← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

﴿ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ قوله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَءَامَنُواْ لَوْلَا نُزَّلِتْ سُورَةٌ﴾ كان المؤمنون إذا تأخر نزول القرآن اشتاقوا إليه وتمنوه ليعلموا أوامر الله وتعبده لهم. ﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ وفي قراءة ابن مسعود: فإذا أنزلت سورة محدثة ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾. في السورة المحكمة قولان: أحدهما: أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام، قاله ابن زياد النقاش.

стр. 3607

الثاني: أنها التي يذكر فيها القتال: وهي أشد القرآن على المنافقين , قاله قتادة. ويحتمل: ثالثاً: أنها التي تضمنت نصوصاً لم يتعقبها ناسخ ولم يختلف فيها تأويل: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ هم المنافقون , لأن قلوبهم كالمريضة بالشك. فإذا أنزلت السورة المحكمة سر بها المؤمنون وسارعوا إلى العمل بما فيها , واغتم المنافقون ونظروا إلى رسول الله ﷺ . ﴿نَظَرَ الْمَغْشِّيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ﴾ غماً بها وفزعاً منها. ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه وعيد , كأنه قال: العقاب أولى لهم , قاله قتادة. الثاني: أولى لهم , ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ من أن يجزعوا من فرض الجهاد عليهم , قاله الحسن. وفيه وجه ثالث: أن قوله ﴿طَاعَةٌ وَقُوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ حكاية من الله عنهم قبل فرض الجهاد عليهم , ذكره ابن عيسى. والطاعة هي الطاعة لله ورسوله في الأوامر والنواهي. وفي القول المعروف وجهان: أحدهما: هو الصدق والقبول. الثاني: الإجابة بالسمع والطاعة. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أي جد الأمر في القتال. ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّه﴾ بأعمالهم ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ من نفاقهم. قوله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: فهل عسيتم إن توليتم أمور الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم، قاله الكلبي.

стр. 3608

الثاني: فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، قاله أبو العالية. الثالث: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام. ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ , قاله قتادة. الرابع: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام , قاله ابن جريج. وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى بها المنافقين وهو الظاهر. الثاني: قريشاً , قاله أبو حيان. الثالث: أنها نزلت في الخوارج , قاله بكر بن عبد الله المزني.

стр. 3609

﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود كفروا بمحمد ﷺ من بعدما علموا في التوراة أنه نبي , قاله قتادة وابن جريج. الثاني: المنافقون قعدوا عن القتال من بعدما علموه في القرآن , قاله السدي. ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ فيه وجهان:

стр. 3610

أحدهما: أعطاهم سؤالهم , قاله ابن بحر. الثاني: زين لهم خطاياهم , قاله الحسن. ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أمهلهم , قاله الكلبي ومقاتل فعلى هذا يكون الله تعالى هو الذي أملى لهم بالإمهال في عذابهم. والوجه الثاني: أن معنى أملى لهم أي مد لهم في الأمل فعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى هو الذي أملى لهم في الأمل , قاله الفراء والمفضل. الثاني: أن الشيطان هو الذي أملى لهم في مد الأمل بالتسويف , قاله الحسن. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ﴾ وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنهم اليهود قالوا للمنافقين سنطيعكم في بعض الأمر. وفيما أرادوا بذلك وجهان: أحدهما: سنطيعكم في ألا نصدق بشيء , من مقالته , قاله الضحاك. الثاني: سنطيعكم في كتم ما علمنا من نبوته , قاله ابن جريج. القول الثاني: أنهم المنافقون قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر , وفيما أرادوه بذلك ثلاثة أوجه: أحدهما: سنطيعكم في غير القتال من بغض محمد ﷺ والقعود عن نصرته , قال السدي. الثاني: سنطيعكم في الميل إليكم والمظاهر على رسول الله ﷺ . الثالث: سنطيعكم في الارتداد بعد الإيمان. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما اسر بعضهم إلى بعض من هذا القول. الثاني: ما أسروه في أنفسهم من هذا الإعتقاد. قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالقتال نصرة لرسول الله ﷺ . الثاني: بقبض الأرواح عند الموت.

стр. 3611

﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارُهُمْ﴾ يكون على احتمال وجهين: أحدهما: يضربون وجوههم في القتال عند الطلب وأدبارهم عند الهرب. الثاني: يضربون وجوههم عند الموت بصحائف كفرهم , وأدبارهم في القيامة عند سوقهم إلى النار.

стр. 3612

﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: شك , قاله مقاتل. الثاني: نفاق , قاله الكلبي. ﴿أَن لن يُخْرِجَ أَضْغَانَهُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: غشهم، قاله السدي. الثاني: حسدهم، قاله ابن عباس. الثالث: حقدهم، قاله ابن عيسى. الرابع: عدوانهم، قاله قطرب وأنشد: (قل لابن هند ما أردت بمنطق ... ساء الصديق وسر ذا الأضغان) قوله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في كذب القول، قاله الكلبي. الثاني: في فحوى كلامهم، واللحن هو الذهاب بالكلام في غير جهته، مأخوذ من اللحن في الإعراب وهو الذهاب عن الصواب ومنه قول النبي ﷺ : (إِنَّكُم

стр. 3613

لَتَحْتَكِمُونَ إِلي، أَحَدَكُمْ أَن يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ) أي أذهب بها في الجهات لقوته على تصريف الكلام. قال مرار الأسدي: (ولحنت لحناً فيه غش ورابني ... صدودك ترصين الوشاة الأعاديا) قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالُكُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: المجاهدين في سبيل الله. الثاني: الزاهدين في الدنيا. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: على الجهاد. الثاني: عن الدنيا. ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نختبر أسراركم. الثاني: ما تستقبلونه من أفعالكم.

стр. 3614

﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أطيعوا الله بتوحيده , وأطيعوا الرسول بتصديقه.

стр. 3615

الثاني: أطيعوا الله في حرمة الرسول، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله. ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن. الثاني: لا تبطلوها بالكبائر، قاله الزهري. الثالث: لا تبطلوها بالرياء والسمعة , وأخلصوها لله , قاله ابن جريج والكلبي. قوله : ﴿وَلَن يَتِرَكُم أَعمَالَكْم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لن ينقصكم أعمالكم , قاله مجاهد وقطرب. وأنشد قول الشاعر: (إن تترني من الإجارة شيئاً ... لا يفتني على الصراط بحقي) الثاني: لن يظلمكم , قاله قتادة , يعني أجور أعمالكم. الثالث: ولا يستلبكم أعمالكم , ومنه قول النبي ﷺ : (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله).

стр. 3616

﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ قوله : ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يسألكم أموالكم لنفسه. الثاني: لا يسألكم جميع أموالكم في الزكاة ولكن بعضها.

стр. 3617

الثالث: لا يسألكم أموالكم وإنما يسألكم أمواله , لأنه أملك بها وهو المنعم بإعطائها. ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإخفاء أخذ الجميع، قاله ابن زيد وقطرب. الثاني: أنه الإلحاح وإكثار السؤال، مأخوذ من الحفاء وهو المشي بغير حذاء، قاله ابن عيسى. الثالث: أن معنى فيحفكم أي فيجدكم تبخلوا، قاله ابن عيينة. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يظهر بامتناعكم ما أضمرتموه من عدوانكم. الثاني: تظهرون عند مسألتكم ما أضمرتموه من عداوتكم. قوله : ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَستَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: وإن تتولوا عن كتابي، قاله قتادة. الثاني: عن طاعتي , حكاه ابن أبي حاتم. الثالث: عن الصدقة التي أُمرتم بها، قاله الكلبي. الرابع: عن هذا الأمر فلا تقبلونه، قاله ابن زيد. ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أهل اليمن وهم الأنصار , قاله شريح بن عبيد. الثاني: أنهم الفرس. روى أبو هريرة قال: لما نزل ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُم ثُمَّ لَا يَكُونُوآ

стр. 3618

أمْثَالَكُم﴾ كان سلمان إلى جنب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا يستبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان وقال: (هذا وَقَومُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيَّا لَنالَهُ رَِجَالٌ مِن أَبْنَاءِ فَارِس). الثالث: أنهم من شاء من سائر الناس، قاله مجاهد. ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني في البخل بالإنفاق في سبيل الله، قاله الطبري. الثاني: في المعصية وترك الطاعة. وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله ﷺ وقال: (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنْيَا).

стр. 3619

سورة الفتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3620

﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ قوله : ﴿إِنَّا فَتحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ فيه قولان: أحدهما: إنا أعلمناك علماً مبيناً فيما أنزلناه عليك من القرآن وأمرناك به من الدين. وقد يعبر عن العلم ب الفتح كقوله ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] أي علم الغيب , قاله ابن بحر. وكقوله ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١ ٩] أي إن أردتم العلم فقد جاءكم العلم. الثاني: إنا قضينا لك قضاء بيناً فيما فتحناه عليك من البلاد. وفي المراد بهذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، وعده الله عام الحديبية عند انكفائه منها. الثاني: هو ما كان من أمره بالحديبية. قال الشعبي: نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: ١] في وقت الحديبية أصاب فيها ما لم يصب في غيرها. بويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على فارس تصديقاً لخبره، وبلغ

стр. 3621

الهدي محله، فعلى هذا في الذي أراده بالفتح يوم الحديبية، قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية. الثاني: أنه بيعة الرضوان. قال البراء بن عازب: أنتم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. الثالث: أنه نحره وحلقه يوم الحديبية حتى بلغ الهدي محله بالنحر. والحديبية بئر , وفيها تمضمض رسول الله ﷺ , وقد غارت فجاشت بالرواء. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليغفر لك الله استكمالاً لنعمه عندك. الثاني: يصبرك على أذى قومك. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم قبل الفتح وما تأخر بعد الفتح. الثاني: ما تقدم قبل النبوة وما تأخر بعد النبوة. الثالث: ما وقع وما لم يقع على طريق الوعد بأنه مغفور إذا كان. ويحتمل رابعاً: ما تقدم قبل نزول هذه الآية وما تأخر بعدها. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: بفتح مكة والطائف وخيبر. الثاني: بخضوع من استكبر. وطاعة من تجبر. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه الأسر والغنيمة كما كان يوم بدر. الثاني: أنه الظفر والإسلام وفتح مكة. وسبب نزول هذه الآية، ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أنه لما نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال أهل مكة: يا محمد كيف ندخل في دينك وأنت لا تدري ما يفعل بك ولا بمن اتبعك فهلا أخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك كما

стр. 3622

أخبر عيسى ابن مريم؟ فاشتد ذلك على النبي ﷺ وعلى أصحابه حتى قدم المدينة , فقال عبد الله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين - للأنصار: كيف تدخلون في دين رجل لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه؟ هذا والله الضلال المبين. فقال أبو بكر وعمر ﵄، يا رسول الله ألا تسأل ربك يخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك؟ فقال: إن له أجلاً فأبشرا بما يقر الله به أعينكما. إلى أن نزلت عليه هذه الآي وهو في دار أبي الدحداح على طعام مع أبي بكر وعمر فخرج وقرأها على أصحابه , قال قائل منهم: هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لنا ما يفعل بك , فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الآية.

стр. 3623

﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما﴾ قوله : ﴿هُوَا الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الصبر على أمر الله. الثاني: أنها الثقة بوعد الله. الثالث: أنها الرحمة لعباد الله. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: ليزدادوا عملاً مع تصديقهم. الثاني: ليزدادوا صبراً مع اجتهادهم.

стр. 3624

الثالث: ليزدادوا ثقة بالنصر مع إيمانهم بالجزاء. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: ولله ملك السموات والأرض ترغيباً للمؤمنين في خير الدنيا وثواب الآخرة. الثاني: معناه: ولله جنود السموات والأرض إشعاراً للمؤمنين أن لهم في جهادهم أعواناً على طاعة ربهم. قوله : ﴿الظَّآنِّينَ باللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: هو ظنهم أن لله شريكاً. الثاني: هو ظنهم أنه لن يبعث الله أحداً. الثالث: هو ظنهم أن يجعلهم الله كرسوله. الرابع: أن سينصرهم على رسوله. قال الضحاك: ظنت أسد وغطفان في رسول الله ﷺ حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو ينهزم ولا يعود إلى المدينة سالماً , فعاد ظافراً. ﴿عَلَيْهِمْ دَآئرَهُ السَّوْءِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عليهم يدور سوء اعتقادهم. الثاني: عليهم يدور جزاء ما اعتقدوه في نبيهم.

стр. 3625

﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ قوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شاهداًعلى أمتك بالبلاغ , قاله قتادة. الثاني: شاهداًعلى أمتك بأعمالهم من طاعة أو معصية. الثالث: مبيناً ما أرسلناك به إليهم.

стр. 3626

﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: مبشراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين. الثاني: مبشراً بالجنة لمن أطاع ونذيراً بالنار لمن عصى، قاله قتادة , والبشارة والإنذار معاً خير لأن المخبر بالأمر السار مبشر والمحذر من الأمر المكروه منذر. قال النابغة الذبياني: (تناذرها الراقون من سوء سعيها ... تطلقها طوراً وطوراً تراجع) قوله : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تطيعوه , قاله بعض أهل اللغة. الثاني: تعظموه , قاله الحسن والكلبي. الثالث: تنصروه وتمنعوا منه , ومنه التعزير في الحدود لأنه مانع , قاله القطامي: (ألا بكرت مي بغير سفاهة ... تعاتب والمودود ينفعه العزر) وفي ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وجهان: أحدهما: تسودوه , قاله السدي. الثاني: أن تأويله مختلف بحسب اختلافهم فيمن أشير إليه بهذا الذكر: فمنهم من قال أن المراد بقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتَوَقِّرُوهُ﴾ أي تعزروا الله وتوقروه لأن قوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ راجع إلى الله وكذلك ما تقدمه , فعلى هذا يكون تأويل قوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. ومنهم من قال: المراد به رسول الله ﷺ أن يعزروه ويوقروه لأنه قد تقدم ذكرها , فجاز أن يكون بعض الكلام راجعاً إلى الله وبعضه راجعاً إلى رسوله , قاله الضحاك. فعلى هذا يكون تأويل ﴿تُوَقِّرُوهُ﴾ أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية. ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تسبيحه بالتنزيه له من كل قبيح. الثاني: هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح.

стр. 3627

﴿بُكْرَةً وَأصِيلاً﴾ أي غدوة وعشياً. قال الشاعر: (لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأجلس في أفيائه بالأصائل)

стр. 3628

﴿سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما﴾ قوله : ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فاسدين قاله قتادة. الثاني: هالكين , قاله مجاهد. قال عبد الله بن الزبعرى: (يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور) الثالث: أشرار , قاله ابن بحر. وقال حسان بن ثابت: (لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد ... يهدي الإله سبيل المعشر البور)

стр. 3629

﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا﴾ قوله : ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان:

стр. 3630

أحدهما: ما وعد الله نبيّه من النصرة والفتح حين ظنوا ظن السوء بأنه يهلك أو لا يظفر، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: قوله: ﴿لَن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً﴾ حين سألوه الخروج معه لأجل المغانم بعد امتناعهم منه وظن السوء , قاله ابن زيد.

стр. 3631

﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما﴾ قوله : ﴿قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ وهؤلاء المخلفون هم أحد أصناف المنافقين , لأن الله تعالى صنف المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ثلاثة أصناف , منهم من أعلم أنه لا يؤمن وأوعدهم العذاب في الدنيا مرتين ثم العذاب العظيم في الآخرة وذلك قوله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأَعَرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] الآية. ومنهم من اعترف بذنبه وتاب , وهم من قال الله فيهم: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُبِهِم خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءاخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية. ومنهم من وقفوا بين الرجاء لهم والخوف عليهم بقوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمِرْ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتَوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فهؤلاء المخاطبون بقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ دون الصنفين المتقدمين لترددهم بين أمرين. قوله : ﴿سَتُدْعُوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ... ﴾ الآية. فيهم خمسة أوجه: أحدها: أنهم أهل فارس، قاله ابن عباس. الثاني: الروم , قاله الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

стр. 3632

الثالث: هوازن وغطفان بحنين , قاله سعيد بن جبير وقتادة. الرابع: بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب , قاله الزهري. الخامس: أنهم قوم لم يأتوا بعد , قاله أبو هريرة.

стр. 3633

﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما﴾ قوله : ﴿لَقَدْ رِضِي اللَّهُ عَنِ الْمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجرَةِ﴾ كانت سبب هذه البيعة وهي بيعة الرضوان تأخر عثمان ﵁ بمكة حين أنفذه رسول الله ﷺ من الحديبية رسولاً إلى الإسلام فأبطأ وأرجف بقتله , فبايع أصحابه وبايعوه على الصبر والجهاد , وكانوا فيما رواه ابن عباس ألفاً وخمسمائة , وقال جابر: كانوا ألفاً وأربعمائة وقال عبد الله بن أبي أوفى: ألفاً وثلاثمائةً. وكانت البيعة تحت الشجرة بالحديبية والشجرة سمرة. وسميت بيعة الرضوان , لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. ﷺ ; ﷺ ; ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صدق النية , قاله الفراء. الثاني: من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت , قاله مقاتل. ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فتح خيبر لقربها من الحديبية , قاله قتادة. الثاني: فتح مكة.

стр. 3634

﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم

стр. 3635

تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ قوله : ﴿وََعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: هي مغانم خيبر، قاله ابن زيد. الثاني: هو كل مغنم غنمه المسلمون , قاله مجاهد. ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: مغانم خيبر , قاله مجاهد. الثاني: صلح الحديبية , قاله ابن عباس. ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: اليهود كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية. الثاني: قريش كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية. الثالث: أسد وغطفان الحليفان عليهم عيينة بن حصن ومالك بن عوف جاءوا لينصروا أهل خيبر , فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. ﴿وَلِتَكُونَءَايَةً لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين. الثاني: ليكون فتح خيبر آية أي علامة لصدق الله تعالى في وعده وصدق رسوله في خبره. قيل لتكون البيعة آية لهم. قوله : ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ فيها ثلاثة أقاويل:

стр. 3636

أحدها: هي أرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمون، قاله ابن عباس. الثاني: هي مكة، قاله قتادة. الثالث: هي أرض خيبر , قاله الضحاك. في قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ وجهان: أحدهما: قدر الله عليها , قاله ابن بحر. الثاني: حفظها عليكم ليكون فتحها لكم. قوله : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ يعني طريقة الله وعادته السالفة نصر رسله وأوليائه على أعدائه. وفي قوله: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ وجهان: أحدهما: ولن تتغير سنة الله وعادته في نصرك على أعدائك وأعدائه. الثاني: لن تجد لعادة الله في نصر رسله مانعاً من الظفر بأعدائه وهو محتمل. قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كف أيديهم عنكم بالرعب وأيديكم عنهم بالنهي. الثاني: كف أيديهم عنكم بالخذلان , وأيديكم عنهم بالاستبقاء لعلمه بحال من يسلم منهم. الثالث: كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم بالصلح عام الحديبية. ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يريد به مكة. الثاني: يريد به الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرام. وفي قوله: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أظفركم عليهم بفتح مكة وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة , وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحاً لقوله ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنهُم﴾. الثاني: أظفركم عليهم بقضاء العمرة التي صدوكم عنها. الثالث: أظفركم عليهم بما روي ثابت عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل

стр. 3637

مكة هبطوا على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه من قبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوا من ظفروا به , فأخذهم رسول الله ﷺ فأعتقهم , فأنزل الله هذه الآية , فكان هذا هو الظفر.

стр. 3638

﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما﴾ قوله : ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني قريشاً. ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني منعوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي صلى الله علي وسلم مع أصحابه بعمرة. ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: محبوساً. الثاني: واقفاً. الثالث: مجموعاً , قاله أبو عمرو بن العلاء. ﴿أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: منحره , قاله الفراء. الثاني: الحرم، قال الشافعي , والمحِل بكسر الحاء هو غاية الشيء، وبالفتح هو الموضع الذي يحله الناس، وكان الهدي سبعين بدنة.

стр. 3639

﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمْوهُمْ﴾ أي لم تعلموا إيمانهم. ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تطئوهم بخيلكم وأرجلكم فتقتلوهم , قاله ابن عباس. الثاني: لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم يعلموهم أن يطئوا آباءهم فيهلك أبناؤهم , قاله الضحاك. ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ﴾ فيها ستة أقاويل: أحدها: الإثم , قاله ابن زيد. الثاني: غرم الدية , قاله ابن إسحاق. الثالث: كفارة قتل الخطأ , قاله الكلبي. الرابع: الشدة , قاله قطرب. الخامس: العيب. السادس: الغم. قوله : ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لو تميزوا , قاله ابن قتيبة. الثاني: لو تفرقوا , قاله الكلبي. الثالث: لو أزيلوا , قاله الضحاك حتى لا يختلط بمشركي مكة مسلم. ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾ وهو القتل بالسيف لكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار. قوله : ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني قريشاً. وفي حمية الجاهلية قولان: أحدهما: العصبية لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله , والأنفة من أن يعبدوا غيرها , قاله ابن بحر. الثاني: أنفتهم من الإقرار له بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم على عادته في الفاتحة , ومنعهم له من دخول مكة , قال الزهري. ويحتمل ثالثاً: هو الاقتداء بآبائهم , وألا يخالفوا لهم عادة , ولا يلتزموا لغيرهم طاعة كما

стр. 3640

أخبر الله عنهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤمِنِينَ﴾ يعني الصبر الذي صبروا والإجابة إلى ما سألوا , والصلح الذي عقدوه حتى عاد إليهم في مثل ذلك الشهر من السنة الثانية قاضياً لعمرته ظافراً بطلبته. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: قول لا إله إلا الله , قاله ابن عباس , وهو يروي عن النبي ﷺ . الثاني: الإخلاص , قاله مجاهد. الثالث: قول بسم الله الرحمن الرحيم , قاله الزهري. الرابع: قولهم سمعنا وأطعنا بعد خوضهم. وسميت كلمة التقوى لأنهم يتقون بها غضب الله. ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وكانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها. الثاني: وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها. وفي من كان أحق بكلمة التقوى قولان: أحدهما: أهل مكة كانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها لتقدم إنذارهم لولا ما سلبوه من التوفيق. الثاني: أهل المدينة أحق بكلمة التقوى حين قالوها , لتقدم إيمانهم حين صحبهم التوفيق.

стр. 3641

﴿﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله

стр. 3642

آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾ قوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءامِنينَ مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ قال قتادة: كان رسول الله ﷺ , رأى في المنام , أنه يدخل مكة على هذه الصفة , فلما صالح قريشاً بالحديبية , ارتاب المنافقون , حتى قال ﷺ : (فَمَا رَأَيْتُ فِي هذَا العَامِ) ثم قال: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم , قاله الكلبي. الثاني: علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم؛ الآية. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بين رسول الله ﷺ وقريش بالحديبية , قاله مجاهد. الثاني: فتح مكة , قاله ابن زيد والضحاك. وفي قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خارج مخرج الشرط والاستثناء. الثاني: أنه ليس بشرط وإنما خرج مخرج الحكاية على عادة أهل الدين , ومعناه لتدخلونه بمشيئة الله. الثالث: إن شاء الله في دخول جميعكم أو بعضكم , ولأنه علم أن بعضهم يموت. ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا

стр. 3643

وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ قوله : ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾. فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه ثرى الأرض وندى الطهور، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنها صلاتهم تبدو في وجوههم، قاله ابن عباس. الثالث: أنه السمت، قاله الحسن. الرابع: الخشوع، قاله مجاهد. الخامس: هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً، قاله الضحاك. السادس: هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة، قاله عطية العوفي. ﴿وذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كزرع أخرج شطاء﴾ فيه قولان: أحدهما: أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه. الثاني: أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل. وقوله: ﴿كرزع أخرج شطاه﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الشطأ شوك السنبل، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي، قاله قطرب. الثاني: أنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الكلبي والفراء. الثالث: أنه فراخه التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر جانبه، قاله الأخفش. ﴿فآزره﴾ فيه قولان: أحدهما: فساواه فصار مثل الأم، قاله السدي. الثاني: فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها. ﴿فاستغلظ) يعني اجتماع الفراخ مع الأصول. ﴿فاستوى على سوقه﴾ أي على عودة الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له. ﴿يعجب الزارع ليغيظ بهم الكفار﴾ يعني النبي ﷺ وأصحابه رضي الله

стр. 3644

عنهم، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب من قوتهم كإعجاب الزارع بقوة زرعهم هو الذي غاظ الكفار منهم. ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه، هو أن النبي ﷺ حين بدأ بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً، فأجابه الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان. والله أعلم.

стр. 3645

سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →