← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

(وكأن طعْمَ الزنجبيلِ به ... اذْ ذُقْتُه وسُلافَةَ الخمْرِ) ﴿عْيناً فيها تُسَمّى سَلْسَبيلاً﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أنه اسم لها , قاله عكرمة. الثاني: معناه سلْ سبيلاً إليها , قاله علّي ﵁. الثالث: يعني سلسلة السبيل , قاله مجاهد. الرابع: سلسلة يصرفونها حيث شاءوا , قاله قتادة. الخامس: أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالاً , قاله ابن عباس. السادس: أنها الحديدة الجري , قاله مجاهد أيضاً , ومنه قول حسان بن ثابت: (يَسْقُون من وَرَدَ البريصَ عليهم ... كأساً تُصَفِّقُ بالرحيق السِّلْسَل) وقال مقاتل: إنما سميت السلسبيل لأنها تنسل عليهم في مجالسهم وغرفهم وطرقهم. ﴿ويَطوفُ عليهم وِلْدانٌ مُخَلّدونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مخلدون لا يموتون , قاله قتادة. الثاني: صغار لا يكبرون وشبابٌ لا يهرمون، قاله الضحاك والحسن. الثالث: أي مُسَوَّرون، قاله ابن عباس، قال الشاعر: (ومُخَلّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنما ... أعْجازُهنّ أقاوزُ الكُثْبانِ.) ﴿إذا رَأَيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤاً مَنْثوراً﴾ فيه قولان: أحدها: أنهم مشبهون باللؤلؤ المنثور لكثرتهم , قاله قتادة. الثاني: لصفاء ألوانهم وحسن منظرهم وهو معنى قول سفيان. ﴿وإذا رأَيْتَ ثمَّ﴾ يعني الجنة. ﴿رأَيْتَ نَعيماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد كثرة النعمة.

стр. 4167

الثاني: كثرة النعيم. ﴿ومُلْكاً كبيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لسعته وكثرته. الثاني: لاستئذان الملائكة عليهم وتحيتهم بالسلام. ويحتمل ثالثاً: أنهم لا يريدون شيئاً إلا قدروا عليه. ﴿وسقاهم ربُّهم شَراباً طَهوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وصفه بذلك لأنهم لا يبولون منه ولا يُحْدِثون عنه , قاله عطية , قال إبراهيم التميمي: هو عَرَق يفيض من أعضائهم مثل ريح المسك. الثاني: لأن خمر الجنة طاهرة , وخمر الدنيا نجسة , فلذلك وصفه الله تعالى بالطهور , قاله ابن شجرة. الثالث: أن أنهار الجنة ليس فيها نجس كما يكون في أنهار الدنيا وأرضها حكاه ابن عيسى.

стр. 4168

﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ ﴿ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفوراً﴾ قيل إنه عنى أبا جهل , يريد بالآثم المرتكب للمعاصي , وبالكفور الجاحد للنعم. ﴿واذكُر اسمَ رَبِّك بُكرَةً وأصيلاً﴾ يعني في أول النهار وآخره، ففي أوله صلاة الصبح، وفي آخره صلاة الظهر والعصر. ﴿ومِنَ الليلِ فاسْجدْ له﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وسَبِّحْهُ ليلاً طويلاً﴾ يعني التطوع من الليل.

стр. 4169

قال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن هو صلاة. ﴿إنّ هؤلاءِ يُحِبّونَ العاجلةَ﴾ يحتمل في المراد بهم قولين: أحدهما: أنه أراد بهم اليهود وما كتموه من صفة لرسول الله ﷺ وصحة نبوّته. الثاني: أنه أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر. ويحتمل قوله ﴿يحبون العاجلة﴾ وجهين: أحدهما: أخذ الرشا على ما كتموه إذا قيل إنهم اليهود. الثاني: طلب الدنيا إذا قيل إنهم المنافقون. ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يوماً ثقيلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما يحل بهم من القتل والجلاء إذا قيل إنهم اليهود. الثاني: يوم القيامة إذا قيل إنهم المنافقون. فعلى هذا يحتمل قوله (ثقيلاً) وجهين: أحدهما: شدائده وأحواله. الثاني: للقِصاص من عباده. ﴿نحن خَلقْناهم وشَدَدْنا أَسْرَهم﴾ في أسرهم ثلاثة أوجه: أحدها: يعني مفاصلهم , قاله أبو هريرة. الثاني: خلقهم , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال لبيد: (ساهم الوجه شديد أسْرُه ... مشرف الحارك محبوك الكفل.) الثالث: أنه القوة , قاله ابن زيد , قال ابن أحمر في وصف فرس: (يمشي لأوظفةٍ شدادٍ أسْرُها ... صُمِّ السنابِك لاتقى بالجَدْجَدِ.) ويحتمل هذا القول منه تعالى وجهين: أحدهما: امتناناً عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية. الثاني: تخويفاً لهمن بسلب النعم. ﴿وإذا شئنا بدّلْنا أمثالَهم تبديلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمثال من كفر بالنعم وشكرها.

стр. 4170

الثاني: من كفر بالرسل بمن يؤمن بها. ﴿إنّ هذه تَذْكِرةٌ﴾ يحتمل بالمراد ب (هذه) وجهين: أحدهما: هذه السورة. الثاني: هذه الخلقة التي خلق الإنسان عليها. ويحتمل قوله (تذكرة) وجهين: أحدهما: إذكار ما غفلت عنه عقولهم. الثاني: موعظة بما تؤول إليه أمورهم. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَخَذَ إلى ربِّه سَبيلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: طريقاً إلى خلاصه. الثاني: وسيلة إلى جنته.

стр. 4171

سورة المرسلات مكية من قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ فمدينة. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4172

﴿و المرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين﴾ قوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة ترسل بالمعروف , قاله أبو هريرة وابن مسعود. الثاني: أنهم الرسل يرسلون بما يُعرفون به من المعجزات , وهذا قول أبي صالح. الثالث: أنها الرياح ترسل بما عرفها الله تعالى. ويحتمل رابعاً: أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت فيه , ومن أرسلت إليه.

стр. 4173

ويحتمل خامساً: أنها الزواجر والمواعظ. وفي قوله (عُرْفاً) على هذا التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: متتابعات كعُرف الفرس , قاله ابن مسعود. الثاني: جاريات , قاله الحسن يعني القلوب. الثالث: معروفات في العقول. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الرياح العواصف , قاله ابن مسعود. الثاني: الملائكة , قاله مسلم بن صبيح. ويحتمل قولاً ثالثاً: أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. وفي قوله (عصفاً) وجهان: أحدهما: ما تذروه في جريها. الثاني: ما تهلكه بشدتها. ﴿والنَّاشِراتِ نَشْراً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب , قاله ابن مسعود. الثاني: أنها الملائكة تنشر الكتب , قاله أبو صالح أيضاً. الثالث: أنه المطر ينشر النبات , قاله أبو صالح أيضاً. الرابع: أنه البعث للقيامة تُنشر فيه الأرواح , قاله الربيع. الخامس: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد , قاله الضحاك. ﴿فالفارِقات فَرقاً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل , قاله ابن عباس. الثاني: الرسل الذين يفرقون بين الحلال والحرام , قاله أبو صالح. الثالث: أنها الرياح , قاله مجاهد. الرابع: القرآن. وفي تأويل قوله (فَرْقاً) على هذا القول وجهان: أحدهما: فرقه آية آية , قاله الربيع. الثاني: فرق فيه بين الحق والباطل، قاله قتادة.

стр. 4174

﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ فيه قولان: أحدهما: الملائكة تلقي ما حملت من الوحي والقرآن إلى من أرسلت إليه من الأنبياء , قاله الكلبي. الثاني: الرسل يلقون على أممهم ما أنزل إليهم، قاله قطرب. ويحتمل ثالثاً: أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال. ﴿عُذْراً أو نُذْراً﴾ يعني عذراً من الله إلى عباده، ونُذْراً إليهم من عذابه. ويحتمل ثانياً: عذراً من الله بالتمكن، ونذراً بالتحذير. وفي ما جعله عذراً أو نذراً ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس. الثاني: الرسل , قاله أبو صالح. الثالث: القرآن , قاله السدي. ﴿إنما تُوعَدُونَ لَواقعٌ﴾ هذا جواب ما تقدم من القسم , لأن في أول السورة قسم , أقسم الله تعالى إنما توعدون على لسان الرسول من القرآن في أن البعث والجزاء واقع بكم ونازل عليكم. ثم بيّن وقت وقوعه فقال: ﴿فإذا النجومُ طُمِسَتْ﴾ أي ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب. ﴿وإذا السماءُ فُرِجَتْ﴾ أي فتحت وشققت. ﴿وإذا الجبالُ نُسِفَتْ﴾ أي ذهبت , وقال الكلبي: سويت بالأرض. ﴿وإذا الرّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أُودت , قاله إبراهيم. الثاني: أُجلت , قاله مجاهد. الثالث: جمعت , قاله ابن عباس. وقرأ أبو عمرو (وقتت) ومعناها عرفت ثوابها في ذلك اليوم , وتحتمل هذه القراءة وجهاً آخر أنها دعيت للشهادة على أممها.

стр. 4175

﴿ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين

стр. 4176

ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين﴾ ﴿ألم نُهلِكِ الأوَّلينِ﴾ يعني من العصاة، وفيمن أريد بهم وجهان: أحدهما: قوم نوح ﵇ لعموم هلاكهم بالطوفان لأن هلاكهم أشهر وأعم. الثاني: أنه قوم كل نبي استؤصلوا , لأنه في خصوص الأمم أندر. ﴿ثُمّ نُتْبِعُهُم الآخِرينَ﴾ يعني في هلاكهم بالمعصية كالأولين، إما بالسيف وإما بالهلاك. ﴿كذلك نَفْعَلُ بالمْجرمين﴾ يحتمل وجهين: أحدهمأ: أنه تهويل لهلاكهم في الدنيا اعتباراً. الثاني: أنه إخبار بعذابهم في الآخرة استحقاقاً. ﴿أَلمْ نَخْلُقْكُم مِنْ ماءٍ مَهينٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من صفوة الماء , قاله ابن عباس. الثاني: من ماء ضعيف , قاله مجاهد وقتادة. الثالث: من مني سائل , قاله ابن كامل. ﴿فَجَعَلْناه في قرارٍ مَكينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: قاله وهب بن منبّه في رحم أُمّه لا يؤذيه حَرّ ولا برد. الثاني: مكين حريز لا يعود فيخرج ولا يبث في الجسد فيدوم , قاله الكلبي. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍِ﴾ إلى يوم ولادته. ﴿فقدرنا فنِعْم القادِرون﴾ في قراءة نافع مشددة , وقرأ الباقون مخففة , فمن قرأ بالتخفيف فتأويلها: فملكنا فنعم المالكون. ومن قرأ بالتشديد فتأويلها: فقضينا فنعم القاضون , وقال الفراء: هما لغتان ومعناهما واحد.

стр. 4177

﴿ألمْ نجْعَلِ الأرضَ كِفاتاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني كِنّاً , قاله ابن عباس. الثاني: غطاء , قاله مجاهد. الثالث: مجمعاً , قاله المفضل. الرابع: وعاء قال الصمصامة بن الطرماح: (فأنت اليومَ فوق الأرض حيٌّ ... وأنت غداً تَضُمُّكَ من كِفات.) ﴿أحْياءً وأَمْواتاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الأرض تجمع الناس أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها , قاله قتادة والشعبي. الثاني: أن من الأرض أحياء بالعمارة والنبات , وأمواتاً بالجدب والجفاف , وهو أحد قولي مجاهد.

стр. 4178

﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين﴾ ﴿انْطَلِقوا إلى ظِلٍّ ذي ثلاثِ شُعَبٍ﴾ قيل إن الشعبة تكون فوقه , والشعبة عن يمينه , والشعبة عن شماله، فتحيط به، قاله مجاهد. الثاني: أن الشعب الثلاث الضريع والزقوم والغسلين، قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن الثلاث الشعب: اللهب والشرر والدخان، لأنه ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. ﴿لا ظَليلٍ﴾ في دفع الأذى عنه.

стр. 4179

﴿ولا يُغْني مِن اللهَب﴾ واللهب ما يعلو عن النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. ﴿إنها تَرْمي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ والشرر ما تطاير من قطع النار , وفي قوله (كالقصر) خمسة أوجه. أحدها: أنه أصول الشجر العظام , قاله الضحاك. الثاني: كالجبل , قاله مقاتل. الثالث: القصر من البناء وهو واحد القصور , قاله ابن مسعود. الرابع: أنها خشبة كان أهل الجاهلية يقصدونها , نحو ثلاثة أذرع , يسمونها القصر , قاله ابن عباس. الخامس: أنها أعناق الدواب , قاله قتادة. ويحتمل وجهاً سادساً: أن يكون ذلك وصفاً من صفات التعظيم , كنى عنه باسم القصر , لما في النفوس من استعظامه , وإن لم يُردْ به مسمى بعينه. ﴿كأنّه جِمالةٌ صُفْرٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جِمالاً صُفراً وأراد بالصفر السود , سميت صفراً لأن سوادها يضرب إلى الصفرة , وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة , قال الشاعر: (تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي ... هُنّ صُفْرٌ أولادُها كالزبيبِ.) الثاني: أنها قلوس السفن , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثالث: أنها قطع النحاس , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وفي تسميتها بالجمالات الصفر وجهان: أحدهما: لسرعة سيرها. الثاني: لمتابعة بعضها لبعض. ﴿فإنْ كانَ لكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم، قاله مقاتل. الثاني: إن استطعتم أن تمتنعوا عني فامتنعوا، وهو معنى قول الكلبي.

стр. 4180

﴿إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ﴿وإذا قِيلَ لهم ارْكَعوا لا يَرْكَعون﴾ أي صلّوا لا يصلّون، قال مقاتل. نزلت في ثقيف امتنعوا عن الصلاة فنزل ذلك فيهم، وقيل إنه قال ذلك لأهل الآخرة تقريعاً لهم. ﴿فبأيِّ حديثٍ بَعْدَه يُؤْمنُون﴾ أي فبأي كتاب بعد القرآن يصدّقون.

стр. 4181

سورة النبأ

стр. 4182

﴿عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا﴾ قوله تعالى ﴿عَمَّ يتساءَلونَ عن النبإ العَظيمِ﴾ يعني عن أي شيء يتساءل المشركون؟ لأن قريشاً حيث بُعث رسول الله ﷺ جعلت تجادل وتَختصم في الذي دعا إليه. وفي ﴿النبأ العظيم﴾ أربعة أقاويل: أحدها: القرآن، قاله مجاهد. الثاني: يوم القيامة، قاله ابن زيد. الثالث: البعث بعد الموت، قاله قتادة. الرابع: عن أمر النبي ﷺ .

стр. 4183

﴿الذي هُمْ فيه مُختَلِفَونَ﴾ هو البعث، فأما الموت فلم يختلفوا فيه، وفيه قولان: أحدهما: أنه اختلف فيه المشركون من بين مصدق منهم ومكذب , قاله قتادة. الثاني: اختلف فيه المسلمون والمشركون , فصدّق به المسلمون وكذّب به المشركون , قاله يحيى بن سلام. ﴿كَلَاّ سيعْلَمون ثم كلا سيعلمون﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه وعيد بعد وعيد للكفار , قاله الحسن , فالأول: كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في القيامة , والثاني: كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في جهنم. القول الثاني: أن الأول للكفار فيما ينالهم من العذاب في النار , والثاني للمؤمنين فيما ينالهم من الثواب في الجنة , قاله الضحاك. ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: نعاساً , قاله السدي. الثاني: سكناً , قاله قتادة. الثالث: راحة ودعة , ولذلك سمي يوم السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة , قال أبو جعفر الطبري: يقال سبت الرجل إذا استراح. الرابع: سُباتا أي قطعاً لأعمالهم , لأن أصل السبات القطع ومنه قولهم سبت الرجل شعره إذا قطعه , قال الأنباري: وسمي يوم السبت لانقطاع الأعمال فيه. ويحتمل خامساً: أن السبات ما قرت فيه الحواس حتى لم تدرك بها الحس. ﴿وجَعَلْنا اللّيلَ لِباساً﴾ فيه وجهان: أحدهما: سكناً، قاله سعيد بن جبير والسدي. الثاني: غطاء، لأنه يغطي سواده كما يغطى الثوب لابسه، قاله أبو جعفر الطبري. ﴿وجَعَلنا النهارَ مَعاشاً﴾ يعني وقت اكتساب، وهو معاش لأنه يعاش فيه.

стр. 4184

ويحتمل ثانياً: أنه زمان العيش واللذة. ﴿وجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ يعني بالسراج الشمس، وفي الوهّاج أربعة أقاويل: أحدها: المنير، قاله ابن عباس. الثاني: المتلألىء، قاله مجاهد. الثالث: أنه من وهج الحر، قاله الحسن. الرابع: أنه الوقّاد، الذي يجمع بين الضياء والجمال. ﴿وأَنْزَلْنا من المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ان المعصرات الرياح , قاله ابن عباس وعكرمة , قال زيد بن أسلم هي الجنوب. الثاني: أنها السحاب , قاله سفيان والربيع. الثالث: أن المعصرات السماء , قاله الحسن وقتادة. وفي الثجاج قولان: أحدهما: الكثير قاله ابن زيد. الثاني: المنصبّ , قاله ابن عباس , وقال عبيد بن الأبرص: (فثجّ أعلاه ثم ارتج أسفلُه ... وضاق ذَرْعاً بحمل الماء مُنْصاحِ) ﴿لنُخرج به حبّاً ونَباتاً﴾ فيه قولان: أحدهما: ان الحب ما كان في كمام الزرع الذي يحصد، والنبات: الكلأ الذي يرعى، وهذا معنى قول الضحاك. الثاني: أن الحب اللؤلؤ، والنبات: العشب، قال عكرمة: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبتت في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. ويحتمل ثالثاً: أن الحب ما بذره الآدميّون، والنبات ما لم يبذروه. ﴿وجنّاتٍ أَلْفافاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الزرع المجتمع بعضه إلى جنب بعض، قاله عكرمة. الثاني: أنه الشجرالملتف بالثمر، قاله السدي. الثالث: أنها ذات الألوان، قاله الكلبي.

стр. 4185

ويحتمل رابعاً: أنها التي يلف الزرع أرضها والشجر أعاليها، فيجتمع فيها الزرع والشجر ملتفات.

стр. 4186

﴿إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ ﴿إنّ يومَ الفصلِ﴾ يعني يوم القيامة , سمي بذلك لأنه يفصل فيه الحكم بين الأولين والآخرين والمثابين والمعاقبين. ﴿كانَ مِيقاتاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ميعاداً للإجتماع. والثاني: وقتاً للثواب والعقاب. ﴿وسُيِّرتِ الجبالُ فكانتْ سَراباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: سُيّرت أي أزيلت عن مواضعها. الثاني: نسفت من أصولها. (فكانت سراباً) فيه وجهان: أحدهما: فكانت هباءً. الثاني: كالسراب لا يحصل منه شيء كالذي يرى السراب يظنه ماء وليس بماء. ﴿إنّ جهنّمَ كانت مِرْصاداً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أنها راصدة فجازتهم بأعمالهم , قاله أبو سنان. الثاني: أن على النار رصداً , لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه , فمن جاء بجواز جاز , ومن لم يجىء بجواز لم يجز , قاله الحسن. الثالث: أن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار , قاله قتادة.

стр. 4187

﴿للطّاغينَ مَآباً﴾ فيه قولان: أحدهما: مرجعاً ومنقلباً , قاله السدي. الثاني: مأولى ومنزلاً , قاله قتادة. والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم. ﴿لابِثينَ فيها أَحْقاباً﴾ يعني كلما مضى حقب جاء حقب وكذلك إلى الأبد واختلفوا في مدة الحقب على سبعة أقاويل: أحدها: ثمانون سنة , قاله أبو هريرة. الثاني: أربعون سنة , قاله ابن عمر. الثالث: سبعون سنة , قاله السدي. الرابع: أنه ألف شهر , رواه أبو أمامة مرفوعاً. الخامس: ثلاثمائة سنة , قاله بشير بن كعب. السادس: سبعون ألف سنة , قاله الحسن. السابع: أنه دهر طويل غير محدود , قاله قطرب. وفي تعليق لبثهم بالأحقاب قولان: أحدهما: أنه على وجه التكثير , كلما مضت أحقاب جاءَت بعدها أحقاب , وليس ذلك بحد لخلودهم في النار. الثاني: أن ذلك حد لعذابهم بالحميم والغسّاق , فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب. ﴿لا يَذُوقونَ فيها بَرداً ولا شَراباً﴾ في البرد ثلاثة أقاويل:

стр. 4188

أحدها: أنه برد الماء , وبرد الهواء , وهو قول كثير من المفسرين. الثاني: أنه الراحة , قاله قتادة. الثالث: أنه النوم , قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة. وأنشد قول الكندي: (بَرَدَتْ مَراشِفُها علىَّ فَصَدَّني ... عنها وعن تَقْبيلِها البَرْدُ) يعني النوم. والشراب ها هنا: العذاب. ويحتمل أن يريد بالشراب الري , لأن الشراب يروي وهم فيها عطاش أبداً. ﴿إلاّ حَميماً وغَسّاقاً﴾ أما الحميم ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الحارّ الذي يحرق , قاله ابن عباس. الثاني: دموع أعينهم في النار تجتمع في حياض في النار فيُسقونْه , قاله ابن زيد. الثالث: أنه نوع من الشراب لأهل النار , قاله السدي. وأما الغسّاق ففيه أربعة أقاويل: أحدهاك أنه القيح الغليظ , قاله ابن عمر. الثاني: أنه الزمهرير البارد الذي يحرق من برده , قاله ابن عباس. الثالث: أنه صديد أهل النار , قاله قتادة. الرابع: أنه المنتن باللغة الطحاوية , قاله ابن زيد. ﴿جزاءً وِفاقاً﴾ وهو جمع وفق , قال أهل التأويل: وافق سوءُ الجزاء سوءَ العمل. ﴿إنهم كانوا لا يَرْجُونَ حِساباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً , قاله ابن عباس. الثاني: لا يخافون وعيد الله بحسابهم ومجازاتهم , وهذا معنى قول قتادة. ﴿وكذّبوا بآياتِنا كِذّاباً﴾ يعني بآيات القرآن , وفي (كِذّاباً) وجهان:

стр. 4189

أحدهما: أنه الكذب الكثير. الثاني: تكذيب بعضهم لبعض , ومنه قول الشاعر: (فَصَدَقْتُها وَكَذَبْتُها ... والمرءُ يَنْفعُهُ كِذابُهْ) وهي لغة يمانية.

стр. 4190

﴿إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا﴾ ﴿إنّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: نجاة من شرها , قاله ابن عباس. الثاني: فازوا بأن نجوا من النار بالجنة , ومن العذاب بالرحمة , قاله قتادة , وتحقيق هذا التأويل أنه الخلاص من الهلاك , ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها. ﴿وكَواعِبَ أَتْراباً﴾ في الكواعب قولان: أحدهما: النواهد , قاله ابن عباس. الثاني: العذارى , قاله الضحاك , ومنه قول قيس بن عاصم: (وكم مِن حَصانٍ قد حَويْنا كريمةٍ ... ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعْصر) وفي الاتراب أربعة أقاويل: أحدها: الأقران , قاله ابن عباس. الثاني: الأمثال , قاله مجاهد. الثالث: المتصافيات , قاله عكرمة. الرابع: المتآخيات , قاله السدي. ﴿وكأساً دِهاقاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مملوءة , قاله ابن عباس , ومنه قول الشاعر:

стр. 4191

(أتانا عامرٌ يَبْغي قِرانا ... فأَتْرَعنا له كأساً دِهاقاً) الثاني: متتابعة يتبع بعضها بعضاً , قاله عكرمة. الثالث: صافية , رواه عمر بن عطاء , قال الشاعر: (لأنْتِ آلى الفؤادِ أَحَبُّ قُرْباً ... مِن الصّادي إلى كأسٍ دِهَاقِ.) ﴿لا يَسْمعونَ فيها لَغْواً ولا كِذّاباً﴾ في اللغو ها هنا أربعة أقاويل: أحدها الباطل , قاله ابن عباس. الثاني: الحلف عند شربها , قاله السدي. الثالث: الشتم , قاله مجاهد. الرابع: المعصية , قاله الحسن. وفي (كِذّاباً) ثلاثة أقاويل: أحدهاك لا يكذب بعضهم بعضاً , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه الخصومة , قاله الحسن. الثالث: أنه المأثم , قاله قتادة. وفي قوله ﴿لا يَسْمَعونَ فيها﴾ وجهان: أحدهما: في الجنة , قاله مجاهد. الثاني: في شرب الخمر , قاله يحيى بن سلام. ﴿جزاءً من ربكَ عَطاءً حِساباً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كافياً , قاله الكلبي. الثاني: كثيراً , قاله قتادة. الثالث: حساباً لما عملوا , فالحساب بمعنى العد.

стр. 4192

﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر

стр. 4193

المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا﴾ ﴿يومَ يقومُ والرُّوحُ الملائكةُ صَفّاً﴾ في الروح ها هنا ثمانية أقاويل: أحدها: الروح خلق من خلق الله كهيئة الناس وليسوا أناساً , وهم جند للَّه سبحانه , قاله أبو صالح. الثاني: أنهم أشرف الملائكة , قاله مقاتل بن حيان. الثالث: أنهم حفظة على الملائكة , قاله ابن أبي نجيح. الثالث: أنهم حفظة على الملائكة خلقاً , قاله ابن عباس. الرابع: أنه ملك من أعظم الملائكة خلقاً , قاله ابن عباس. الخامس: هو جبريل ﵇ , قاله سعيد بن جبير. السادس: أنهم بنو آدم , قاله قتادة. السابع: أنهم بنو آدم , قاله قتادة. الثامن: أنه القرآن , قاله زيد بن أسلم. ﴿لا يتكلمونَ إلا مَنْ أَذِنَ له الرحمنُ﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة , قاله الحسن. الثاني: لا يتكلمون في شيء إلا من أذن له الرحمن شهادة أن لا إله إلا الله , قاله ابن عباس. ﴿وقالَ صَواباً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني حقاً , قاله الضحاك. الثاني: قول لا إله إلا الله , قاله أبو صالح. الثالث: أن الروح يقول يوم القيامة: لا تُدخل الجنة إلا بالرحمة , ولا النار إلا بالعمل , فهو معنى قوله (وقال صواباًَ) قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أنه سؤال الطالب وجواب المطلوب , لأن كلام الخلق في القيامة مقصور على السؤال والجواب. ﴿ذلك اليومُ الحقُّ﴾ يعني يوم القيامة , وفي تسميته الحق وجهان: أحدهما: لأن مجئيه حق وقد كانوا على شك. الثاني: أنّ الله تعالى يحكم فيه بالحق بالثواب والعقاب. ﴿فمن شاءَ اتّخَذ إلى ربِّه مآباً﴾ فيه وجهان:

стр. 4194

أحدهما: سبيلاً , قاله قتادة. الثاني: مرجعاً , قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: اتخذ ثواباً لاستحقاقه بالعمل لأن المرجع يستحق على المؤمن والكافر. ﴿إنّا أنذْرْناكم عَذاباَ قريباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: عقوبة الدنيا , لأنه أقرب العذابين , قاله قتادة , وقاله مقاتل: هو قتل قريش ببدر. الثاني: عذاب يوم القيامة , لأنه آت وكل آت قريب , وهو معنى قول الكلبي. ﴿يومَ ينظُرُ المْرءُ ما قدَّمَتْ يَداهُ﴾ يعني يوم ينظر المرء ما قدّم من عمل خير , قال الحسن: قدَّم فقَدِم على ما قَدَّم. ويحتمل أن يكون عامّاً في نظر المؤمن إلى ما قدّم من خير , ونظر الكافر إلى ما قدّم من شر. ﴿ويقولُ الكافرُ يا لَيْتني كنتُ تُراباً﴾ قال مجاهد يبعث الحيوان فيقاد للمنقورة من الناقرة، وللمركوضة من الراكضة، وللمنطوحة من الناطحة، ثم يقول الرب تعالى: كونوا تراباً بلا جنة ولا نار , فيقول الكافر حينئذ: يا ليتني كنت تراباً وفي قوله ذلك وجهان: أحدهما: يا ليتني صرت اليوم مثلها تراباً بلا جنة ولا نار، قاله مجاهد. الثاني: يا ليتني كنت مثل هذا الحيوان في الدنيا وأكون اليوم تراباً، قاله أبو هريرة: وهذه من الأماني الكاذبة كما قال الشاعر: (ألا يا ليتني والمْرءُ مَيْتُ ... وما يُغْني من الحدثانِ لَيْت.) قال مقاتل: نزل قوله تعالى: ﴿يوم ينظر المرء ما قدّمت يداهُ﴾ في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي , ونزل قوله تعالى: ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ في أخيه الأسود بن عبد الأسد.

стр. 4195

سورة النازعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4196

﴿و النازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ قوله تعالى ﴿والنَّأزِعاتِ غَرْقاً﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم , قاله ابن مسعود ومسروق. الثاني: هو الموت ينزع النفوس، قاله مجاهد. الثالث: هي النفوس حين تنزع، قاله السدي. الرابع: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، ومن المشرق إلى المغرب، قاله الحسن وقتادة. والخامس: هي القسيّ تنزع بالسهم، قاله عطاء. السادس: هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر، حكاه يحيى بن سلام , ومعنى (غرقاً) أي إبعاداً في النزع. ﴿والناشِطات نَشْطاً﴾ فيه ستة تأويلات:

стр. 4197

أحدها: هي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كنشط العقال , قاله ابن عباس. الثاني: النجوم التي تنشط من مطالعها إلى مغاربها , قاله قتادة. الثالث: هو الموت ينشط نفس الإنسان , قاله مجاهد. الرابع: هي النفس حيث نشطت بالموت , قاله السدي. الخامس: هي الأوهاق , قاله عطاء. السادس: هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد , كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد , قاله أبو عبيدة , وانشد قول همام بن قحافة: (أمْسَتْ همومي تنشط المناشِطا ... الشامَ بي طَوْراً وطَوْراً واسطاً.) ﴿والسّابحاتِ سَبْحاً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: هي الملائكة سبحوا إلى طاعة الله من بني آدم , قاله ابن مسعود والحسن. الثاني: هي النجوم تسبح في فلكها , قاله قتادة. الثالث: هو الموت يسبح في نفس ابن آدم , قاله مجاهد. الرابع: هي السفن تسبح في الماء , قاله عطاء. الخامس: هي الخيل , حكاه ابن شجرة , كما قال عنترة: (والخيلُ تعْلم حين تس ... بَحُ في حياضِ المْوتِ سَبْحاً) ويحتمل سادساً: أن تكون السابحات الخوض في أهوال القيامة. ﴿فالسّابقاتِ سَبْقاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء , قاله عليّ ﵁ ومسروق. وقال الحسن: سبقت إلى الايمان. الثاني: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً , قاله قتادة. الثالث: هوالموت يسبق إلى النفس , قاله مجاهد. الرابع: هي النفس تسبق بالخروج عند الموت , قاله الربيع.

стр. 4198

الخامس: هي الخيل , قاله عطاء. ويحتمل سادساً: أن تكون السابقات ما سبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار. ﴿فالمُدَبِّرات أمْراً﴾ فيهم قولان: أحدهما: هي الملائكة , قاله الجمهور , فعلى هذا في تدبيرها بالأمر وجهان: أحدهما: تدبير ما أمرت به وأرسلت فيه. الثاني: تدبير ما وكلت فيه من الرياح والأمطار. الثاني: هي الكواكب السبعة , حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل؛ وعلى هذا في تدبيرها للأمر وجهان. أحدهما: تدبير طلوعها وأفولها. الثاني: تدبير ما قضاه الله فيها من تقلب الأحوال. ومن أول السورة إلى هذا الموضع قسم أقسم الله به , وفيه وجهان: أحدهما: أن ذكرها بخالقها. الثاني: أنه أقسم بها وإن كانت مخلوقة لا يجوز لمخلوق أن يقسم بها , لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه. وجواب ما عقد له القسم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مضمر محذوف وتقديره لو أظْهر: لتُبْعَثُن ثم لُتحاسبُن , فاستغنى بفحوى الكلام وفهم السامع عن إظهاره , قاله الفراء. الثاني: أنه مظهر , وهو قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرةً لمن يخشى﴾ قاله مقاتل. الثالث: هو قوله تعالى: ﴿يومَ ترْجفُ الراجفةُ تَتْبعُها الرادِفةُ﴾ وفيهما ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الراجفة القيامة , والرادفة البعث , قاله ابن عباس. الثاني: أن الراجفة النفخة الأولى تميت الأحياء , والرادفة: النفخة الثانية تحيي الموتى , قاله الحسن وقتادة.

стр. 4199

وقال قتادة: ذكر أن النبي ﷺ قال: (بينهما أربعون , ما زادهم على ذلك ولا سألوه , وكانوا يرون أنها أربعون سنة). وقال عكرمة: الأولى من الدنيا , والثانية من الآخرة. الثالث: أن الراجفة الزلزلة التي ترجف الأرض والجبال والرادفة إذا دكّتا دكة واحدة , قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: أن الراجفة أشراط الساعة , والرادفة: قيامها. ﴿قلوبٌ يومئذٍ واجِفَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خائفة , قاله ابن عباس. الثاني: طائرة عن أماكنها , قاله الضحاك. ﴿أَبْصارُها خاشِعَة﴾ فيه وجهان: أحدهما: ذليلة , قاله قتادة. الثاني: خاضعة , قاله الضحاك. ﴿يقولون أئنا لَمْردودُونَ في الحافِرةِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الحافرة الحياة بعد الموت , قاله ابن عباس والسدي وعطية. الثاني: أنها الأرض المحفورة , قاله ابن عيسى. الثالث: أنها النار , قاله ابن زيد. الرابع: أنها الرجوع إلى الحالة الأولى تَكذيباً بالبعث , من قولهم رجع فلان على قومه إذا رجع من حيث جاء , قاله قتادة , قال الشاعر: (أحافرة على صَلَعٍ وشيْبٍ ... معاذَ اللَّه من جَهْلٍ وطَيْشِ) ﴿أَئِذا كْنَا عِظاماً نَخِرةً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بالية , قاله السدي. الثاني: عفنة , قاله ابن شجرة. الثالث: خالية مجوفة تدخلها الرياح فتنخر , أي تصوّت , قاله عطاء والكلبي.

стр. 4200

ومن قرأ (ناخرة) فإن الناخرة البالية , والنخرة التي تنخر الريح فيها. ﴿تلك إذاً كَرّةٌ خاسِرةٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: باطلة لا يجيء منها شيء , كالخسران , وليست كاسبة , قاله يحيى بن سلام. الثاني: معناه لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنخسرنّ بالنار , قاله قتادة ومحمد بن كعب. ويحتمل ثالثاً: إذا كنا ننتقل من نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة فهي كرة خاسرة. ﴿فإنّما هي زجْرةٌ واحدةٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: نفخة واحدة يحيا بها الجميع فإذا هم قيام ينظرون , قاله الربيع بن أنس. الثاني: الزجرة الغضب , وهو غضب واحد , قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أنه لأمر حتم لا رجعة فيه ولا مثنوية. ﴿فَإذَا هم بالسّاهرةِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: وجه الأرض , قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد , والعرب تسمي وجه الأرض ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهره , قال أمية بن أبي الصلت: (وفيها لحْمُ ساهرةٍ وبَحرٌ ... وما فاهوا به لهمُ مُقيم) وقال آخر يوم ذي قار لفرسه: (أَقْدِمْ مَحاجِ إنها الأساوِره ... ولا يهولنّك رِجْلٌ بادِرهْ) (فإنما قَصْرُكَ تُرْبُ السّاهرهْ ... ثم تعودُ , بَعْدها في الحافرهْ) ٨٩ (من بَعْد ما صِرْتَ عظاماً ناخِرهْ﴾ ٩ الثاني: أنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام , وهو الصقع الذي بين جبل أريحا وجبل حسّان , يمده الله تعالى كيف يشاء , قاله عثمان بن أبي العاتكة.

стр. 4201

الثالث: أنها جبل بيت المقدس , قاله وهب بن منبه. الرابع: أنه جهنم , قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنها عرضة القيام لأنها أول مواقف الجزاء , وهم في سهر لا نوم فيه.

стр. 4202

﴿هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ ﴿هلْ أتاكَ حديثُ موسى إذ ناداه ربه بالوادِ المقدَّسِ طُوَىً﴾ فيه قولان: أحدهما: وهو قول مبشر بن عبيد هو واد بأيلة. الثاني: وهو قول الحسن , هو واد بفلسطين. وفي (المقدَّس) تأويلان: أحدهما: المبارك , قاله ابن عباس. الثاني: المطهر , قاله الحسن: قدّس مرتين. وفي (طُوَىً) أربعة أقاويل: أحدها: أنه أسم الوادي المقدس , قاله مجاهد وقتادة وعكرمة. الثاني: لأنه مر بالوادي فطواه , قاله ابن عباس. الثالث: لأنه طوي بالبركة , قاله الحسن. الرابع: يعني طأ الوادي بقدمك , قاله عكرمة ومجاهد. ويحتمل خامساً؛ أنه ما تضاعف تقديسه حتى تطهّر من دنس المعاصي , مأخوذ من طيّ الكتاب إذا ضوعف. ﴿فَقُلْ هل لك إلى أن تَزَكّى﴾ فيه قولان: أحدهما: إلى أن تُسْلِم , قال قتادة. الثاني: إلى أن تعمل خيراً، قاله الكلبي.

стр. 4203

﴿فأَراهُ الآيةَ الكُبْرَى﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها عصاه ويده، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنها الجنة والنار، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنه كلامه من الشجرة. قوله ﴿فَحَشَرَ فنادَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: حشر السحرة للمعارضة، ونادى جنده للمحاربة. الثاني: حشر الناس للحضور ونادى أي خطب فيهم. ﴿فأخَذَهُ الله نَكالََ الآخرة والأُولى﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: عقوبة الدنيا والآخرة , قال قتادة: عذبه الله في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار. الثاني: عذاب أول عُمرِه وآخره , قاله مجاهد. الثالث: الأولى قوله: (ما علمت لكم مِن إلهٍ غيري) والآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) , قاله عكرمة , قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة , وقال مجاهد: ثلاثون سنة , قال السدي: وهي الآخرة ثلاثون سنة. الرابع: عذاب الأولى الإمهال , والآخرة في النار , من قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها﴾ الآية , قاله الربيع.

стр. 4204

﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم﴾ ﴿وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها﴾ معناه أظلم ليلها , وشاهد الغطش أنه الظلمة قول الأعشى: (عَقَرْتُ لهم مَوْهِنا ناقتي ... وغامِرُهُمْ مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ) يعني يغمرهم ليلهم لأنه غمرهم بسواده.

стр. 4205

وفي قوله: (وأخرج ضُحاها) وجهان: أحدهما: أضاء نهارها وأضاف الليل والضحى إلى السماء لأن منهما الظلمة والضياء. الثاني: قال ابن عباس أن أخرج ضحاها: الشمس. ﴿والأرضَ بَعْد ذلك دَحاها﴾ في قوله (بَعْد) وجهان: أحدهما: مع وتقدير الكلام: والأرض مع ذلك دحاها , لأنها مخلوقة قبل السماء , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أن (بعد) مستعملة على حقيقتها لأنه خلق الأرض قبل السماء ثم دحاها بعد السماء , قاله ابن عمر وعكرمة. وفي (دحاها) ثلاثة أوجه: أحدها: بسطها , قاله ابن عباس , قال أمية بن أبي الصلت: (وَبَثَّ الخلْق فيها إذْ دَحاها ... فَهُمْ قُطّانُها حتى التنادي) قال عطاء: من مكة دحيت الأرض , وقال عبد الله بن عمر: من موضع الكعبة دحيت. الثاني: حرثها وشقها , قاله ابن زيد. الثالث: سوّاها , ومنه قول زيد بن عمرو: (وأسْلَمْتُ وجهي لمن أسْلَمتْ ... له الأرضُ تحمل صَخْراً ثِقالا) (دحاها فلما اسْتَوتْ شدّها ... بأيْدٍ وأرْسَى عليها الجبالا)
следующие страницы →