Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
وفيها قولان: أحدهما: كل ما استتر به الإنسان من خير وشر , وأضمره من إيمان أو كفر , كما قال الأحوص:
(ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا ... سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ.)
الثاني: هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (الأمانات ثلاث: الصلاة والصوم والجنابة , استأمن الله ابن آدم على الصلاة , فإن شاء قال: قد صليت ولم يُصلّ , استأمن الله ابن آدم على الصوم , فإن شاء قال: قد صمت ولم يصم , استأمن الله ابن آدم على الجنابة , فإن شاء قال: قد اغتسلت ولم يغتسل , اقرؤوا إن شئتم:) يوم تُبْلى السّرائرُ (. ﴿فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القوة العشيرة , والناصر: الحليف , قاله سفيان. الثاني: فما له من قوة في بدنه , ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله , أو ينتصر به على الله , وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: فما له من قوة في الامتناع , ولا ناصر في الاحتجاج.
стр. 4272
﴿والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ ﴿والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات المطر , لأنه يرجع في كل عام , قاله ابن عباس. الثاني ذات السحاب , لأنه يرجع بالمطر. الثالث: ذات الرجوع إلى ما كانت , قاله عكرمة. الرابع: ذات النجوم الراجعة , قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد , وهذا قَسَمٌ.
стр. 4273
﴿والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: ذات النبات لانصداع الأرض عنه , قاله ابن عباس. الثاني: ذات الأودية , لأن الأرض قد انصدعت بها , قاله ابن جريج. الثالث: ذات الطرق التي تصدعها المشاة , قاله مجاهد. الرابع: ذات الحرث لأنه يصدعها. ويحتمل خامساً: ذات الأموات , لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان: ﴿إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ﴾ على هذا وقع القَسَمُ , وفي المراد بأنه قول فصل قولان: أحدهما: ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر) الآية. تحقيقاً لوعيده , فعلى هذا في تأويل قوله (فَصْل) وجهان: أحدها: حد , قاله ابن جبير. الثاني: عدل , قاله الضحاك. القول: ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه , فعلى هذا في تاويل قوله (فصل) وجهان: أحدهما: حق , قاله ابن عباس. الثاني: ما رواه الحارث عن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتابِ الله فيه خير ما قبلكم، وحكم ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله , ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.) ﴿وما هو بالهزْلِ﴾ وهذا تمام ما وقع عليه القسم , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: باللعب، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: بالباطل، قاله وكيع والضحاك. الثالث: بالكذب، قاله السدي. ﴿إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً﴾ يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله ﷺ , كما قال تعالى: ﴿وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ﴾ فقال ها هنا: (إنهم يكيدون كيداً) أي يمكرون مكراً.
стр. 4274
﴿وأكيدُ كيْداً﴾ يعني بالانتقام في الآخرة بالنار , وفي الدنيا بالسيف. ﴿فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قريباً , قاله ابن عباس. الثاني: انتظاراً , ومنه قول الشاعر:
(رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي ... عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ)
الثالث: قليلاً , قاله قتادة. قال الضحاك: فقتلوا يوم بدر. وفي (مهّل) (وأمْهل) وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: معناهما مختلف , فمهّل الكف عنهم , وأمْهِل انتظار العذاب لهم.
стр. 4275
سورة الأعلى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4276
﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ قوله تعالى ﴿سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: عظّم ربك الأعلى , قاله ابن عباس والسدي , والاسم صلة قصد بها تعظيم المسّمى , كما قال لبيد:
(إلى الحْولِ ثم اسم السلام عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر)
الثاني: نزّه اسم ربك عن أن يسمى به أحد سواه , ذكره الطبري. الثالث: معناه ارفع صوتك بذكر ربك , قال جرير:
(قَبَحَ الإلهُ وَجوه تَغْلبَ كلّما ... سَبَحَ الحجيجُ وكبّروا تكبيرا)
стр. 4277
الرابع: صلّ لربك , فعلى هذا في قوله (اسم ربك) ثلاثة أوجه: أحدها: بأمر ربك. الثاني: بذكر ربك أن تفتتح به الصلاة. الثالث: أن تكون ذاكراً لربك بقلبك في نيتك للصلاة. وروي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا: (سبحان ربي الأعلى) امتثالاً لأمره تعالى في ابتدائها , فصار الاقتداء بهم في قراءتها , وقيل إنها في قراءة أُبيّ: (سبحان ربي الأعلى) وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. ﴿الذي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنشأ خلقهم ثم سوّاهم فأكملهم. الثاني: خلقهم خلقاً كاملاً وسوّى لكل جارحة مثلاً. الثالث: خلقهم بإنعامه وسوّى بينهم في أحكامه , قال الضحاك: خلق آدم فَسوّى خلقه. ويحتمل رابعاَ: خلق في أصلاب الرجال , وسوّى في أرحام الأمهات. ويحتمل خامساً: خلق الأجساد فسّوى الأفهام. ﴿والذي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: قدّر الشقاوة والسعادة , وهداه للرشد والضلالة , قاله مجاهد. الثاني: قدر أرزاقهم وأقواتهم , وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً , ولمراعيهم إن كانوا وحشاً. الثالث: قدرهم ذكوراً وإناثاً , وهدى الذكر كيف يأتى الأنثى , قاله السدي. ويحتمل رابعاً: قدر خلقهم في الأرحام , وهداهم الخروج للتمام. ويحتمل خامساً: خلقهم للجزاء , وهداهم للعمل. ﴿والذي أَخْرَجَ المْرعى﴾ يعني النبات , لأن البهائم ترعاه , قال الشاعر:
(وقد يَنْبُتُ المرعى على دِمَنِ الثّرَى ... وتَبْقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيا)
﴿فَجَعَلهُ غُثاءً أَحْوَى﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الغثاء ما يبس من النبات حتى صار هشيماً تذروه الرياح.
стр. 4278
الأحوى: الأسود , قال ذي الرمة:
(لمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللّثاتِ وفي أنْيابها شَنَبُ)
وهذا معنى قول مجاهد. الثاني: أن الغثاء ما احتمل السيل من النبات , والأحوى: المتغير , وهذا معنى قول السدي. الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً , ومعناه أحوى فصار غثاء , والأحوى: ألوان النبات الحي من أخضر وأحمر وأصفر وأبيض , ويعبر عن جميعه بالسواد كما سمي به سواد العراق , وقال امرؤ القيس:
(وغيثٍ دائمِ التهْتا ... نِ حاوي النبتِ أدْهم)
والغثاء: الميت اليابس , قال قتادة: وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب الدنيا بعد نضارتها. ﴿سنُقْرئك فلا تَنسَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى , أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه , فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك. والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن , حكى ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه , فأنزل الله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) يعني القرآن. ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه , قاله الحسن وقتادة. الثاني: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرؤه , حكاه ابن عيسى. ﴿إنهُ يَعْلَمُ الجهْرَ وما يَخْفَى﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك , وما يخفى هو ما نسخ من حفظك. الثاني: أن الجهر ما علمه , وما يخفى ما سيتعلمه من بعد , قاله ابن عباس.
стр. 4279
الثالث: أن الجهر ما قد أظهره , وما يخفى ما تركه من الطاعات. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نيسرك لأن تعمل خيراً , قاله ابن عباس. الثاني: للجنة , قاله ابن مسعود. الثالث: للدين واليسر وليس بالعسر , قاله الضحاك. ﴿فذكّرْ إن نَّفَعتِ الذِّكْرَى﴾ وفيما يذكر به وجهان: أحدهما: بالقرآن , قاله مجاهد. الثاني: بالله رغبة ورهبة , قاله ابن شجرة. وفي قوله: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذّكْرى﴾ وجهان: أحدهما: يعني إن قبلت الذكرى وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: يعني ما نفعت الذكرى , فتكون (إنْ) بمعنى ما الشرط , لأن الذكرى نافعة بكل حال , قاله ابن شجرة. ﴿سَيّذَّكَرُ مَن يَخْشى﴾ يعني يخشى الله , وقد يتذكر من يرجوه , إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء , وإن تعلقت بالخشية والرجاء. ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقَى﴾ يعني يتجنب التذكرة الكافر الذي قد صار بكفره شقياً. ﴿الذي يَصْلَى النّارَ الكُبْرىَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هي نار جهنم , والصغرى نار الدنيا , قاله يحيى بن سلام. الثاني: الكبرى نار الكفار في الطبقة السفلى من جهنم , والصغرى نار المذنبين في الطبقة العليا من جهنم , وهو معنى قول الفراء. ﴿ثم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحْيَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يموت ولا يجد روح الحياة , ذكره ابن عيسى. الثاني: أنه يعذب لا يستريح ولا ينتفع بالحياة , كما قال الشاعر:
(ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فَيَنْقَضِي ... عَناها ولا تحْيا حياةً لها طَعمْ.)
стр. 4280
﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ ﴿قد أفْلَحَ من تَزَكّى﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: من تطهّر من الشرك بالإيمان , قاله ابن عباس. الثاني: من كان صالح عمله زكياً نامياً , قاله الحسن والربيع. لم يذكر الثالث راجع التعليق ص. ٤٤. الرابع: أنه عنى زكاة الأموال كلها , قاله أبو الأحوص. ويحتمل خامساً: أنه من ازداد خيراً وصلاحاً. ﴿وذكَرَ اسمَ ربِّه فَصَلّى﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: أن يوحد الله , قاله ابن عباس. الثاني: أن يدعوه ويرغب إليه. الثالث: أن يستغفروه ويتوب إليه. الرابع: أن يذكره بقلبه عند صلاته فيخاف عقابه ويرجو ثوابه , ليكون استيفاؤه لها وخشوعه فيها بحسب خوفه ورجائه. الخامس: أن يذكر اسم ربه بلسانه عند إحرامه بصلاته , لأنها لا تنعقد إلا بذكره. السادس: أن يفتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي قوله (فصلّى) ثلاثة أقاويل: أحدها: الصلوات الخمس , قاله ابن عباس. الثاني: صلاة العيد , قاله أبو سعيد الخدري. الثالث: هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة , قاله أبو الأحوص. وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. ﴿بل تُؤْثرون الحياةَ الدُّنْيا﴾ فيه وجهان:
стр. 4281
أحدهما: أن المراد بها الكفار , فيكون تأويلها: بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. الثاني: أن المراد بها المسلمون , فيكون تأويلها: يؤثرون الاستكثار من الدنيا للاستكثار من الثواب. ﴿والآخِرةُ خَيْرٌ وأَبْقَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: خير للمؤمن من الدنيا , وأبقى للجزاء. الثاني: ما قاله قتادة خير في الخير وأبقى في البقاء. ويحتمل به وجهاً ثالثاً: يتحرر به الوجهان: والآخرة خير لأهل الطاعة وأبقى على أهل الجنة. ﴿إنّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أن الآخرة خير وأبقى في الصحف الأولى، قاله قتادة. الثاني: أن ما قصَّهُ الله في هذه السورة هو من الصحف الأولى. الثالث: هي كتب الله كلها، وحكى وهب بن منبه في المبتدإ أن جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه مائة صحيفة وخمس صحف وأربعة كتب، منها خمسة وثلاثون صحيفة أنزلها على شيث بن آدم وخمسون صحيفة أنزلها على إدريس، وعشرون صحيفة أنزلها على إبراهيم , وأنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد ﵈.
стр. 4282
سورة الغاشية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4283
﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ قوله تعالى ﴿هلْ أتاكَ حديثُ الغاشِيةِ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: أنها النار تغشى وجوه الكفار، قاله ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: أنها في هذا الموضع النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى جميع الخلق. و (هل) فيها وجهان: أحدهما: أنها في موضع قد , وتقدير الكلام قد أتاك حديث الغاشية، قاله قطرب. الثاني: أنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله، ومعناه ألم يكن قد أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبي. ﴿وُجوهٌ يومئذٍ خاشِعَةٌ﴾ في الوجوه ها هنا قولان: أحدهما: عنى وجوه الكفار كلهم , قاله يحيى بن سلام.
стр. 4284
الثاني: أنها وجوه اليهود والنصارى , قاله ابن عباس. وفي قوله (يومئذٍ) وجهان: أحدهما: يعني يوم القيامة , قاله سعيد بن جبير. الثاني: في النار , قاله قتادة. (خاشعة) فيه وجهان: أحدهما: يعني ذليلة بمعاصيها , قاله قتادة. الثاني: أنها تخشع بعد ذل من عذاب الله فلا تتنعم , قاله سعيد بن جبير. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون خاشعة لتظاهرها بطاعته بعد اعترافها بمعصيته. ﴿عامِلةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ في (عاملة) وجهان: أحدهما: في الدنيا عاملة بالمعاصي , قاله عكرمة. الثاني: أنها تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى , فأعملها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب , قاله قتادة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أي باذلة للعمل بطاعته إن ردّت. وفي قوله (ناصبة) وجهان: أحدهما: ناصبة في أعمال المعاصي. الثاني: ناصبة في النار، قاله قتادة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أي ناصبة بين يديه تعالى مستجيرة بعفوه. ﴿تَصْلَى ناراً حاميةً﴾ فإن قيل فما معنى صفتها بالحماء وهي لا تكون إلا حامية وهو أقل أحوالها , فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه: أحدها: أن المراد بذلك أنها دائمة الحمى وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها. الثاني: أن المراد بالحامية أنها حمى يمنع من ارتكاب المحظورات وانتهاك
стр. 4285
المحارم , كما قال النبي ﷺ : (وإن لكل ملك حمى , وإن حمى الله محارمه , ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه). الثالث: معناه أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها أو ترام مماستها كما يحي الأسد عرينه , ومثله قول النابغة:
(تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي.)
الرابع: أنها حامية مما غيظ وغضب , مبالغة في شدة الانتقام , وقد بيّن الله ذلك بقوله ﴿تكاد تميّز من الغيظ﴾. ﴿تُسْقَى مِن عَيْنٍ آنِيةٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: قاله ابن زيد. الثاني: حاضرة. الثالث: قد بلغت إناها وحان شربها , قاله مجاهد. الرابع: يعني قد أنى حرها فانتهى واشتد , قاله ابن عباس. ﴿ليس لَهُمْ طعامٌ إلاّ مِن ضَريعٍ﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أنها شجرة تسميها قريش الشبرق , كثيرة الشوك , قاله ابن عباس , قال قتادة وإذا يبس في الصيف فهو ضريع , قال الشاعر:
(رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وعاد ضريعاً نازعته النحائص)
الثاني: السّلم , قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك. الثالث: أنها الحجارة , قاله ابن جبير.
стр. 4286
الرابع: أنه النوى المحرق , حكاه يوسف بن يعقوب عن بعض الأعراب. الخامس: أنه شجر من نار , قاله ابن زيد. السادس: أن الضريع بمعنى المضروع , أي الذي يضرعون عنده طلباً للخلاص منه , قاله ابن بحر.
стр. 4287
﴿وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة﴾ ﴿في جَنّةٍ عاليةٍ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن الجنة أعلى من النار فسميت لذلك عالية , قاله الضحاك. الثاني: أعالي الجنة وغرقها , لأنها منازل العلو والارتفاع. فعلى هذا في ارتفاعهم فيها وجهان: أحدهما: ليلتذوا بالعو والارتفاع. الثاني: ليشاهدوا ما أعد الله لهم فيها من نعيم. ﴿لا تسْمَعُ فيها لاغيةً﴾ قال الفراء والأخفش: أي لا تسمع فيها كلمة لغو وفي المراد بها سبعة أقاويل: أحدها: يعني كذباً , قاله ابن عباس. الثاني: الإثم , قاله قتادة. الثالث: أنه الشتم , قاله مجاهد. الرابع: الباطل , قاله يحيى بن سلام. الخامس: المعصية , قاله الحسن. السادس: الحلف فلا تسمع في الجنة حالف يمين برة ولا فاجرة , قاله الكلبي.
стр. 4288
السابع: لا يسمع في كلامهم كلمة تلغى , لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم , قاله الفراء. ﴿فيها سُرُرٌ مرفوعةٌ﴾ والسرر جمع سرير , وهو مشتق من السرور وفي وصفها بأنها مرفوعة ثلاثة أوجه: أحدها: لأن بعضها مرفوع فوق بعض. الثاني: مرفوعة في أنفسهم لجلالتها وحبهم لها , قاله الفراء. الثالث: أنها مرفوعة المكان لارتفاعها وعلوها. فعلى هذا في وصفها بالعلو والارتفاع وجهان: أحدهما: ليلتذ أهلها بارتفاعها , قاله ابن شجرة. الثاني: ليشاهدوا بارتفاعهم ما أُعطوه من مُلك وأُوتوه من نعيم , قاله ابن عيسى. فأما قوله ﴿وأكوابٌ موضوعةٌ﴾ فالأكواب: الأواني , وقد مضى القول في تفسيرها. وفي قوله (موضوعة) وجهان: أحدهما: في أيديهم للاستمتاع بالنظر إليها لأنها من ذهب وفضة. الثاني: يعني أنها مستعملة على الدوام , لاستدامة شربهم منها , قاله المفضل. ﴿ونمارقُ مَصْفوفَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الوسائد , واحدها نمرقة , قاله قتادة. الثاني: المرافق , قاله ابن أبي طلحة , قال الشاعر:
(وريم أحمّ المقلتين محبّب ... زرابيُّه مبثوثةٌ ونمارِقُه)
﴿وزرابيُّ مْبْثوثةٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: هي البسط الفاخرة، قاله ابن عيسى. الثاني: هي الطنافس المخملة، قاله الكلبي والفراء. وفي (المبثوثة) أربعة أوجه: أحدها: مبسوطة، قاله قتادة. الثاني: بعضها فوق بعض، قاله عكرمة.
стр. 4289
الثالث: الكثيرة، قاله الفراء. الرابع: المتفرقة، قاله ابن قتيبة.
стр. 4290
﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ ﴿أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقت﴾ الآيات , وفي ذكره لهذه ثلاثة أوجه: أحدها: ليستدلوا بما فيها من العبر على قدره الله تعالى ووحدانيته. الثاني: ليعلموا بقدرته على هذه الأمور أنه قادر على بعثهم يوم القيامة , قاله يحيى بن سلام. الثالث: أن الله تعالى لما نعت لهم ما في الجنة عجب منه أهل الضلالة , فذكر لهم ذلك مع ما فيه من العجاب ليزول تعجبهم , قاله قتادة. وفي (الإبل) ها هنا وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النَعَم. الثاني: أنها السحاب , فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات الدالة على قدرة الله والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها من النَعَم فإن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات , لأن ضروبه أربعة: حلوبة , وركوبة , وأكولة , وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع , فكانت النعمة بها أعم , وظهور القدرة فيها أتم. ثم قال تعالى بعد ذلك (﴿فَذَكِّرْ إنّما أنت مُذكِّر﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنما أنت واعظ. الثاني: ذكّرهم النعم ليخافوا النقم.
стр. 4291
﴿لَسْتَ عليهم بِمُسْيْطِر﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لست عليهم بمسلط , قاله الضحاك. الثاني: بجبار , قاله ابن عباس. الثالث: برب , قاله الحسن , ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم على الإيمان. ثم قال: ﴿إلاّ مَن تَولّى وكَفَر﴾ فلست له بمذكر , لأنه لا يقبل تذكيرك , قاله السدي. الثاني: إلا من تولى وكفر فكِلْه غلى الله تعالى , وهذا قبل القتال , ثم أمر بقتالهم , قاله الحسن. وفي) تولَّى وكفر (وجهان: أحدهما: تولى عن الحق وكفر بالنعمة. الثاني: تولى عن الرسول وكفر بالله تعالى , قاله الضحاك. ﴿فيُعذِّبه الله العذَابَ الأكْبَر﴾ يعني جهنم. ويحتمل أن يريد الخلود فيها , لأنه يصير بالاستدامة أكبر من المنقطع. ﴿إنّ إليْنا إيابَهُمْ﴾ أي مرجعهم. ﴿ثم إنّ علينا حِسابَهم﴾ يعني جزاءَهم على أعمالهم , فيكون ذلك جامعاً بين الوعد والوعيد ثواباً على الطاعات وعقاباً على المعاصي.
стр. 4292
سورة الفجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4293
﴿و الفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد﴾ قوله تعالى ﴿والفَجْر﴾ قسم أقسم الله تعالى به , وهو انفجار الصبح من أفق المشرق , وهما فجران: فالأول منهما مستطيل كذنب السرحان يبدو كعمود نور لا عرض له , ثم يغيب لظلام يتخلله , ويسمى هذا الفجر المبشر للصبح , وبعضهم يسميه الكاذب لأنه كذب بالصبح. وهو من جملة الليل لا تأثير له في صلاة ولا صوم. وأما الثاني فهو مستطيل النور منتشر في الأفق ويسمى الفجر الصادق لأنه صدقك عن الصبح , قال الشاعر:
стр. 4294
(شعب الكلاب الضاريات فزاده ... ناراً بذي الصبح المصدق يخفق)
وبه يتعلق حكم الصلاة والصوم , وقد ذكرنا ذلك من قبل. وفي قسم الله بالفجر أربعة أقاويل: أحدها: أنه عنى به النهار وعبر عنه بالفجر لأنه أوله , قاله ابن عباس. الثاني: أن الفجر الصبح الذي يبدأ به النهار من كل يوم , قاله علّي ﵁. الثالث: أنه عنى به صلاة الصبح , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أنه أراد به فجر يوم النحر خاصة , قاله مجاهد. وفي ﴿وليالٍ عشْرٍ﴾ - وهي قسم ثان - أربعة أقاويل: أحدها: هي عشر ذي الحجة , قاله ابن عباس , وقد روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (والفجر وليال عشر) , قال: عشر الأضحى (. الثاني: هي عشر من أول المحرم , حكاه الطبري. الثالث: هي العشر الأواخر من شهر رمضان , وهذا مروي عن ابن عباس. الرابع: هي عشر موسى ﵇ التي أتمها الله سبحانه له , قاله مجاهد. ﴿والشّفْعِ والوَتْرِ﴾ وهذا قسم ثالث , وفيهما تسعة أقاويل: أحدها: أنها الصلاة , فياه شفع وفيها وتر , رواه عمران بن حصين عن النبي ﷺ .
стр. 4295
الثاني: هي صلاة المغرب , الشفع منها ركعتان , والوتر الثالثة , قاله الربيع بن أنس وأبو العالية. الثالث: أن الشفع يوم النحر , والوتر يوم عرفة , رواه ابن الزبير عن جابر عن النبي ﷺ . الرابع: أن الشفع يوما منى الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة , والوتر الثالث بعدهما , قاله ابن الزبير. الخامس: أن الشفع عشر ذي الحجة , والوتر أيام منى الثلاثة , قاله الضحاك. السادس: أن الشفع الخلق من كل شيء , والوتر هو آدم وحواء , لأن آدم كان فرداً فشفع بزوجته حواء فصار شفعاً بعد وتر , رواه ابن نجيح. التاسع: أنه العدد لأن جميعه شفع ووتر , قاله الحسن. ويحتمل حادي عشر: أن الشفع ما يَنْمى , والوتر مالا يَنْمى. ﴿واللّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ وهذا قسم رابع , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: هي ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب فيها. الثاني: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله , وسئل محمد بن كعب عن قوله تعالى ﴿والليل إذا يَسْرِ﴾ فقال أسْر يا ساري , ولا تبيتنّ إلا بجمع , يعني بمزدلفة. الثالث: أنه أراد عموم الليل كله. وفي قوله ﴿إذا يسرِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: إذا أظلم , قاله ابن عباس.
стр. 4296
الثاني: إذا سار , لأن الليل يسير بمسير الشمس والفلك فينتقل من أفق إلى أفق , ومنه قولهم جاء الليل وذهب النهار. الثالث: إذا سار فيه أهله , لأن السرى سير الليل. ﴿هل في ذلك قَسَمٌ لذي حجْرٍ﴾ وفي ذي الحجر لأهل التأويل خمسة أقاويل: أحدها: لذي عقل , قاله ابن عباس. الثاني: لذي حلم , قاله الحسن. الثالث: لذي دين , قاله محمد بن كعب. الرابع: لذي ستر , قاله أبو مالك. الخامس: لذي علم , قاله أبو رجاء. والحجر: المنع , ومنه اشتق اسم الحجر لامتناعه بصلابته , ولذلك سميت الحجرة لامتناع ما فيها بها , ومنه سمي حجر المَولَّى عليه لما فيه من منعه عن التصرف , فجاز أن يحمل معناه على كل واحد من هذه التأويلات لما يضمنه من المنع. وقال مقاتل (هل) ها هنا في موضع إنّ , وتقدير الكلام: إن في ذلك قسماً لِذي حِجْر. ﴿ألم تَرَ كيف فَعَل ربُّك بعادٍ إرَمَ﴾ فيه سبعة أقاويل: أحدها: أن إرم هي الأرض , قاله قتادة. الثاني: دمشق , قاله عكرمة. الثالث: الإسكندرية , قاله محمد بن كعب. الرابع: أن إرم أُمة من الأمم , قاله مجاهد , قال الشاعر:
(كما سخرت به إرم فأضحوا ... مثل أحلام النيام.)
الخامس: أنه اسم قبيلة من عاد , قاله قتادة.
стр. 4297
السادس: أن إرم اسم جد عاد , قاله محمد بن إسحاق , وحكى عنه أنه أبوه , وأنه عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح. السابع: أن معنى إرم القديمة , رواه ابن أبي نجيح. الثامن: أنه الهلاك , يقال: أرم بنو فلان , أي هلكوا , قاله الضحاك. التاسع: أن الله تعالى رمّهم رّماً فجعلهم رميماً , فلذلك سماهم , قاله السدي. ﴿ذاتِ العمادِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات الطُّول , قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد , إذا كان طويلاً , وزعم قتادة. أنه كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً. الثاني: ذات العماد لأنهم كانوا أهل خيام وأعمدة , ينتجعون الغيوث , قاله مجاهد. الثالث: ذات القوة والشدة , مأخوذ من قوة الأعمدة , قاله الضحاك , وحكى ثور بن يزيد أنه قال: أنا شداد بن عاد , وأنا الذي رفعت العماد , وأنا الذي شددت بذراعي بطن السواد , وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع لا تخرجه إلا أمة محمد. الرابع: ذات العماد المحكم بالعماد , قاله ابن زيد. ﴿التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلادِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في البلاد , قاله عكرمة. الثاني: لم يخلق مثل قوم عاد في البلاد , لطولهم وشدتهم , قاله الحسن. ﴿وثمودَ الذين جابُوا الصّخْرَ بالوادِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني قطعوا الصخر ونقبوه ونحتوه حتى جعلوه بيوتاً , كما قال تعالى:
стр. 4298
﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين﴾ قال الشاعر:
(ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلٌ ... وكلُّ نعيمِ لا مَحالةَ زائلُ)
وقال آخر:
(وهم ضربوا في كل صماءَ صعدة ... بأيدٍ شديد من شداد السواعد.)
الثاني: معناه طافوا لأخذ الصخر بالوادي , كما قال الشاعر:
(ولا رأَيْت قلوصاً قبْلها حَمَلَتْ ... ستين وسقاً ولا جابَتْ به بَلَدا)
وأما (الواد) فقد زعم محمد بن إسحاق أنه وادي القرى , وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال: أتى رسول الله ﷺ في غزاة تبوك على وادي ثمود , وهو على فرس أشقر , فقال: أسرعوا السير فإنكم في واد ملعون. ﴿وفرعونَ ذِي الأوْتادِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الأوتاد الجنود , فلذلك سمي بذي الأوتاد لكثرة جنوده , قاله ابن عباس. الثاني: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد يشدها في أيديهم , قاله الحسن , ومجاهد , قال الكلبي: بمثل ذلك عذب فرعون زوجته آسية بنت مزاحم عندما آمنت حتى ماتت. الثالث: أن الأوتاد البنيان فسمي بذي الأوتاد لكثرة بنائه , قاله الضحاك. الرابع: لأنه كانت له فطال وملاعب على أوتاد وحبال يلعب له تحتها , قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنه ذو الأوتاد لكثرة نخلة وشجرة , لأنها كالأوتاد في الأرض. ﴿فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوْطَ عذابٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: قسط عذاب كالعذاب بالسوط , قاله ابن عيسى.
стр. 4299
الثاني: خلط عذاب , لأنه أنواع ومنه قول الشاعر:
(أحارثُ إنّا لو تُساطُ دماؤنا ... تَزَيّلْنَ حتى لا يَمسَّ دَمٌ دَمَا)
الثالث: أنه وجع من العذاب , قاله السدي. الرابع: أنه كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب , قاله قتادة. وقال قتادة: كان سوط عذاب هو الغرق. ﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالطريق. الثاني: بالانتظار , كما قال طرفة:
(أعاذلُ إنّ الجهْلَ من لَذِةِ الفتى ... وإنّ المنايا للرجال بمرصَد.)
стр. 4300
﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما﴾ ﴿وتأكُلون التُّراثَ أكْلاً لمّاً﴾ والتراث: الميراث , وفي قوله (لمّاً) أربعة تأويلات: أحدها: يعني شديداً , قاله السدي. الثاني: يعني جمعاً , من قولهم لممت الطعام لَمّاً , إذا أكلته جمعاً , قاله الحسن. الثالث: معناه سفه سفاً , قاله مجاهد. الرابع: هو أنه إذا أكل مال نفسه ألمّ بمال غيره فأكله , ولا يتفكر فيما أكل من خبيث وطيب , قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أنه ألمّ بما حرم عليه ومنع منه.
стр. 4301
﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني كثيراً , قاله ابن عباس , والجمّ الكثير , قال الشاعر:
(إنْ تَغْفِر اللهم تغْفِرْ جَمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا أَلَمّاً)
الثاني: فاحشاً تجمعون حلاله إلى حرامه , قاله الحسن: ويحتمل ثالثاً: أنه يحب المال حب إجمام له واستبقاء فلا ينتفع به في دين ولا دنيا وهو أسوأ أحوال ذي المال.
стр. 4302
﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ ﴿يومئذٍ يَتذكّرُ الإنسانُ وأنَّى له الذِّكْرَى﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يتوب وكيف له بالتوبة , لأن التوبة بالقيامة لا تنفع , قاله الضحاك. الثاني: يتذكر ما عمل في دنياه وما قدم لآخرته , وأنى له الذكرى في الآخرة , وإنما ينتفع في الدنيا , قاله ابن شجرة. ﴿يقولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي﴾ فيه وجهان: أحدهما: قدمت من دنياي لحياتي في الآخرة , قاله الضحاك. الثاني: قدمت من حياتي لمعادي في الآخرة ذكره ابن عباس. ﴿فيومئذٍ لا يُعَذِّب عذابَه أَحَدٌ ولا يُوثِقُ وثاقهَ أَحَدٌ﴾ قرأ الكسائي لا يعذَّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء وتأويلها على قراءته لا يعذَّب عذاب الكافر الذي يقول (يا ليتني قدمت لحياتي) أحدٌ , وقرأ الباقون بكسر الذال والثاء وتأويلها أنه لا يعَذِّب عذابَ الله أحدٌ غَفَر الله له , قاله ابن عباس والحسن , فيكون تأويله على
стр. 4303
القراءة الأولى محمولاً على الآخرة , وعلى القراءة الثانية محمولاً على الدنيا. ﴿يا أيّتُها النّفْسُ المطْمئِنّةُ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: يعني المؤمنة , قاله ابن عباس. الثاني: المجيبة , قاله مجاهد. الثالث: المؤمنة بما وعد الله , قاله قتادة. الرابع: الآمنة , وهو في حرف أُبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. الخامس: الراضية , قاله مقاتل. السادس: ما قاله بعض أصحاب الخواطر: المطمئنة إلى الدنيا , ارجعي إلى ربك في تركها. السابع: ما قاله الحسن أن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن اطمأنت النفس إلى الله , واطمأن الله إليها. ﴿ارْجِعي إلى ربِّكِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلى جسدك عند البعث في القيامة , قاله ابن عباس. الثاني: إلى ربك عند الموت في الدنيا , قاله أبو صالح. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: إلى ثواب ربك في الآخرة. ﴿راضيةً مَرْضِيّةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: رضيت عن الله ورضي عنها , قاله الحسن. الثاني: رضيت بثواب الله ورضي بعملها , قاله ابن عباس. ﴿فادْخُلي في عِبادي﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في عبدي , وهو في حرف أُبيّ بن كعب: فادخلي في عبدي. الثاني: في طاعتي , قاله الضحاك. الثالث: معناه فادخلي مع عبادي , قاله السدي. ﴿وادْخُلي جَنَتي﴾ فيه قولان: أحدهما: في رحمتي , قاله الضحاك. الثاني: الجنة التي هي دار الخلود ومسكن الأبرار , وهو قول الجمهور.
стр. 4304
وقال أسامة بن زيد: بشرت النفس المطمئنة بالجنة عند الموت , وعند البعث وفي الجنة. واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في أبي بكر , فروى ابن عباس أنها نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أَحسن هذا , فقال ﷺ : (أما أنه سيقال لك هذا). الثاني: أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة , قاله الضحاك. الثالث: أنها نزلت في حمزة , قاله بريدة الأسلمي. الرابع: أنها عامة في كل المؤمنين , رواه عكرمة والفراء.
стр. 4305
سورة البلد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4306
﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين﴾ قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بهذا البَلَد﴾ ومعناه على أصح الوجوه: أُقْسِم بهذا البلد , وفي (البلد) قولان: أحدهما: مكة , قاله ابن عباس. الثاني: الحرم كله , قاله مجاهد. ﴿وأنتَ حلٌّ بهذا البَلَدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتال أو غيره , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنت مُحِل في هذا البد غير مُحْرِم في دخولك عام الفتح , قاله الحسن وعطاء. الثالث: أن يستحل المشركون فيه حرمتك وحرمة من اتبعك توبيخاً للمشركين. ويحتمل رابعاً: وأنت حالٌّ أي نازل في هذا البلد , لأنها نزلت عليه وهو بمكة
стр. 4307
لم يفرض عليه الإحرام ولم يؤْذن له في القتال , وكانت حرمة مكة فيها أعظم , والقسم بها أفخم. ﴿ووالدٍ وما وَلَدَ﴾ فيه أربعة أوجه. أحدها: آدم وما ولد , قاله مجاهد وقتادة والحسن والضحاك. الثاني: أن الوالد إبراهيم وما ولد , قاله أبو عمران الجوني. الثالث: أن الوالد هو الذي يلد , وما ولد هو العاقر الذي لا يلد , قاله ابن عباس. الرابع: أن الوالد العاقر , وما ولد التي تلد , قاله عكرمة. ويحتمل خامساً: أن الوالد النبي ﷺ , لتقدم ذكره , وما ولد أُمتّه , لقوله ﵇ إنما أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم , فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه. ﴿لقد خَلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ﴾ إلى هاهنا انتهى القسم وهذا جوابه. وفي قوله (في كَبَد) سبعة أقاويل: أحدها: في انتصاب في بطن أُمّه وبعد ولادته , خص الإنسان بذلك تشريفاً , ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً , قاله ابن عباس وعكرمة.
стр. 4308
الثاني: في اعتدال , لما بيّنه بعد من قوله ﴿ألم نَجْعَلْ له عَيْنَين﴾ الآيات , حكاه ابن شجرة. الثالث: يعني من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة , يتكبد في الخلق مأخوذ من تكبد الدم وهو غلظه , ومنه أخذ أسم الكبد لأنه دم قد غلظ , وهو معنى قول مجاهد. الرابع: في شدة لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً , مأخوذ من المكابدة , ومنه قول لبيد:
(يا عين هلاّ بكيْتِ أَرْبَدَ إذ ... قُمْنا وقامَ الخصومُ في كَبَدِ.)
رواه ابن أبي نجيح. الخامس: لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة , قاله الحسن. السادس: لأنه خلق آدم في كبد السماء , قاله ابن زيد. السابع: لأنه يكابد الشكر على السّراء والصبر على الضّراء , لأنه لا يخلو من أحدهما , رواه ابن عمر. ويحتمل ثامناً: يريد به أنه ذو نفور وحميّة , مأخوذ من قولهم لفلان كبَد , إذا كان شديد النفور والحمية. وفيمن اريد بالإنسان ها هنا قولان: أحدهما: جميع الناس. الثاني: الكافر يكابد شبهات. ﴿أيَحْسَب أنْ لَنْ يَقْدِر عليه أحَدٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه الله أن يبعثه بعد الموت , قاله السدي. الثاني: أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد بأخذ ماله , قاله الحسن. الثالث: أيحسب أن لن يذله أحد , لأن القدرة عليه ذل له. ﴿يقولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ فيه وجهان:
стр. 4309
أحدهما: يعني كثيراً. الثاني: مجتمعاً بعضه على بعض , ومنه سمي اللّبْد لاجتماعه وتلبيد بعضه على بعض. ويحتمل ثالثاً: يعني مالاً قديماً , لاشتقاقه من الأبد , أو للمبالغة في قدمه من عهد لَبِد , لأن العرب تضرب المثل في القدم بلبد , وذكر قدمه لطول بقائه وشدة ضَنِّه به. وقيل إن هذا القائل أبو الشد الجمحي , أنفق مالا كثيراً في عداوة رسول الله ﷺ والصد عن سبيل الله , وقيل بل هو النضر بن الحارث. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغياناً منه. الثاني: أن يكون أسفاً عليه , فيكون ندماً منه. ﴿أيحْسَبُ أن لم يَرَهُ أَحَدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن لم يره الله , قاله مجاهد. الثاني: أن لم يره أحد من الناس فيما أنفقه , قاله ابن شجرة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أيحسب أن لم يظهر ما فعله أن لا يؤاخذ به , على وجه التهديد , كما يقول الإنسان لمن ينكر عليه فعله , قد رأيت ما صنعت , تهديداً له فيكون الكلام على هذا الوجه وعيداً , وعلى ما تقدم تكذيباً. ﴿وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ﴾ فيهما أربعة تأويلات: أحدها: سبيل الخير والشر , قاله علي ﵁ والحسن. الثاني: سبيل الهدى والضلالة , قاله ابن عباس. الثالث: سبيل الشقاء والسعادة , قاله مجاهد. الرابع: الثديين ليتغذى بهما , قاله قتادة والربيع بن خثيم.
стр. 4310
قال قطرب: والنجد هو الطريق المرتفع , فأرض نجد هي المرتفعة , وأرض تهامة هي المنخفضة. ويحتمل على هذا الاشتقاق خامساً: أنهما الجنة والنار , لارتفاعهما عن الأرض.
следующие страницы →