← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ قوله : ﴿أُولَئِكَ الِّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الضلالة: الكفر , والهدى: الإيمان. وفي قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان , فعبر عنه بالشراء , لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه , فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً , لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا , فيبيعوا إيمانهم. والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. ﴿فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما كانوا مهتدين , في اشتراء الضلالة. والثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون. والثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح , ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء , مبالغة في ذمهم.

стр. 72

﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ قوله : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ المثل بالتحريك والتسكين , والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة , والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ فيه وجهان:

стр. 73

أحدهما: أنه أراد كمثل الذي أوقد , فدخلت السين زائدة في الكلام , وهو قول الأخفش. والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء , والنار مشتقة من النور. ﴿فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ يقال ضاءت في نفسها , وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان: (أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ ... دُجَى الَّليْلِ حَتَّى نَظَّمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ) قوله : ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: نور المستوقِد , لأنه في معنى الجمع , وهذا قول الأخفش. والثاني: بنور المنافقين , لأن المثل مضروب فيهم , وهو قول الجمهور. وفي ذهاب نورهم وجهان: أحدهما: وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة , حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. والثاني: أنه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي ﷺ من قلوبهم بالإسلام. وفي قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قولان: أحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به. والثاني: أنه لم يخرجهم منه , كما يقال تركته في الدار , إذا لم تَخرجْهُ منها , وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً , لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة , فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة , وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين. وفيما كانوا فيه من الضياء , وجعلوا فيه من الظلمة قولان: أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم , والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين , والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة , وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ.

стр. 74

قوله تعالى: ﴿صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وهذا جمع: أصم , وأبكم , وأعمى , وأصل الصَّمَمُ الإنسداد , يقال قناة صماء , إذا لم تكن مجوفة , وصممت القارورة , إذا سددتها , فالأصم: من انسدَّتْ خروق مسامعه. أما البَكَمُ , ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه آفة في اللسان , لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف. والثاني: أنه الذي يولد أخرس. والثالث: أنه المسلوب الفؤاد , الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه. والرابع: أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد. ومعنى الكلام , أنهم صمٌّ عن استماع الحق , بكم عن التكلم به , عُمْيٌ عن الإبصار له , رَوَى ذلك قتادة , ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ يعني إلى الإسلام.

стр. 75

﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير﴾ قوله : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ في الصيِّبِ تأويلان: أحدهما: أنه المطر , وهو قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أنه السحاب , قال علقمة بن عبدة: (كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ) (فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ ... سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ)

стр. 76

وفي الرعد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث , كما ينعق الراعي بغنمه , فَسُمِّيَ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك , وبه قال الخليل. والثاني: أنه ريح تختنق تحت السحاب فَتُصَوِّبُ ذلك الصوت , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه صوت اصطكاك الأجرام. وفي البرق ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد , وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. والثاني: أنه ضربه بسوطٍ من نور , وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنه ما ينفدح من اصطكاك الأجرام. والصواعق جمع صاعقة , وهو الشديد من صوت الرعد تقع معه قطعة نار , تحرق ما أتت عليه. وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل: أحدها: أنه مَثَلٌ للقرآن , شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن , وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء , وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر , وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان , وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل , والدعاء إلى الجهاد في العاجل , وهذا المعنى عن ابن عباس. والثاني: أنه مَثَلٌ , لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم , وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم , وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. والثالث: أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلاً بظاهر إيمان المنافق , ومثل ما فيه من

стр. 77

الظلمات بصلابته , وما فيه من البرق بنور إيمانه , وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. قوله : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ معناه يستلبها بسرعة. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا﴾ وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين , وفيه تأويلان: أحدهما: معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه , وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه. والثاني: معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيراً , اتبعوا المسلمين , وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً , قعدوا عن الجهاد. قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فالمراد الجمع وإن كان بلفظ الواحد. كما قال الشاعر: (كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُم زَمَنٌ خَمِيصُ)

стр. 78

﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ قوله : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أنْداداً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ , وهذا قول ابن مسعود. والثاني: الأشباه , وهو قول ابن عباس. والثالث: الأضداد , وهو قول المفضل.

стр. 79

﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم , وهذا قول ابن عباس وقتادة. والثاني: معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد , وهذا قول مجاهد. والثالث: معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم.

стр. 80

﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني في القرآن , على عبدنا: يعني محمداً ﷺ , والعبد مأخوذ من التعبد , وهو التذلل , وسُمي المملوك من جنس ما يعقل عبداً , لتذلله لمولاه. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني من مثله من القرآن , وهذا قول مجاهد وقتادة. والثاني: فأتوا بسورة من مثل محمد ﷺ من البشر , لأن محمداً بشر مثلهم. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أعوانكم , وهذا قول ابن عباس. والثاني: آلهتكم , لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم , وهذا قول الفراء. والثالث: ناساً يشهدون لكم , وهذا قول مجاهد. قوله : ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الوَقود بالفتح الحطب , والوُقود بالضم التوقُّد , والحجارة من كبريتٍ أسود , وفيها قولان:

стр. 81

أحدهما: أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار , التي وقودها الناس , وهذا قول ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن الحجارة وقود النار مع الناس , ذكر ذلك تعظيماً للنار , كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس. وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ﴾ قولان: الأول: أنها وإن أعدت للكافرين , فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين , وهي نار واحدة , وإنما يتفاوت عقابهم فيها. والثاني: أن هذه النار معدة للكافرين خاصة , ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها.

стр. 82

﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ بشر من البشارة , أو خبر يرد عليك بما يَسُرُّ , وقيل بما يُسرُّ ويُغِمُّ , وإنما كثر استعماله فيما يَسُرُّ , حتى عُدِلَ به عما يُغِمُّ , وهو مأخوذ من البَشْرَةِ وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر [يرد عليه]. والجنات جمع جنة , وهي البستان ذو الشجر , وسمي جنة لأن ما فيه من الشجر يستره , وقال المفضل: الجنة كل بستان فيه نخل , وإن لم يكن فيه شجر غيره , فإن كان فيه كَرْمٌ فهو فردوس , كان فيه شجر غير الكرم أو لم يكن.

стр. 83

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتَها الأَنْهَارُ﴾ يعني من تحت الشجر , وقيل: إن أنهار الجنة تجري من غير أخدود. قوله : ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ , يعني بقوله: ﴿رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً﴾ أي من ثمار شجرها. ﴿قَالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن معناه: أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة , مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا , وهذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة. والثاني: أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها , استخلف مكانها مثلها , فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي , اشتُبِه عليهم , فقالوا: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل﴾ , وهو قول أبي عبيد ويحيى بن أبي كثير. قوله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا , التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار , وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج. والثاني: أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا , وإن خالفتها في الطعم , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والربيع بن أنس. والثالث: أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم , فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم , وهذا قول ابن الأشجعي وليس بشيء.

стр. 84

قوله : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ في الأبدان , والأخلاق , والأفعال , فلا يَحِضْن , ولا يلدْن , ولا يذهَبْن إلى غائطٍ ولا بولٍ , وهذا قول جميع أهل التفسير.

стр. 85

﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون﴾ قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَة فما فوقها﴾. في قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: معناه لا يترك (١٢١). والثاني: [يريد] لا يخشى. والثالث: لا يمتنع , وهذا قول المفضل. وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من موَاقَعَةِ القبح. والبعوضة: من صفار البقِّ سُميت بعوضة , لأنها كبعض البقَّة لصِغَرِها. وفي قوله: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ ثلاثةُ أوجُهٍ:

стр. 86

أحدها: أن (ما) بمعنى الذي , وتقديره: الذي هو بعوضة. والثاني: أن معناه: ما بين بعوضة إلى ما فَوْقها. والثالث: أن (ما) صلةٌ زائدةٌ , كما قال النابغة: (قَالَتْ أَلَا لَيْتُمَا هذَا الْحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِ) ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: فما فوقها في الكبر , وهذا قول قتادة وابنِ جُريجٍ. والثاني: فما فوقها في الصغر , لأن الغرض المقصود هو الصغر. وفي المثل ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وارد في المنافقين , حيث ضَرَبَ لهم المَثَلَيْنِ المتقدِّمين: مثَلَهُمْ كمثل الذي استوقد ناراً , وقوله: أو كصيِّب من السماء , فقال المنافقون: إن الله أعلى مِنْ أن يضرب هذه الأمثال , فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ , وهذا قول ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن هذا مثلٌ مبتدأ ضَرَبَهُ الله تعالى مثلاً للدنيا وأهلها , وهو أن البعوضة تحيا ما جاعت , وإذا شبعت ماتت , كذلك مثل أهل الدنيا , إذا امتلأوا من الدنيا , أخذهم الله تعالى عند ذلك , وهذا قول الربيع بن أنس. والثالث: أن الله حين ذكر في كتابه العنكبوت والذباب وضربهما مثلاً , قال أهل الضلالة: ما بال العنكبوت والذباب يذكران , فأنزل الله تعالى هذه الآية , وهذا قول قتادةَ , وتأويل الربيع أحسن , والأولُ أشبَهُ. قوله : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ فيه ثلاثةُ تأويلات: أحدها: معناه بالتكذيب بأمثاله , التي ضربها لهم كثيراً , ويهدي بالتصديق بها كثيراً. والثاني: أنه امتحنهم بأمثاله , فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم , واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم. والثالث: أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى. قوله : ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.

стр. 87

أما النقض , فهو ضد الإبرام , وفي العهد قولان: أحدهما: الوصيَّة. والثاني: الموثق. والميثاق ما وَقَعَ التوثق به. وفيما تضمنه عهده وميثاقه أربعة أقاويل: أحدها: أن العهد وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعة , ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصية في كتبه , وعلى لسان رسله , ونقضهم ذلك بترك العمل به. والثاني: أن عهده ما خلقه في عقولهم من الحجة على توحيده وصدق رسله بالمعجزات الدالة على صدقهم. والثالث: أن عهده ما أنزله على أهل الكتاب [من] , على صفة النبي ﷺ , والوصية المؤكدة باتباعه , فذلك العهد الذي نقضوه بجحودهم له بعد إعطائهم الله تعالى الميثاق من أنفسهم , ليبينه للناس ولا يكتمونه , فأخبر سبحانه , أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً. والرابع: أن العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم , الذي وصفه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان: أحدهما: أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره من بعد ميثاق الله. والثاني: أنها كناية ترجع إلى العهد وتقديره من بعد ميثاق العهد. وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب , ثلاثة أقاويل: أحدها: المنافقون. والثاني: أهل الكتاب. والثالث: جميع الكفار. قوله : ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:

стр. 88

أحدها: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل , هو رسوله , فقطعوه بالتكذيب والعصيان , وهو قول الحسن البصري. والثاني: أنَّه الرحمُ والقرابةُ , وهو قول قتادة. والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. قوله : ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ﴾ وفي إفسادهم في الأرض قولان: أحدهما: هو استدعاؤهم إلى الكفر. والثاني: أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق. وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قولان: أحدهما: أن الخسران هو النقصان , ومنه قول جرير: (إِنَّ سليطاً في الْخَسَارِ إِنَّهُ ... أَوْلَادُ قَوْمٍ حلفوا افنه) يعني بالخَسَار , ما ينقُصُ حظوظهم وشرفهم. والثاني: أن الخسران ها هنا الهلاك , ومعناه: أولئك هم الهالكون. ومنهم من قال: كل ما نسبه الله تعالى من الخسران إلى غير المسلمين فإنما يعني الكفر , وما نسبه إلى المسلمين , فإنما يعني به الذنب.

стр. 89

﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ قوله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾. في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ قولان: أحدهما: أنه خارج مخرج التوبيخ. والثاني: أنه خارج مخرج التعجب , وتقديره: اعجبوا لهم , كيف يكفرون!

стр. 90

وفي قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ستة تأويلات: أحدها: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ أي لم تكونوا شيئاً , ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي خلقكم , ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم , ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يوم القيامة , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني في القبور ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ للمساءلة , ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قبوركم بعد مساءلتكم , ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور , لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ , وهذا قول أبي صالح. والثالث: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني في أصلاب آبائكم , ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم , ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموتة التي لا بد منها , ﴿ثُم يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث يوم القيامة , وهذا قول قتادة. والرابع: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً﴾ يعني: أن الله حين أخذ الميثاق على آدم وذريته , أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق , ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم , ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم , وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] فقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني بعد أخذ الميثاق , ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء , ﴿ثم يُمِيتُكُمْ﴾ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا , ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشور للبعث يوم القيامة , [وهذا] قول ابن زيدٍ. والخامس: أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة , فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها , ثم يحييها بنفخ الروح فيها , فيجعلها بشراً سويّاً , ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه , فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور , فيرُد في جسده روحه , فيعود حياً لبعث القيامة , فذلك موتتان وحياتان. والسادس: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ خاملي الذكر دارسي الأثر , ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالظهور والذكر , ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجَالكم , ﴿ثُمَّ يُحييكُمْ﴾ للبعث , واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ:

стр. 91

(وَأَحْيَيْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خامِلاً ... وَلكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِنْ بَعْضِ) وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تأويلان: أحدهما: إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم. والثاني: إلى المجازاة على الأعمال.

стр. 92

﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ قوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أن معنى قوله: ﴿اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ﴾ أي أقبل عليها , وهذا قول الفراء. والثاني: معناه: عمد إليها , وقصد إلى خلقها. والثالث: أنّ فِعْل الله تحوَّل إلى السماء , وهو قول المفضل. والرابع: معناه: ثم استوى أمره وصنعه الذي صَنَعَ به الأشياء إلى السماء , وهذا قول الحسن البصري. والخامس: معناه ثم استوت به السماء. السادس: أن الاستواء والارتفاع والعلوَّ , وممن قال بذلك: الربيع بن أنس , ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الذي استوى إلى السماء فعلا عليها على قولين: أحدهما: أنه خالقها ومنشئها. والثاني: أنه الدخان , الذي جعله الله للأرض سماءً.

стр. 93

﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ , في قوله: ﴿وَإِذْ﴾ وجهان: أحدهما: أنه صلة زائدة , وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة , وهذا قول أبي عبيدة , واستشهد بقول الأسود بن يعفر: (فَإِذَا وَذلِكَ لَا مَهَاةَ لذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ) والوجه الثاني: أن (إذ) كلمة مقصورة , وليست بصلة زائدة , وفيها لأهل التأويل قولان: أحدهما: أن الله تعالى لما ذكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض , ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ , وهذا قول المفضَّل. والثاني: أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ , وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام , كما قال النمر بن تَوْلَبَ (١٢٧): (فَإِنَّ الْمَنَّيةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا) يريد: أينما ذهب. فأما الملائكة فجمع مَلَكٍ , وهو مأخوذ من الرسالة , يقال: ألِكِني إليها أي أرسلني إليها , قال الهذلي: (ألِكْنِي وَخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بنواحِي الخَبَرْ)

стр. 94

والألوك الرِّسالة , قال لبيد بن ربيعة: (وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَألْ) وإنما سميت الرسالة ألوكاً لأنها تُؤْلك في الفم , والفرس يألك اللجام ويعلكه , بمعنى يمضغ الحديد بفمه. والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق , إلا أنهم لا يأكلون , ولا يشربون , ولا ينكحون , ولا يتناسلون , وهم رسل الله , لا يعصونه في صغير ولا كبير , ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ اختلف في معنى ﴿جاعل﴾ على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى خالق. والثاني: بمعنى جاعل , لأن حقيقة الجَعْل فِعْلُ الشيء على صفةٍ , وحقيقة الإحداث إيجاد الشيء بعد العدم. و ﴿الأرض﴾ قيل: إنها مكة , وروى ابن سابط , أن النبي ﷺ قال: (دُحِيَت الأرضُ من مكةَ) ولذلك سميت أم القرى , قال: وقبر نوح , وهود ,

стр. 95

وصالح , وشعيب بن زمزم , والركن , والمقام. وأما (الخليفة) فهو القائم مقام غيره , من قولهم: خَلَفَ فلانٌ فلاناً , والخَلَفُ بتحريك اللام من الصالحين , والخَلْفُ بتسكينها من الطالحين , وفي التنزيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩] , وفي الحديث: (ينقل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُهُ). وفي خلافة آدم وذريته ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان في الأرض الجِنُّ , فأفسدوا فيها , سفكوا الدماء , فأُهْلِكوا , فَجُعِل آدم وذريته بدلهم , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه أراد قوماً يَخْلُفُ بعضهم بعضاً من ولد آدم , الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض , وهذا قول الحسن البصري. والثالث: أنه أراد: جاعل في الأرض خليفةً يخْلُفُني في الحكم بين خلقي , وهو آدم , ومن قام مقامه من ولده , وهذا قول ابن مسعود. قوله : ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ , وهذا جواب من الملائكة حين أخبرهم , أنه جاعل في الأرض خليفةً , واختلفوا في

стр. 96

جوابهم هذا , هل هو على طريق الاستفهام أو على طريق الإيجاب؟ على وجهين: أحدهما: أنهم قالوه استفهماً واستخباراً حين قال لهم: إني جاعلٌ في الأرض خليفة , فقالوا: يا ربنا أَعْلِمْنَا , أجاعل أنت في الأرض من يُفْسِدُ فيها ويسفك الدماء؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون , ولم يخبرهم. والثاني: أنه إيجاب , وإن خرجت الألف مَخْرج الاستفهام , كما قال جرير: (أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ) وعلى هذا الوجه في جوابهم بذلك قولان: أحدهما: أنهم قالوه ظناً وتوهُّماً , لأنهم رأوا الجن من قبلهم , قد أفسدوا في الأرض , وسفكوا الدماء , فتصوروا أنه إن استخلف استخلف في الأرض مَنْ يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدماء. وفي جوابهم بهذا وجهان: أحدهما: أنهم قالوه استعظاماً لفعلهم , أي كيف يفسدون فيها , ويسفكون الدماء , وقد أنعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: إني أعلم ما لا تعلمون. والثاني: أنهم قالوه تعجباً من استخلافه لهم أي كيف تستخلفهم في الأرض وقد علمت أنهم يفسدون فيها ويسفكون الدماء فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. وقوله: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ السفك صب الدم خاصةً دون غَيْرِهِ من الماء والمائع , والسفح مثله , إلا أنه مستعمل في كل مائع على وجه التضييع , ولذلك قالوا في الزنى: إنه سفاح لتضييع مائه فيه. قوله : ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على جهة التعظيم , ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

стр. 97

(أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاجِرِ) أي براءةً من علقمة. ولا يجوز أن يسبَّحَ عَيْرُ اللهِ , وإن كان منزهاً , لأنه صار علَماً في الدين على أعلى مراتب التعظيم الَّتي لا يستحقها إلا اللهُ تعالى. وفي المراد بقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: معناه نصلي لك , وفي التنزيل: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] , أي من المصلين , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود.

стр. 98

والثاني: معناه نعظِّمك , وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه التسبيح المعروف , وهذا قول المفضل , واستشهد بقول جرير: (قَبَّحَ الإلهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّمَا ... سَبَّحَ الْحَجِيجُ وَكَبَّرُوا إهْلَالَا) وأما قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فأصل التقديس التطهير , ومنه قوله تعالى: ﴿الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي المطهَّرة , وقال الشاعر: (فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ وَالنَّسَا ... كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدَّسِ) أي المطهَّر. وفي المراد بقولهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ثلاثةُ أقاويلَ: أحدها: أنه الصلاة. والثاني: تطهيره من الأدناس. والثالث: التقديس المعروف. وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثلاثةُ أقاويل: أحدها: أراد ما أضمره إبليس من الاستكبار والمعصية فيما أُمِرُوا به من السجود لآدم , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: مَنْ في ذرية آدم في الأنبياء والرُّسُلِ الذين يُصْلِحُونَ في الأرض ولا يفسدون , وهذا قول قتادة. والثالث: ما اختص بعلمه من تدبير المصالح.

стр. 99

﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ قوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ في تسميته بآدم قولان: أحدهما: أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض , وأديمها هو وجهها الظاهر , وهذا قول ابن عباس , وقد رَوَى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ , قَبَضَها مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ , فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ , جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ , وَالأَسوَدُ , وَالأبْيَضُ , وَالسَهْلُ , وَالخَبِيْثُ , وَالطَّيِّبُ).

стр. 100

والثاني: أنه مأخوذ من الأدمة , وهي اللون. وفي الأسماء التي علَّمها الله تعالى آدَمَ , ثلاثة أقْوَالٍ: أحدها: أسماء الملائكة. والثاني: أسماء ذريته. والثالث: أسماء جميع الأشياء , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , ومجاهد. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن التعليم إنما كان مقصوراً على الاسم دون المعنى. والثاني: أنه علمه الأسماء ومعانيها , إذ لا فائدة في علم الأسماء بلا معاني , فتكون المعاني هي المقصودة , والأسماءُ دلائل عليها. وإذا قيل بالوجه الأول , أن التعليم إنما كان مقصوراً على ألفاظ الأسماء دون معانيها , ففيه وجهان: أحدهما: أنه علمه إياها باللغة , التي كان يتكلم بها. والثاني: أنه علمه بجميع اللغات , وعلمها آدمُ ولده , فلما تفرقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وأَلِفُوه , ثم نسوا غيره فتطاول الزمن , وزعم قوم أنهم أصبحوا وكل منهم يتكلمون بلغةٍ قد نسوا غيرها في ليلة واحِدةٍ , ومثل هذا في العُرْفِ ممتنع. قوله : ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ على الْمَلَائِكَةِ﴾ وفيما عرضه عليهم قولان: أحدهما: أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات. والثاني: أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها. وفي حرف ابن مسعود: ﴿وَعَرَضَهُنَّ﴾ وفي حرف أُبَيٍّ: ﴿وَعَرَضَهَا﴾ فكان الأصح توجه العرض إلى المُسَمًّيْنَ.

стр. 101

ثم في زمان عرْضِهِم قولان: أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم. والثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة , ثم عرضهم قبل خلقهم. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ومعنى أنبئوني خبروني مأخوذ من الإنباء , وفي الإنباء قولان: أَظْهَرُهُمَا: أنه الإخبار , والنبأ الخبر , والنبيء بالهمز مشتق من هذا. والثاني: أن الإنباء الإعلام , وإنما يستعمل في الإخبار مجازاً. وقوله: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الأسماءَ الَّتي علمها آدم. وفي قوله تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ستة أقاويل: أحدها: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقاً إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم. والثاني: إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن خُلَفَائي يفسدون في الأرض. والثالث: إن كنتم صادقين أني إنِ استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني , فإن استخلفت غيركم فيها عصاني. والرابع: إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم , أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه. والخامس: معنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي عالمين. والسادس: أن معناه إن كنتم صادقين. قوله : ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم: هو العالم من غير تعليم , وفي (الحكيم) ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المُحْكِمُ لأفعاله.

стр. 102

والثاني: أنه المانع من الفساد , ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام , لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد , وقال جرير: (أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أغْضَبَا) أي امنعوهم. والثالث: أنه المُصِيبُ للحقِّ , ومنه سمي القاضي حاكماً , لأنه يصيب الحق في قضائه , وهذا قول أبي العباس المبرد. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ , وفي ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قولان: أحدهما: ما أسرَّه إبليس من الكبر والعصيان , وهذا قول ابن عباس , وابن مسعود. والثاني: أن الذي كتموه: ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقاً إلَاّ كانوا أكرمَ عليه منه , وهو قول الحسن البصري.

стр. 103

﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ وقوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْليسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾. واختلف أهل التأويل في أمره الملائكة بالسجود لآدم , على قولين: أحدهما: أنه أمرهم بالسجود له تَكْرِمَةً وَتَعْظِيماً لشأنِهِ.

стр. 104

والثاني: أَنَّهُ جعله قِبْلَةً لهم , فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم , وفيه ضرب من التعظيم. وأصل السجود الخضوع والتطامن , قال الشاعر: (بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأَكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ) وسمى سجود الصلاة سجوداً , لما فيه من الخضوع والتطامن , فسجد الملائكة لآدم طاعةً لأمر الله تعالى إلا إبليس أَبَى أن يسجُدَ له حَسَداً واستكباراً. واختلفوا في إبليس , هل كان من الملائكة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه كان من الملائكة , وهذا قول ابن عباس , وابن مسعود , وابن المسيب , وابن جريج , لأنه استثناء منهم , فَدَلَّ على دخوله منهم. والثاني: أنه ليس من الملائكة , وإنما هو أبو الجن , كما أن آدم أبو الإنس , وهذا قول الحسن وقتادة وابن زيد , ولا يمتنع جواز الاستثناء من غير جنسه , كما قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتَّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وهذا استثناء منقطع. واختُلِفَ في تَسْمِيتِهِ بإبليس على قولين: أحدهما: أنه اسم أعجمي وليس بمشتقٍّ. والثاني: أنه اسمُ اشتقاق , اشتُقَّ من الإبلاس وهو اليأس من الخَيْرِ , ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] أي آيِسُونَ من الخير , وقال العجَّاجُ: (يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَساً ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ , وَأَبْلَسَا) فأمَّا من ذهب إلى أن إبليس كان من الملائكة , فاختلفوا في قوله تعالى:

стр. 105

﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ﴾ [٥٠ الكهف] لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم , على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنّاً كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهاداً , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه جعل من الجنِّ , لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ , فاشتق اسمه منها , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه , وهذا قول ابن زيدٍ. والرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر , حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جناً لاستتارهم , وهذا قول أبي إسحاق , وأنشد قول أعشى بني ثعلبة: (لَوْ كَانَ حَيٌّ خَالِد أَوْ مُعَمَّراً ... لَكَانَ سُلَيْمَان البري مِنَ الدَّهْرِ) (بَرَاهُ إلهي وَاصْطَفَاهُ عِبَادُهُ ... وَمَلَّكَهُ ما بَيْنَ نُوبَا إلى مِصْرِ) (وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ) فسمَّى الملائكة جناً لاستتارهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ثلاثةُ أَقَاوِيلَ: أحدها: أنه قد كان قبله قوم كفار , كان إبليس منهم. والثاني: أن معناه: وصار من الكافرين. والثالث: وهو قول الحسن: انه كان من الكافرين , وليس قبله كافرا , كما كان من الجنِّ , وليس قبله جِنٌّ , وكما تقول: كان آدم من الإنس , وليس قبله إنسيٌّ.

стр. 106

﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا

стр. 107

هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ قوله : ﴿وَقُلْنَا يا آدَمَ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم , ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج. وسُمِّيت امرأةً لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ , فأما تسميتها حواء , ففيه قولان: أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ , وهذا قول ابن عباسٍ , وابن مسعود. والثاني: أنها سميت بذلك , لأنها أم كل حيٍّ. واختُلِف في الوقت الذي خلقت فيه حواءُ على قولين: أحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ , فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة , وهذا قول ابن عباسٍ , وابن مسعود. والثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة , ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ , لقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ , وهذا قول أبي إسحاق. واختلف في الجَنَّةِ التي أُسْكِنَاهَا على قولين: أحدهما: أنها جنةُ الخُلد. والثاني: أنها جنةٌ أعدها الله لهما , والله أعلم. قوله : ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. في الرغدِ ثلاثةُ تأويلاتٍ:

стр. 108

أحدها: أنه العيش الهني , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود , ومنه قول امرئ القيس: (بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمِنُ الأحْدَاثَ في عَيْشٍ رَغَدْ) والثاني: أنه العيش الواسع , وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه , وهو قول مجاهد. قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها , على أربعةِ أقاويل: أحدها: أنها البُرُّ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها الكَرْمُ , وهذا قول السُّدِّيِّ , وجعدة بن هبيرة. والثالث: أنها التِّين , وهذا قول ابن جريجٍ , ويحكيه عن بعض الصحابة. والرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. وفي قوله تعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قولان: أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما. والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما. واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة , على أي وجهٍ وقعت منه , على أربعة أقاويل: أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وزعم صاحب هذا القول , أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم , فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً.

стр. 109

والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ , وإن كان غير قاصدٍ له , كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً , وهو قول سعيد بن المسيب. والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي , وتأول قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ , ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ. والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل , فصار عاصياً بإغفال الدليل , لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر , ولقوله تعالى في إبليس: ﴿فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل. واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل , على ثلاثةِ أقاويلَ: أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم. والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها , وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ. والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قوله : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قرأ حمزة وحده: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ بمعنى نحَّاهُما من قولك: زُلْتُ عن المكان , إذا تنحَّيْتَ عنه , وقرأ الباقون: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ بالتشديد بمعنى استزلَّهما من الزلل , وهو الخطأ , سمي زلَلاً لأنه زوال عن الحقَّ , وكذلك الزّلة زوال عن الحق , وأصله الزوال.

стр. 110

والشيطان الذي أزلهما هو إبليس. واختلف المفسرون , هل خلص إليهما حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فقال عبد الله بن عباس , ووهب بن منبه , وأكثر المفسرين أنه خلص إليهما , واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وقال محمد بن إسحاق: لم يخلص إليهما , وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما , ووسوس لهما من غير مشاهدة , لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] , والأول أظهر وأشهر. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعني إبليس , سبب خروجهما , لأنه دعاهما إلى ما أوجب خروجهما. قوله : ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. الهُبوط بضم الهاء النزول , وبفتحها موضع النزول , وقال المفضل: الهبوط الخروج من البلدة , وهو أيضاً دُخولها , فهو من الأضداد , وإذا كان الهبوط في الأصل هو النزول , كان الدخُول إلى البلدة لسكناها نزولاً بها , فصار هُبوطاً. واختلفوا في المأمور بالهبوط , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه آدم , وحواء , وإبليس , والحيَّةُ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه آدم وذريته , وإبليس وذريته , وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه آدم , وحواء , والمُوَسْوِسُ. والعدو اسم يستعمل في الواحد , والاثنين , والجمع , والمذكر ,
следующие страницы →