Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
الثالث: أنها جبل بيت المقدس , قاله وهب بن منبه. الرابع: أنه جهنم , قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنها عرضة القيام لأنها أول مواقف الجزاء , وهم في سهر لا نوم فيه.
стр. 4202
﴿هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ ﴿هلْ أتاكَ حديثُ موسى إذ ناداه ربه بالوادِ المقدَّسِ طُوَىً﴾ فيه قولان: أحدهما: وهو قول مبشر بن عبيد هو واد بأيلة. الثاني: وهو قول الحسن , هو واد بفلسطين. وفي (المقدَّس) تأويلان: أحدهما: المبارك , قاله ابن عباس. الثاني: المطهر , قاله الحسن: قدّس مرتين. وفي (طُوَىً) أربعة أقاويل: أحدها: أنه أسم الوادي المقدس , قاله مجاهد وقتادة وعكرمة. الثاني: لأنه مر بالوادي فطواه , قاله ابن عباس. الثالث: لأنه طوي بالبركة , قاله الحسن. الرابع: يعني طأ الوادي بقدمك , قاله عكرمة ومجاهد. ويحتمل خامساً؛ أنه ما تضاعف تقديسه حتى تطهّر من دنس المعاصي , مأخوذ من طيّ الكتاب إذا ضوعف. ﴿فَقُلْ هل لك إلى أن تَزَكّى﴾ فيه قولان: أحدهما: إلى أن تُسْلِم , قال قتادة. الثاني: إلى أن تعمل خيراً، قاله الكلبي.
стр. 4203
﴿فأَراهُ الآيةَ الكُبْرَى﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها عصاه ويده، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنها الجنة والنار، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنه كلامه من الشجرة. قوله ﴿فَحَشَرَ فنادَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: حشر السحرة للمعارضة، ونادى جنده للمحاربة. الثاني: حشر الناس للحضور ونادى أي خطب فيهم. ﴿فأخَذَهُ الله نَكالََ الآخرة والأُولى﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: عقوبة الدنيا والآخرة , قال قتادة: عذبه الله في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار. الثاني: عذاب أول عُمرِه وآخره , قاله مجاهد. الثالث: الأولى قوله: (ما علمت لكم مِن إلهٍ غيري) والآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) , قاله عكرمة , قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة , وقال مجاهد: ثلاثون سنة , قال السدي: وهي الآخرة ثلاثون سنة. الرابع: عذاب الأولى الإمهال , والآخرة في النار , من قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها﴾ الآية , قاله الربيع.
стр. 4204
﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم﴾ ﴿وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها﴾ معناه أظلم ليلها , وشاهد الغطش أنه الظلمة قول الأعشى:
(عَقَرْتُ لهم مَوْهِنا ناقتي ... وغامِرُهُمْ مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ)
يعني يغمرهم ليلهم لأنه غمرهم بسواده.
стр. 4205
وفي قوله: (وأخرج ضُحاها) وجهان: أحدهما: أضاء نهارها وأضاف الليل والضحى إلى السماء لأن منهما الظلمة والضياء. الثاني: قال ابن عباس أن أخرج ضحاها: الشمس. ﴿والأرضَ بَعْد ذلك دَحاها﴾ في قوله (بَعْد) وجهان: أحدهما: مع وتقدير الكلام: والأرض مع ذلك دحاها , لأنها مخلوقة قبل السماء , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أن (بعد) مستعملة على حقيقتها لأنه خلق الأرض قبل السماء ثم دحاها بعد السماء , قاله ابن عمر وعكرمة. وفي (دحاها) ثلاثة أوجه: أحدها: بسطها , قاله ابن عباس , قال أمية بن أبي الصلت:
(وَبَثَّ الخلْق فيها إذْ دَحاها ... فَهُمْ قُطّانُها حتى التنادي)
قال عطاء: من مكة دحيت الأرض , وقال عبد الله بن عمر: من موضع الكعبة دحيت. الثاني: حرثها وشقها , قاله ابن زيد. الثالث: سوّاها , ومنه قول زيد بن عمرو:
(وأسْلَمْتُ وجهي لمن أسْلَمتْ ... له الأرضُ تحمل صَخْراً ثِقالا)
(دحاها فلما اسْتَوتْ شدّها ... بأيْدٍ وأرْسَى عليها الجبالا)
стр. 4206
﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر
стр. 4207
من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ ﴿فإذا جاءت الطامّةُ الكُُبْرى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها النفخة الآخرة، قاله الحسن. الثاني: أنها الساعة طمت كل داهية، والساعة أدهى وأمّر، قاله الربيع. الثالث: أنه اسم من أسماء القيامة يسمى الطامة، قاله ابن عباس. الرابع: أنها الطامة الكبرى إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، قاله القاسم بن الوليد، وهو معنى قول مجاهد. وفي معنى (الطامّة) في اللغة ثلاثة وجوه: أحدها: الغاشية. الثاني: الغامرة. الثالث: الهائلة , ذكره ابن عيسى , لأنها تطم على كل شيء أي تغطيه. ﴿وأمّا مَنْ خاف مَقام رَبِّهِ ونَهَى النفْسَ عن الهَوى﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو خوفه في الدنيا من الله عند مواقعة الذنب فيقلع , قاله مجاهد. الثاني: هو خوفه في الآخرة من وقوفة بين يدي الله للحساب , قاله الربيع بن أنس , ويكون معنى: خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى , قال الكلبي: وزجر النفس عن المعاصي والمحارم. ﴿فإنّ الجنّةَ هي المأوَى﴾ أي المنزل , وذكر أنها نزلت في مصعب بن عمير. ﴿يسألونَكَ عن الساعةِ أيّانَ مُرْساها﴾ قال ابن عباس: متى زمانها , قاله الربيع ﴿فيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ فيه وجهان: أحدهما: فيم يسألك المشركون يا محمد عنها ولست ممن يعلمها , وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: فيم تسأل يا محمد عنها وليس لك السؤال , وهذا معنى قول عروة بن الزبير.
стр. 4208
﴿إلى ربِّك مُنْتَهاها﴾ يعني منتهى علم الساعة: فكف النبي ﷺ عن السؤال وقال: يا أهل مكة إن الله احتجب بخمس لم يُطْلع عيهن مَلَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فمن ادعى علمهن فقد كفر: ﴿إن اللَّه عنده علم الساعة ... ﴾ إلى آخر السورة. ﴿إنّما أنْتَ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿مَنْذِرُ مَنْ يَخْشَاها﴾ يعني القيامة. ﴿كأنّهم يومَ يَرَوْنَها﴾ يعني الكفار يوم يرون الآخرة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا. ﴿إلَاّ عَشيّةً﴾ وهي ما بعد الزوال. ﴿أو ضُحاها﴾ وهو ما قبل الزوال , لأن الدنيا تصاغرت عندهم وقلّت في أعينهم , كما قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعةً من نهارٍ﴾.
стр. 4209
سورة عبس
مكية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 4210
﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ قوله تعالى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَه الأَعْمَى﴾ روى سعيد عن قتادة أن ابن أم مكتوم , وهو عبد الله بن زائدة من بني فهر , وكان ضريراً , أتى رسول الله رسول الله صلى الله عليه سلم يستقرئه وهو يناجي بعض عظماء قريش - وقد طمع في إسلامهم - قال قتادة: هو أمية بن خلف , وقال مجاهد: هما عتبة وشيبة ابنا ربيعة , فأعرض النبي ﷺ عن الأعمى وعبس في وجهه , فعاتبه الله تعالى في إعراضه وتوليه فقال (عبس وتولّى) أي قطّب واعرض (أن جاءه الأعمى) يعني ابن أم مكتوم. ﴿وما يُدريك لعلّه يَزَّكى﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يؤمن , قاله عطاء. الثاني: يتعبد بالأعمال الصالحة، قاله ابن عيسى. الثالث: يحفظ ما يتلوه عليه من القرآن، قاله الضحاك.
стр. 4211
الرابع: يتفقه في الدين , قاله ابن شجرة. ﴿أوْ يَذَّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَى﴾ قال السدّي: لعله يزّكّى ويّذكرُ , والألف صلة , وفي الذكرى وجهان: أحدها: الفقه. الثاني: العظة. قال ابن عباس: فكان النبي ﷺ إذا نظر إليه مقبلاً بسط له رداءه حتى يجلس عليه إكراماً له. قال قتادة: واستخلفه على صلاة الناس بالمدينة في غزاتين من غزواته , كل ذلك لما نزل فيه. ﴿كلاّ إنّها تَذْكِرةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن هذه السورة تذكرة , قاله الفراء والكلبي. الثاني: أن القرآن تذكرة , قاله مقاتل. ﴿فَمَن شَاءَ ذكَرَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فمن شاء الله ألهمه الذكر , قاله مقاتل. الثاني: فمن شاء أن يتذكر بالقرآن أذكره الله , وهو معنى قول الكلبي. ﴿في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مكرمة عند الله , قاله السدي. الثاني: مكرمة في الدين لما فيها من الحكم والعلم , قاله الطبري. الثالث: لأنه نزل بها كرام الحفظة. ويحتمل قولاً رابعاً: أنها نزلت من كريم , لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه. ﴿مرفوعةٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: مرفوعة في السماء , قاله يحيى بن سلام. الثاني: مرفوعة القدر والذكر , قاله الطبري.
стр. 4212
ويحتمل قولاً ثالثاً: مرفوعة عن الشُبه والتناقض. ﴿مُطَهّرةٍ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدهأ: من الدنس , قاله يحيى بن سلام. الثاني: من الشرك , قاله السدي. الثالث: أنه لا يمسها إلا المطهرون , قاله ابن زيد. الرابع: مطهرة من أن تنزل على المشركين , قاله الحسن. ويحتمل خامساً: لأنها نزلت من طاهر مع طاهر على طاهر. ﴿بأيْدِى سَفَرَةٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن السفرة الكتبة , قاله ابن عباس , قال المفضل: هو مأخوذ من سفر يسفر سفراً , إذا كتب , قال الزجاج: إنما قيل للكتاب سِفْر وللكاتب سافر من تبيين الشيء وإيضاحه , كما يقال أسفر الصبح إذا وضح ضياؤه وظهر , وسفرت المرأة إذا كشفت نقابها. الثاني: أنهم القّراء , قال قتادة لأنهم يقرؤون الأسفار. الثالث: هم الملائكة , لأنهم السفرة بين يدي الله ورسله بالرحمة , قال زيد , كما يقال سَفَر بين القوم إذا بلغ صلاحاً , وأنشد الفراء:
(وما أدَعُ السِّفارةَ بين قوْمي ... وما أَمْشي بغِشٍ إنْ مَشَيْتُ)
﴿كِرام بَرَرةٍ﴾ في الكرام ثلاثة أقاويل: أحدها: كرام على ربهم , قاله الكلبي. الثاني: كرام عن المعاصي فهم يرفعون أنفسهم عنها , قاله الحسن. الثالث: يتكرمون على من باشر زوجته بالستر عليه دفاعاً عنه وصيانة له , وهو معنى قول الضحاك. ويحتمل رابعاً: أنهم يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وفي (بررة) ثلاثة أوجه: أحدها: مطيعين , قاله السدي.
стр. 4213
الثاني: صادقين واصلين , قاله الطبري. الثالث: متقين مطهرين , قاله ابن شجرة. ويحتمل قولاً رابعاً: أن البررة مَن تعدى خيرهم إلى غيرهم , والخيرة من كان خيرهم مقصوراً عليهم.
стр. 4214
﴿قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم﴾ ﴿قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه﴾ في (قتل) وجهان: أحدهما: عُذِّب. الثاني: لعن. وفي (الإنسان) ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إشارة إلى كل كافر , قاله مجاهد. الثاني: أنه أمية بن خلف , قاله الضحاك. الثالث: أنه عتبة بن أبي لهب حين قال: إني كفرت برب النجم إذا هوى , فقال النبي ﷺ : (اللَّهم سلّطْ عليه كلبك) فأخذه الأسد في طريق الشام , قاله ابن جريج والكلبي. وفي (ما أكْفَرَه) ثلاثة أوجه: أحدها: أن (ما) تعجب , وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا قاتله الله ما أحسنه , وأخزاه الله ما أظلمه , والمعنى: أعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا. الثاني: أي شيء أكفره , على وجه الاستفهام , قاله السدي ويحيى بن سلام.
стр. 4215
الثالث: ما ألعنه , قاله قتادة. ﴿ثم السبيلَ يَسّرَهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: خروجه من بطن أمه , قاله عكرمة والضحاك. الثاني: سبيل السعادة والشقاوة , قاله مجاهد. الثالث: سبيل الهدى والضلالة , قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: سبيل منافعه ومضاره. ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فأَقْبَرَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: جعله ذا قبر يدفن فيه , قاله الطبري , قال الأعشى:
(لو أسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِها ... عاشَ ولم يُنْقلْ إلى قابر)
الثاني: جعل من يقبره ويواريه , قاله يحيى بن سلام. ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أَنشَرَهُ﴾ يعني أحياه , قال الأعشى:
(حتى يقولَ الناسُ مما رأوْا ... يا عجباً للميّت الناشِرِ)
﴿كلاّ لّما يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الكافر لم يفعل ما أمر به من الطاعة والإيمان , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه على العموم في المسلم والكافر , قال مجاهد: لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه , وكلاّ ها هنا لتكرير النفي وهي موضوعة للرد. ويحتمل وجه حمله على العموم أن الكافر لا يقضيه عمراً , والمؤمن لا يقضيه شهراً. ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلى طعامه الذي يأكله وتحيا نفسه به , من أي شيء كان , قاله يحيى.
стр. 4216
الثاني: ما يخرج منه أي شيء كان؟ ثم كيف صار بعد حفظ الحياة وموت الجسد. قال الحسن: إن ملكاً يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه. ويحتمل إغراؤه بالنظر إلى وجهين: أحدهما: ليعلم أنه محل الأقذار فلا يطغى. الثاني: ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى. ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صبّاً﴾ يعني المطر. ﴿ثم شَقَقْنا الأرضَ شقّاً﴾ يعني بالنبات. ﴿فَأَنْبَتْنَا فيها حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ والقضب: القت والعلق سمي بذلك لقضبه بعد ظهوره. ﴿وزَيْتوناً ونخْلاً وحدائقَ غُلْباً﴾ فيه قولان: أحدهما: نخلاً كراماً , قاله الحسن. الثاني: الشجر الطوال الغلاظ , قال الكلبي: الْغلب الغِلاط , قال الفرزدق:
(عَوَى فأَثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميّاً ... فَوَيْلَ ابنِ المراغةِ ما استثار)
وفي (الحدائق) ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ما التف واجتمع , قاله ابن عباس. الثاني: أنه نبت الشجر كله. الثالث: أنه ما أحيط عليه من النخل والشجر , وما لم يحط عليه فليس بحديقة حكاه أبو صالح. ويحتمل قولاً رابعاً: أن الحدائق ما تكامل شجرها واختلف ثمرها حتى عم خيرها.
стр. 4217
ويحتمل الغُلْب أن يكون ما غلبت عليه ولم تغلب فكان هيناً. ﴿وفاكهةً وأبّاً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الأبّ ما ترعاه البهائم , قاله ابن عباس: وما يأكله الآدميون الحصيدة , قال الشاعر في مدح النبي ﷺ :
(له دعوة ميمونة ريحها الصبا ... بها يُنْبِتُ الله الحصيدة والأَبّا)
الثاني: أنه كل شيء ينبت على وجه الأرض , قاله الضحاك. الثالث: أنه كل نبات سوى الفاكهة , وهذا ظاهر قول الكلبي. الرابع: أنه الثمار الرطبة , قاله ابن أبي طلحة. الخامس: أنه التبن خاصة , وهو يحكي عن ابن عباس أيضاً , قال الشاعر:
(فما لَهم مَرْتعٌ للسّوا ... م والأبُّ عندهم يُقْدَرُ)
)
ووجدت لبعض المتأخرين سادساً: أن رطب الثمار هو الفاكهة , ويابسها الأبّ. ويحتمل سابعاً: أن الأبّ ما أخلف مثل أصله كالحبوب , والفاكهة ما لم يخلف مثل أصله من الشجر. روي أن عمر بن الخطاب قرأ ﴿عبس وتولّى﴾ فلما بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة , فما الأبّ؟ ثم قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا هو التكلف وألقى العصا من يده. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم فهم كنبات الزرع بعد دثوره , وتضمن امتناناً عليهم بما أنعم.
стр. 4218
﴿فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه
стр. 4219
لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ ﴿فإذا جاءَتِ الصّاخّةُ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها النفخة الثانية التي يصيخ الخلق لاستماعها , قاله الحسن , ومنه قول الشاعر:
(يُصِيخُ للنْبأَة أَسْماعه ... إصاخَةَ الناشدِ للمُنْشِد)
الثاني: أنه اسم من أسماء القيامة , لإصاخة الخلق إليها من الفزع , قاله ابن عباس. ﴿يوم يَفِرُّ المرءُ مِن أخيه وأُمِّه وابيه وصاحِبتِه وبنيه﴾ وفي فراره منهم ثلاثة أوجه: أحدها: حذراً من مطالبتهم إياه للتبعات التي بينه وبينهم. الثاني: حتى لا يروا عذابه. الثالث: لاشتغاله بنفسه , كما قال تعالى بعده: ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي يشغله عن غيره. ﴿وجوهٌ يومئذٍ مُسفِرةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مشرقة. الثاني: فرحة , حكاه السدي. ﴿ضَاحكةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ضاحكة من مسرة القلب. الثاني: ضاحكة من الكفار شماتة وغيظاً , مستبشرة بأنفسها مسرة وفرحاً. ﴿ووجوهٌ يومَئذٍ عليها غبرَةٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه غبار جعل شيناً لهم ليتميزوا به فيعرفوا. الثاني: أنه كناية عن كمد وجوههم بالحزن حتى صارت كالغبرة. ﴿ترْهقُها قَتَرةٌ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: تغشاها ذلة وشدة، قاله ابن عباس.
стр. 4220
الثاني: خزي , قال مجاهد. الثالث: سواد , قاله عطاء. الرابع: غبار , قاله السدي , وقال ابن زيد: القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة: ما انحطت إلى الأرض. الخامس: كسوف الوجه , قاله الكلبي ومقاتل. ﴿أولئك هم الكَفَرَةُ الفَجرَةُ﴾ يحتمل جمعه بينهما وجهين: أحدهما: أنهم الكفرة في حقوق الله , الفجرة في حقوق العباد. الثاني: لأنهم الكفرة في أديانهم , الفجرة في أفعالهم.
стр. 4221
سورة التكوير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4222
﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت﴾ قوله تعالى: ﴿إذا الشمسُ كُوِّرَتْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني ذهب نورها وأظلمت , قاله ابن عباس. الثاني: غُوِّرَت , وهو بالفارسية كوبكرد , قاله ابن جبير. الثالث: اضمحلت , قاله مجاهد. الرابع: نكست , قاله أبو صالح. الخامس: جمعت فألقيت , ومنه كارة الثياب لجمعها , وهو قول الربيع بن خيثم. ﴿وإذا النجوم انْكَدَرَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تناثرت , قاله الربيع بن خيثم. الثاني: تغيرت فلم يبق لها ضوء , قاله ابن عباس.
стр. 4223
الثالث: تساقطت , قاله قتادة , ومنه قول العجاج:
(أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ ... تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر)
ويحتمل رابعاً: أن يكون انكدارها طمس آثارها , وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. ﴿وإذا الجبالُ سُيِّرتْ﴾ يعني ذهبت عن أماكنها , قال مقاتل: فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد. ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلتْ﴾ والعشار: جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر , وهي أنفس أموالهم عندهم , قال الأعشى:
(هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ... ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً)
فتعطل العشار لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم. وفي (عطلت) تأويلان: أحدهما: أُهملت , قاله الربيع. الثاني: لم تحلب ولم تدر , قاله يحيى بن سلام. وقال بعضهم: العشار: السحاب تعطل فلا تمطر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً , تعطل فلا تزرع. ﴿وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: جمعت , قاله الربيع. الثاني: اختلطت , قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس.
стр. 4224
الثالث: حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء , قاله السدي. الرابع: أن حشرها بموتها , قاله ابن عباس. ﴿وإذا البحارُ سُجِّرتْ﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: فاضت , قاله الربيع. الثاني: يبست , قاله الحسن. الثالث: ملئت , أرسل عذبها على مالحها , ومالحها على عذبها حتى امتلأت , قاله أبو الحجاج. الرابع: فجرت فصارت بحراً واحداً , قاله الضحاك. الخامس: سيرت كما سيرت الجبال , قاله السدي. السادس: هو حمرة مائها حتى تصير كالدم , مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء. السابع: يعني أوقدت فانقلبت ناراً , قاله عليّ ﵁ وابن عباس وأُبي بن كعب. الثامن: معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار , حكاه ابن عيسى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف (سجرت) إخباراً عن حالها مرة واحدة , وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى. ﴿وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها , فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة , ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار , قاله عطية العوفي: حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة. الثاني: يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن من أهل الجنة زوّج بامرأة من
стр. 4225
اهل الجنة , وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار , قاله عمر بن الخطاب , ثم قرأ: ﴿احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ الثالث: معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد , فزوجت بها أي صارت لها زوجاً , قاله عكرمة والشعبي. الرابع: أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان , حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها , فصار لاختصاصها به كالتزويج. ﴿وإذا الموءوجة سُئِلَتْ﴾ والموءودة المقتولة , كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتاً دفنها حية , إما خوفاً من السبي والاسترقاق , وإما خشية الفقر والإملاق , وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه حتى افتخر الفرزدق فقال:
(ومِنّا الذي مَنَعَ الوائداتِ ... فأحْيا والوئيدَ فلم تُوأَدِ)
وسميت موءودة للثقل الذي عليها من التراب , ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يئوده حفظهما﴾ أي لا يثقله , وقال متمم بن نويرة:
(وموءودةٍ مقبورة في مفازةٍ ... بآمتها موسودة لم تُمهّدِ)
فقال توبيخاً لقاتلها وزجراً لمن قتل مثلها ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ واختلف هل هي السائلة أو المسئولة , على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة: ﴿بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ﴾ فتقول: لا ذنب لي , فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره. الثاني: أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت , فلا يكون له عذر , قاله ابن عباس وكان يقرأ: وإذا الموءودة سألت.
стр. 4226
قال قتادة: يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه , فأبى الله سبحانه ذلك عليهم. ﴿وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ﴾ يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها قيقول: (﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها﴾. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر , وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة , فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها , وإن حمل على التكرار ففيه وجهان: أحدهما: للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع. الثاني: لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. ﴿وإذا السماءُ كُشِطَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني ذهبت , قاله الضحاك. الثاني: كسفت , قاله السدي. الثالث: طويت , قاله يحيى بن سلام , كما قال تعالى: ﴿يوم نطوي السماء﴾ الآية. ﴿وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أحميت , قاله السدي. الثاني: أُوقدت , قاله معمر عن قتادة. الثالث: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم , قاله سعيد عن قتادة. ﴿وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أي قرّبت , قال الربيع: إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ﴾ يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما بعدها , قال عمر بن الخطاب: لهذا جرى الحديث , وقال الحسن: ﴿إذا الشمس كورت﴾ قسم وقع على قوله ﴿علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ﴾.
стр. 4227
﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس
стр. 4228
إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ ﴿فلا أُقسِمُ بالخُنّسِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت , قاله الحسن وقتادة. الثاني: خمسة الأنجم وهي: زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة , قاله عليّ. وفي تخصيصها بالذكر وجهان: أحدهما: لأنها لا تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. الثاني: لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس. الثالث: أن الخنس بقر الوحش، قاله ابن مسعود. الرابع: أنها الظباء، قاله ابن جبير. ويحتمل تأويلاً خامساً: أنها الملائكة لأنها تخنس فلا تُرى , وهذا قَسَمٌ مبتدأ، و (لا) التي في قوله ﴿فلا أقسم بالخنس﴾ فيها الأوجه الثلاثة التي في ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾. ﴿الجوار الكُنّسِ﴾ فيها التأويلات الخمسة: أحدها: النجوم , قاله الحسن، سميت بالجواري الكنس لأنها تجري في مسيرها. الثاني: أنها النجوم الخمسة، وهو قول عليّ.
стр. 4229
والكنّس , الغيّب , مأخوذ من الكناس وهو كناس الوحش التي تختفي فيه , قال أوس بن حجر:
(ألم تر أن الله أنزل مُزْنَهُ ... وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمّعُ)
الثالث: أنها بقر الوحش لاختفائها في كناسها , قاله ابن مسعود. الرابع: الظباء , قاله ابن جبير. الخامس: هي الملائكة. ﴿والليلِ إذا عَسْعَسَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أظلم , قاله ابن مسعود ومجاهد , قال الشاعر:
(حتى إذ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا ... رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظّلامِ حِنْدساً)
الثاني: إذا ولى , قاله ابن عباس وابن زيد , قال الشاعر:
(حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا)
الثالث: إذا أقبل , قاله ابن جبير وقتادة , وأصله العس وهو الامتلاء , ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه , فانطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه , وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه , ﴿والصبحِ إذا تَنَفّسَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: طلوع الفجر , قاله عليّ وقتادة. الثاني: طلوع الشمس , قاله الضحاك. وفي (تنفّسَ) وجهان: أحدهما: بان إقباله. الثاني: زاد ضوؤه. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون تنفس بمعنى طال , مأخوذ من قولهم قد تنفس النهار إذا طال.
стр. 4230
﴿إنه لَقَوْلُ رسولٍ كريمٍ﴾ وهو جواب القسم , يعني القرآن. وفي الرسول الكريم قولان: أحدهما: جبريل , قاله الحسن وقتادة والضحاك. الثاني: النبي ﷺ , قاله ابن عيسى , فإن كان المراد به جبريل فمعناه قول رسول للَّه كريم عن رب العاليمن لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول , إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول , ومبلغ إليه على الوجه الثاني. ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ﴾ هو جبريل في أصح القولين , يعني مطاعاً فيمن نزل عليه من الأنبياء , أميناً فيما نزل به من الكتب. ﴿وما صاحبكم بمجنونٍ﴾ يعني النبي ﷺ . ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ وفي الذي رآه قولان: أحدهما: أنه رأى ربه بالأفق المبين , وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني: رأى جبريل بالأفق المبين على صورته التي هو عليها , وفيها قولان: أحدهما: أنه رآه ببصره , قاله ابن عباس وعائشة. الثاني: بقلبه , ولم يره ببصره , قاله أبو ذر. وفي (الأفق) قولان: أحدهما: أنه مطلع الشمس. الثاني: أقطار السماء ونواحيها , قال الشاعر:
(أخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكمُ ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطّوالعُ)
فعلى هذا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رآه في أفق السماء الشرقي، قاله سفيان. والثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة.
стр. 4231
الثالث: أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة، قاله مجاهد، ﴿وما هو على الغَيْبِ بضنين﴾ قرأ بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفيه وجهان: أحدهما: وما محمد على القرآن بمتهم أن يأتي بما لم ينزل عليه , قاله ابن عباس. الثاني: بضعيف عن تأديته , قاله الفراء. وقرأ الباقون بالضاد , وفيه وجهان: أحدهما: وما هو ببخيل أن يعلِّم كما تعلّم. الثاني: وما هو بمتهم أن يؤدي ما لم يؤمر به. ﴿فأيْنَ تَذْهَبون﴾ فيه وجهان: أحدهما: فإلى أين تعدلون عن كتاب الله تعالى وطاعته , قاله قتادة. الثاني: فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله , حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: فأين تذهبون عن عذابه وعقابه. ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالَمين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما تشاؤون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله لكم. الثاني: وما تشاؤون الهداية إلا أن يشاء الله بتوفيقه: وقيل إن سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا إن شئنا استقمنا , وإن شئنا لم نستقم , فأنزل الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين﴾.
стр. 4232
سورة الانفطار
مكية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 4233
﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ قوله تعالى: ﴿إذا السماءُ انْفَطَرتْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: انشقت. الثاني: سقطت , قال الشاعر:
(كانوا سعوداً سماءَ الناس فانفطرت ... فأصبح الشمل لم ترفع له عُمُد)
﴿وإذا البحار فُجِّرَتْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يبست , قاله الحسن. الثاني: خلطت فصارت بحراً واحداً , وهذا معنى قول ابن عباس , قال: وهو سبعة أبحر فتصير بحراً واحداً.
стр. 4234
الثالث: فجر عذبها في مالحها: ومالحها في عذبها , قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: أي فاضت. ﴿وإذا القبور بُعْثِرتْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بحثت وثوّرت , قاله ابن عباس وعكرمة , وقال الفراء: فيخرج ما في بطنها من الذهب والفضة , وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها ثم تخرج الموتى. الثاني: حركت للبعث , قاله السدي. الثالث: بعث من فيها من الأموات , قاله قتادة. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قدَّمَتْ وأَخرَتْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما عملت وما تركت , قاله أبو رزين. الثاني: ما قدمت من طاعة , وأخرت من حق الله , قاله ابن عباس. الثالث: ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث. ويحتمل ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة , لأنه خارج مخرج الوعيد , وهذا جواب ﴿إذا السماء انفطرت﴾ لأنه خبر , وجعلها الحسن قَسَماً وقعت على قوله ﴿علمت نفس﴾ الآية. والأظهر ما عليه الجماعة من أنه خبر وليس بقسم. ﴿يا أيها الإنسان ما غّرَّك بربِّكَ الكريم﴾ في الإنسان ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إشارة إلى كل كافر. الثاني: أنه أبي بن خلف، قاله عكرمة. الثاث: أنه أبو الأشد بن كلدة بن أسد الجمحي، قاله ابن عباس. وفي الذي غرَّه قولان: أحدهما: عدوه الشيطان، قاله قتادة. الثاني: جهله، وهو قول عمر بن الخطاب.
стр. 4235
ويحتمل قولاً ثالثاً: إنه إمهاله. (الكريم) الذي يتجاوز ويصفح , وروى الحسن أن عمر بن الخطاب لما قرأ ﴿يا أيها الإنسان﴾ ... . . الآية , قال: حمقه وجهله. ﴿الذي خَلَقَك فسَوَّاك فَعدَلك﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: فسوى خلقك وعدل خلقتك. الثاني: فسوَّى أعضاءك بحسب الحاجة وعدلها في المماثلة لا تفضل يد على يد , ولا رجل على رجل. الثالث: فسواك إنساناً كريماً وعدل بك عن أن يجعلك حيواناً بهيماً. قال أصحاب الخواطر: سوّاك بالعقل وعدلك بالإيمان. ﴿في أَيِّ صورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما شاء ركبك من شبه أم أو أب أو خال أو عم , قاله مجاهد. الثاني: من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى , قاله ابن عيسى. الثالث: في أي صورة من صور الخلق ركبك حتى صرت على صورتك التي أنت عليها أيها الإنسان لا يشبهك شيء من الحيوان. وروى موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال لجده: ما ولِدَ لك؟ قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية , قال رسول الله: ومن عسى أن يشبه؟ قال: إما أباه وإما أمه , فقال ﵇ عندها: مه لا تقولن هكذا , إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت في كتاب الله: في أي صورة ما شاء ركبك. ﴿كلاّ بَلْ تُكّذِّبونَ بالدِّين﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 4236
أحدها: بالحساب والجزاء , قاله ابن عباس. الثاني: بالعدل والقضاء , قاله عكرمة. الثالث: بالدين الذي جاء به محمد ﷺ , حكاه ابن عيسى. ﴿وإنَّ عليكم لحافِظِينَ﴾ يعني الملائكة , يحفظ كلَّ إنسان ملكان , أحدهما عن يمينه يكتب الخير , والآخر عن شماله يكتب الشر. ﴿كِراماً كاتِبينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كراماً على الله , قاله يحيى بن سلام. الثاني: كراماً بالإيمان , قاله السدي. الثالث: لأنهم لا يفارقون ابن آدم إلا في موطنين عند الغائط وعند الجماع يعرضان عنه ويكتبان ما تكلم به , فلذلك كره الكلام عند الغائط والجماع. ويحتمل رابعاً: كراماً لأداء الأمانة فيما يكتبونه من عمله فلا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.
стр. 4237
﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إنّ الأبرارَ لفي نَعيم وإن الفُجّارَ لقي جَحيمٍ﴾ قولان: أحدهما: في الآخرة فيكون نعيم الأبرار في الجنة بالثواب , وجحيم الفجار في النار بالعقاب.
стр. 4238
والقول الثاني: أنه في الدنيا , فعلى هذا فيه أربعة أوجه ذكرها أصحاب الخواطر. أحدها: النعيم القناعة , والجحيم الطمع. الثاني: النعيم التوكل , والجحيم الحرص. الثالث: النعيم الرضا بالقضاء , والجحيم السخط فيما قدر وقضى. الرابع: النعيم بالطاعة , والجحيم بالمعيصية. ﴿وما هُمْ عنها بغائبين﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن القيامة تحقيق للبعث فعلى هذا يجوز أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى الأبرار والفجار جميعاً. الثاني: عن النار , ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفجار دون الأبرار , والمراد بأنهم لا يغيبون عنها أمران: أحدهما: تحقيق الوعيد. الثاني: تخليد الفجار. ﴿وما أدْراك ما يومُ الدِّين ثُمَّ ما أدْراكَ ما يومُ الدِّين﴾ يعني يوم الجزاء , وهو يوم القيامة , وفي تكراره وجهان: أحدهما: تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره. الوجه الثاني: أن الأول خطاب للفجار والثاني خطاب للأبرار ترغيباً. ﴿يومَ لا تَمْلِك نفسٌ لنَفْسٍ شيئاً﴾ يعني لا يملك مخلوق لمخلوق نفعاً ولا ضراً. ﴿والأمر يومئذٍ للَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب. الثاني: في العقوبة والانتقام.
стр. 4239
سورة المطففين
стр. 4240
﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ قوله تعالى: ﴿ويْلٌ للمطفّفين﴾ قال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً , إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿ويل للطففين﴾ فأحسنوا الكيل , قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا. أعمض بعض المتعمقة فحمله على استيفاء العبادة بين الناس جهراً , وفي النقصان سراً.
следующие страницы →