← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والثاني: أن اشتقاقهما من القدرة , قال الشاعر: (مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا) والفرق بين المالك والملك من وجهين: أحدهما: أن المالك مَنْ كان خاصَّ المُلكِ , والملِك مَنْ كان عَامَّ المُلْك. والثاني: أن المالك من اختص بملك الملوك , والملك من اختص بنفوذ الأمر. واختلفوا أيهما أبلغ في المدح , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المَلِك أبلغ في المدح من المالك , لأنَّ كلَّ مَلِكٍ مالِكٌ , وليسَ كلُّ مالِكٍ ملِكاً , ولأن أمر الملِكِ نافذ على المالِكِ. والثاني: أن مالك أبلغ في المدح من مَلِك , لأنه قد يكون ملكاً على من لا يملك , كما يقال ملك العرب , وملك الروم , وإن كان لا يملكهم , ولا يكون مالكاً إلا على من يملك , ولأن المَلِك يكون على الناس وغيرهم. والثالث: وهو قول أبي حاتم , أن مَالِك أبلغ في مدح الخالق من مَلِك , ومَلِك أبلغ من مدح المخلوق من مالك. والفرق بينهما , أن المالك من المخلوقين , قد يكون غير ملك , وإن كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً , فإن وُصف الله تعالى بأنه ملك , كان ذلك من صفات ذاته , وإن وصف بأنه مالك , كان من صفات أفعاله. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ففيه تأويلان: أحدهما: أنه الجزاء. والثاني: أنه الحساب. وفي أصل الدين في اللغة قولان:

стр. 37

أحدهما: العادة , ومنه قول المثقَّب العَبْدِي: (تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهذَا دِينُهُ أَبَداً وَدينِي) أي عادته وعادتي. والثاني: أنَّ أصل الدين الطاعة , ومنه قول زهير بن أبي سُلمى: (لَئِن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ ... في دِينِ عَمْرٍو وَمَالتْ بَيْنَنَا فَدَكُ) أي في طاعة عمرو. وفي هذا اليوم قولان: أحدهما: أنه يوم , ابتداؤه طلوع الفجر , وانتهاؤه غروب الشمس. والثاني: أنه ضياء , يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه , فيستقر أهل الجنة في الجنة , وأهل النار في النار. وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان: أحدهما: أنه يوم ليس فيه ملك سواه , فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك , وهذا قوله الأصم. والثاني: أنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ , يريد به ملك الدنيا , قال بعده: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يريد به ملك الآخرة , ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة.

стр. 38

﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قوله : ﴿إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ هو كناية عن اسم الله تعالى , وفيه قولان: أحدهما: أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف , وهذا قول الخليل. والثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى , وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف , وهذا قول الأخفش. وقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العبادة الخضوع , ولا يستحقها إلا الله تعالى , لأنها أعلى

стр. 39

مراتب الخضوع , فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم , كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. والأول أظهرها , لأن النصارى عبدت عيسى ﵇ , ولم تطعه بالعبادة , والنبي ﷺ مطاع , وليس بمعبودٍ بالطاعة.

стр. 40

﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم﴾ إلى آخرها. أما قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ففيه تأويلان: أحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. والثاني: معناه وفقنا , وهذا قول ابن عباس. وأما الصراط ففيه تأويلان: أحدهما: أنه السبيل المستقيم , ومنه قول جرير: (أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ ... إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم) والثاني: أنه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾ [الأعراف: ٨ ٦] وقال الشاعر: ( ... ... ... ... ... ... . ... فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ) وهو مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام , وهو ممره في الحلق. وفي الدعاء بهذه الهداية , ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم دعوا باستدامة الهداية , وإن كانوا قد هُدُوا. والثاني: معناه زدنا هدايةً

стр. 41

والثالث: أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة , ورجاءً لثواب الدعاء. واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم , على أربعة أقاويل: أحدها: أنه كتاب الله تعالى , وهو قول علي وعبد الله , ويُرْوَى نحوه عن النبي ﷺ . والثاني: أنه الإسلام , وهو قول جابر بن عبد الله , ومحمد بن الحنفية. والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى , الذي لا عوج فيه , وهو قول ابن عباس. والرابع: هو رسول الله ﷺ وأخيار أهل بيته وأصحابه , وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الملائكة. والثاني: أنهم الأنبياء.

стр. 42

والثالث: أنهم المؤمنون بالكتب السالفة. والرابع: أنهم المسلمون وهو قول وكيع. والخامس: هم النبي ﷺ , ومَنْ معه مِنْ أصحابه , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير: (صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقد روى عن عديِّ بن حاتم قال: سألتُ رسول الله ﷺ , عن المغضوب عليهم , فقال: (هُمُ اليَهُود) وعن الضالين فقال: (هُمُ النَّصارى).

стр. 43

وهو قول جميع المفسرين. وفي غضب الله عليهم , أربعة أقاويل: أحدها: الغضب المعروف من العباد. والثاني: أنه إرادة الانتقام , لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة , وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى. والثالث: أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم. والرابع: أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً , كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً. والضلال ضد الهدى , وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب , لأنهم أشد عداوة. وقرأ عمر بن الخطاب (غَيْرِ الْمغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّآلِّين).

стр. 44

سورة البقرة

стр. 45

﴿الم﴾ قوله : ﴿الم﴾ اختلف فيه المفسرون على ثمانية أقاويل: أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن كالفرقان والذكر , وهو قوله قتادة وابن جريج (٨٨). والثاني: أنه من أسماء السور , وهو قول زيد ابن أسلم. والثالث: أنه اسم الله الأعظم , وهو قول السدي والشعبي.

стр. 46

والرابع: أنه قسم أقسم الله تعالى به , وهو من أسمائه , وبه قال ابن عباس وعكرمة. والخامس: أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال , فالألف من أنا واللام من الله , والميم من أعلم , فكان معنى ذلك: أنا الله أعلم , وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن جبير , ونحوه عن ابن عباس أيضاً. والسادس: أنها حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ مختلفة , فالألف مفتاح اسمه الله , واللام مفتاح اسمه لطيف , والميم مفتاح اسمه مجيد , والألف آلاء الله , والميم مجدُه , والألِفُ سَنَةٌ , واللامُ ثلاثون سنة , والميم أربعون سنة , آجال قد ذكرها الله. والسابع: أنها حروف من حساب الجمل , لما جاء في الخبر عن (٩١) عن الكلبي , عن أبي صالح , عن ابن عباس وجابر بن عبد الله , قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة: ﴿الم. ذلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُيَيَّ بْنَ أَخْطبَ في رجال من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل اللهُ عليك: ﴿الم. ذلك

стр. 47

الكِتَابُ﴾ فقال رسول الله ﷺ : (بلى) , فقالوا: (أجاءك بها جبريل من عند الله). قال: (نعم) , قالوا: (لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلم أنه بُيِّنَ لنبي منهم مدة ملكه وما أُكل أمته غيرك) , فقال حُيَيُّ بن أخطب وأقبل على من كان معه , فقال لهم: (الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة) , ثم أقبل على رسول الله ﷺ , ثم قال: (يا محمد هل كان مع هذا غيره)؟ , قال: (نعم) , قال: (ماذا)؟ قال: (المص) , قال هذه أثقل وأطول , الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون , والصاد تسعون , فهذه إحدى وستون ومائة سنة , فهل مع هذا يا محمد غيره (, قال:) نعم (, قال:) ماذا (قال:) الر (قال:) هذه أثقل وأطول , الألف واحد , واللام ثلاثون , والراء مائتان , فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنةٍ , فهل مع هذا يا محمد غيره (, قال:) نعم (قال:) ماذا (؟ , قال:) المر (, قال هذه أثقل وأطول , الألف واحدة , واللام ثلاثون , والميم أربعون , والراء مائتان , فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. . , ثم قال:) لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً (, ثم قاموا عنه , فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيَّ بن أخطبَ ولمن معه من الأحبار:) ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون , وإحدى وستون ومائة , وإحدى وثلاثون ومائتان , وإحدى وسبعون ومائتان , فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة (, قالوا:) لقد تشابه علينا أمره (. فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. والثامن (٩٢): أنه حروف هجاء أَعلم الله تعالى بها العَرَب حين تحداهم بالقرآن , أنه مُؤلَف من حروف كلام , هي هذه التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم , إذ لم يخرج عن كلامهم. فأما حروف أبجدَ فليس بناء كلامهم عليها , ولا هي أصل , وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقاويل:

стр. 48

أحدها: أنها الأيام الستة , التي خلق الله تعالى فيها الدنيا , وهذا قول الضحاك بن مزاحم (٩٣). والثاني: أنها أسماء ملوك مَدْيَن , وهذا قول الشعبي وفي قول بعض شعراء مَدْيَن دليل على ذلك قال شاعرهم: (أَلَا يَا شُعَيْبٌ قَدْ نَطَقْتَ مَقَالةً ... سَبَبْتَ بِهَا عَمْراً وَحَيَّ بني عَمْرو) (مُلُوكُ بني حطّى وَهَوَّزُ مِنْهُمُ ... وَسَعْفَصُ أَصْلٌ لِلْمَكَارِمِ وَالْفَخْرِ) (هُمُ صَبَّحُوا أَهْلَ الحِجَازِ بغارَةٍ ... كَمِثْل شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ مَطْلَعِ الْفَجْرِ) والثالث: ما روى ميمون بن مهران (٩٤) , عن ابن عباس , أن لأبي جاد حديثاً عجباً: (أبى) آدمُ الطاعة , و (جد) في أكل الشجرة , وأما (هوّز) , فنزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض , وأما (حطي) فحطت خطيئته , وأما (كلمن) فأكل من الشجرة , ومَنَّ عليه بالتوبة , وأما (سعفص) فعصى آدم , فأُخرج من النعيم إلى النكد , وأما قرشت فأقرّ بالذنب , وسَلِمَ من العقوبة (٩٥). والرابع: أنها حروف من أسماء الله تعالى , روى ذلك معاوية بن قرة (٩٦) , عن أبيه , عن النبي ﷺ (٩٧).

стр. 49

﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني التوراة والإنجيل , ليكون إخباراً عن ماضٍ. والثاني: يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة , وهذا قول الأصم. والثالث: يعني هذا الكتاب , وقد يستعمل ذلك في الإشارة إلى حاضر , وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب , قال خُفاف بن ندبة: (أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ ... تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا) ومن قال بالتأويل الأول: أن المراد به التوراة والإنجيل , اختلفوا في المخاطب به على قولين: أحدهما: أن المخاطب به النبي ﷺ , أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل , هو الذي أنزلته عليك يا محمد. والقول الثاني: أن المخاطب به اليهود والنصارى , وتقديره: أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب , الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام. قوله : ﴿لَا رَيْبَ فيهِ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أن الريب هو الشك , وهو قول ابن عباس , ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى: (لَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ... إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ) والتأويل الثاني: أن الريب التهمة ومنه قول جميل: (بُثَيْنَةُ قالتْ: يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ ... فَقُلْتُ: كِلَانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب) قوله : ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ , يعني به هدىً من الضلالة. وفي المتقين ثلاثة تأويلات:

стр. 50

أحدها: أنهم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدَّوا ما افترض عليهم , وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أنهم الذين يحذرون من الله تعالى عقوبته ويرجون رحمته وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنهم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا فاسد , لأنه قد يكون كذلك , وهو فاسق وإنما خص به المتقين , وإن كان هدىً لجميع الناس , لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه.

стр. 51

﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبَ﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يصدقون بالغيب , وهذا قول ابن عباس. والثاني: يخشون بالغيب , وهذا قول الربيع بن أنس (١٠٠). وفي الأصل الإيمان (١٠١) ثلاثة أقوال: أحدها: أن أصله التصديق , ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدِّق لنا. والثاني: أن أصله الأمان فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله , والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه.

стр. 52

والثالث: أن أصله الطمأنينة , فقيل للمصدق بالخبر مؤمن , لأنه مطمئن. وفي الإيمان ثلاثة أقاويل: أحدها: أنّ الإيمان اجتناب الكبائر. والثاني: أن كل خصلة من الفرائض إيمان. والثالث: أن كل طاعةٍ إيمان. وفي الغيب ثلاثة تأويلات: أحدها: ما جاء من عند الله , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه القرآن , وهو قول زر بن حبيش. والثالث: الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور. ﴿وَيُقِيمونَ الصَّلوة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣)﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُون الصَّلَاةَ﴾ تأويلان: أحدهما: يؤدونها بفروضها. والثاني: أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها , وهذا قول ابن عباس. واختُلف لِمَ سُمِّي فعل الصلاة على هذا الوجه إقامةً لها , على قولين: أحدهما: من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه. والثاني: أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها , لما فيها من القيام فلذلك قيل: قد قامت الصلاة. وفي قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: إيتاء الزكاة احتساباً لها , وهذا قول ابن عباس.

стр. 53

والثاني: نفقة الرجل على أهلِهِ , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى , وهذا قول الضحاك: وأصل الإنفاق الإخراج , ومِنْهُ قيل: نَفَقَتِ الدابة إذا خرجت رُوحها. واختلف المفسرون , فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه , على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم , لأنه قال بعد هذا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني به أهْلَ الكتاب , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب , لأنه ذكرهم في بعضها. والثالث: أن الآيات الأربع من أول السورة , نزلت في جميع المؤمنين , وروى ابن أبي نجيح (١٠٣) , عن مجاهد قال: (نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين , وآيتان في نعت الكافرين , وثَلَاث عَشْرَةَ في المُنافقين.

стр. 54

﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وما بعدها. أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن , ﴿وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني به التوراة والإنجيل , وما تقدم من كتب الأنبياء , بخلاف ما فعلته اليهود والنصارى , في إيمانهم ببعضها دون جميعها. ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ فيه تأويلان:

стр. 55

أحدهما: يعني الدار الآخرة. والثاني: يعني النشأة الآخرة وفي تسميتها بالدار الآخرة قولان: أحدهما: لتأخرها عن الدار الأولى. والثاني: لتأخرها عن الخلق , كما سميت الدنيا لدنِّوها من الخلق. وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي يعلمون , فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً.

стр. 56

﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ على هُدىً مِنْ رَبِّهُمْ﴾ يعني بيان ورشد. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم الفائزون السعداء , ومنه قول لبيد: (لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكُ الْفَلَاحِ ... أَدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ) والثاني: المقطوع لهم بالخير , لأن الفلح في كلامهم القطع , وكذلك قيل للأكار فلاح , لأنه يشق الأرض , وقد قال الشاعر: (لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ ... أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ) واختلف فيمن أُرِيدَ بهم , على ثلاثة أوجه: أحدها: المؤمنون بالغيب من العرب , والمؤمنون بما أنزل على محمد , وعلى من قبله من سائر الأنبياء من غير العرب. والثاني: هم مؤمنو العرب وحدهم. والثالث: جميع المؤمنين.

стр. 57

﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَروا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ وأصل الكفر عند العرب التغطية , ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الكُفَّار نَبَاتُهُ﴾ يعني الزُّرَّاع لتغطيتهم البذر في الأرض , قال لبيد:

стр. 58

(في لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ) أي غطَّاها , فسمي به الكافر بالله تعالى لتغطيته نعم الله بجحوده. وأما الشرك فهو في حكم الكفر , وأصله في الإشراك في العبادة. واختلف فِيمَنْ أُرِيدَ بذلك , على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم اليهود الذين حول المدينة , وبه قال ابن عباس , وكان يسميهم بأعيانهم. والثاني: أنهم مشركو أهل الكتاب كلهم , وهو اختيار الطبري. والثالث: أنها نزلت في قادة الأحزاب , وبه قال الربيع بن أنس.

стр. 59

﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾ قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ﴾ الختم الطبع , ومنه ختم الكتاب , وفيه أربعة تأويلات: أحدها: وهو قول مجاهد (١٠٥): أن القلب مثل الكف , فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإصبع , فإذا أذنب ثانياً ضم منه كالإصبع الثانية , حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع. والثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم , تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين.

стр. 60

والثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق , تشبيهاً بما قد انسدَّ وختم عليه , فلا يدخله خير. والرابع: أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم , بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ , وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه , والغشاوة: تعاميهم عن الحق. وسُمِّي القلب قلباً لتقلُّبِهِ بالخواطر , وقد قيل: (ما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَاّ مِنْ تَقَلُّبِهِ ... وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ , والإنْسَانُ أَطْوَارُ) والغشاوة: الغطاء الشامل.

стр. 61

﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني المنافقين يخادعون رسول الله ﷺ والمؤمنين , بأن يُظهروا من الإيمان خلاف ما يبطنون من الكفر , لأن أصل الخديعة الإخفاء , ومنه مخدع البيت , الذي يخفى فيه , وجعل الله خداعهم لرسوله خداعاً له , لأنه دعاهم برسالته. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ في رجوع وباله عليهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُون﴾ يعني وما يفطنون , ومنه سُمِّي الشاعر , لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره , ومنه قولهم ليت شعري.

стр. 62

﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ قوله تعالى: ﴿في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:

стр. 63

أحدها: شك , وبه قال ابن عباس. والثاني: نفاق , وهو قول مقاتل , ومنه قول الشاعر: (أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى ... صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها) والثالث: أن المرض الغمُّ بظهور أمر النبي ﷺ على أعدائه , وأصل المرض الضعف , يقال: مرَّض في القول إذا ضعَّفه. ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه دعاء عليهم بذلك. والثاني: أنه إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم عند نزول الفرائض , والحدود. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني مؤلم.

стр. 64

﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا في الأَرضِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الكفر. والثاني: فعل ما نهى الله عنه , وتضييع ما أمر بحفظه. والثالث: أنه ممالأة الكفار. وكل هذه الثلاثة , فساد في الأرض , لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها. واختلف فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على وجهين: أحدهما: أنها نزلت في قوم لهم يكونوا موجودين في ذلك الوقت , وإنما يجيئون بعد , وهو قول سليمان. والثاني: أنها نزلت في المنافقين , الذين كانوا موجودين , وهو قول ابن عباس ومجاهد.

стр. 65

﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم ظنوا أن في ممالأة الكفار صلاحاً لهم , وليس كما ظنوا , لأن الكفار لو يظفرون بهم , لم يبقوا عليهم , فلذلك قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. والثاني: أنهم أنكروا بذلك , أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار , وقالوا إنما نحن مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه. والثالث: معناه أن ممالأتنا الكفار , إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم أرادوا أن ممالأة الكفار صلاح وهدى , وليست بفساد وهذا قول مجاهد. فإن قيل: فكيف يصح نفاقهم مع مجاهدتهم بهذا القول؛ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم عرَّضوا بهذا القول , وكَنُّوا عنه من غير تصريح به. والثاني: أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين , ولم يجهروا به , فبقوا على نفاقهم.

стр. 66

﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ يعني أصحاب النبي ﷺ ﴿قَالُوا أَنُؤْمن كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم عنوا بالسفهاء أصحاب النبي ﷺ . والثاني: أنهم أرادوا مؤمني أهل الكتاب. والسفهاء جمع سفيه , وأصل السَّفَهِ الخِفَّةُ , مأخوذ من قولهم ثوب سفيه ,

стр. 67

وإذا كان خفيف النسيج , فسمَّي خفةُ الحلم سفهاً , قال السَمَوْأَلُ: (نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلَامُنَا ... فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الْخَامِلِ)

стр. 68

﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ في شياطينهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود , الذين يأمرونهم بالتكذيب , وهو قول ابن عباس. والثاني: رؤوسهم في الكفر , وهذا قول ابن مسعود. وفي قوله: ﴿إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: معناه مع شياطينهم , فجعل (إلى) موضع (مع) , كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله. والثاني: وهو قول بعض البصريين: أنه يقال خلوت إلى فلان , إذا جعلته غايتك في حاجتك , وخلوت به يحتمل معنيين: أحدهما: هذا. والآخر: السخرية والاستهزاء منه فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أفصح , وهو على حقيقته مستعمل. والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: ﴿إلى﴾ مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به. فأما الشيطان ففي اشتقاقه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه فيعال من شطن , أي بَعُدَ , ومنه قولهم: نوى شطون (١٠٨) أي

стр. 69

بعيدة , وشَطَنَتْ دارُه , أي بعدت , فسمي شيطاناً , إما لبعده عن الخير , وإما لبعد مذهبه في الشر , فعلى هذا النون أصلية. والقول الثاني: أنه مشتق من شاط يشيط , أي هلك يهلك كما قال الشاعر: ( ... ... ... ... ... ... ... . . ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ) أي يهلك , فعلى هذا يكون النون فيه زائدة. والقول الفاصل: أنه فعلان من الشيط وهو الاحتراق , كأنه سُمِّي بما يؤول إليه حاله. ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة , ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة. قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزئُ بِهِمْ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم , فسمي الجزاء باسم المجازى عليه , كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ , وليس الجزاء اعتداءً , قال عمرو بن كلثوم: (أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا) ) والثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين. والثالث: أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا , خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة , وكانوا فيه اغترار به , صار كالاستهزاء [بهم].

стр. 70

والرابع: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] , صار القول كالاستهزاء به. والخامس: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم , فيرون أنهم يخرجون منها , فيزدحمون للخروج , فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة , بمقامع النيران , حتى يرجعوا , وهاذ نوع من العذاب , وإن كان كالاستهزاء. قوله : ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ﴾ وفي يمدهم تأويلان: أحدهما: يملي لهم , وهو قول ابن مسعود. والثاني: يزيدهم , وهو قول مجاهد. يقال مددت وأمددت , فحُكِيَ عن يونس أنه قال: مددت فيما كان من الشر , وأمددت فيما كان من الخير , وقال بعض الكوفيين: يقال: مددتُ فيما كانت زيادته منه , كما يقال مَدّ النصر , وأَمَدَّه نهر آخر , وأمددت فيما حدثت زيادته من غيره , كقولك أمْدَدْتُ الجيش بمددٍ , وأمِد الجرح , لأن المدة من غيره. ﴿في طغيانهم﴾ يعني تجاوزهم في الكفر، والطغيان مجاوزة القدر، يقال طغى الماء، إذا جاوز قدره، قال الله تعالى: ﴿إنك لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾. [الحاقة: ١١]. ﴿يعمهون﴾ في ثلاثة أقوال: أحدها: يترددون، ومنه قول الشاعر: (حيران يعمه في ضلالته ... مستورد بشرائع) والثاني: معناه يتحيرون، قال رؤية بن العجاج: (ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه) والثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى: (أراني قد عمهت وشاب رأسي ... وهذا اللعب شين للكبير)

стр. 71

﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ قوله : ﴿أُولَئِكَ الِّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الضلالة: الكفر , والهدى: الإيمان. وفي قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان , فعبر عنه بالشراء , لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه , فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً , لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا , فيبيعوا إيمانهم. والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. ﴿فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما كانوا مهتدين , في اشتراء الضلالة. والثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون. والثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح , ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء , مبالغة في ذمهم.

стр. 72

﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ قوله : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ المثل بالتحريك والتسكين , والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة , والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ فيه وجهان:

стр. 73

أحدهما: أنه أراد كمثل الذي أوقد , فدخلت السين زائدة في الكلام , وهو قول الأخفش. والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء , والنار مشتقة من النور. ﴿فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ يقال ضاءت في نفسها , وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان: (أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ ... دُجَى الَّليْلِ حَتَّى نَظَّمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ) قوله : ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: نور المستوقِد , لأنه في معنى الجمع , وهذا قول الأخفش. والثاني: بنور المنافقين , لأن المثل مضروب فيهم , وهو قول الجمهور. وفي ذهاب نورهم وجهان: أحدهما: وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة , حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. والثاني: أنه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي ﷺ من قلوبهم بالإسلام. وفي قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قولان: أحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به. والثاني: أنه لم يخرجهم منه , كما يقال تركته في الدار , إذا لم تَخرجْهُ منها , وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً , لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة , فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة , وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين. وفيما كانوا فيه من الضياء , وجعلوا فيه من الظلمة قولان: أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم , والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين , والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة , وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ.

стр. 74

قوله تعالى: ﴿صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وهذا جمع: أصم , وأبكم , وأعمى , وأصل الصَّمَمُ الإنسداد , يقال قناة صماء , إذا لم تكن مجوفة , وصممت القارورة , إذا سددتها , فالأصم: من انسدَّتْ خروق مسامعه. أما البَكَمُ , ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه آفة في اللسان , لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف. والثاني: أنه الذي يولد أخرس. والثالث: أنه المسلوب الفؤاد , الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه. والرابع: أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد. ومعنى الكلام , أنهم صمٌّ عن استماع الحق , بكم عن التكلم به , عُمْيٌ عن الإبصار له , رَوَى ذلك قتادة , ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ يعني إلى الإسلام.

стр. 75

﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير﴾ قوله : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ في الصيِّبِ تأويلان: أحدهما: أنه المطر , وهو قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أنه السحاب , قال علقمة بن عبدة: (كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ) (فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ ... سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ)
следующие страницы →