Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
قوله : ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ معناه على علم منا بهم. وفي اختياره لهم ثلاثة أوجه: أحدها: باصطفائهم لرسالته , والدعاء إلى طاعته. الثاني: باختيارهم لدينه وتصديق رسله. الثالث: بإنجائهم من فرعون وقومه. وفي قوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قولان: أحدهما: على عالمي زمانهم , لأن لكل زمان عالماً , قاله قتادة. الثاني: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم , حكاه ابن عيسى. قوله : ﴿وءَاتَيْنَاهُمْ مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى , قاله قتادة. ويكون هذا الخطاب متوجهاً إلى بني إسرائيل. الثاني: أنها العصا ويده البيضاء , ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون. الثالث: أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به , قاله عبد الرحمن بن زيد.
стр. 3537
ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله ﴿مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة ظاهرة , قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى ﴿وَليُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً﴾ وقال زهير:
٨٩ (فأبلاه خير البلاء الذي يبلو.﴾ ٩
الثاني: عذاب شديد , قاله الفراء. الثالث: اختيار بيِّن يتميز به المؤمن من الكافر , قاله عبد الرحمن بن زيد.
стр. 3538
﴿إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين﴾ قوله : ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ لَيَقُولُونَ﴾ يعني كفار قريش. ﴿إن هِيَ إِلَاّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ أي بمبعوثين قيل: إن قائل هذا أبو جهل قال: يا محمد إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً , لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات , لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف. فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل لو قال: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء , فلم لا يرجع من مضى من الآباء. قوله : ﴿أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أهم أظهر نعمة وأكثر أموالاً. الثاني: أهم أعز وأشد أم قوم تبع. وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حِمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها. وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك براً وبحراً وضحاً وريحاً. وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم. وحكى ابن قتيبة في المعارف شعراً ذكر أنه لتبع وهو:
стр. 3539
(منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ ... وطلوعها من حيث لا تُمْسِي)
(وشروقها بيضاء صافية ... وغروبُها حمراءَ كالورْسِ)
(وتشتت الأهواءِ أزعجني ... سيراً لأبلغ مطلع الشمسِ)
(ولرب مطعمةٍ يعود لها ... رأي الحليم إلى شفا لبسِ)
وفي تسميته تبعاً قولان: أحدهما: لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله. الثاني: لأنه اسم لملوك اليمن. وذم الله قومه ولم يذمه , وضرب بهم مثلاً لقريش لقربهم من دارهم , وعظمهم في نفوسهم , فلما أهلكهم الله ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك.
стр. 3540
﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم﴾ قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غافلين، قاله مقاتل. الثاني: لاهين، قاله الكلبي. ﴿وَمَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلَاّ بِالْحِقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: للحق، قاله الكلبي. الثاني: بقول الحق، قاله مقاتل. قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصَلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني يوم القيامة، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان: أحدهما: [إن الله] يفصل فيه أمور عباده. الثاني: لأنه يفصل فيه بين المرء وعمله.
стр. 3541
﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ قوله : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ قد ذكرنا ما في الزقوم من الأَقاويل , وهو في اللغة ما أُكِلَ بكرْه شديد. ولهذا يقال قد تزقم هذا الطعام تزقماً أي هو في حكم من أكله بكره شديد لحشو فمه وشدة شره. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل. وفي الأثيم وجهان: أحدهما: أنه الآثم، قاله ابن عيسى. الثاني: المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى. قوله : ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: فجروه، قاله الحسن. الثاني: فادفعوه , قاله مجاهد. الثالث: فسوقوه , حكاه الكلبي. الرابع: فاقصفوه كما يقصف الحطب , حكاه الأعمش: الخامس: فردوه بالعنف , قاله ابن قتيبة. قال الفرزدق:
(ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتى ترد إلى عطية تعتل)
﴿إلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وسط الجحيم , قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. الثاني: معظم الجحيم يصيبه الحر من جوانبها , قاله الحسن.
стр. 3542
قوله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وفيه أربعة أوجه: أحدها: معناه أنك لست بعزيز ولا كريم , لأنه قال توعدني محمد , والله إني لأعز من مشى حبليها , فرد الله عليه قوله , قاله قتادة. الثاني: أنك أنت العزيز الكريم عند نفسك , قاله قتادة أيضاً. الثالث: أنه قيل له ذلك استهزاء على جهة الإهانة , قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنك أنت العزيز في قومك , الكريم على أهلك حكاه ابن عيسى.
стр. 3543
﴿إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أمين من الشيطان والأحزان , قاله قتادة. الثاني: أمين من العذاب , قاله الكلبي. الثالث: من الموت , قاله مقاتل. قوله : ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السندس الحرير الرقيق , والاستبرق الديباج الغليظ , قاله عكرمة. الثاني: السندس يعمل بسوق العراق وهو أفخر الرقم، قاله يحيى، والاستبرق الديباج سمي استبرقاً لشدة بريقه، قاله الزجاج. الثالث: أن السندس ما يلبسونه، والاستبرق ما يفترشونه. وفي ﴿مُّتَقَابِلينَ﴾ وجهان:
стр. 3544
أحدهما: متقابلين بالمحبة لا متدابرين بالبغضة , قاله علي بن عيسى. الثاني: متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم قفا بعض , قاله مجاهد. قوله : ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ يعني القرآن , وفيه وجهان: أحدهما: معناه جعلناه بلسانك عربياً. الثاني: أطلقنا به لسانك تيسيراً. ﴿لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يرجعون. الثاني: يعتبرون. ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فانتظر ما وعدتك من النصر عليهم. إنهم منتظرون بك الموت، حكاه النقاش. الثاني: وانتظر ما وعدتك من الثواب فإنهم من المنتظرين لما وعدتهم من العقاب، والله أعلم.
стр. 3545
سورة الجاثية
مكية كلها، في قول الحسن وعطاء وجابر وعكرمة، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية، وهي ﴿قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب ﵁. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3546
﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾ قوله : ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن. ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وفي إضافة التنزيل إليه في هذا الموضع وفي أمثاله وجهان: أحدهما: افتتاح كتابه منه كما يفتتح الكاتب كتابه به. الثاني: تعظيماً لقدره وتضخيماً لشأنه عليه في الابتداء بإضافته إليه. قوله : ﴿وَاخْتِلَافِ الليْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني اختلافهما بالطول والقصر.
стр. 3547
الثاني: اختلافهما بذهاب أحدهما ومجيء الآخر. ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: المطر الذي ينبت به الزرع وتحيا به الأرض. الثاني: ما قضاه في السماء من أرزاق العباد. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تصريفها بإرسالها حيث يشاء. الثاني: ينقل الشمال جنوباً والجنوب شمالاً , قاله الحسن. الثالث: أن يجعلها تارة رحمة وتارة نقمة؛ قاله قتادة.
стр. 3548
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم﴾ قوله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأفاك: الكذاب , قاله ابن جريج. الثاني: أنه المكذب بربه. الثالث: أنه الكاهن , قاله قتادة. ﴿يَسْمَعُءَآيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ﴾ يعني القرآن. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ فيه تأويلان: أحدها: يقيم على شركه مستكبراً عن طاعة ربه، وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: أن الإصرار على الشيء العقد بالعزم عليه، وهو مأخوذ من صَرَّ الصُّرَّةَ إذا شدها، قاله ابن عيسى.
стр. 3549
﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ في عدم الاتعاظ بها والقبول لها. ﴿فَبِشَّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن جريج نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث.
стр. 3550
﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون﴾ قوله : ﴿قُلْ لِّلَّذِينَءَامَنُوا يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينالون نعم الله , قاله مجاهد. الثاني: لا يخشون عذاب الله , قاله الكلبي ومقاتل. الثالث: لا يطمعون في نصر الله في الدنيا ولا في الآخرة، قاله ابن بحر. وفي المراد بأيام الله وجهان: أحدهما: أيام إنعامه وانتقامه في الدنيا , لأنه ليس في الآخرة، وتكون الأيام وقتاً وإن تكن أياماً على الحقيقة. وفي الكلام أمر محذوف فتقديره: قل للذين آمنوا إغفروا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله. الغفران ها هنا العفو وترك المجازاة على الأذى. وحكى الكلبي أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وقد شتمه رجل من المشركين فهمَّ أن يبطش به، فلما نزل ذلك فيه كف عنه. وفي نسخ هذه الآية قولان:
стр. 3551
أحدهما: أنها ثابتة في العفو عن الأذى في غير الدين. الثاني: أنها منسوخة وفيما نسخها قولان: أحدهما: بقوله سبحانه ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قاله قتادة. الثاني: بقوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُواْ﴾ قاله أبو صالح.
стр. 3552
﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ قوله : ﴿وَءَاتَينَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ذكر الرسول وشواهد نبوته. الثاني: بيان الحلال والحرام , قاله السدي. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَاّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم , حكاه النقاش. الثاني: بعدما أعلمهم الله ما في التوراة. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طلباً للرسالة وأنفة من الإذعان للصواب , حكاه ابن عيسى. الثاني: بغياً على رسول الله صلى عليه وسلم في جحود ما في كتابهم من نبوة وصفته، قاله الضحاك.
стр. 3553
الثاني: أنهم أرادوا الدنيا ورخاءها فغيروا كتابهم وأحلوا فيه ما شاؤوا وحرموا ما شاؤوا , قاله يحيى بن آدم. قوله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ﴾ أي على طريقة من الدين كالشريعة التي هي طريق إلى الماء , ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد. وفي المراد بالشريعة أربعة أقاويل: احدها: أنها الدين , قاله ابن زيد , لأنه طريق للنجاة. الثاني: أنها الفرائض والحدود والأمر والنهي , قاله قتادة لأنها طريق إلى الدين. الثالث: أنها البينة , قاله مقاتل: لأنها طريق الحق. الرابع: السنة , حكاه الكلبي لأنه يستنّ بطريقة من قبله من الأنبياء.
стр. 3554
﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ أي اكتسبوا الشرك. قال الكلبي: الذين أريد بهم هذه الآية عتبه وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ قال الكلبي أريد بهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أفرأيت من اتخذ دينه ما يهواه , فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، قاله ابن عباس.
стр. 3555
الثاني: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه ويستحسنه , فإذا استحسن شيئاً وهو به اتخذه إلهاً , قاله عكرمة , قاله سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر. فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. الثالث: أفرأيت من ينقاد لهواه انقياده لإلهه ومعبوده تعجباً لذوي العقول من هذا الجهل. ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: وجده ضالاً , حكاه ابن بحر. الثاني: معناه ضل عن الله. ومنه قول الشاعر:
(هبوني امرأً منكم اضلَّ بعيره ... له ذمة إن الذمام كثير)
أي ضل عنه بعيره. وفي قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ وجهان: أحدهما: على علم منه أنه ضال , قاله مقاتل. الثاني: قاله ابن عباس أي في سابق علمه أنه سيضل. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غَشَاوَةً﴾ حتى لا يبصرالرشد. ثم في هذا الكلام وجهان: أحدهما: أنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. الثاني: أنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم. وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة , وحكى الضحاك أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف.
стр. 3556
﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا
стр. 3557
بآبائنا إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ قوله : ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ وهذا القول منهم إنكار للآخرة وتكذيب بالبعث وإبطال للجزاء. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مقدم ومؤخر , وتقديره: نحيا نموت. وهي كذلك في قراءة ابن مسعود. الثاني: أنه على تربيته , وفي تأويله وجهان: أحدهما: نموت نحن ويحيا أولادنا، قاله الكلبي. الثاني: يموت بعضنا. ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَاّ الدَّهْرُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: وما يهلكنا إلا العمر , قاله قتادة. وأنشد قول الشاعر:
(لكل أمر أتى يوماً له سبب ... والدهر فيه وفي تصريفه عجب)
الثاني: وما يهلكنا إلا الزمان , قاله مجاهد. وروى أبو هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار , والذي يهلكنا يميتنا ويحيينا , فنزلت هذه الآية. الثالث: وما يهلكنا إلا الموت , قاله قطرب , وأنشد لأبي ذؤيب:
(أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع)
الرابع: وما يهلكنا إلا الله , قاله عكرمة. وروى الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (رجال يقولون: يا خيبة الدهر , يا
стр. 3558
بؤس الدهر , لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر , وإنه يقبض الأيام ويبسطها).
стр. 3559
﴿ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ قوله : ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الأمة أهل كل ملة. وفي الجاثية خمسة تأويلات: أحدها: مستوفزة , قاله مجاهد. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب منه الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله. الثاني: مجتمعة , قاله ابن عباس. الثالث: متميزة , قاله عكرمة. الرابع: خاضعة بلغة قريش , قاله مؤرج. الخامس: باركة على الركب , قاله الحسن. وفي الجثاة قولان: أحدهما: أنه للكفار خاصة , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه عام للمؤمن والكافر انتظاراً للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبد الله بن باباه أن النبي ﷺ قال: كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم. ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى حسابها، قاله يحيى بن سلام.
стр. 3560
الثاني: إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر , قاله الكلبي. الثالث: إلى كتابها الذي أنزل على رسولها , حكاه الجاحظ. قوله : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القرآن يدلكم على ما فيه من الحق , فكأنه شاهد عليكم , قاله ابن قتيبة. الثاني: أنه اللوح المحفوظ يشهد بما قضي فيه من سعادة وشقاء , خير وشر , قاله مقاتل , وهو معنى قول مجاهد. الثالث: أنه كتاب الأعمال الذي يكتب الحفظة فيه أعمال العباد ويشهد عليكم بما تضمنه من صدق أعمالكم , قاله الكلبي. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يكتب الحفظة ما كنتم تعملون في الدنيا , قاله علي ﵁ ومن زعم أنه كتاب الأعمال. الثاني: أنه الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدوَّن عندها من أحوال العباد , قاله ابن عباس ومن زعم أن الكتاب هو اللوح المحفوظ. الثالث: نستنسخ ما كتب عليكم الملائكة الحفظة , قاله الحسن لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال.
стр. 3561
﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا
стр. 3562
يخرجون منها ولا هم يستعتبون فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ قوله : ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري , قاله الضحاك. الثاني: اليوم نترككم من الرحمة كما تركتم الطاعة , وهو محتمل الثالث: اليوم نترككم من الخير كما تركتمونا من العمل , قاله سعيد بن جبير. قوله : ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الكبرياء العظمة , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه السلطان , قاله مجاهد. الثالث: الشرف , قاله ابن زياد. الرابع: البقاء والخلود. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.
стр. 3563
سورة الأحقاف
مكية في قول الجميع إلا رواية تشذ عن ابن عباس وقتادة أنها كذلك إلا آية منها مدنية وهي ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله﴾ وقال الكلبي: بل هي ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3564
﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ قوله : ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه قُضِي نزول الكتاب من الله العزيز الحكيم , قاله النقاش. الثاني: هذا الكتاب يعني القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم , قاله الحسن. قوله : ﴿مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ فيه أربعة أوجه:
стр. 3565
أحدها: إلا بالصدق , قاله ابن إسحاق. الثاني: إلا بالعدل , وهو مأثور. الثالث: إلا للحق , قاله الكلبي. الرابع: إلا للبعث , قاله يحيى. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه أجل القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الأجل المقدور لكل مخلوق، وهو محتمل. قوله : ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قرأ الحسن وطائفة معه ﴿أَوْ أَثَرَةٍ﴾ وفي تأويل ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ وهي قراءة الجمهور ثلاثة أوجه: أحدها: رواية من علم , قاله يحيى. الثاني: بقية , قاله أبو بكر بن عياش , ومنه قول الشاعر:
(وذات أثارة أكلت عليها ... نباتاً في أكمته قفارا)
أي بقية من شحم. الثالث: أو علم تأثرونه عن غيركم , قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: أو اجتهاد بعلم , لأن أثارة العلم الاجتهاد. ويحتمل خامساً: أو مناظرة بعلم لأن المناظر في العلم مثير لمعانيه. ومن قرأ ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ ففي تأويله خمسة أوجه: أحدها: أنه الخط , وقد رواه ابن عباس عن النبي ﷺ . الثاني: ميراث من علم , قاله عكرمة. الثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. الرابع: أو بقية من علم، قاله عطية. الخامس: أثرة يستخرجه فيثيره، قاله الحسن.
стр. 3566
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين﴾ قوله : ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ﴾ قال ابن عباس: معناه لست بأول الرسل. والبدع الأول. والبديع من كل شيء المبتدع , وأنشد قطرب لعدي بن زيد:
(فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعد)
﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا لا في الآخرة، فلا أدري ما يفعل بي أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي , أو أُقتل كما قتل الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، إنكم مصدقون أو مكذبون، أو معذبون أو مؤخرون، قاله الحسن: الثاني: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. وهذا قبل نزول ﴿لِيَغْفِر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية. فلما نزل عليه ذلك عام الحديبية علم ما يفعل به في الآخرة وقال لأصحابه: (لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ آيَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعِهَا) فلما تلاها قال رجل من القوم: هنيئاً يا رسول الله , قد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية. قاله قتادة. الثالث: أن النبي ﷺ قال قبل الهجرة (لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَرْضاً أَخْرُجُ إِلَيْهَا مِن مَكَّةَ) فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا: يا رسول الله حتى متى نلقى هذا
стр. 3567
البلاء؟ ومتى تخرج إلى الأرض التي رأيت؟ فقال ﷺ : (مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُم , أَنَمُوتُ بِمَكَّةَ أَمْ نَخْرُجُ مِنهَا) قال الكلبي. الرابع: معناه قل لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به , قاله الضحاك.
стр. 3568
﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به , قاله يحيى. الثاني: إن كان محمد ﷺ نبياً من عند الله وكفرتم به , قاله الشعبي. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَني إِسْرَآئِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه عبد الله بن سلام شهد على اليهود أن رسول الله ﷺ مذكور في التوراة , قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. الثاني: أنه آمين بن يامين، قال لما أسلم عبد الله بن سلام: أنا شاهد مثل شهادته ومؤمن كإيمانه، قاله السدي. الثالث: أن موسى مثل محمد ﷺ يشهد بنبوته، والتوراة مثل القرآن يشهد بصحته، قاله مسروق. ولم يكن في عبد الله بن سلام لأنه أسلم بالمدينة والآية مكية. الرابع: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، قاله الشعبي. الخامس: أنه موسى الذي هو مثل محمد صلى الله عليهما شهد على التوراة. التي هي مثل القرآن، حكاه ابن عيسى.
стр. 3569
﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن الإيمان بمحمد ﷺ ، قاله مسروق. وفي قولان: أحدهما: فآمن عبد الله بن سلام برسول الله ﷺ وبالقرآن واستكبر الباقون عن الإيمان , قاله ابن عباس. الثاني: فآمَن مَن آمن بموسى وبالتوراة واستكبرتم أنتم عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن , قاله مسروق. وحكى النقاش أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن هو وكفرتم. وقال ابن عيسى: الكلام على سياقه ولكن حذف منه جواب إن كان من عند الله وفي المحذوف ثلاثة أوجه: أحدها: تقديره: وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن , أتؤمنون؟ قاله الزجاج. الثاني: تقدير المحذوف: فآمن واستكبرتم أفما تهلكون , قاله مذكور. الثالث: تقدير المحذوف من جوابه: فمن أضل منكم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. قوله : ﴿وَقَالَ الِّذِينَ كَفَرُواْ لِلِّذِينَءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وفي سبب نزول هذه الآية أربعة أقاويل: أحدها: أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام بمكة فأجاب واستجاب به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم , ثم دعاهم الزعيم فأسلموا فبلغ ذلك قريشاً فقالوا: غفار الخلفاء لو كان خيراً ما سبقونا إليه. فنزلت , قاله أبو المتوكل. الثاني: أن زنيرة أسلمت فأصيب بصرها , فقالوا لها: أصابك اللات والعزى , فرد الله عليها بصرها , فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خير ما سبقتنا إليه زنيرة فنزلت , قاله عروة بن الزبير. الثالث: أن الذين كفروا هم عامر وغطفان وأسد وحنظلة قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وغطفان وجهينة ومزينة وأشجع: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه رعاة البهم. فنزلت , قاله الكلبي. الرابع: أن الكفار قالوا: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية , قاله مسروق.
стр. 3570
وهذه المعارضة من الكفار في قولهم لو كان خيراً ما سبقونا إليه من أقبح المعارضات لانقلابها عليهم لكل من من خالفهم حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم عليه خيراً ما عدنا عنه , ولو كان تكذيبكم للرسول خيراً ما سبقتمونا إليه. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ يعني إلى الإيمان. وفيه وجهان: أحدهما: وإذا لم يهتدوا بمحمد ﷺ , قاله مقاتل. الثاني: بالقرآن. ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فسيقولون هذا القرآن كذب قديم , تشبيهاً بدين موسى القديم , تكذيباً بهما جيمعاً. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: ثم استقاموا على أن الله ربهم , قاله أَبو بكر الصديق ﵁. الثاني: ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله , قاله ابن عباس. الثالث: على أداء فرائض الله , رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الرابع: على أن أخلصوا له الدين والعمل , قاله أبو العالية. الخامس: ثم استقاموا عليه فلم يرجعوا عنه إلى موتهم , رواه أنس مرفوعاً. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِم﴾ يعني في الآخرة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يعني عند الموت , قاله سعيد بن جبير.
стр. 3571
﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم
стр. 3572
أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون﴾ قوله : ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْه إحْسَاناً﴾ في قراءة أهل الكوفة وقرأ الباقون حسناً. قال السدي: يعني براً. ﴿حَمَلْتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة. وقرىء كرهاً بالضم والفتح. قال الكسائي والفراء في الفرق بينهما أن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَا ثُونُ شَهْراً﴾ الفصال مدة الرضاع , فقدر مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، وكان في هذا التقدير قولان: أحدهما: أنها مدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع , فلما كان أكثر الرضاع أربعة وعشرين شهراً لقوله تعالى: ﴿حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دل ذلك على أن مدة أقل الحمل ما بقي وهو ستة أشهر , فإن ولدته لتسعة أشهر لم يوجب ذلك نقصان الحولين في الرضاع , قاله الشافعي وجمهور الفقهاء. الثاني: أنها مدة جمعت زمان الحمل ومدة الرضاع , فإن كانت حملته تسعة أشهر؛ أرضعته أحداً وعشرين شهراً , وإن كانت حملته عشرة أشهر أرضعته شهراً لئلا تزيد المدة فيهما عن ثلاثين شهراً، قاله ابن عباس. ﴿حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وفي الأشد تسعة أقاويل: أحدها: أنه البلوغ، قاله ابن مالك والشعبي وزيد بن أسلم. الثاني: خمسة عشر سنة، قاله محمد بن أويس. الثالث: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير. الرابع: عشرون سنة، قاله سنان.
стр. 3573
الخامس: خمسة وعشرون سنة , قاله عكرمة. السادس: ثلاثون سنة , قاله السدي. السابع: ثلاثة وثلاثون سنة , قاله ابن عباس. الثامن: أربعة وثلاثون سنة , قاله سفيان الثوري. التاسع: أربعون سنة , وهو قول عائشة , والحسن. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنها زمان الأشد , وهو قول من ذكرنا. الثاني: لأنها زمان الاستواء , قال زيد بن أسلم: لم يبعث الله نبياً حتى يبلغ الأربعين. وقال ابن زيد: وقوله تعالى لموسى ﴿وَاسْتَوَى﴾ قال بلغ أربعين سنة. وقال الشعبي: يثغر الغلام لسبع ويحتلم لأربع عشرة , وينتهي طوله لإحدى وعشرين سنة , وينتهي عقله لثمان وعشرين , فما زاد بعد ذلك فهو تجربة ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. الثالث: لأنها أول عمر بعد تمام عمر , قال ابن قيس. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ قال سفيان معناه ألهمني. قال ابن قتيبة: والأصل في الإيزاع هو الإغراء بالشيء , ويقال فلان موزع بكذا أي مولع به. ﴿أَن أَشْكُر نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنعمت علي بالبر والطاعة , وأنعمت على والدي بالتحنن والشفقة. الثاني: أنعمت عليَّ بالعافية والصحة , وعلى والديَّ بالغنى والثروة , وفي النعمة على كل واحد منهما نعمة على الآخر لما بينهما من الممازجة والحقوق الملتزمة. وحكى أبو زهير عن الأعمش قال: سمعتهم يقولون إن الولد يأتيه رزقه من أربع خلال: يأتيه رزقه وهو في بطن أمه , ثم يولد فيكون رزقه في ثدي أمه، فإذا تحرك كان رزقه على أبويه، فإذا اجتمع وبلغ أشده جلس يهتم للرزق ويقول من أين يأتيني رزقي، فاختصت الأم بخلتين من خلال رزقه , واشترك أبوه في الثالثة , وتفرد هو
стр. 3574
بالرابعة، فذهب عنه الهم لما كان موكلاً إلى غيره , واهتم لما صار موكلاً إلى نفسه ليتنبه بذلك على التوكل على خالقه ليكون نقى لهمته وأقل لحيرته وأدرّ لرزقه , وليعلم أن لأمه عليه حقاً يعجز عن أدائه لما عانت من موارد رزقه ما عجز الخلق عن معاناته. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: في بر الوالدين. الثاني: في ديني. ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَتِي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعو بإصلاحهم لبره وطاعته لإضافته ذلك إلى نفسه. الثاني: أن يدعو بإصلاحهم لطاعة الله وعبادته وهو الأشبه , لأن طاعتهم لله من بره , ولأنه قد دعا بصلاح ذرية قد تكون من بعده. وفيه لأصحاب الخواطر أربعة أوجه: أحدها: قاله سهل: اجعلهم لي خلف صدق ولك عبيد حق. الثاني: قاله أبو عثمان: اجعلهم أبراراً , أي مطيعين لك. الثالث: قاله ابن عطاء وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. الرابع: قاله محمد الباقر ﵁: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. ﴿إنِّي تُبْتُ إِِلَيكَ﴾ قال ابن عباس: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ , قاله مقاتل والكلبي. الثاني: مرسلة نزلت على العموم , قاله الحسن. قوله : ﴿أُوْلَئكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 3575
أحدها: أنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت سيئاتهم , قاله زيد بن أسلم يحكيه مرفوعاً. الثاني: هو إعطاؤهم بالحسنة عشراً رواه أبو هلال. الثالث: هي الطاعات لأنها الأحسن من أعماله التي يثاب عليها وليس في المباح ثواب ولا عقاب , حكاه ابن عيسى. ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نتجاوز عن سيئاتهم بالرحمة. الثاني: نتجاوز عن صغائرهم بالمغفرة. الثالث: نتجاوز عن كبائرهم بالتوبة. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ وعد الصدق الجنة , الذي كانوا يوعدون في الدنيا على ألسنة الرسل.
следующие страницы →