثاني: استقاموا إلى الله , قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: وأنابوا إلى الله من ذنوبهم. ﴿لهم البشرى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها الجنة , قاله مقاتل ويحيى بن سلام. الثاني: بشرى الملائكة للمؤمنين , قاله الكلبي. ويحتمل ثالثاً: أنها البشرى عند المعاينة بما يشاهده من ثواب عمله. قوله : ﴿فبشر عبادِ الذين يستمعون القول﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القول كتاب الله , قاله مقاتل ويحيى بن سلام. الثاني: أنهم لم يأتهم كتاب من الله ولكن يستمعون أقاويل الأمم , قاله ابن زيد. ﴿فيتبعون أحسنَه﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: طاعة الله , قاله قتادة. الثاني: لا إله إلا الله، قاله ابن زيد.
стр. 3328
الثالث: أحسن ما أمروا به , قاله السدي. الرابع: أنهم إذا سمعوا قول المسلمين وقول المشركين اتبعوا أحسنه وهو الإسلام , حكاه النقاش. الخامس: هو الرجل يسمع الحديث من الرجل فيحدث بأحسن ما يسمع منه , ويمسك عن أسوإه فلا يتحدث به , قاله ابن عباس. ويحتمل سادساً: أنهم يستمعون عزماً وترخيصاً فيأخذون بالعزم دون الرخص. ﴿أولئك الذين هداهم الله﴾ الآية. قال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم , واتبعوا أحسن ما صار من العقول إليهم.
стр. 3329
﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين﴾ قوله : ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ فيه وجهان: أحدهما: وسع صدره للإسلام حتى يثبت فيه , قاله ابن عباس والسدي. الثاني: وسع صدره بالإسلام بالفرح به والطمأنينة إليه , فعلى هذا لا يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام , وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام. ﴿فهو على نور من ربه﴾ فيه وجهان: أحدهما: على هدى من ربه , قاله السدي. الثاني: أنه كتاب الله الذي به يأخذ وإليه ينتهي , قاله قتادة. وروى عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سدر قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية , فقالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ فقال: (نور يقذف به في القلب) قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال: (نعم) قالوا: ما هي؟ قال: (الإنابة إلى دار
стр. 3330
الخلود , والتجافي عن دار الغرور , والاستعداد للموت قبل الموت.) وفي من نزلت فيه هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: في رسول الله ﷺ , قاله الكلبي. الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁ , حكاه النقاش. الثالث: في عمار بن ياسر , قاله مقاتل. ﴿فويل للقاسية قلوبُهم من ذِكر الله﴾ قيل أنه عنى أبا جهل وأتباعهُ من كفار قريش , وفي الكلام مضمر محذوف تقديره , فهو على نور من ربه كمن طبع الله على قلبه فويل للقاسية قلوبهم.
следующие страницы →