Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
أحدها: يعني الأنبياء الذين جمعوا له ليلة الإسراء , قاله ابن عباس , وابن زيد , وكانوا سبعين نبياً منهم إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ , فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم , قاله ابن عباس. الثاني: أهل الكتابين التوراة والإنجيل , قاله قتادة , والضحاك , ويكون تقديره سل أمم من أرسلنا من قبلك من رسلنا. الثالث: جبريل , ويكون تقديره. واسأل عما أرسلنا من قبلك من رسلنا , حكاه النقاش. ﴿أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي ﷺ : إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك , فأمره الله بسؤالهم لا لأنه كان في شك منه. واختلف في سؤال النبي ﷺ لهم على قولين: أحدهما: أنه سألهم , فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد , قاله الواقدي. الثاني: أنه لم يسأل ليقينه بالله تعالى , حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: هل سألك محمد ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسألني عن ذلك.
стр. 3502
﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾
стр. 3503
قوله : ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنهم قالوا على وجه الاستهزاء , قاله الحسن. الثاني: أنه يجري على ألسنتهم ما ألفوه من اسمه , قاله الزجاج. الثالث: أنهم أرادوا بالساحر غالب السحرة , وهو معنى قول ابن بحر. الرابع: أن الساحر عندهم هو العالم , فعظموه بذلك ولم تكن صفة ذم , حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي. ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ قال مجاهد: لئن أمنا لتكشف العذاب عنا , قال الضحاك , وذلك أن الطوفان أخذهم ثمانية أيام لا يسكن ليلاً ولا نهاراً. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ أي يغدرون وكان موسى دعا لقومه فأجيب فيهم فلم يفواْ.
стр. 3504
﴿ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين﴾ قوله : ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معنى نادى أي قال , قاله أبو مالك. الثاني: أمر من نادى في قومه , قاله ابن جريج. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الإسكندرية , قاله مجاهد. الثاني: أنه ملك منها أربعين فرسخاً في مثلها , حكاه النقاش.
стр. 3505
﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كانت جنات وأنهاراً تجري من تحت قصره , قاله قتادة. وقيل من تحت سريره. الثاني: أنه أراد النيل يجري من تحتي أي أسفل مني. الثالث: أن معنى قوله: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أي القواد والجبابرة يسيرون تحت لوائي , قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: أنه أراد بالأنهار الأموال , وعبر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها وقوله ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أي أفرقها على من يتبعني لأن الترغيب والقدرة في الأموال في الأنهار. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أفلا تبصرون إلى قوتي وضعف موسى؟. الثاني: قدرتي على نفعكم وعجز موسى. ثم صرح بحاله فقال ﴿أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ﴾ قال السدي: بل أنا خير. ﴿مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي ضعيف , قاله قتادة. الثاني: حقير , قاله سفيان. الثالث: لأنه كان يمتهن نفسه في حوائجه , حكاه ابن عيسى. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي يفهم , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنه عيي اللسان , قاله قتادة. الثاني: أَلثغ قاله , الزجاج. الثالث: ثقيل اللسان لجمرة كان وضعها في فيه وهو صغير , قاله سفيان. قوله : ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. الثاني: ليكون ذلك دليلاً على صدقه , والأساورة جمع أسورة , والأسورة جمع سوار.
стр. 3506
﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: متتابعين، قاله قتادة. الثاني: يقارن بعضهم بعضاً في المعونة , قاله السدي. الثالث: مقترنين أي يمشون معاً , قاله مجاهد. وفي مجيئهم معه قولان: أحدهما: ليكونوا معه أعواناً , قاله مقاتل. الثاني: ليكونوا دليلاً على صدقه , قاله الكلبي. وليس يلزم هذا لأن الإعجاز كاف , وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما يكذب مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم. قوله : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب، قاله ابن زياد. الثاني: حركهم بالرغبة فخفوا معه في الإجابة، وهو معنى قول الفراء. الثالث: استجهلهم فأظهروا طاعة جهلهم، وهو معنى قول الكلبي. الرابع: دعاهم إلى باطله فخفوا في إجابته , قاله ابن عيسى. قوله : ﴿فَلَمَّاءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أغضبونا، رواه الضحاك عن ابن عباس. الثاني: أسخطونا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام. والأسف هو الأسى على فائت. وفيه وجهان: أحدهما: أنه لما جعل هنا في موضع الغضب صح أن يضاف إلى الله لأنه قد يغضب على من عصاه.
стр. 3507
الثاني: أن الأسف راجع إلى الأنبياء لأن الله تعالى لا يفوته شيء , ويكون تقديره: فلما آسفوا رسلنا انتقمنا منهم. قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً﴾ قرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام , وفيه تأويلان: أحدهما: أهواء مختلفة , قاله ابن عباس. الثاني: جمع سلف أي جميع من قد مضى من الناس , قاله ابن عيسى. وقرأ الباقون بفتح السين واللام , أي متقدمين , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها , سلفاً في النار , قاله قتادة. الثاني: سلفاً لكفار أمة محمد ﷺ , قاله مجاهد. الثالث: سلفاً لمثل من عمل مثل عملهم , قاله أبو مجلز. ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عظة لغيرهم , قاله قتادة. الثاني: عبرة لمن بعدهم , قاله مجاهد.
стр. 3508
﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه
стр. 3509
هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم﴾ قوله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ الآية. فيه أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ إِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ) فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً؟ فقد كان يعبد من دون الله , فنزلت. الثاني: ما حكاه مجاهد أن قريشاَ قالت: إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى , فنزلت. الثالث: ما حكاه قتادة أن الله لما ذكر نزول عيسى في القرآن قالت قريش: يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟ فنزلت هذه الآية. الرابع: ما ذكره ابن عيسى أنه لما ذكر الله خلق عيسى من غير ذكر كآدم أكبرته قريش فنزلت هذه الآية. وضربه مثلاً أن خلقه من أنثى بغير ذكر كما خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر ولذلك غلت فيه النصارى حين اتخذته إلهاً. ﴿ ... يَصِدُّونَ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: بكسر الصاد. والثانية: بضمها فاختلف أهل التفسير في اختلافهما على قولين: أحدهما: معناه واحد وإن اختلف لفظهما في الصيغة مثل يشد ويشُد وينِم وينُم , فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أوجه: أحدها: يضجون , قاله ابن عباس , وعكرمة , والضحاك. الثاني: يضحكون , قاله قتادة. الثالث: يجزعون , حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم.
стр. 3510
الرابع: يعرضون , قاله إبراهيم. والقول الثاني: معناهما مختلف , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بالضم يعدلون , وبالكسر يتفرقون , قاله الحسن. الثاني: أنه بالضم يعتزلون , وبالكسر يضجون , قاله الأخفش. الثالث: أنه بالضم من الصدود , وبالكسر من الضجيج , قاله قطرب. ﴿وَقَالُواْءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وهذا قول قريش , قالواْ: أآلهتنا وهي أصنامهم التي يبعدونها خير ﴿أَمْ هُوَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أم محمد ﷺ , قاله قتادة. الثاني: أم عيسى , قاله السدي. ﴿مَا ضَرَبُوه لَكَ إِلَاّ جَدَلاً﴾ قال السدي: هو قول قريش لرسول الله ﷺ تزعم كل شيء عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة هؤلاء قد عبدوا من دون الله. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الخصم الحاذق بالخصومة. الثاني: أنه المجادل بغير حجة. قوله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّعَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال قتادة: يعني عيسى. ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالنبوة. الثاني: بخلقه من غير أب كآدم. وفيه وجه. الثالث: بسياسة نفسه وقمع شهوته. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني أنه لبني إسرائيل , قاله قتادة. الثاني: لتمثيله بآدم , قاله ابن عيسى. قوله : ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكم مَّلَائِكَةً﴾ فيه وجهان:
стр. 3511
أحدهما: يعني لقلبنا بعضكم ملائكة من غير أب كما خلقنا عيسى من غير أب ليكونوا خلفاء من ذهب منكم. الثاني: جعلنا بدلاً منكم ملائكة. ﴿فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: ملائكة يخلف بعضها بعضاً , قاله قتادة. الثاني: ملائكة يكونون خلفاً منكم , قاله السدي. الثالث: ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم , قاله مجاهد. الرابع: ملائكة يكونون رسلاً إليكم بدلاً من الرسل منكم. قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن القرآن علم الساعة لما فيه من البعث والجزاء , قاله الحسن وسعيد بن جبير. الثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى , قاله ابن إسحاق. الثالث: أن خروج عيسى علم الساعة لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة , قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي. وروى خالد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (الأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ لَعِلَاّتُ أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ , أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعيسَى ابنِ مَرْيَمَ , إِنَّهُ لَيسَ بَينِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ , وَإِنَّهُ أَوَّلُ نَازِلٍ , فَيَكْسَرُ الصَّلِيبَ , وَيَقْتُلُ الخنزيرَ , وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلَامِ). وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا: إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون
стр. 3512
رسولاً إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم , وهذا قول مردود لثلاثة أمور: للحديث الذي قدمناه , ولأن بقاء الدنيا يقتضي بقاء التكليف فيها , ولأنه ينزل آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى مقصوراً على تأييد الإسلام والأمر به والدعاء إليه. وحكى مقاتل أن عيسى ينزل من السماء على ثنية جبل بأرض الشام يقال له أفيف. ﴿فَلَا تَمْتَرُونَّ بِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تشكون فيها يعني الساعة. قاله يحيى بن سلام. الثاني: فلا تكذبون بها , قاله السُدي. ﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: القرآن صراط مستقيم إلى الجنة , قاله الحسن. الثاني: عيسى , قاله ابن عباس. الثالث: الإسلام , قاله يحيى. قوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبِيِّنَاتِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنه الإنجيل , قاله قتادة. الثاني: أنه الآيات التي جاء بها من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، والإخبار بكثير من الغيوب، قاله ابن عباس. ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: بالنبوة، قاله السدي. الثاني: بعلم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح , قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أن الحكمة الإنجيل الذي أنزل عليه. ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: تبديل التوراة، قاله مجاهد. الثاني: ما تختلفون فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم , حكاه ابن عيسى. وفي قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي كل الذي تختلفون فيه، فكان
стр. 3513
البعض هنا بمعنى الكل ما اقتصرعلى بيان بعض دون الكل , قاله الأخفش , وأنشد لبيد:
(ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها)
والموت لا يعتلق النفوس دون بعض. الثاني: أنه بين لهم بعضه دون جميعه , ويكون معناه أبين لكم بعض ذلك أيضاً وأكلكم في بعضه إلى الاجتهاد , وأضمر ذلك لدلالة الحال عليه. قوله : ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحَْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال قتادة يعني ﴿مِن بَيْنِهِم﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى خالف بعضهم بعضاً , قاله مجاهد والسدي. الثاني: فرق النصارى من النسطورية واليعاقبة والملكية اختلفوا في عيسى فقالت النسطورية: هو ابن الله. وقالت اليعاقبة هو الله. وقالت الملكية ثالث ثلاثة أحدهم الله , قاله الكلبي ومقاتل.
стр. 3514
﴿هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون﴾
стр. 3515
قوله : ﴿الأَخِلَاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم أعداء في الدنيا، لأن كل واحد منهم زين للآخر ما يوبقه، وهو معنى قول مجاهد. الثاني: أنهم أعداء في الآخرة مع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا لما رأوا سوء العاقبة فيها بالمقارنة، وهو معنى قول قتادة. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في أمية بن خلف الجمحي , وعقبة بن أبي معيط كانا خليلين. وكان عقبة يجالس النبي ﷺ فقالت قريش قد صبأ عقبة بن أبي معيط وقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً ولم تتفل في وجهه ففعل عقبة ذلك فنذر النبي ﷺ قتله , فقتله يوم بدر صبراً , وقتل أمية في المعركة , وفيهما نزلت هذه الآية. قوله : ﴿أَنتُمْ وأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: هم وأزواجهم المؤمنات في الدنيا. الثاني: ومن يزوجون من الحور في الآخرة. الثالث: هم وقرناؤهم في الدنيا. وفي ﴿تُحْبَرُونَ﴾ ستة تأويلات: أحدها: تكرمون , قاله ابن عباس , والكرامة في المنزلة. الثاني: تفرحون , قاله الحسن , والفرح في القلب. الثالث: تتنعمون , قاله قتادة , والنعيم في البدن. الرابع: تسرّون , قاله مجاهد , والسرور في العين. الخامس: تعجبون , قاله ابن أبي نجيح , والعجب ها هنا درك ما يستطرف. السادس: أنه التلذذ بالسماع , قاله يحيى بن أبي كثير. قوله : ﴿. . وَأَكْوَابٍ﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنه الآنية المدورة الأفواه , قاله مجاهد. الثاني: أنها ليست لها آذن، قاله السدي.
стр. 3516
الثالث: أن الكوب: المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق: الطويل العنق الطويل العروة، قاله قتادة. الرابع: أنها الأباريق التي لا خراطيم لها، قاله الأخفش. الخامس: أنها الأباريق التي ليس لها عروة، قاله قطرب. قوله : ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُ الأَعْيُنُ﴾ قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص ﴿تَشْتَهِيهِ﴾. ويحتمل وجهين: أحدهما: ما تشتهي الأنفس ما تتمناه , وما تلذ الأعين هو ما رآه فاشتهاه. الثاني: ما تشتهيه الأنفس هو ما كان طيب المخبر , وما تلذ الأعين ما كان حسن المنظر.
стр. 3517
﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ قوله : ﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ﴾ هذا نداء أهل النار لخزانها حين ذاقوا عذابها. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي يميتنا، طلبوا الموت ليستريحوا به من عذاب النار. ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ أي لابثون في عذابها أحياء , وفي مدة ما بين ندائهم وجوابه أربعة أقاويل. أحدها: أربعون سنة، قاله عبد الله بن عمرو. الثاني: ثمانون سنة، قاله السدي. الثالث: مائة سنة، قاله نوف.
стр. 3518
الرابع: ألف سنة , قاله ابن عباس , لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل. قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث , قاله قتادة. الثاني: أن أحكموا كيداً فإنا محكمون لها كيداً , قاله ابن زيد. الثالث: قضوا أمراً فإنا قاضون عليهم بالعذاب , قاله الكلبي. وقيل إن هذه الآية نزلت في كفار قريش حين اجتمع وجوههم في دار الندوة يتشاورون في أمر النبي ﷺ حتى استقر رأيهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه , فنزلت هذه الآية , وقتل الله جميعهم عليهم اللعنة يوم بدر.
стр. 3519
﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون﴾ قوله : ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله ليس له ولد، قاله ابن زيد. ومجاهد. الثاني: معناه فأنا أول العابدين , ولكن لم يكن ولا ينبغي أن يكون، قاله قتادة.
стр. 3520
الثالث: قل لم يكن للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين بأن ليس له ولد. قاله ابن عباس. الرابع: قل ما كان للرحمن ولد , وهذا كلام تام ثم استأنف فقال: فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة , قاله السدي. الخامس: قل إن قلتم إن للرحمن ولداً فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد , قاله سفيان. السادس: إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين أن يكون له ولد , قاله الكسائي وابن قتيبة , ومنه قول الفرزدق:
(أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... وأعْبُدُ أن أهجو تميماً بدارم)
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ وهذا إبطال أن يكون غير الله إلَهاً وأن الإلَه هو الذي يكون في السماء إلهاً وفي الأرض إلهاً وليست هذه صفة لغير الله , فوجب أن يكون هو الإله. وفي معنى الكلام وجهان: أحدهما: أنه الموحد في السماء والأرض , قاله مقاتل. الثاني: أنه المعبود في السماء والأرض , قاله الكلبي. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يذكر ذلك صفة لتعظيمه. الثاني: أنه يذكره تعليلاً لإلاهيته لأنه حكيم عليم وليس في الأصنام حكيم عليم. قوله : ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دَونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ فيها قولان: أحدهما: الشركة ومنه أخذت الشفعة في البيع لاستحقاق الشريك لها. ويكون معنى الكلام أن الذين يدعون من دون الله لا يملكون مع الله شركة يستحقون أن يكونوا بها آلهة إلا أن يشهدوا عند الله بالحق على من عليه حق أو له حق , وهذا معنى قول ابن بحر.
стр. 3521
الثاني: أن الشفاعة استعطاف المشفوع إليه فيما يرجى , واستصفاحه فيما يخشى وهو قول الجمهور. وقيل إن سبب نزولها ما حكي أن النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة , وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا يَمْلِكُ الِّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ معناه الذين يعبدونهم من دون الله وهم الملائكة الشفاعة لهم. وقال قتادة: هم الملائكة وعيسى وعزير لأنهم عبدوا من دون الله. ﴿إِلَاّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة , قاله الحسن. الثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم. قوله : ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَاّ يَؤْمِنُونَ﴾ وهي تقرأ على ثلاثة أوجه بالنصب والجر والرفع. فأما الجر فهي على قراءة عاصم وحمزة , وهي في المعنى راجعة إلى قوله تعالى ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وعلم قيلِه. وأما الرفع فهو قراءة الأعرج , ومعناها ابتداء , وقيله , قيل محمد , يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. والقيل هو القول. وأما النصب فهي قراءة الباقين من أئمة القراء , وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: بمعنى إلا من شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على وجه الإنكار عليهم، قاله ابن عيسى. الثاني: أنها بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيلَه يا رب، قاله يحيى بن سلام.
стр. 3522
الثالث: بمعنى وشكا محمد إلى ربه قيله , ثم ابتداء فأخبر ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لَاّ يُؤْمِنُونَ﴾ , قاله الزجاج. قوله : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ قال قتادة: أمره بالصفح عنهم , ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بالسيف. ويحتمل الصفح عن سفههم أن يقابلهم عليه ندباً له إلى الحلم. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أي قل ما تسلم به من شرهم , قاله ابن عيسى. الثاني: قل خيراً بدلاً من شرهم؛ قاله السدي. الثالث: أي احلم عنهم؛ قاله الحسن. الرابع: أنه أمره بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم؛ حكاه النقاش. الخامس: أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم؛ رواه شعيب بن الحباب. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: فسوف يعلمون حلول العذاب بهم. الثاني: فسوف يعلمون صدقك في إنذارهم , والله أعلم.
стр. 3523
سورة الدخان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3524
﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ قوله : ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني والقرآن المبين، فأقسم به، وفي قسمه ب ﴿حم﴾ وجهان من اختلافهم في تأويله. ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. ﴿فِي لَيلَةِ مُّبَارَكَةٍ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها ليلة النصف من شعبان؛ قاله عكرمة. الثاني: أنها ليلة القدر.
стр. 3525
روى قتادة عن وائلة أن النبي ﷺ قال: (نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ في أَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَت التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضَانَ وَأُنزِلَ الزَّبُورُ لاثْنَتَي عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضَانَ. وَأُنزِلَ القْرآنُ لأَرْبعٍ وَعشرِينَ مِن رَمَضَانَ) وفي تسميتها مباركة وجهان: أحدهما: لما ينزل فيها من الرحمة. الثاني: لما يجاب فيها من الدعاء. ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ بالقرآن من النار. ويحتمل: ثالثاً: منذرين بالرسل من الضلال. ﴿فِيهَا﴾ في هذه الليلة المباركة. ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وفي يفرق أربعة أوجه: أحدها: يقضى , قاله الضحاك. الثاني: يكتب , قاله ابن عباس. الثالث: ينزل , قاله ابن زيد. الرابع: يخرج , قاله ابن سنان. وفي تأويل ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أربعة أوجه: أحدها: الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء من السنة إلى السنة , قاله ابن عباس. الثاني: كل ما يقضى من السنة إلى السنة , إلا الشقاوة والسعادة فإنه في أم الكتاب لا يغير ولا يبدل , قاله ابن عمر. الثالث: كل ما يقضى من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت , قاله مجاهد. الرابع: بركات عمله من انطلاق الألسن بمدحه , وامتلاء القلوب من هيبته , قاله بعض أصحاب الخواطر. الحكيم هنا هو المحكم. وليلة القدر باقية ما بقي الدهر , وهي في شهر رمضان
стр. 3526
في العشر الأواخر منه. ولا وجه لقول من قال إنها رفعت بموت النبي ﷺ , ولا لقول من جوزها في جميع السنة لأن الخبر والأثر والعيان يدفعه. واختلف في محلها من العشر الأواخر من رمضان على أقاويل ذكرها في سورة القدر أولى. قوله : ﴿أَمْراً مِنْ عِندِنَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده , حكاه النقاش. الثاني: أنه ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده، قاله ابن عيسى. ويحتمل: ثالثاً: أنه إرسال محمد ﷺ نبياً. ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مرسلين الرسل للإنذار. الثاني: منزلين ما قضيناه على العباد. الثالث: مرسلين رحمة من ربك. وفي ﴿رَحْمَةً مِّن رِّبِّكَ﴾ هنا وجهان: أحدهما: أنها نعمة الله ببعثة رسوله ﷺ . الثاني: أنها رأفته بهداية من آمن به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بفعلهم.
стр. 3527
﴿بل هم في شك يلعبون فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ قوله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ في ارتقب وجهان: أحدهما: معناه فانتظر يا محمد بهؤلاء يوم تأتي السماء بدخان مبين، قاله قتادة.
стр. 3528
الثاني: معناه فاحفظ يا محمد قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين , ولذلك سمي الحافظ رقيباً، قال الأعشى:
(عليّ رقيب له حافظٌ ... فقل في امرىءٍ غِلقٍ مرتهن)
وفي قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان لما دعا عليهم رسول الله ﷺ في إبطائهم عن الإيمان وقصدهم له بالأذى , فقال: (اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِسَبْعٍ كَسَبْع يُوسُفَ) قاله ابن مسعود. قال أبو عبيدة والدخان الجدب. وقال ابن قتيبة: سمي دخاناً ليبس الأرض منه حتى يرتفع منها الدخان. الثاني: أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغيوم , قاله عبد الرحمن بن الأعرج. الثالث: أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة , وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه , رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. قوله : ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الدخان، قاله قتادة. الثاني: الجوع: قاله النقاش. الثالث: أنه الثلج وهذا لا وجه له لأن هذا إما أن يكون في الآخرة أو في أهل مكة، ولم تكن مكة من بلاد الثلج غير أنه مقول فحكيناه. قوله : ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أي عائدون إلى نار جهنم. الثاني: إلى الشرك , قاله ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي ﷺ لهم عادوا إلى تكذيبه.
стр. 3529
قوله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ والبطشة الكبرى هي العقوبة الكبرى , وفيها قولان: أحدهما: القتل بالسيف يوم بدر , قاله ابن مسعود وأُبي بن كعب ومجاهد والضحاك. الثاني: عذاب جهنم يوم القيامة , قاله ابن عباس والحسن. ويحتمل: ثالثاً: أنها قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ أي من أعدائنا. وفي الفرق بين النقمة والعقوبة ثلاثة أوجه: أحدها: أن العقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة , والنقمة قد تكون قبلها , قاله ابن عيسى. الثاني: أن العقوبة قد تكون في المعاصي , والنقمة قد تكون في خلقه لأجله. الثالث: أن العقوبة ما تقدرت , والانتقام غير مقدر.
стр. 3530
﴿ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين﴾
стр. 3531
قوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أي ابتليناهم. ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولُ كَرِيمٌ﴾ وهو موسى بن عمران ﵇. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كريم على ربه , قاله الفراء. الثاني: كريم في قومه. الثالث: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. قوله : ﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي أرسلوا معي بني إسرائيل ولا تستعبدوهم , قاله مجاهد. الثاني: أجيبوا عباد الله خيراً , قاله أبو صالح. الثالث: أدوا إليَّ يا عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله , وهذا محتمل. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمين على أن أؤديه لكم فلا أتزيد فيه. الثاني: أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. قوله : ﴿وَأَن لَاّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تبغوا على الله , قاله قتادة. الثاني: لا تفتروا على الله , قاله ابن عباس , والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل , والافتراء بالقول. الثالث: لا تعظموا على الله , قاله ابن جريج. الرابع: لا تستكبروا على عباد الله , قاله يحيى. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر , والاستكبار ترفع المحتقر. ﴿إِنِّي ءاتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بعذر مبين، قاله قتادة. الثالث: بحجة بينة، قاله يحيى. قوله : ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لجأت إلى ربي وربكم. الثاني: استغثت. والفرق بينهما أن الملتجىء مستدفع والمستغيث مستنصر.
стр. 3532
قوله: ﴿بَرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أي ربي الذي هو ربكم. ﴿أَن تَرْجُمُونِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالحجارة، قاله قتادة. الثاني: أن تقتلوني، قاله السدي. الثالث: أن تشتموني بأن تقولوا ساحر أو كاهن أو شاعر , قاله أبو صالح. ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي إن لم تؤمنوا بي وتصدقوا قولي فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. قوله : ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: سمتاً , قاله ابن عباس. الثاني: يابساً , قاله ابن أبي نجيح. الثالث: سهلاً , قاله الربيع. الرابع: طريقاً , قاله كعب والحسن. الخامس: منفرجاً , قاله مجاهد. السادس: غرقاً , قاله عكرمة. السابع: ساكناً , قاله الكلبي والأخفش وقطرب. قال القطامي:
(يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةٌ ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل)
قال قتادة: لما نجا بنو إسرائيل من البحر وأراد آل فرعون أن يدخلوه خشي نبي الله موسى ﵇ أن يدركوه فأراد أن يضرب البحر حتى يعود كما كان فقال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ أي طريقاً يابساً حتى يدخلوه. ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ قال مقاتل: هو النيل , وكان عرضه يومئذٍ فرسخين , قال الضحاك: كان غرقهم بالقلزم وهو بلد بين مصر والحجاز. فإن قيل فليست هذه الأحوال في البحر من فعل موسى ولا إليه. قيل يشبه أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إنْ ضرب البحر بعصاه ثانية تغيرت أحواله، فأمره أن يكف عن ضربه حتى ينفذ الله قضاءه في فرعون وقومه.
стр. 3533
وتأويل سهل بن عبد الله ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ﴾ أي اجعل القلب ساكناً في تدبيري ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ﴾ أي إن المخالفين قد غرقوا في التدبير. قوله : ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الجنات البساتين. وفي العيون قولان: أحدهما: عيون الماء , وهو قول الجمهور. الثاني: عيون الذهب , قاله ابن جبير. ﴿وَزُرُوعٍ﴾ قيل إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها , وكانت مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً لما دبروه وقدروه من قناطر وجسور. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها المنابر , قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. الثاني: المساكن , قاله أبو عمرو والسدي , لمقام أهلها فيها. الثالث: مجالس الملوك لقيام الناس فيها. ويحتمل رابعاً: أنه مرابط الخيل لأنها أكرم مذخور لعدة وزينة. وفي الكريم ثلاثة أوجه: أحدها: هو الحسن , قاله سعيد بن جبير. الثاني: هو المعطي لديه كما يعطي الرجل الكريم صلته , قاله ابن عيسى. الثالث: أنه كريم لكرم من فيه , قاله ابن بحر. قوله : ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ في النعمة هنا أربعة أوجه: أحدها: نيل مصر , قاله ابن عمر. الثاني: الفيّوم , قاله ابن لهيعة. الثالث: أرض مصر لكثرة خيرها , قاله ابن زياد. الرابع: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال نعمة ونِعمة بفتح النون وكسرها , وفي الفرق بينهما وجهان:
стр. 3534
أحدهما: أنها بكسر النون في الملك , وبفتحها في البدن والدين؛ قاله النضر بن شميل. الثاني: أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية , وبالفتح من التنعم وهو سعة العيش والراحة , قاله ابن زياد. وفي ﴿فاكهين﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: فرحين , قاله السدي. الثاني: ناعمين , قاله قتادة. الثالث: أن الفاكه هو المتمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة , قاله ابن عيسى. وقرأ يزيد بن القعقاع ﴿فَكِهِينَ﴾ ومعناه معجبين. قوله ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماًءَاخَرِينَ﴾ يعني بني إسرائيل ملكهم الله أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين , فصروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِم السَّمَآءُ وَالأَرْضُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أهل السماء وأهل الأرض , قاله الحسن. الثاني: أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً؛ قاله مجاهد. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله , فقال أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ الثالث: أنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء , قاله علي كرم الله وجهه. وتقديره فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جبير. الرابع: ما رواه يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك. قال: قال رسول
стр. 3535
الله ﷺ : (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وله في السماء بابان , باب ينزل منه رزقه , وباب يدخل منه كلامه وعمله , فإذا مات فقداه فبكيا عليه) ثم تلا هذه الآية. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد. الثاني: أنه حمرة أطرافها , قاله علي بن أبي طالب ﵁ وعطاء. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ﵄ احمر له آفاق السماء أربعة أشهر , واحمرارها بكاؤها. الثالث: أنها أمارة تظهر منها تدل على حزن وأسف. كقول الشاعر:
(والشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا)
﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مؤخرين بالغرق , قاله الكلبي. الثاني: لم ينظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا , قاله مقاتل.
стр. 3536
قوله : ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ معناه على علم منا بهم. وفي اختياره لهم ثلاثة أوجه: أحدها: باصطفائهم لرسالته , والدعاء إلى طاعته. الثاني: باختيارهم لدينه وتصديق رسله. الثالث: بإنجائهم من فرعون وقومه. وفي قوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قولان: أحدهما: على عالمي زمانهم , لأن لكل زمان عالماً , قاله قتادة. الثاني: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم , حكاه ابن عيسى. قوله : ﴿وءَاتَيْنَاهُمْ مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى , قاله قتادة. ويكون هذا الخطاب متوجهاً إلى بني إسرائيل. الثاني: أنها العصا ويده البيضاء , ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون. الثالث: أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به , قاله عبد الرحمن بن زيد.
стр. 3537
ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله ﴿مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة ظاهرة , قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى ﴿وَليُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً﴾ وقال زهير:
٨٩ (فأبلاه خير البلاء الذي يبلو.﴾ ٩
الثاني: عذاب شديد , قاله الفراء. الثالث: اختيار بيِّن يتميز به المؤمن من الكافر , قاله عبد الرحمن بن زيد.
стр. 3538
﴿إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين﴾ قوله : ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ لَيَقُولُونَ﴾ يعني كفار قريش. ﴿إن هِيَ إِلَاّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ أي بمبعوثين قيل: إن قائل هذا أبو جهل قال: يا محمد إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً , لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات , لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف. فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل لو قال: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء , فلم لا يرجع من مضى من الآباء. قوله : ﴿أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أهم أظهر نعمة وأكثر أموالاً. الثاني: أهم أعز وأشد أم قوم تبع. وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حِمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها. وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك براً وبحراً وضحاً وريحاً. وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم. وحكى ابن قتيبة في المعارف شعراً ذكر أنه لتبع وهو:
стр. 3539
(منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ ... وطلوعها من حيث لا تُمْسِي)
(وشروقها بيضاء صافية ... وغروبُها حمراءَ كالورْسِ)
(وتشتت الأهواءِ أزعجني ... سيراً لأبلغ مطلع الشمسِ)
(ولرب مطعمةٍ يعود لها ... رأي الحليم إلى شفا لبسِ)
وفي تسميته تبعاً قولان: أحدهما: لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله. الثاني: لأنه اسم لملوك اليمن. وذم الله قومه ولم يذمه , وضرب بهم مثلاً لقريش لقربهم من دارهم , وعظمهم في نفوسهم , فلما أهلكهم الله ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك.
стр. 3540
﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم﴾ قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غافلين، قاله مقاتل. الثاني: لاهين، قاله الكلبي. ﴿وَمَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلَاّ بِالْحِقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: للحق، قاله الكلبي. الثاني: بقول الحق، قاله مقاتل. قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصَلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني يوم القيامة، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان: أحدهما: [إن الله] يفصل فيه أمور عباده. الثاني: لأنه يفصل فيه بين المرء وعمله.
следующие страницы →