← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ قوله : ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم: إِنَّءَايَةَ مُلْكِهِ﴾ أي علامة ملكه ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ قال وهب ابن منبه: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُم﴾ وفي السكينة ستة تأويلات: أحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان , وهذا قول عليّ ﵇.

стр. 422

والثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء , وهذا قول ابن عباس والسدي. والثالث: أنها روح من الله تعالى يتكلم , وهذا قول وهب بن منبه. والرابع: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها , وهذا قول عطاء بن أبي رباح. والخامس: أنها الرحمة , وهو قول الربيع ابن أنس. والسادس: أنها الوقار , وهو قول قتادة. ثم قال تعالى: ﴿وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَءَالُ مُوسَى وءَالُ هَارُونَ﴾ وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن البقية عصا موسى ورُضاض الألواح , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها العلم والتوراة , وهو قول عطاء. والثالث: أنها الجهاد في سبيل الله , وهو قول الضحاك. والرابع: أنها التوراة وشيء من ثياب موسى , وهو قول الحسن. ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلَائِكَةُ﴾ قال الحسن: تحمله الملائكة بين السماء والأرض , ترونه عياناً , ويقولون: إن آدم نزل بالتابوت , وبالركن. واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم , فقال ابن عباس , ووهب كان في أيدي العمالقة , غلبوا عليه بني إسرائيل , وقال قتادة كان في بريّة التيه , خَلَّفَه هناك يوشع بن نون , قال أبو جعفر الطبري: وبلغني أن التابوت وعصا موسى وبحيرة الطبرية , وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.

стр. 423

﴿فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه

стр. 424

قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ قوله تعالى: ﴿فَلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ وهو جمع جند , والأجناد للقليل , وقيل: إنهم كانوا ثمانين ألف مقاتل. ﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ﴾ اختلفوا في النهر , فَحُكِيَ عن ابن عباس والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين , وقيل إنه نهر فلسطين , قال وهب بن منبه: السبب الذي ابتلوا لأجله بالنهر , شِكَايَتُهم قِلةَ الماء وخوف العطش. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي ليس من أهل ولايتي. ﴿ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ قرأ نافع , وابن كثير , وأبو عمرو بالفتح , وقرأ الباقون (غرفة) بالضم , والفرق بينهما أن الغرفة بالضم اسم للماء المشروب , والغرفة بالفتح اسم للفعل. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنهُم﴾ قال عكرمة: جاز معه النهر أربعة آلاف , ونافق ستة وسبعون ألفاً , فكان داود ممن خلص لله تعالى. قال ابن عباس: إن من استكثر منه عَطِش , ومن اغترف غرفة منه رُوِيَ. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَءَامَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر. واختلفوا , هل تجاوزه معهم كافر أم لا؟ فَحُكِيَ عن البراء , والحسن , وقتادة: أنه ما تجاوزه إلا مؤمن , وقال ابن عباس , والسدي: تجاوزه الكافرون , إلا أنهم انخذلوا عن المؤمنين. ﴿قَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ اختلفوا في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين , وهو قول الحسن , وقتادة , وابن زيد. والثاني: أنهم أهل الكفر الذين انخذلوا , وهو قول ابن عباس , والسدي ,

стр. 425

قال عكرمة: فنافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر , وداود فيهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ اللهِ﴾ وهم المؤمنون الباقون من الأربعة الآلاف. وفي الظن ها هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين , ومعناه الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله كما قال دريد بن الصُّمّة: (فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج ... سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ) أي تيقنوا. والثاني: بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ والفئة: الفرقة ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال الحسن: بنصر الله , وذلك لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي وقع الإِذن فيه. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني بالنصرة والمعونة , وهذا تفسير الآية عند جمهور المفسرين. وذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني , أن هذه الآية مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله للدنيا يشبهها بالنهر , والشارب منه بالمائل إليها والمستكثر منها , والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها , والمغترف منه بيده بالآخذ منها قدر حاجته , وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة.

стр. 426

﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه

стр. 427

مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين﴾ قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ في الهزيمة قولان: أحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً. والثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صارواْ سبباً لها , فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء. ويحتمل قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وجهين: أحدهما: بأمر الله لهم بقتالهم. الثاني: بمعونة الله لهم على قتالهم. ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ حكي أن جالوت خرج من صفوف عسكره يطلب البِراز؟ فلم يخرج إليه أحد , فنادى طالوت في عسكره: مَنْ قتل جالوت فلهُ شطر مُلكي وأزوّجه ابنتي , فجاء داود وقد أخذ ثلاثة أحجار , وكان قصيراً يرعى الغنم , وقد ألقى الله في نفسه أنه سيقتل جالوت , فقال لطالوت: أنا أقتل جالوت , فازدراه طالوت حين رآه , وقال له: هل جربت نفسك بشيء؟ قال نعم , قال: بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي فضربته , ثم أخذت رأسه فقطعته في جسمه , فقال طالوت: الذئب ضعيف , فهل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم , دخل الأسد في غنمي , فضربته ثم أخذت بِلَحْيَيْه فشققتها , أفترى هذا أشد من الأسد , قال: لا , وكان عند طالوت درع سابغة لا تستوي إلا على من يقتل جالوت , فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت , وسار إلى جالوت فرماه بحجر فوقع بين عينيه وخرج من قفاه , فأصاب جماعة من عسكره فقتلهم وانهزم القوم عن آخرهم , وكانوا على ما حكاه عكرمة تسعين ألفاً. واختلفواْ , هل كان داود عند قتله جالوت نبياً؟ ذهب بعضهم أنه كان نبياً , لأن هذا الفعل الخارج عن العادة , لا يكون إلا من نبي , وقال الحسن: لم يكن نبياً , لأنه لا يجوز أن يُوَلي مَنْ ليس بنبي على نبي. قال ابن السائب وإنما كان

стр. 428

راعياً فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد. ثم إن طالوت ندم على ما بذله لداود من مشاطرته ملكه وتزويجه ابنته , واختلفوا هل كان ندمه قبل تزويجه ومشاطرته , أم بعد , على قولين: أحدهما: أن طالوت وَفَّى بشرطه , وزوج داود بإبنته , وخلطه في ملكه بنفسه ثم حسده , فندم , وأراد قتله , فعلمت بنته بأنه يريد قتل زوجها , وكانت من أعقل النساء , فنصبت له زِق خمر بالمسك , وألقت عليه ليلاً ثياب داود , فأقبل طالوت , وقال لها: أين زوجك؟ فأشارت إلى الزق , فضربه بالسيف , فانفجر منه الخمر وسطع ريح المسك , فقال يرحمك الله يا داود طبت حياً وميتاً , ثم أدركته الندامة , فجعل ينوح عليه ويبكي , فلما نظرت الجارية إلى جَزَعِ أبيها , أخبرته الخبر , ففرح , وقاسم داود على شطر ملكه , وهذا قول الضحاك , فعلى هذا يكون طالوت على طاعته حين موته , لتوبته من معصيته. والقول الثاني: أنه ندم قبل تزويجه على شرطه وبذله , وعرّض داود للقتل , وقال له إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق أمثالهن , وأنت رجل جريء , فاجعل صداقها قتل ثلاثمائة من أعدائنا , وكان يرجو بذلك أن يقتل , فغزا داود وأسر ثلاثمائة , فلم يجد طالوت بداً من تزويجه , فزوجه بها , وزاد ندامة فأراد قتله , وكان يدس عليه حتى مات , وهذا قول وهب بن منبه , فعلى هذا مات طالوت على معصيته لأنه لم يتب من ذنبه. وروى مكحول , عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللهُ أَرْحَامَهُم فَلَا يَتَوَاصَلُونَ حُبَّاً لِلْمُلْك حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم لَيَقْتُلَ الأَبَ وَالإِبْنَ وَالأَخَ وَالعَمَّ , إِلَاّ أَهْلُ التَّقْوَى وَقَلِيلٌ مَّا هُم , وَلَزوَالُ جَبَلٍ عَن مَّوضِعِهِ أَهْوَنُ مِنْ زَوَالِ مُلْكِ لَمْ يَنْقَضِ). ﴿وَءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني داود , يريد بالملك السلطان وبالحكمة النبوة وكان ذلك عند موت طالوت بعد سبع سنين من قتل جالوت على ما حكاه ابن السائب.

стр. 429

ويحتمل وجهاً ثانياً: أن الملك الانقياد إلى طاعته , والحكمة: العدل في سيرته ويكون ذلك بعد موت طالوت عند تفرده بأمور بني إسرائيل. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: صنعة الدروع والتقدير في السرد. والثاني: كلام الطير وحكمة الزبور. ويحتمل ثالثاً: أنه فعل الطاعات والأمر بها , واجتناب المعاصي والنهي عنها , فيكون على الوجه الأول ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ داود , وعلى الثاني: ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ الله , وعلى الثالث ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ الله ويشاء داود. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرضُ﴾. في الدفع قولان: أحدهما: أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر , قاله عليّ كرم الله وجهه. والثاني: يدفع بالمجاهدين عن القاعدين قاله ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لفسد أهل الأرض. والثاني: لعم الفساد في الأرض. وفي هذا الفساد وجهان: أحدهما: الكفر. والثاني: القتل.

стр. 430

﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا

стр. 431

فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون﴾ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الآخرة , لتفاضلهم في الأعمال , وتحمل الأثقال. والثاني: في الدنيا بأن جعل بعضهم خليلاً , وبعضهم كليماً , وبعضهم مَلِكاً , وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين , وأحيا ببعضهم الموتى , وأبرأ الأكمه , والأبرص. ويحتمل وجهاً ثالثاً: بالشرائع , فمنهم من شرع , ومنهم من لم يشرع. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن أوحى إلى بعضهم في منامه , وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته. والثاني: أن بعث بعضهم إلى قومه , وبعث بعضهم إلى كافة الناس. ﴿وَءَاتَينَا عيسَى ابْنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الحُجَجُ الواضحة , والبراهين القاهرة. والثاني: أن خلقه من ذكر. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بجبريل. والثاني: بأن نفخ فيه من رُوحه. ﴿وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة. والثاني: ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان , ولما حصل فهيم خيار.

стр. 432

﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ قوله تعالى: ﴿اللهُ لآَ إِلهَ إِلَاّ هُوَ﴾ الآية. مُخْرَجة مخرج النفي أن يصح إله سوى الله , وحقيقته إثبات إله واحد وهو الله , وتقديره: الله الإله دون غيره. ﴿الْحَيُّ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه سمى نفسه حياً لصَرْفِه الأمور مصارِفها , وتقدير الأشياء مقاديرها , فهو حي بالتقدير لا بحياة. والثاني: أنه حي بحياة هي له صفة. والثالث: أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به , فقلناه تسليماً لأمره. والرابع: أن المراد بالحي الباقي , قاله السدي , ومنه قول لبيد: (إذا ما تَرَيَنِّي اليومَ أصْبَحْتُ سَالِماً ... فَلَسْتُ بِأحْيَا مِن كِلابٍ وَجَعْفَرِ) ﴿الْقَيُّومُ﴾ قرأ عمر بن الخطاب القيام. وفيه ستة تأويلات: أحدها: القائم بتدبير خلقه , قاله قتادة. والثاني: يعني القائم على كل نفس بما كسبت , حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به , لا يخفى عليه شيء منه , قاله الحسن. والثالث: معنى القائم الوجود , وهو قول سعيد بن جبير. والرابع: أنه الذي لا يزول ولا يحول , قاله ابن عباس. والخامس: أنه العالم بالأمور , من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب , أي هو عالم به.

стр. 433

والسادس: أنه اسم من أسماء الله , مأخوذ من الاستقامة , قال أمية بن أبي الصلت: (لم تُخلَق السماءُ والنجوم ... والشمسُ معها قمر يقوم) (قدّرهَا المهيمن القيوم ... والحشر والجنة والحميم) ٨٩ (إلاّ لأمرٍ شأنه عظيم﴾ ٩ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِّنةُ: النعاس في قول الجميع , والنعاس ما كان في الرأس , فإذا صار في القلب صار نوماً , وفرَّق المفضل بينهما , فقال: السِّنة في الرأس , والنعاس في العين , والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه , قال عدي بن الرقاع: (وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم) ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم , وما خلفهم: هو ما بعد موتهم. والثاني: ما بين أيديهم: ما أظهروه , وما خلفهم: ما كتموه. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَآءَ﴾ أي من معلومه إلا أن يطلعهم عليه ويعلمهم إياه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ في الكرسي قولان: أحدهما: أنه من صفات الله تعالى. والثاني: أنه من أوصاف ملكوته. فإذا قيل إنه من صفات ففيه أربعة أقاويل:

стр. 434

أحدها: أنه علم الله , قاله ابن عباس. والثاني: أنه قدرة الله. والثالث: ملك الله. والرابع: تدبير الله. وإذا قيل إنه من أوصاف ملكوته ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العرش , قاله الحسن. والثاني: أنه سرير دون العرش. والثالث: هو كرسي تحت العرش , والعرش فوق الماء. وأصل الكرسي العلم , ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب: كراسة , قال أبو ذؤيب: (مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق) وقيل للعلماء: الكراسي , لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض , لأنهم الذين بهم تصلح الأرض , قال الشاعر: (يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ) أي علماء بحوادث الأمور , فدلت هذه الشواهد , على أن أصح

стр. 435

تأويلاته , ما قاله ابن عباس , أنه علم الله تعالى. وقرأ يعقوب الحضرمي: وُسْعُ كرسيِّه السمواتُ والأرضُ بتسكين السين من وسع وضم العين ورفع السموات والأرض على الابتداء والخبر , وفي تأويله وجهان: أحدهما: لا يثقله حفظهما في قول الجمهور. والثاني: لا يتعاظمه حفظهما , حكاه أبان بن تغلب. وأنشد: (ألا بكِّ سلمى اليوم بت جديدها ... وضَنّت وما كان النوال يؤودها) واختلفوا في الكناية بالهاء إلى ماذا تعود؟ على قولين: أحدهما: إلى اسم الله , وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض. والثاني: تعود إلى الكرسي , وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ في العلي تأويلان: أحدهما: العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان. والثاني: العلي عن الأشباه والأمثال. وفي الفرق بين العلي والعالي , وجهان محتملان: أحدهما: أن العالي هو الموجود في محل العلو , والعلي هو مستحق العلو. والثاني: أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه , والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه , فعلى هذا الوجه , يجوز أن نصف الله بالعليّ , ولا يجوز أن نصفه بالعالي , وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعاً.

стр. 436

﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن

стр. 437

بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾ قوله تعالى: ﴿لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ذلك في أهل الكتاب , لا يُكْرَهُون على الدين إذا بذلوا الجزية , قاله قتادة. والثاني: أنها نزلت في الأنصار خاصة , كانت المرأة منهم تكون مِقْلَاةً لا يعيش لها ولد , فتجعل على نفسها , إن عاش لها ولد أن تهوّده , ترجو به طول العمر , وهذا قبل الإسلام , فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير , كان فيهم من أبناء الأنصار , فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية , قاله ابن عباس. والثالث: أنها منسوخة بفرض القتال , قاله ابن زيد. ﴿فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ﴾ فيه سبعة أقوال: أحدها: أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب. والثاني: أنه الساحر , وهو قول أبي العالية. والثالث: الكاهن , وهو قول سعيد بن جبير. والرابع: الأصنام. والخامس: مَرَدَة الإنس والجن. والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله , فيعبد من دونه , إما بقهر منه لمن عبده , أو بطاعة له , سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً , وهذا قول أبي جعفر الطبري. والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء , كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 438

واختلفوا في ﴿الطَّاغُوتِ﴾ على وجهين: أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب , يقع على الواحد والجماعة. والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية , قاله ابن بحر. ﴿وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: هي الإيمان الله , وهو قول مجاهد. والثاني: سنة الرسول. والثالث: التوفيق. والرابع: القرآن , قاله السدي. ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: لا انقطاع لها , قاله السدي. والثاني: لا انكسار لها , وأصل الفصم: الصدع.

стр. 439

﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَءَامَنُوا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يتولاهم بالنصرة. والثاني: بالإرشاد. ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى , قاله قتادة. والثاني: يخرجهم من ظلمات العذاب في النار , إلى نور الثواب في الجنة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يكون على وجهين: أحدهما: يخرجونهم من نور الهدى إلى ظلمات الضلالة.

стр. 440

والثاني: يخرجونهم من نور الثواب إلى ظلمة العذاب في النار. وعلى وجه ثالث لأصحاب الخواطر: أنهم يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الهوى. فإن قيل: فكيف يخرجونهم من النور , وهم لم يدخلوا فيه؟ فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين , قاله مجاهد. والثاني: أنها نزلت فيمن لم يزل كافراً , وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه , فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه. وفيه وجه ثالث: أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم , فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم.

стр. 441

﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ﴾ هو النمرود بن كنعان , وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية. ﴿أَنْءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: هو النمرود لما أوتي الملك حاجَّ في الله تعالى , وهو قول الحسن. والثاني: هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود , قاله أبو حذيفة. وفي المحاجّة وجهان محتملان: أحدهما: أنه معارضة الحجة بمثلها. والثاني: أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها.

стр. 442

﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ: أَنَا أُحْي وَأُمِيتُ﴾ يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء , ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل , فعارض اللفظ بمثله , وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ فإن قيل: فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها , وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة. والجواب الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه , قطعاً له واستظهاراً عليه قال: ﴿فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ فإن قيل فَهَلَاّ عارضه النمرود بأن قال: فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة. والجواب الثاني: أنه علم بما رأى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني تحيّر. والثاني: معناه انقطع , وهو قول أبي عبيدة. وقرئ: فَبَهَت الذي كفر بفتح الباء والهاء بمعنى أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان. ﴿واللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يعينهم على نصرة الظلم. والثاني: لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم. ويحتمل الظلم هنا وجهين: أحدهما: أنه الكفر خاصة. والثاني: أنه التعدي من الحق إلى الباطل.

стр. 443

﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ اختلفوا في الذي مر على قرية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عزيز , قاله قتادة. والثاني: أنه إرْمياء , وهو قول وهب. والثالث: أنه الخَضِر , وهو قول ابن إسحاق , واختلفوا في القرية على قولين: أحدهما: هي بيت المقدس لما خرّبه بُخْتنصَّر , وهذا قول وهب وقتادة. والربيع بن أنس. والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت , قاله ابن زيد. ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ في الخاوية قولان: أحدهما: الخراب , وهو قول ابن عباس , والربيع , والضحاك. والثاني: الخالية. وأصل الخواء الخلو , يقال خوت الدار إذا خلت من أهلها , والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: على أبنيتها , والعرش: البناء. ﴿قَالَ أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعمرها بعد خرابها. والثاني: يعيد أهلها بعد هلاكهم.

стр. 444

﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ﴾ أي مكث. ﴿قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأن الله تعالى أماته في أول النهار , وأحياه بعد مائة عام آخر النهار , فقال: يوماً , ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ﴿قَالَ: بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لم يتغير , من الماء الآسن وهو غير المتغير , قال ابن زيد: والفرق بين الآسن والآجن أن الآجن المتغير الذي يمكن شربه والآسن المتغير الذي لا يمكن شربه. والثاني: معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيراً , قاله أبو عبيد. قيل: إن طعامه كان عصيراً وتيناً وعنباً , فوجد العصير حلواً , ووجد التين والعنب طرياً جنيّاً. فإن قيل: فكيف علم أنه مات مائة عام ولم يتغير فيها طعامه؟ قيل: إنه رجع إلى حاله فعلم بالآثار والأخبار , وأنه شاهد أولاد أولاده شيوخاً , وكان قد خلف آباءهم مُرْداً أنه مات مائة عام. وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أن عزيراً خرج من أهله وخلف امرأته حاملاً وله خمسون سنة , فأماته الله مائة عام , ثم بعثه فرجع إلى أهله , وهو ابن خمسين سنة , وله ولد هو ابن مائة سنة , فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة , وهو الذي جعله الله آية للناس. وفي قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ قراءتان: إحداهما: ننشرُها بالراء المهملة , قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو , ومعناه نحييها. والنشور: الحياة بعد الموت , مأخوذ من نشر الثوب , لأن الميت

стр. 445

كالمطوي , لأنه مقبوض عن التصرف بالموت , فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل: نُشِرَ وأُنشِر. والقراءة الثانية: قرأ بها الباقون ننشِزُها بالزاي المعجمة , يعني نرفع بعضها إلى بعض , وأصل النشوز الارتفاع , ومنه النشز اسم للموضع المرتفع من الأرض , ومنه نشوز المرأة لارتفاعها عن طاعة الزوج. وقيل إِنَّ الله أحيا عينيه وأعاد بصره قبل إحياء جسده , فكان يرى اجتماع عظامه واكتساءها لحماً , ورأى كيف أحيا الله حماره وجمع عظامه. واختلفوا في القائل له: كم لبثت على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ملك. والثاني: نبي. والثالث: أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه.

стр. 446

﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْي الْمَوْتَى﴾ اختلفوا لِمَ سأله عن ذلك؟ على قولين: أحدهما: أنه رأى جيفة تمزقها السباع فقال ذلك , وهذا قول الحسن , وقتادة , والضحاك. والثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء , قاله ابن إسحاق. ولأي الأمرين كان , فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال. ولذلك قال الله تعالى له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 447

أحدها: يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه , هكذا قال الحسن , وقتادة , وسعيد بن جبير , والربيع , ولا يجوز ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك , لأن الشك في ذلك كفر لا يجوز على نبي. والثاني: أراد ليطمئن قلبي أنك أجبت مسألتي , واتخذتني خليلاً كما وعدتني , وهذا قول ابن السائب. والثالث: أنه لم يرد رؤية القلب , وإنما أراد رؤية العين , قاله الأخفش. ونفر بعض من قال بغوامض المعاني من هذا الالتزام وقال: إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب بالإيمان , وهذا التأويل فاسد بما يعقبه من البيان. وليست الألف في قوله: ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِن﴾ ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب كقول جرير: (ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح) ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ فيها قولان: أحدهما: هن: الديك , والطاووس , والغراب , والحمام , قاله مجاهد. والثاني: أربعة من الشقانين , قاله ابن عباس. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأت الجماعة بضم الصاد , وقرأ حمزة وحده بكسرها , واختلف في الضم والكسر على قولين: أحدهما: أن معناه متفق ولفظهما مختلف , فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أقاويل: أحدها: معناه انْتُفْهُنَّ بريشهن ولحومهن , قاله مجاهد. والثاني: قَطِّعْهُن , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير , والحسن. قال الضحاك: هي بالنبطية صرتا , وهي التشقق.

стр. 448

والثالث: اضْمُمْهُن إليك , قاله عطاء , وابن زيد. والرابع: أَمِلْهُن إليك , والصور: الميل , ومنه قول الشاعر في وصف إبل: (تظَلُّ مُعقّلات السوق خرساً ... تصور أنوفها ريح الجنوب) والقول الثاني: أن معنى الضم والكسر مختلف , وفي اختلافهما قولان: أحدهما: قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم: اجْمَعْهن , وبالكسر: قَطِّعْهُنّ. والثاني: قاله الكسائي ومعناه بالضم أَمِلْهُنّ , وبالكسر: أقْبِلْ بهن. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها كانت أربعة جبال , قاله ابن عباس , والحسن , وقتادة. والثاني: أنها كانت سبعة , قاله ابن جريج , والسدي. والثالث: كل جبل , قاله مجاهد. والرابع: أنه أراد جهات الدنيا الأربع , وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب , فمثّلها بالجبال , قاله ابن بحر. واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً , أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً , ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه , وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه فَرَّقَهُن أحياء , ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه , يستدل بعودهن إليه بالدعاء , على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً , ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له , قاله ابن بحر. والجزء من كل شيء هو بعضه سواءً كان منقسماً على صحة أو غير منقسم , والسهم هو المنقسم عليه جميعه على صحة. فإنْ قيل: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فعنه جوابان: أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف , وما سأله إبراهيم خاص يصح.

стр. 449

والثاني: أن الأحوال تختلف , فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة , وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. قال ابن عباس: أمر الله إبراهيم بهذا قبل أن يولد له , وقبل أن يُنَزِّلَ عليه الصُّحُف. وحُكِيَ: أن إبراهيم ذبح الأربعة من الطير , ودق أجسامهن في الهاون لا روحهن , وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال , ثم جعل مناقيرها بين أصابعه , ثم دعاهن فأتين سعياً , تطاير اللحم إلى اللحم , والجلد إلى الجلد , والريش إلى الريش , فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى من وصّى بجزء من ماله لرجل أنها وصية بالعُشْر , لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال.

стр. 450

﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني في الجهاد , قاله ابن زيد. والثاني: في أبواب البر كلها. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبَّةٍ﴾ ضرب الله ذلك مثلاً في أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف , وفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات قولان: أحدهما: أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها , قاله ابن زيد. والثاني: يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف , قاله الضحاك. ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. والثاني: يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء.

стр. 451

﴿وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: واسع لا يَضِيق عن الزيادة , عليم بمن يستحقها , قاله ابن زيد. والثاني: واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة , عليم بما كان من النفقة. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: واسع القدرة , عليم بالمصلحة.

стр. 452

﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنِفقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّاً وَلآَ أَذىً﴾ المَنّ في ذلك أن يقول: أحسنت إليك ونعّشتك , والأذى أن يقول: أنت أباداً فقير , ومن أبلاني بك , مما يؤذي قلب المُعْطَى. ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يعني ما استحقوه فيما وعدهم به على نفقتهم. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا خوف عليهم في فوات الأجر. والثاني: لا خوف عليهم في أهوال الآخرة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يحزنون على ما أنفقوه. والثاني: لا يحزنون على ما خلفوه. وقيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ﵁ فيما أنفقه على جيش العسرة في غزاة تبوك.

стр. 453

قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ يعني قولاً حسناً بدلاً من المن والأذى ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يدني إن أعطى. والثاني: يدعو إن منع. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: يعني العفو عن أذى السائل. والثاني: يعني بالمغفرة السلامة من المعصية. والثالث: أنه ترك الصدقة والمنع منها , قاله ابن بحر. والرابع: هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به. ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ يحتمل الأذى هنا وجهين: أحدهما: أنه المنّ. والثاني: أنه التعيير بالفقر. ويحتمل قوله: ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ وجهين: أحدهما: خير منها على العطاء. والثاني: خير منها عند الله. رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (المنّانُ بِمَا يُعْطِي لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ القَيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ وَلَا يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ يريد إبطال الفضل دون الثواب. ويحتمل وجهاً ثانياً: إبطال موقعها في نفس المُعْطَى. ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ﴾ القاصد بنفقته

стр. 454

الرياء غير مُثَابٍ , لأنه لم يقصد وجه الله , فيستحق ثوابه , وخالف صاحب المَنِّ والأذى القاصِدَ وجه الله المستحق ثوابه , وإن كرر عطاءَه وأبطل فضله. ثم قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ الصفوان: جمع صفوانة , وفيه وجهان: أحدهما: أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه. والثاني: أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة , حكاه أبان بن تغلب. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر العظيم القَطْرِ , العظيم الوَقْع. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ الصلد من الحجارة ما صَلُبَ , ومن الأرض مَا لَمْ ينبت , تشبيهاً بالحجر الذي لا ينبت. ﴿لَاّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ يعني مما أنفقوا , فعبَّر عن النفقة بالكسب , لأنهم قصدوا بها الكسب , فضرب هذا مثلاً للمُرَائِي في إبطال ثوابه , ولصاحب المَنِّ والأَذَى في إبطال فضله.

стр. 455

﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: في نُصرة أهل دينه من المجاهدين. والثاني: في معونة أهل طاعته من المسلمين. ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين , والنصرة في الدين , وهو معنى قول الشعبي , وابن زيد , والسدي.

стр. 456

والثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم , قاله الحسن , ومجاهد. والثالث: يعني احتساباً لأنفسهم عند الله , قاله ابن عباس , وقتادة. والرابع: توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله , قاله بعض المتكلمين. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ في الربوة قولان: أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض , وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه. والثاني: كل ما ارتفع عن مسيل الماء , قاله اليزيدي. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ في الوابل وجهان: أحدهما: المطر الشديد. والثاني: الكثير , قال عدي بن زيد: (قليل لها مني وإن سخطت بأن ... أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا) ﴿فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ وإنما خص الربوة لأن نبتها أحسن , وريعها أكثر , قال الأعشى: (ما روضة من رياض الحزن معيشة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل) والأُكُل , بالضم: الطعام لأن من شأنه أن يؤكل. ومعنى ضعفين: مثلين , لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه , وضعفاه: مثلاه زائداً عليه , وقيل ضعف الشيء مثلاه , والأول قول الجمهور. ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطل: الندى , وهو دون المطر , والعرب تقول: الطل أحد المطرين , وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً , وفيه وإن قل تماسكٌ ونَفْعٌ , فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع , وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع , ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره , كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر.

стр. 457

﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها

стр. 458

الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وهي البستان. ﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ لأنه من أنفس ما يكون فيها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأْنْهَارُ﴾ لأن أنفسها ما كان ماؤها جارياً. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه , فكان أضعف أملاً وأعظم حسرة. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ لأنه على الضعفاء أحَنّ , وإشفاقه عليهم أكثر. ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ وفي الإعصار قولان: أحدهما: أنه السَّمُوم الذي يقتل , حكاه السدي. والثاني: الإعصار ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود تسميها العامة الزوبعة , قال الشاعر: ( ... ... ... ... ... ... ... ... إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً) وإنما قيل لها إعصار لأنها تَلْتَفُّ كالتفاف الثوب المعصور. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يوضح لكم الدلائل. والثاني: يضرب لكم الأمثال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تعتبرون , لأن المفكر معتبر. والثاني: تهتدون , لأن الهداية التَّفَكُّر. واختلفوا في هذا المثل الذي ضربه الله في الحسرة لسلب النعمة , من المقصود به؟ على ثلاثة أقاويل:

стр. 459

أحدها: أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها , قاله السدي. والثاني: هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى , قاله مجاهد. والثالث: هو مثل للذي يختم عمله بفساد , وهو قول ابن عباس.

стр. 460

﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني به الذهب والفضة , وهو قول عليّ ﵇. والثاني: يعني التجارة , قاله مجاهد. والثالث: الحلال. والرابع: الجيد. ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ من الزرع والثمار. وفي الكسب وجهان محتملان: أحدهما: ما حدث من المال المستفاد. والثاني: ما استقر عليه المِلك من قديم وحادث. واختلفوا في هذه النفقة على قولين: أحدهما: هي الزكاة المفروضة قاله عبيدة السلماني.
следующие страницы →