← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والثاني: ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين , مثل ما لأزواجهن , وهو قول ابن عباس. والثالث: أن الذي لهن على أزواجهن , ترك مضارتهن , كما كان ذلك لأزواجهن , وهو قول أبي جعفر. ثم قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وفيه خمسة تأويلات: أحدها: فضل الميراث والجهاد , وهو قول مجاهد. والثاني: أنه الإمْرَةُ والطاعة , وهو قول زيد بن أسلم , وابنه عبد الرحمن. والثالث: أنه إعطاء الصداق , وأنه إذا قذفها لاعنها , وإن قذفته حُدَّتْ , وهو قول الشعبي. والرابع: أفضاله عليها , وأداء حقها إليها , والصفح عما يجب له من الحقوق عليها , وهو قول ابن عباس وقتادة. والخامس: أن جعل له لحْية , وهو قول حميد.

стр. 387

﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث , وأنه يملك في الاثنين الرجعة ولا يملكها في الثالثة , وهو قول عروة وقتادة , وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل يطلق ناسياً , إنْ راجع امرأته قبيل أن تنقضي عدتها كانت

стр. 388

امرأته , فغضب رجل من الأنصار على امرأته , فقال لها: لا أقربك ولا تختلين مني , قالت له كيف؟ أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك , فشكت زوجها إلى النبي ﷺ , فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. والتأويل الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة , وهو قول عبد الله بن مسعود , وعبد الله بن عباس , ومجاهد. قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ فيه تأويلان: الأول: هذا في الطلقة الثالثة , روى سفيان , عن إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ , وهذا قول عطاء , ومجاهد. والثاني: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ﴾ الرجعة بعد الثانية ﴿أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ والإمساك عن رجعتها حتى تنقضي العدة , وهو قول السدي , والضحاك. الإحسان هو تأدية حقها , والكف عن أذاها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ يعني من الصداق ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ﴾ قرأ حمزة بضم الياء من يخافا , وقرأ الباقون بفتحها , والخوف ها هنا بمعنى الظن , ومنه قول الشاعر: (أتاني كلامٌ عن نصيبٍ يقوله ... وما خِفْتُ بالإسلامِ أنك عائبي) يعني وما ظننت. وفي ﴿أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق , وهو قول ابن عباس.

стр. 389

والثاني: أن لا تطيع له أمراً , ولا تبرّ له قَسَماً , وهو قول الحسن , والشعبي. والثالث: هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة , وهو قول عطاء. والرابع: أن يكره كل واحد منهما صاحبه , فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه , وهو قول طاووس , وسعيد بن المسيب , والقاسم بن محمد , روى ثابت بن يزيد , عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ (المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ). يعني التي تخالع زوجها لميلها إلى غيره. ثم قال تعالى: ﴿فإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة , وهو قول عليّ , وعطاء , والزهري , وابن المسيب , والشعبي , والحكم , والحسن. والقول الثاني: يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه , وهذا قول عمر , وابن عباس , ومجاهد , وعكرمة , والنخعي , والشافعي. رَوَى عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الرُّبَيِّعَ بنت مُعَوّذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يُقِلُّ عليَ الخبز إذا حضر , ويحرمني إذا غاب , قالت: وكانت مني زَلَّةٌ يوماً فقلت: أنْخَلِعُ منك بكل شيء أملكه , قال: نعم , قالت ففعلت , قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان , فأجاز الخلع , وأمره أن يأخذ ما دون عقاص الرأس. واختلفوا في نسخها , فَحُكِيَ عن بكر بن عبد الله أن الخلع منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَءَاتَيتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً﴾ [النساء: ٢٠] وذهب الجمهور إلى أن حكمها ثابت في جواز الخلع.

стр. 390

وقد روى أيوب , عن كثير مولى سَمُرة أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِيَ بامرأة ناشزة , فأمر بها إلى بيت كثير , فحبسها ثلاثاً , ثم دعاها فقال: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني , فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. وقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الطلقة الثالثة وهو قول السدي. والثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: ﴿أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ , وهو قول مجاهد. ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ﴾ يعني أنها لا تحل للزوج المطلق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر , وفيه قولان: أحدهما: أن نكاح الثاني إذا طلقها منه أحلها للأول سواء دخل بها أو لم يدخل , وهو قول سعيد بن المسيب. والثاني: أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني , حتى يدخل بها فتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها , للسنّة المروية فيه , وهو قول الجمهور.

стр. 391

﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربْن انقضاء

стр. 392

عِدَدهن , كما يقول المسافر: بلغت بلد كذا إذا قاربه. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ هو المراجعة قبل انقضاء العدة ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهو تركها حتى تنقضي العدة. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لّتَعْتَدُواْ﴾ هو أن يراجع كلما طلّق حتى تطول عدتها إضراراً بها. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعني في قصد الإضرار , وإن صحت الرجعة , والطلاق. رَوَى حميد بن عبد الرحمن , عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ غضب على الأشعريين , قالوا: يقول أحدهم قد طلقت , قد راجعت , ليس هذا بطلاق المسلمين , طلقوا المرأة في قبل عدتها ولا تتخذوا آيات الله هزواً. وروى سليمان بن أرقم: أن الحسن حدثهم: أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُطَلّق أو يعتق , فيقال: ما صنعت؟ فيقول: كنت لاعباً , قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: (مَنْ طَلَّقَ لَاعِباً أَو أعْتَقَ لَاعِباً جَازَ عَليهِ). قال الحسن: وفيه نزلت: ﴿وَلَا تَتَّخِذُواءَايَاتِ اللهِ هُزُواً﴾.

стр. 393

﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا

стр. 394

بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ بلوغ الأجل ها هنا [تناهيه] , بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها , لأنه لا يجوز لها أن تنكح غيره قبل انقضاء عدتها , قال الشافعي: فدخل اختلاف المعنيين على افتراق البلوغين. ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وفي العضل قولان: أحدهما: أنه المنع , ومنه قولهم: داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى , وفلان عُضَلَةٌ أي داهية , لأنه امتنع بدهائه. والقول الثاني: أن العضل الضيق , ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش الفضاء , إذا ضاق بهم. وقال عمر بن الخطاب: قد أعضل بي أهل العراق , لا يرضون عن والٍ , ولا يرضى عنهم والٍ , وقال أوس بن حجر. (وليس أخُوكَ الدَّائِمُ العَهْدِ بالَّذِي ... يذُمُّك إن ولَّى وَيُرْضِيك مُقبِلاً) (ولكنه النَّائي إذا كُنتَ آمِناً ... وصاحِبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أعْضَلَا) فنهى الله أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج. وفي قوله : ﴿إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ تأويلان: أحدهما: إذا تراضى الزوجان. والثاني: إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي. قال الشافعي: وهذا بيّن في كتاب الله تعالى يدل على أن ليس للمرأة أن تنكح بغير وليّ. واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل:

стр. 395

أحدها: أنها نزلت في معقل بن يسار زوّج أخته , ثم طلقها زوجها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها , فَعَضَلَهَا معقل , وهذا قول الحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني: أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له , وقد طلقها زوجها , ثم خطبها فأبى أن يزوجه بها , وهذا قول السدي. والثالث: أنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح , وهذا قول ابن عباس , والضحاك , والزهري.

стр. 396

﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَيْنِ﴾ والحول السنة , وفي أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم: حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول , ومنه استحالة الكلام لانقلابه عن الصواب. والثاني: أنه مأخوذ من التحول عن المكان , وهو الانتقال منه إلى المكان الأول. وإنما قال حولين كاملين , لأن العرب تقول: أقام فلان بمكان كذا حولين وإنما أقام حولاً وبعض آخر , وأقام يومين وإنما أقام يوماً وبعض آخر , قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَومَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ومعلوم أن التعجل في يوم وبعض يوم. واختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين , على تأويلين:

стр. 397

أحدهما: أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرين شهراً , استكمالاً لثلاثين شهراً , لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع حولين كاملين , وهذا قول عطاء والثوري. ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يريد بالمولود له الأب عليه في ولده للمرضعة له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وفيه قولان: أحدهما: أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من الغذاء , وكسوتها من اللباس. ومعنى بالمعروف أجرة المثل , وهذا قول الضحاك. والثاني: أنه يعني به الأم ذات النكاح , لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في مثلها , على مثله من يسار , وإعسار. ثم قال تعالى: ﴿لَا تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي لا تمتنع الأم من إرضاعه إضراراً بالأب , وهو قول جمهور المفسرين. وقال عكرمة: هي الظئر المرضعة دون الأم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا مَولُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ وهو الأب في قول جميعهم , لا ينزع الولد من أمه إضراراً بها. ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الوارث هو المولود نفسه , وهذا قول قبيصة بن ذؤيب. والثاني: أنه الباقي من والدي بعد وفاة الآخر منهما , وهو قول سفيان. والثالث: أنه وارث الولد , وهذا قول الحسن , والسدي. والرابع: أنه وارث الولد , وفيه أربعة أقاويل: أحدها: وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو

стр. 398

ابن عم دون النساء من الورثة , وهذا قول عمر بن الخطاب , ومجاهد. والثاني: ورثته من الرجال والنساء , وهو قول قتادة. والثالث: هم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم , وهذا قول أبي حنيفة. والرابع: أنهم الأجداد ثم الأمهات , وهذا قول الشافعي. وفي قوله تعالى: ﴿مثل ذلك﴾ تأويلان: أحدهما: أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته , وهو قول الحسن , وقتادة , وإبراهيم. والثاني: أن على الوارث مثل ذلك في ألَاّ تضار والدة بولدها , وهذا قول الضحاك , والزهري. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ والفصال: الفصام , سمي فصالاً لانفصال المولود عن ثدي أمه , من قولهم قد فاصل فلان فلاناً إذا فارقه من خلطة كانت بينهما. والتشاور: استخراج الرأي بالمشاورة. وفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان: أحدهما: أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز , وإن رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز , وهذا قول مجاهد , وقتادة , والزهري , والسدي. والقول الثاني: أنه قبل الحولين وبعده , وهذا قول ابن عباس. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُم﴾ يعني لأولادكم , فحذف اللام اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون للأولاد , وهذا عند امتناع الأم من إرضاعه , فلا جناح عليه أن يسترضع له غيرها ظِئْراً. ﴿إذا سَلَّمْتُم مَّاءَاتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن , وهذا قول مجاهد , والسدي. والثاني: إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه , وهذا قول قتادة , والزهري.

стр. 399

والثالث: إذا سلّمتم إلى المرضعة التي تستأجر أجرها بالمعروف , وهذا قول سفيان.

стр. 400

﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ يعني بالتربص زمان العِدّة في المتوَّفى زوجُها , وقيل في زيادة العشرة على الأشهر الأربعة ما قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية أن الله تعالى ينفخ الروح في العشرة , ثم ذكر العشر بالتأنيث تغليباً لليالي على الأيام إذا اجتمعت لأن ابتداء الشهور طلوع الهلال ودخول الليل , فكان تغليب الأوائل على الثواني أوْلى. واختلفوا في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين: أحدهما: أن الإِحْدَاد فيها واجب , وهو قول ابن عباس , والزهري. والثاني: ليس بواجب , وهو قول الحسن. روى عبد الله ابن شداد بن الهاد , عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب , قال لي رسول الله ﷺ : (تَسَلَّبي ثَلَاثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ). والإِحْدَادُ: الامتناع من الزينة , والطيب , والترجل , والنُّقْلة.

стр. 401

ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا فَعَلنَّ فِي أَنْفُسِهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإن قيل: فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء أجلهن؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الخطاب تَوَجّه إلى الرجال فيما يلزم النساء من أحكام العِدّة , فإذا بلغن أجلهن ارتفع الجناح عن الرجال في الإنكار عليهن وأخذهن بأحكام عددهن. والثاني: أنه لا جناح على الرجال في نكاحهن بعد انقضاء عِدَدِهن. ثم قوله تعالى: ﴿فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ تأويلان: أحدهما: من طيب , وتزْين , ونقلة من مسكن , وهو قول أبي جعفر الطبري. والثاني: النكاح الحلال , وهو قول مجاهد. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج﴾ [البقرة: ٢٤٠] فإن قيل: فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون متأخراً , قيل هو في التنزيل متأخر , وفي التلاوة متقدم. فإن قيل: فَلِمَ قُدِّم في التلاوة مع تأخره في التنزيل؟ قيل: ليسبق القارىء إلى تلاوته ومعرفة حكمه حتى إن لم يقرأ ما بعده من المنسوخ أجزأه.

стр. 402

﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم﴾

стр. 403

قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أما التعريض , فهو الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح , وأما الخِطبة بالكسر فهي طلب النكاح , وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعْظاً أو بلاغاً. والتعريض المباح في العدة أن يقول لها: ما عليك أَيْمة ولعل الله أن يسوق إليك خيراً , أو يقول: رُبَّ رجلٍ يَرْغب فيك , غلى ما جرى مجرى هذه الألفاظ. ثم قال تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ يعني ما أسررتموه من عقدة النكاح. ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ في السر خمسة تأويلات: أحدها: أنه الزنى , وهو قول الحسن , وأبي مجلز , والسدي , والضحاك وقتادة. والثاني: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عِددهن ألا ينكحن غيركم , وهذا قول ابن عباس , وسعيد بن جبير , والشعبي. والثالث: ألا تنكحوهن في عِددهن سراً , وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: أن يقول لها: لا تفوتني نفسك , وهو قول مجاهد. والخامس: الجماع , وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ معناه: قولوا قولاً معروفاً , وهو التعريض. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحَ حَتَى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. وفي الكلام حذف وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح , يعني التصريح بالخطبة. وفي ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ قولان: أحدهما: معناه فرض الكتاب أجله , يريد انقضاء العدّة , فحذف الفرض اكتفاء بما دل عليه الكلام. والثاني: أنه أراد بالكتاب الفرض تشبيهاً بكتاب.

стр. 404

﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وفيه قولان: أحدهما: معناه ولم تفرضوا لهن فريضة. والثاني: أن في الكلام حذفاً وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة. والفريضة: الصدق وسمي فريضة لأنه قد أوجبه لها , وأصل الفرض: الواجب , كما قال الشاعر: (كانت فريضة ما أتيت كما ... كان الزِّناءُ فَريضةَ الرجْمِ) وكما يقال: فرض السلطان لفلان في الفيء , يعني أوجب له ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسر قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِر قَدَرُهُ﴾ أي أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإقتار. واختلف في قدر المتعة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المتعة الخادم , ودون ذلك الوَرِق , ودون ذلك الكسوة , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه قدر نصف صداق مثلها , وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم , وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: ﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ واختلفوا في وجوبها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة , وهو قول الحسن , وأبي العالية.

стр. 405

والثاني: أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها , فلا متعة لها , وهو قول ابن عمر , وسعيد بن المسيب. والثالث: أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق , وهو قول الشافعي. والرابع: أنها غير واجبة , وإنما الأمر بها ندب وإرشاد , وهو قول شريح , والحكم.

стр. 406

﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ وهو أول الطلاقين لمن كان قبل الدخول كارهاً , لرواية سعيد , عن قتادة , عن شهر بن حوشب , عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الذوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَاتِ). يعني الفراق بعد الذوق. ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني صداقاً ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن , ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾ يعني به عفو الزوجة , ليكون عفوها أدعى إلى خِطْبَتِها , ويرغّب الأزواج فيها.

стр. 407

ثم قال تعالى: ﴿أَو يَعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , وطاووس , والحسن , وعكرمة , والسدي. الثاني: هو الزوج , وبه قال علي , وشريح , وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم , ومجاهد , وأبو حذيفة. والثالث: هو أبو بكر , والسيد في أمته , وهو قول مالك. ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وفي المقصود بهذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه خطاب للزوج وحده , وهو قول الشعبي. والثاني: أنه خطاب للزوج والزوجة , وهو قول ابن عباس. وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقوَى﴾ تأويلان: أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه. والثاني: أقرب إلى اتقاء معاصي الله.

стр. 408

﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ قوله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وفي المحافظة عليها قولان: أحدهما: ذكرها. والثاني: تعجيلها. ثم قال تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وإنما خص الوسطى بالذكر وإن دخلت في جملة الصلوات لاختصاصها بالفضل , وفيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها صلاة العصر , وهو قول عليّ , وأبي هريرة , وأبي سعيد

стр. 409

الخدري , وأبي أيوب , وعائشة , وأم سلمة , وحفصة , وأم حبيبة. روى عمرو بن رافع , عن نافع , عن ابن عمر , عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغتَ مواقيت الصلاة فأخبرني , حتى أخبرك بما سمعت رسول الله ﷺ , فلما أخبرها قالت: أكتب , فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ). وروى محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني , عن عليّ ﵁ قال: لم يُصَلِّ رسول الله ﷺ العصر يوم الخندق إلا بعدما غربت الشمس فقال: (مَا لَهُم مَلأَ اللهُ قُلُوبَهُم وَقُبُورَهُم نَاراً شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ). وروى التيمي , عن أبي صالح , عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الصَّلَاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ). والقول الثاني: أنها صلاة الظهر , وهو قول زيد بن ثابت , وابن عمر. قال ابن عمر: هي التي توجه فيها رسول الله ﷺ إلى القبلة.

стр. 410

وروى ابن الزبير عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة , ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها , قال فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾ وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. والقول الثالث: أنها صلاة المغرب , وهو قول قبيصة بن ذؤيب لأنها ليست بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر , وأن رسول الله ﷺ لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها. والقول الرابع: أنها صلاة الصبح , وهو قول ابن عباس , وأبي موسى الأشعري , وجابر بن عبد الله , قال ابن عباس يصليها بين سواد الليل وبياض النهار , تعلقاً بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ولا صلاة مفروضة يقنت فيها إلا الصبح , ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. والقول الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها , ليكون أبعث لهم على المحافظة على جميعها , وهذا قول نافع , وابن المسيب , والربيع ابن خثيم. وفيها قول سادس: أن الصلاة الوسطى صلاة الجمعة خاصة. وفيها قول سابع: أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات. وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه: أحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً , لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. والثاني: لأنها أوسط الصلاة عدداً , لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان. والثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله , وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى. ثم قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وفيه ستة تأويلات:

стр. 411

أحدها: يعني طائعين , قاله ابن عباس , والضحاك , والشعبي , وسعيد بن جبير , والحسن , وعطاء. والثاني: ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم , وهو قول ابن مسعود , وزيد بن أرقم , والسدي , وابن زيد. والثالث: خاشعين , نهيأ عن العبث والتفلت , وهو قول مجاهد , والربيع بن أنس. والرابع: داعين , وهو مروي عن ابن عباس. والخامس: طول القيام في الصلاة , وهو قول ابن عمر. والسادس: ... . وهو مروي عن ابن عمر أيضا. واختلف في أصل القنوت , على ثلاثة أوجه: أحدها: أن أصله الدوام على أمر واحد. والثاني: أصله الطاعة. والثالث: أصله الدعاء. قوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَو رُكْبَاناً﴾ الرجال جمع راجل , والركبان جمع راكب , مثل قائم وقيام. يعني فإن خفتم من عدوّكم , فصلوا على أرجلكم أو ركائبكم , وقوفاً ومشاة , إلى القبلة وغير القبلة , مومئاً أو غير مومىء , على حسب قدرته. واختلف في قدر صلاته , فذهب الجمهور إلى أنها على عددها تُصَلَّى ركعتين , وقال الحسن: تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفاً. واختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه , فذهب أهل الحجاز إلى سقوط الإِعادة عنه لعذره. وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم , وهو قول ابن زيد.

стр. 412

والثاني: يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له , كما علمكم من أمر دينكم ما لم تكونوا تعلمون.

стр. 413

﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم﴾ الآية. أما الوصية فقد كانت بدل الميراث , ثم نسخت بآية المواريث , وأما الحَوْل فقد كانت عِدّة المتوفى عنها زوجها , ونسخت بأربعة أشهر وعشر. قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ... . . والثاني: أنها لكل مطلقة , وهذا قول سعيد بن جبير وأحد قولي الشافعي. وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب وهو أن الله لمّا قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِر قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فقال رجل: إنْ أحسنتُ فعلت , وإن لم أرد ذلك لم أفعل , فقال الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين﴾ , وهذا قول ابن زيد , وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عاماً - تشريفاً لهم.

стр. 414

﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر

стр. 415

الناس لا يشكرون وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ يعني ألم تعلم. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني مُؤْتَلِفِي القلوب وهو قول ابن زياد. والثاني: يعني ألوفاً في العدد. واختلف قائلو هذا في عددهم على أربعة أقاويل: أحدها: كانوا أربعة آلاف , رواه سعيد بن جبير , عن ابن عباس. والثاني: كانوا ثمانية آلاف. والثالث: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً , وهو قول السدي. والرابع: كانوا أربعين ألفاً , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً , والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف. ثم قال تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوتِ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون , وهذا قول الحسن , ورَوَى سعيد بن جبير قال: كانوا أربعة آلاف , خرجوا فراراً من الطاعون , وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت , فخرجوا , حتَّى إذا كانوا بأرض كذا , قال الله لهم: موتوا فماتوا , فمر عليهم نبي , فدعا ربه أن يحييهم , فأحياهم الله. القول الثاني: أنهم فروا من الجهاد , وهذا قول عكرمة والضحاك. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني فأماتهم الله , كما يقال: قالت السماء فمطرت , لأن القول مقدمة الأفعال , فعبر به عنها. والثاني: أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة.

стр. 416

﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمُ﴾ إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من أنبياء بني إسرائيل , وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام. قال ابن عباس , وابن جريج: رائحة الموت توجد في ولد ذلك السبط من اليهود إلى يوم القيامة. قوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضاً حَسَناً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الجهاد , وهو قول ابن زيد. والثاني: أبواب البر , وهو قول الحسن , ومنه قول الشاعر: (وإذا جُوزِيتَ قَرضاً فاجْزِه ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل) قال الحسن: وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله يستقرض منا , فنحن أغنياء , وهو فقير , فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: سبعمائة ضعف , وهو قول ابن زيد. والثاني: لا يعلمه أحد إلا الله , وهو قول السدي. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني في الرزق , وهو قول الحسن وابن زيد. والثاني: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء , وهو قول الزجاج.

стр. 417

﴿ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا

стр. 418

من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين﴾ قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأ: الجماعة. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم﴾ اختلف أهل التأويل فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سمويل , وهو قول وهب بن منبه. والثاني: يوشع بن نون , وهو قول قتادة. والثالث: شمعون , سمّتْه أُمّه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه , وهو قول السدي. ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلَكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سبب سؤالهم لذلك قولان: أحدهما: أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة , وهو قول السدي. والثاني: أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم , فسألوا قتالهم , وهو قول وهب والربيع.

стр. 419

﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ قال وهب , والسدي: إنما أنكروا أن يكون ملكاً عليهم , لأنه لم يكن من سبط النبوة , ولا من سبط المملكة , بل كان من أخمل سبط في بني إسرائيل.

стр. 420

﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ يعني زيادة في العلم وعظماً في الجسم. واختلفوا هل كان ذلك فيه قبل الملك؟ فقال وهب بن منبه , والسدي: كان له ذلك قبل الملك , وقال ابن زيد: زيادة ذلك بعد الملك. ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وفي واسع ثلاثة أقاويل: أحدها: واسع الفضل , فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ , كما يقال فلان كبير , بمعنى كبير القَدْر. الثاني: أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه. والثالث: أنه بمعنى ذو سعة.

стр. 421

﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ قوله : ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم: إِنَّءَايَةَ مُلْكِهِ﴾ أي علامة ملكه ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ قال وهب ابن منبه: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُم﴾ وفي السكينة ستة تأويلات: أحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان , وهذا قول عليّ ﵇.

стр. 422

والثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء , وهذا قول ابن عباس والسدي. والثالث: أنها روح من الله تعالى يتكلم , وهذا قول وهب بن منبه. والرابع: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها , وهذا قول عطاء بن أبي رباح. والخامس: أنها الرحمة , وهو قول الربيع ابن أنس. والسادس: أنها الوقار , وهو قول قتادة. ثم قال تعالى: ﴿وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَءَالُ مُوسَى وءَالُ هَارُونَ﴾ وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن البقية عصا موسى ورُضاض الألواح , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها العلم والتوراة , وهو قول عطاء. والثالث: أنها الجهاد في سبيل الله , وهو قول الضحاك. والرابع: أنها التوراة وشيء من ثياب موسى , وهو قول الحسن. ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلَائِكَةُ﴾ قال الحسن: تحمله الملائكة بين السماء والأرض , ترونه عياناً , ويقولون: إن آدم نزل بالتابوت , وبالركن. واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم , فقال ابن عباس , ووهب كان في أيدي العمالقة , غلبوا عليه بني إسرائيل , وقال قتادة كان في بريّة التيه , خَلَّفَه هناك يوشع بن نون , قال أبو جعفر الطبري: وبلغني أن التابوت وعصا موسى وبحيرة الطبرية , وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.

стр. 423

﴿فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه

стр. 424

قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ قوله تعالى: ﴿فَلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ وهو جمع جند , والأجناد للقليل , وقيل: إنهم كانوا ثمانين ألف مقاتل. ﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ﴾ اختلفوا في النهر , فَحُكِيَ عن ابن عباس والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين , وقيل إنه نهر فلسطين , قال وهب بن منبه: السبب الذي ابتلوا لأجله بالنهر , شِكَايَتُهم قِلةَ الماء وخوف العطش. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي ليس من أهل ولايتي. ﴿ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ قرأ نافع , وابن كثير , وأبو عمرو بالفتح , وقرأ الباقون (غرفة) بالضم , والفرق بينهما أن الغرفة بالضم اسم للماء المشروب , والغرفة بالفتح اسم للفعل. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنهُم﴾ قال عكرمة: جاز معه النهر أربعة آلاف , ونافق ستة وسبعون ألفاً , فكان داود ممن خلص لله تعالى. قال ابن عباس: إن من استكثر منه عَطِش , ومن اغترف غرفة منه رُوِيَ. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَءَامَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر. واختلفوا , هل تجاوزه معهم كافر أم لا؟ فَحُكِيَ عن البراء , والحسن , وقتادة: أنه ما تجاوزه إلا مؤمن , وقال ابن عباس , والسدي: تجاوزه الكافرون , إلا أنهم انخذلوا عن المؤمنين. ﴿قَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ اختلفوا في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين , وهو قول الحسن , وقتادة , وابن زيد. والثاني: أنهم أهل الكفر الذين انخذلوا , وهو قول ابن عباس , والسدي ,

стр. 425

قال عكرمة: فنافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر , وداود فيهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ اللهِ﴾ وهم المؤمنون الباقون من الأربعة الآلاف. وفي الظن ها هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين , ومعناه الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله كما قال دريد بن الصُّمّة: (فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج ... سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ) أي تيقنوا. والثاني: بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ والفئة: الفرقة ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال الحسن: بنصر الله , وذلك لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي وقع الإِذن فيه. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني بالنصرة والمعونة , وهذا تفسير الآية عند جمهور المفسرين. وذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني , أن هذه الآية مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله للدنيا يشبهها بالنهر , والشارب منه بالمائل إليها والمستكثر منها , والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها , والمغترف منه بيده بالآخذ منها قدر حاجته , وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة.
следующие страницы →