← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

﴿﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله

стр. 3642

آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾ قوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءامِنينَ مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ قال قتادة: كان رسول الله ﷺ , رأى في المنام , أنه يدخل مكة على هذه الصفة , فلما صالح قريشاً بالحديبية , ارتاب المنافقون , حتى قال ﷺ : (فَمَا رَأَيْتُ فِي هذَا العَامِ) ثم قال: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم , قاله الكلبي. الثاني: علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم؛ الآية. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بين رسول الله ﷺ وقريش بالحديبية , قاله مجاهد. الثاني: فتح مكة , قاله ابن زيد والضحاك. وفي قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خارج مخرج الشرط والاستثناء. الثاني: أنه ليس بشرط وإنما خرج مخرج الحكاية على عادة أهل الدين , ومعناه لتدخلونه بمشيئة الله. الثالث: إن شاء الله في دخول جميعكم أو بعضكم , ولأنه علم أن بعضهم يموت. ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا

стр. 3643

وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ قوله : ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾. فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه ثرى الأرض وندى الطهور، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنها صلاتهم تبدو في وجوههم، قاله ابن عباس. الثالث: أنه السمت، قاله الحسن. الرابع: الخشوع، قاله مجاهد. الخامس: هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً، قاله الضحاك. السادس: هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة، قاله عطية العوفي. ﴿وذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كزرع أخرج شطاء﴾ فيه قولان: أحدهما: أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه. الثاني: أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل. وقوله: ﴿كرزع أخرج شطاه﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الشطأ شوك السنبل، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي، قاله قطرب. الثاني: أنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الكلبي والفراء. الثالث: أنه فراخه التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر جانبه، قاله الأخفش. ﴿فآزره﴾ فيه قولان: أحدهما: فساواه فصار مثل الأم، قاله السدي. الثاني: فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها. ﴿فاستغلظ) يعني اجتماع الفراخ مع الأصول. ﴿فاستوى على سوقه﴾ أي على عودة الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له. ﴿يعجب الزارع ليغيظ بهم الكفار﴾ يعني النبي ﷺ وأصحابه رضي الله

стр. 3644

عنهم، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب من قوتهم كإعجاب الزارع بقوة زرعهم هو الذي غاظ الكفار منهم. ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه، هو أن النبي ﷺ حين بدأ بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً، فأجابه الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان. والله أعلم.

стр. 3645

سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3646

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل فيَّ كذا , لو أنزل فيَّ كذا , فنزلت هذه الآية , قاله قتادة. الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه , قاله ابن عباس. الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله , حتى يقضي الله على لسان رسوله , قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله ﷺ , فأمرهم أن يعيدوا الذبح , قاله الحسن.

стр. 3647

الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله , قال الزجاج. وسبب نزولها ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ أنفذ أربعة وعشرين رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر فقتلوهما , فجاء بنو سليم إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا رجلان فوداهما رسول الله ﷺ بمائة بعير ونزلت عليه هذه الآية في قتلة الرجلين. ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ يعني في التقدم المنهي عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعلكم. قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِّيِ﴾ قيل إن رجلين من الصحابة تماريا عنده فارتفعت أصوتهما , فنزلت هذه الآية , فقال أبو بكر ﵁ عند ذلك: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار. ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الجهر بالصوت. روي أن ثابت بن قيس بن شماس قال: يا نبي الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت , نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت , فقال النبي ﷺ : (يَا ثَابِتَ أَمَأ تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وتُقْتَلَ شَهِيداً وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ) فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة. الثاني: أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو كنيته كما يدعو

стр. 3648

بعضهم بعضاً بالاسم والكنية , وهو معنى قوله ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، ولكنْ دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. ﴿أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه فتحبط أعمالكم. الثاني: لئلا تحبط أعمالكم. ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بحبط أعمالكم. قوله : ﴿ ... أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه أخلصها للتقوى , قاله الفراء. الثاني: معناه اختصها للتقوى , قاله الأخفش.

стр. 3649

﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية. اختلف في سبب نزولها , فروى معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فناداه من وراء الحجرة: يا محمد , إن مدحي زين وشتمي شين , فخرج النبي ﷺ فقال: (وَيْلُكَ ذَاكَ اللَّهُ , ذَاكَ اللَّهُ) فأنزل الله هذه الآية , فهذا قول. وروى زيد بن أرقم قال: أتى ناس النبي ﷺ فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل , فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه وإن يكن ملكاً نعش في جنابه , فأتوا النبي ﷺ فجعلوا ينادونه , وهو في

стр. 3650

حجرته يا محمد , فأنزل الله هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل: كانوا تسعة نفر: قيس بن عاصم , والزبرقان بن بدر , والأقرع بن حابس , وسويد بن هشام , وخالد بن مالك , وعطاء بن حابس , والقعقاع بن معبد , ووكيع بن وكيع , وعيينة بن حصن. وفي قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وجهان: أحدهما: لا يعلمون , فعبر عن العلم بالعقل لأنه من نتائجه , قاله ابن بحر. الثاني: لا يعقلون أفعال العقلاء لتهورهم وقلة أناتهم , وهو محتمل. والحجرات جمع حجر؛ والحجر جمع حجرة. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . الثاني: لأطلقت أسراهم بغير فداء , لأن رسول الله ﷺ كان سبى قوماً من بني العنبر , فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم.

стр. 3651

﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِق بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية. نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط , وسبب نزولها ما رواه سعيد عن قتادة

стр. 3652

أن نبي الله ﷺ بعث الوليد ابن عقبة مصدقاً لبني المصطلق , فلما أبصروه أقبلوا نحوه , فهابهم فرجع إلى النبي ﷺ , فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام , فبعث نبي الله ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يثبت ولا يعجل , فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه , فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام , وسمعوا أذانهم وصلاتهم , فلما أصبحوا , أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه , فعادوا إلى نبي الله ﷺ فأخبروه , فنزلت هذه الآية. فكان النبي ﷺ يقول: (التأني من الله والعجلة من الشيطان). وفي هذه الآية دليل على أن خبر الواحد مقبول إذا كان عدلاً. قوله : ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتَّمُ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: لأثمتم , قاله مقاتل. الثاني: لاتهمتم , قاله الكلبي. الثالث: لغويتم. الرابع: لهلكتم. الخامس: لنالتكم شدة ومشقة. قال قتادة: هؤلاء أصحاب النبي ﷺ لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا , فأنتم والله أسخف رأياً وأطيش عقولا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حسنه عندكم , قاله ابن زيد. الثاني: قاله الحسن. بما وصف من الثواب عليه. ﴿وَزَيَّنَةُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب , قاله ابن بحر. الثاني: بالدلالات على صحته. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الكذب خاصة، قاله ابن زيد. الثاني: كل ما خرج عن الطاعة.

стр. 3653

﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ قوله : ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ اختلف في سبب نزولها على أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله ﷺ قتال بالسعف والنعال ونحوه فنزلت هذه الآية فيهم. الثاني: ما رواه سعيد عن قتادة أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما , فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته , وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى رسول الله ﷺ فأبى أن يتبعه , فلم يزل بهما الأمر حتى تواقعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال , فنزلت فيهم. الثالث: ما رواه أسباط عن السدي أن رجلاً من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها , وأن المرأة بعثت إلى أهلها , فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها , فخرج الرجل فاستعان أهله , فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال , فنزلت هذه الآية فيهم. الرابع: ما حكاه الكلبي ومقاتل والفراء أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس، وسببه أن النبي ﷺ وقف على حمار له على عبد الله بن أبي , وهو في مجلس قومه، فراث حمار النبي ﷺ ، فأمسك عبد الله أنفه وقال: إليك حمارك , فغضب عبد الله بن رواحة، وقال: أتقول هذا لحمار رسول الله ﷺ , فوالله هو أطيب ريحاً منك ومن أبيك، فغضب

стр. 3654

قومه، وأعان ابن رواحة قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم , فأصلح رسول الله ﷺ بينهم. ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق. ﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: تبغي في التعدي في القتال. الثاني: في العدول عن الصلح , قاله الفراء. ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به , قاله سعيد بن جبير. الثاني: ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم , قاله قتادة. ﴿فَإِن فَآءَتْ﴾ أي رجعت. ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بالحق. الثاني: بكتاب الله , قاله سعيد بن جبير. ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ معناه واعدلوا. ويحتمل وجهين: أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة. الثاني: في ترك العقوبة والمؤاخذة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي العادلين قال أبو مالك: في القول والفعل.

стр. 3655

﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مَِّن قَوْمٍ﴾ الآية. أما القوم فهم الرجال خاصة , لذلك ذكر بعدهم النساء. ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع

стр. 3656

بعض في الأمور , ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء , ومنه قول الشاعر: (وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء) وفي هذه السخرية المنهي عنها قولان: أحدهما: أنه استهزاء الغني بالفقير إذا سأله، قاله مجاهد. الثاني: أنه استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أنه استهزاء الدهاة بأهل السلامة. ﴿عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ عند الله تعالى. ويحتمل: خيراً منهم معتقداً وأسلم باطناً. ﴿وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرُا مِّنْهُنَّ﴾. ﴿وَلَا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا تلمزوا أهل دينكم. الثاني: لا تلمزوا بعضكم بعضاً: واللمز: العيب. وفي المراد به هنا ثلاثة أوجه: أحدها: لا يطعن بعضكم على بعض , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد ابن جبير. الثاني: لا تختالوا فيخون بعضكم بعضاً , قاله الحسن. الثالث: لا يلعن بعضكم بعضاً , قاله الضحاك. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ في النبز وجهان: أحدهما: أنه اللقب الثابت، قاله المبرد. الثاني: أن النبز القول القبيح، وفيه هنا أربعة أوجه: أحدها: أنه وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به. قال الشعبي: روي أن وفد بني سليم قدموا على النبي ﷺ وللرجل منهم اسمان وثلاثة فكان يدعوا الرجل بالاسم فيقال إنه يكره هذا، فنزلت هذه الآية.

стр. 3657

الثاني: أنه تسمية الرجل بالأعمال السيئة بعد الإسلام ... يا فاسق ... يا سارق , يا زاني , قاله ابن زيد. الثالث: أنه يعيره بعد الإسلام بما سلف من شركه , قاله عكرمة. الرابع: أن يسميه بعد الإسلام باسم دينه قبل الإسلام , لمن أسلم من اليهود ... يا يهودي , ومن النصارى ... يا نصراني , قاله ابن عباس , والحسن. فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره , وقد وصف النبي ﷺ عدداً من أصحابه بأوصاف فصارت لهم من أجمل الألقاب. واختلف في من نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمسان وكان في أذنه ثقل فكان يدنو من رسول الله ﷺ حتى يسمع حديثه , فجاء ذات يوم وقد أخذ الناس مجالسهم فقال: (تَفَسَّحُواْ) ففعلوا إلا رجلاً كان بين يدي النبي ﷺ فإنه لم يفسح وقال: (قَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعاً) فنبذه ثابت , بلقب كان لأمه مكروهاً , فنزلت , قاله الكلبي والفراء. الثاني: أنا نزلت في كعب بن مالك الأنصاري , وكان على المغنم فقال لعبد الله بن أبي حدرد: يا أعرابي , فقال له عبد الله: يا يهودي , فتشاكيا ذلك إلى رسول الله ﷺ , فنزلت فيهما , حكاه مقاتل. الثالث: أنها نزلت في الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات عند استهزائهم بمن مع رسول الله من الفقراء والموالي فنزل ذلك فيهم. الرابع: أنا نزلت في عائشة وقد عابت أم سلمة. واختلفوا في الذي عابتها به فقال مقاتل: عابتها بالقصر , وقال غيره: عابتها بلباس تشهرت به.

стр. 3658

﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾

стр. 3659

قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ﴾ يعني ظن السوء. بالمسلم توهماً من غير تعلمه يقيناً. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني ظن السوء. الثاني: أن يتكلم بما ظنه فيكون إثما، فإن لم يتكلم به لم يكن إثماً، قاله مقاتل بن حيان. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو أن يتبع عثرات المؤمن , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: هو البحث عم خفي حتى يظهر، قاله الأوزاعي. وفي التجسس والتحسس وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد , قاله ابن عباس وقرأ الحسن بالحاء. وقال الشاعر: (تجنبت سعدى أن تشيد بذكرها ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس) وقال أبو عمرو الشيباني: الجاسوس: صاحب سر الشر , والناموس صاحب سر الخير. والوجه الثاني: أنهما مختلفان. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن التجسس بالجيم هو البحث , ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور وبالحاء هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. الثاني: أنه بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره. والتجسس أن يجس الأخبار لنفسه ولغيره. ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ والغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب , قال الحسن: الغيبة ثلاثة كلها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبهتان , فأما الغيبة , فأن تقول في

стр. 3660

أخيك ما هو فيه. وإما الإفك , فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة قال: (هُوَ أَن تَقُولَ لأَخِيكَ مَا فِيهِ فَإِن كُنتَ صَادِقَاً فَقَدِ اغْتَبْتَهُ , وَإِن كُنتَ كَاذِباً فَقَدْ بَهَّتَّهُ). ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي كما يحرم أكل لحمه ميتاً يحرم غيبته حياً. الثاني: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حياً , قاله قتادة. واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية قال الشاعر: (فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا) ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فكرهتم أكل الميتة , كذلك فاكرهوا الغيبة. الثاني: فكرهتم أن يعلم بكم الناس فاكرهوا غيبة الناس.

стр. 3661

﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ قصد بهذه الآية. النهي عن التفاخر بالأنساب , وبين التساوي فيها بأن خلقهم من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَرَفُواْ﴾ فبين أن الشعوب والقبائل للتعارف لا للافتخار، وفيها ثلاثة أوجه:

стр. 3662

أحدها: أن الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب , قاله مجاهد , وقتادة. وقال الشاعر: (قبائل من شعوب ليس فيهم ... كريم قد يعد ولا نجيب) وسموا شعوباً لأن القبائل تشعبت منها. الثاني: أن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبيلة ربيعة ومضر وسائر عدنان. الثالث: أن الشعوب بطون العجم , والقبائل بطون العرب. ويحتمل رابعاً: أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب , والقبائل هم المشتركون في الأنساب , قال الشاعر: (وتفرقوا شعباً فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر) والشعوب جمع شَعب بفتح الشين , والشِّعب بكسر الشين هو الطريق وجمعه شعاب , فكان اختلاف الجمعين مع اتفاق اللفظين تنبيهاً على اختلاف المعنيين. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ إن أفضلكم , والكرم بالعمل والتقوى لا بالنسب.

стр. 3663

﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات

стр. 3664

والأرض والله بصير بما تعملون﴾ قوله : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ... ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم أقروا ولم يعملوا , فالإسلام قول والإيمان عمل , قاله الزهري. الثاني: أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم أن اسمهم أعراب , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم مَنُّوا على رسول الله صلى الله بإسلامهم فقالوا أسلمنا , لم نقاتلك , فقال الله تعالى لنبيه: قل لهم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا خوف السيف , قاله قتادة. لأناهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم , فلم يكونوا مؤمنين , وتركوا القتال فصاروا مستسلمين لا مسلمين , فيكون مأخوذاً من الاستسلام لا من الإسلام كما قال الشاعر: (طال النهار على من لا لقاح له ... إلا الهدية أو ترك بإسلام) ويكون الإسلام والإيمان في حكم الدين على هذا التأويل واحداً وهو مذهب الفقهاء , لأن كل واحد منهما تصديق وعمل. وإنما يختلفان من وجهين: أحدهما: من أصل الاسمين لأن الإيمان مشتق من الأمن , والإسلام مشتق من السلم. الثاني: أن الإسلام علم لدين محمد ﷺ والإيمان لجميع الأديان , ولذلك امتنع اليهود والنصارى أن يتسموا بالمسلمين , ولم يمتنعوا أن يتسموا بالمؤمنين. قال الفراء: ونزلت هذه الآية في أعراب بني أسد. قوله : ﴿ ... لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنعكم من ثواب عملكم شيئاً , قال رؤبة:

стр. 3665

(وليلة ذات سرى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت) أي لم يمنعني عن سراها. الثاني: ولا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً , قال الحطيئة: (أبلغ سراة بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً) أي لا نقصاً ولا كذباً. وفيه قراءتان: ﴿يَلِتْكم﴾ و ﴿يألتكم﴾ وفيها وجهان: أحدها: [أنهما] لغتان معناهما واحد. الثاني: يألتكم أكثر وأبلغ من يلتكم. قوله : ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم﴾ الآية. هؤلاء أعراب حول المدينة أظهروا الإسلام خوفاً , وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه، ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض علم علمه بما اعتقدوه , وكانوا قد منوا بإسلامهم على رسول الله ﷺ , وقالوا فضلنا على غيرنا بإسلامنا طوعاً. فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَاّ تَمُونُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ وهذا صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةَ فيه لهم , وإن كان نفاقاً فهو للدفع عنهم , فالمنة فيه عليهم. ثم قال: ﴿بِلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أن هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي التحمد بالنعمة. الثاني: أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم , وتكون المنة هي النعمة. وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى. ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني فيما قلتم من الإيمان.

стр. 3666

سورة ق مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية وهي قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما﴾ الآية. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 3667

﴿ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج﴾ قوله : ﴿ق﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم بها , قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن , قاله قتادة. الثالث: أن معناه قضى والله , كما قيل في حم: حم والله , وهذا معنى قول مجاهد. الرابع: أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا , قاله الضحاك. قال مقاتل: وعروق الجبال كلها منه. ويحتمل خامساً: أن يكون معناه قف؛ كما قال الشاعر:

стр. 3668

(قلت لها قفي فقالت قاف ... ... ... ... ) أي وقفت. ويحتمل ما أريد بوقفه عليه وجهين: أحدهما: قف على إبلاغ الرسالة لئلا تضجر بالتكذيب. الثاني: قف على العمل بما يوحى إليك لئلا تعجل على ما لم تؤمر به. ﴿وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الكريم , قاله الحسن. الثاني: أنه مأخوذ من كثرة القدرة والمنزلة , لا من كثرة العدد من قولهم فلان كثير في النفوس , ومنه قول العرب في المثل السائر: لها في كل الشجر نار , واستجمد المرخ والعفار , أي استكثر هذان النوعان من النار وزاد على سائر الشجر , قاله ابن بحر. الثالث: أنه العظيم , مأخوذ من قولهم قد مجدت الإبل إذا أعظمت بطونها من كلأ الربيع. ﴿والْقُرْءَانِ المَجِيدِ﴾ قسم أقسم الله به تشريفاً له وتعظيماً لخطره لأن عادة جارية في القسم ألا يكون إلا بالمعظم. وجواب القسم محذوف ويحتمل وجهين: أحدهما: هو أن محمداً رسول الله ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ﴾. الثاني: أنكم مبعوثون بدليل قوله: ﴿إِئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾. قوله : ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عجبوا أن دعوا إلى إله واحد، قاله قتادة. الثاني: عجبوا أن جاءهم منذر منهم , من قبل الله تعالى. الثالث: أنهم عجبوا من إنذارهم بالبعث والنشور. قوله : ﴿قَدْ عَلمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: من يموت منهم، قاله قتادة.

стр. 3669

الثاني: يعني ما تأكله الأرض من لحومهم وتبليه من عظامهم , قاله الضحاك. ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ يعني اللوح المحفوظ. وفي حفيظ وجهان: أحدهما: حفيظ لأعمالهم. الثاني: لما يأكله التراب من لحومهم وأبدانهم وهو الذي تنقصه الأرض منهم. قوله : ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ... ﴾ الآية. الحق يعني القرآن في قول الجميع. ﴿مَرِيجٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن المريج المختلط. قاله الضحاك. الثاني: المختلف , قاله قتادة. الثالث: الملتبس , قاله الحسن. الرابع: الفاسد , قاله أبو هريرة. ومنه قول أبي دؤاد: (مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد)

стр. 3670

﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ قوله : ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من شقوق. الثاني: من فتوق , قاله ابن عيسى إلا أن الملك تفتح له أبواب السماء عند العروج. قوله : ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي بسطناها.

стр. 3671

﴿وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال الرواسي الثوابت , واحدها راسية قال الشاعر: (رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل) ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي من كل نوع. ﴿بَهِيجٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حسن، مأخوذ من البهجة وهي الحسن. الثاني: سارّ مأخوذ من قولهم قد أبهجني هذا الأمر أي سرني , لأن السرور يحدث في الوجه من الإسفار والحمرة ما يصير به حسناً. قال الشعبي: الناس نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم , ومن دخل النار فهو لئيم. قوله : ﴿تَبْصِرَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بصيرة للإنسان , قاله مجاهد. الثاني: نعماً بصر الله بها عباده , قاله قتادة. الثالث: يعني دلالة وبرهاناً. ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المنيب المخلص , قاله السدي. الثاني: أنه التائب إلى ربه , قاله قتادة. الثالث: أنه الراجع المتذكر , قاله ابن بحر. وقد عم الله بهذه التبصرة والذكرى وإن خص بالخطاب كل عبد منيب لانتفاعه بها واهتدائه إليها. قوله : ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مََآءً مُّبَارَكاً﴾ يعني المطر , لأنه به يحيا النبات والحيوان. ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ فيها هنا وجهان: أحدهما: أنها البساتين، قاله الجمهور. الثاني: الشجر، قاله ابن بحر. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني البر والشعير، وكل ما يحصد من الحبوب، إذا تكامل واستحصد سمي حصيداً، قال الأعشى:

стр. 3672

(لسنا كما إياد دارها ... تكريث ينظر حبه أن يحصدا) قوله : ﴿وَالنَّخْلَ بِاسَقَاتٍ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها الطوال , قاله ابن عباس ومجاهد. قاله الشاعر: (يا ابن الذين بفضلهم ... بسقت على قيس فزاره) أي طالت عليهم. (الثاني) أنها التي قد ثقلت من الحمل , قاله عكرمة. وقال الشاعر: (فلما تركنا الدار ظلت منيفة ... بقران فيه الباسقات المواقر) ﴿نَضِيدٌ﴾ أي منضود , فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن النضيد المتراكم المتراكب , قاله ابن عباس في رواية عكرمة عنه. الثاني: أنه المنظوم , وهذا يروى عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أنه القائم المعتدل , قاله ابن الهاد. قوله : ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾ يعني ما أنزله من السماء من ماء مبارك , وما أخرجه من الأرض بالماء من نبات وحب الحصيد وطلع نضيد. ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مِّيتاً كَذِلكَ الْخُرُوجُ﴾ جعل هذا كله دليلاً على البعث والنشور من وجهين: أحدهما: أن النشأة الأولى إذا خلقها من غير أصل كانت النشأة الثانية بإعادة ما له أصل أهون. الثاني: أنه لما شوهد من قدرته , إعادة ما مات من زرع ونبات كان إعادة من مات من العباد أولى للتكليف الموجب للجزاء.

стр. 3673

﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾

стр. 3674

قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ في الرس وجهان: أحدهما: أنه كل حفرة في الأرض من بئر وقبر. الثاني: أنها البئر التي لم تطو بحجر ولا غيره. وأما أصحاب الرس ففيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنها بئر قتل فيها صاحب ياسين ورسوه، قاله الضحاك. الثاني: أنهم أهل بئر بأذربيجان , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم قوم باليمامة كان لهم آبار، قاله قتادة. قال الزهير: (بكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد في الفم) الرابع: أنهم أصحاب الأخدود. ﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح , وكانوا عرباً بوادي القرى وما حولها. وثمود مأخوذ من الثمد وهو الماء القليل الكدر , قال النابغة: (واحكم بحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد) ﴿وَعَادٌ﴾ وهو اسم رجل كان من العماليق كثر ولده , فصاروا قبائل وكانوا باليمن بالأحقاف , والأحقاف الرمال , وهم قوم هود. ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وقد اختلف في أصله فحكي عن مجاهد أنه كان فارسياً من أهل إصطخر. وقال ابن لهيعة: كان من أهل مصر وحكي عن ابن عباس أنه عاش ثلاثمائة سنة منها مائتان وعشرون سنة لا يرى ما يقذي عينه , فدعاه موسى ثمانين سنة. وحكى غيره أنه عاش أربعمائة سنة. واختلف في نسبه فقال بعضهم هو من لخم , وقال آخرون هو من تبَّع. ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ يعني قومه وأتباعه , قال مجاهد: كانوا أربعمائة ألف بيت، في كل بيت عشرة مردة، فكانوا أربعة آلاف ألف.

стр. 3675

وقال عطاء: ما من أحد من الأنبياء إلا وقد يقوم معه قوم إلا لوط فإنه يقوم وحده. ﴿وَأَصَحَابُ الأَيْكَةِ﴾ والأيكة الغيضة ذات الشجر الملتف كما قال أبو داود الإيادي: (كأن عرين أيكته تلاقى ... بها جمعان من نبط وروم) قال قتادة: وكان عامة شجرها الدوم , وكان رسولهم شعيباً , وأرسل إليهم , وإلى أهل مدين , أرسل إلى أمتين من الناس , وعذبتا بعذابين , أما أهل مدين فأخذتهم الصيحة , وأما أصحاب الأيكة فكانوا أهل شجر متكاوس. ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وتبع كان رجلاً من ملوك العرب من حِمير , سُمّي تبعاً لكثرة من تبعه. قال وهب: إن تبعاً أسلم وكفر قومه , فلذلك ذكر قومه , ولم يذكر تبع. قال قتادة وهو الذي حير الحيرة وفتح سمرقند حتى أخربها , وكان يكتب إذا كتب: بسم الله الذي تَسمَّى وملك براً وبحراً وضحى وريحاً. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرَّسَلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ يعني أن كل هؤلاء كذبوا من أرسل إليهم , فحق عليهم وعيد الله وعذابه. فذكر الله قصص هؤلاء لهذه الأمة , ليعلم المكذبون منهم بالنبي ﷺ أنهم كغيرهم من مكذبي الرسل إن أقاموا على التكذيب فلم يأمنوا , حتى أرشد الله منهم من أرشد وتبعهم رغباً ورهباً من تبع. قوله : ﴿أَفَعِيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هَمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أما اللبس فهو اكتساب الشك , ومنه قول الخنساء: (صدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه بشك مثل ما لبسا) والخلق الجديد هو إعادة خلق ثان بعد الخلق الأول. وفي معنى الكلام تأويلان: أحدهما: أفعجزنا عن إهلاك الخلق الأول , يعني من تقدم ذكره حين كذبوا رسلي مع قوتهم , حتى تشكوا في إهلاكنا لكم مع ضعفكم إن كذبتم , فيكون هذا خارجاً منه مخرج الوعيد.

стр. 3676

الثاني: معناه أننا لم نعجز عن إنشاء الخلق الأول , فكيف تشكون في إنشاء خلق جديد , يعني بالبعث بعد الموت , فيكون هذا خارجاً مخرج البرهان والدليل.

стр. 3677

﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الوسوسة كثرة حديث النفس بما لا يتحصل في حفاء وإسرار , ومنه قول رؤبة: (وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق ... ... ... ... ... ) ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبٌ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حبل معلق به القلب , قاله الحسن. والأصم وهو الوتين. الثاني: أنه عرق في الحلق , قاله أبو عبيدة. الثالث: ما قاله ابن عباس , عرق العنق ويسمى حبل العاتق , وهما وريدان عن يمين وشمال , وسمي وريداً , لأنه العرق الذي ينصب إليه ما يرد من الرأس. وفي قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ تأويلان: أحدهما: ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه.

стр. 3678

الثاني: ونحن أملك به من حبل وريده , مع استيلائه عليه. ويحتمل ثالثاً: ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده , الذي هو من نفسه , لأنه عرق يخالط القلب , فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب. قوله : ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ. .﴾ الآية. قال الحسن ومجاهد وقتادة: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك , أحدهما عن يمينك , يكتب حسناتك , والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. وفي ﴿قَعِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه القاعدة , قاله المفضل. الثاني: المرصد الحافظ , قاله مجاهد. وهو مأخوذ من القعود. قال الحسن: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار وملكان بالليل. قوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ أي ما يتكلم بشيء , مأخوذ من لفظ الطعام , وهو إخراجه من الفم. ﴿إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المتتبع للأمور. الثاني: أنه الحافظ , قاله السدي. الثالث: أنه الشاهد , قاله الضحاك. وفي ﴿عَتِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه الحاضر الذي لا يغيب. الثاني: أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة. قوله : ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله قد أوعده.

стр. 3679

الثاني: أن يكون الحق هو الموت , سمي حقاً , إما لاسحقاقه , وإما لانتقاله إلى دار الحق. فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. وتقديره: وجاءت سكرة الحق بالموت , ووجدتها في قراءة ابن مسعود كذلك. ﴿ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان يحيد من الموت , فجاءه الموت. الثاني: أنه يحيد من الحق , فجاءه الحق عند المعاينة. وفي معنى التحيد وجهان: أحدهما: أنه الفرار , قاله الضحاك. (الثاني): العدول , قاله السدي. ومنه قول الشاعر: (ولقد قلت حين لم يك عنه ... لي ولا للرجال عنه محيد.) فروى عاصم بن أبي بهدلة , عن أبي وائل , أن عائشة قالت عند أبيها وهو يقضي: (لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً , وضاق بها الصدر) فقال أبو بكر: (هلا قلت كما قال الله]: وَجَآءَتْ سَكْرَتُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. قوله : ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أما السائق ففيه قولان: أحدهما: أنه ملك يسوقه إلى المحشر , قاله أبو هريرة وابن زيد. الثاني: أنه أمر من الله يسوقه إلى موضع الحساب , قاله الضحاك. وأما الشهيد ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك يشهد عليه بعمله , وهذا قول عثمان بن عفان والحسن. الثاني: أنه الإنسان , يشهد على نفسه بعمله، رواه أبو صالح.

стр. 3680

الثالث: أنها الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله بنفسه , قاله أبو هريرة. ثم في الآية قولان: أحدهما: أنها عامة في المسلم والكافر , وهو قول الجمهور. الثاني: أنها خاصة في الكافر , قاله الضحاك. قوله : ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّن هَذَا﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه الكافر , كان في غفلة من عواقب كفره , قاله ابن عباس. الثاني: أنه النبي ﷺ , كان في غفلة عن الرسالة مع قريش في جاهليتهم , قاله عبد الرحمن بن زيد. ويحتمل ثالثاً: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية. ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه إذا كان في بطن أمه فولد , قاله السدي. الثاني: إذا كان في القبر فنشر , وهذا معنى قول ابن عباس. الثالث: أنه وقت العرض في القيامة , قاله مجاهد. الرابع: أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة , وهذا معنى قول ابن زيد. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وفي المراد بالبصر هنا وجهان: أحدهما: بصيرة القلب لأنه يبصر بها من شواهد الأفكار , ونتائج الاعتبار ما تبصر العين ما قابلها من قبلها من الأشخاص والأجسام , فعلى هذا في قوله: ﴿حَدِيدٌ﴾ تأويلان: أحدهما: سريع كسرعة مور الحديد. الثاني: صحيح كصحة قطع الحديد. الوجه الثاني: أن المراد به بصر العين وهو الظاهر , فعلى هذا في قوله: ﴿حَدِيدٌ﴾ تأويلان: أحدهما: شديد، قاله الضحاك. الثاني: بصير، قاله ابن عباس.
следующие страницы →