← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

أحدها: بالحساب والجزاء , قاله ابن عباس. الثاني: بالعدل والقضاء , قاله عكرمة. الثالث: بالدين الذي جاء به محمد ﷺ , حكاه ابن عيسى. ﴿وإنَّ عليكم لحافِظِينَ﴾ يعني الملائكة , يحفظ كلَّ إنسان ملكان , أحدهما عن يمينه يكتب الخير , والآخر عن شماله يكتب الشر. ﴿كِراماً كاتِبينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كراماً على الله , قاله يحيى بن سلام. الثاني: كراماً بالإيمان , قاله السدي. الثالث: لأنهم لا يفارقون ابن آدم إلا في موطنين عند الغائط وعند الجماع يعرضان عنه ويكتبان ما تكلم به , فلذلك كره الكلام عند الغائط والجماع. ويحتمل رابعاً: كراماً لأداء الأمانة فيما يكتبونه من عمله فلا يزيدون فيه ولا ينقصون منه.

стр. 4237

﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إنّ الأبرارَ لفي نَعيم وإن الفُجّارَ لقي جَحيمٍ﴾ قولان: أحدهما: في الآخرة فيكون نعيم الأبرار في الجنة بالثواب , وجحيم الفجار في النار بالعقاب.

стр. 4238

والقول الثاني: أنه في الدنيا , فعلى هذا فيه أربعة أوجه ذكرها أصحاب الخواطر. أحدها: النعيم القناعة , والجحيم الطمع. الثاني: النعيم التوكل , والجحيم الحرص. الثالث: النعيم الرضا بالقضاء , والجحيم السخط فيما قدر وقضى. الرابع: النعيم بالطاعة , والجحيم بالمعيصية. ﴿وما هُمْ عنها بغائبين﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن القيامة تحقيق للبعث فعلى هذا يجوز أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى الأبرار والفجار جميعاً. الثاني: عن النار , ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفجار دون الأبرار , والمراد بأنهم لا يغيبون عنها أمران: أحدهما: تحقيق الوعيد. الثاني: تخليد الفجار. ﴿وما أدْراك ما يومُ الدِّين ثُمَّ ما أدْراكَ ما يومُ الدِّين﴾ يعني يوم الجزاء , وهو يوم القيامة , وفي تكراره وجهان: أحدهما: تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره. الوجه الثاني: أن الأول خطاب للفجار والثاني خطاب للأبرار ترغيباً. ﴿يومَ لا تَمْلِك نفسٌ لنَفْسٍ شيئاً﴾ يعني لا يملك مخلوق لمخلوق نفعاً ولا ضراً. ﴿والأمر يومئذٍ للَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب. الثاني: في العقوبة والانتقام.

стр. 4239

سورة المطففين

стр. 4240

﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ قوله تعالى: ﴿ويْلٌ للمطفّفين﴾ قال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً , إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿ويل للطففين﴾ فأحسنوا الكيل , قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا. أعمض بعض المتعمقة فحمله على استيفاء العبادة بين الناس جهراً , وفي النقصان سراً.

стр. 4241

وفي (ويل) سبعة أقاويل: أحدها: أنه واد في جهنم , رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. الثاني: صديد أهل النار , قاله ابن مسعود. الثالث: أنه النار , قاله عمر مولى عفرة. الرابع: أنه الهلاك , قاله بعض أهل اللغة. الخامس: أنه أشق العذاب. السادس: أنه النداء بالخسار والهلاك , وقد تستعمله العرب في الحرب والسلب. السابع: أن أصله ويْ لفلان , أي الجور لفلان , ثم كثر استعمال الحرفين فوصلا بلام الإضافة. والمطفف: مأخوذ من الطفيف وهو القليل , والمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال الزجاج: بل مأخوذ من طف الشيء وهي جهته. ﴿الذين إذا اكْتالوا على الناسِ يَسْتوْفُونَ﴾ أي من الناس , ويريد بالاستيفاء الزيادة على ما استحق. ﴿وإذا كالُوهم أو وَزَنُوهم يُخْسِرون﴾ يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم بحذف هذه الكلمة لما في الكلام من الدلالة عليها , ﴿يخسرون﴾ , ينقصون فكان المطفف يأخذ زائداً ويعطي ناقصاً. ﴿يومَ يَقُومُ الناسُ لربِّ العَالَمِينَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يوم يقومون من قبورهم , قاله ابن جبير. الثاني: يقومون بين يديه تعالى للقضاء , قاله يزيد بن الرشك. قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري: (كيف أنت صانع يوم يقوم

стр. 4242

الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين , لا يأتيهم فيه خبر ولا يؤمر فيه بأمر ,) قال بشير: المستعان الله. الثالث: أنه جبريل يقوم لرب العالمين , قاله ابن جبير. ويحتمل رابعاً: يقومون لرب العالمين في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا.

стр. 4243

﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ ﴿كلاّ إنّ كتابَ الفُجّارِ لفي سِجِّينٍ﴾ أما (كلا) ففيه وجهان: أحدهما: حقاً. الثاني: أن كلا للزجر والتنبيه. وأما (سجّين) ففيه ثمانية أقاويل: أحدها: في سفال , قاله الحسن. الثاني: في خسار , قاله عكرمة. الثالث: تحت الأرض السابعة , رواه البراء بن عازب مرفوعاً. قال ابن أسلم: سجّين: الأرض السافلة , وسجّيل: سماء الدنيا.

стр. 4244

قال مجاهد: سجّين صخرة في الأرض السابعة , فيجعل كتاب الفجار تحتها. الرابع: هو جب في جهنم , روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (الفلق جُبٌّ في جهنم مغطّى , وسجّين جب في جهنم مفتوح.) الخامس: أنه تحت خد إبليس , قاله كعب الأحبار. السادس: أنه حجر أسود تحت الأرض تكتب فيه أرواح الكفار , حكاه يحيى بن سلام. السابع: أنه الشديد قاله أبو عبيدة وأنشد: ٨٩ (ضرباً تَواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينا﴾ ٩ الثامن: أنه السجن , وهو فِعّيل من سجنته , وفيه مبالغة , قاله الأخفش عليّ بن عيسى , ولا يمتنع أن يكون هو الأصل واختلاف التأويلات في محله. ويحتمل تاسعاً: لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان ﴿كِتابٌ مَرْقومٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مكتوب , قاله أبو مالك. الثاني: أنه مختوم , وهو قول الضحاك. الثالث: رُقِم له بَشَرٌ لا يزاد فيهم أحد , ولا ينقص منهم أحد، قاله محمد بن كعب وقتادة. ويحتمل قولاً رابعاً، إن المرقوم المعلوم. ﴿كلاّ بل رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكْسبونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن (ران): طبع على قلوبهم , قاله الكلبي. الثاني: غلب على قلوبهم , قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر:

стр. 4245

(وكم ران من ذنْب على قلب فاجر ... فتاب من الذنب الذي ران وانجلى) الثالث: ورود الذنب على الذنب حتى يعمى القلب , قاله الحسن. الرابع: أنه كالصدإ يغشى القلب كالغيم الرقيق , وهذا قول الزجاج.

стр. 4246

﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون﴾ ﴿كلاّ إنّ كتابَ الأبرارِ لفِي علّيِّينَ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن عليين الجنة , قاله ابن عباس. الثاني: السماء السابعة , قاله ابن زيد , قال قتادة: وفيها أرواح المؤمنين. الثالث: قائمة العرش اليمنى , قاله كعب. الرابع: يعني في علو وصعود إلى الله تعالى , قاله الحسن. الخامس: سدرة المنتهى , قاله الضحاك. ويحتمل سادساً: أن يصفه بذلك لأنه يحل من القبول محلاً عالياً. ﴿تَعْرِفُ في وُجوههم نَضْرَةَ النّعيم﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الطراوة والغضارة , قاله ابن شجرة. الثاني: أنها البياض , قاله الضحاك. الثالث: أنها عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة النعيم , قاله عليّ.

стр. 4247

ويحتمل رابعاً: أنها استمرار البشرى بدوام النعمة. ﴿يُسقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ وفي الرحيق ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عين في الجنة مشوب بمسك , قاله الحسن. الثاني: أنه شراب أبيض يختمون به شرابهم , قاله ابن أبي الدرداء. الثالث: أنه الخمر في قول الجمهور , ومنه قول حسان: (يسقون من ورد البريص عليهم ... بَرَدَى يُصَفِّق بالرحيق السّلْسَلِ) لكن اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقاويل: أحدها: أنها الصافية , حكاه ابن عيسى. الثاني: أنها أصفى الخمر وأجوده , قاله الخليل. الثالث: أنها الخالصة من غش , حكاه الأخفش. الرابع: أنها العتيقة. وفي (مختوم) ثلاثة أقاويل: أحدها: ممزوج , قاله ابن مسعود. الثاني: مختوم في الإناء بالختم , وهو الظاهر. الثالث: ما روى أُبيّ بن كعب , قال: قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: (غُدران الخمر.) ﴿خِتامُه مِسْكٌ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: مزاجه مسك , قاله مجاهد. الثاني: عاقبته مسك , ويكون ختامه آخره , كما قال الشاعر: (صرف ترقرق في الحانوت باطنه ... بالفلفل الجون والرمان مختوما) قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. الثالث: أن طعمه وريحه مسك , رواه ابن أبي نجيح. الرابع: أن ختمه الذي ختم به إناؤه مِسْك , قاله ابن عباس.

стр. 4248

﴿وفي ذلك فلْيَتنافَسِ المُتنافِسونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فليعمل العاملون , قاله مجاهد. الثاني: فليبادر المبادرون , قاله أبو بكر بن عياش والكلبي. وفيما أخذ منه التنافس والمنافسة وجهان: أحدهمأ: أنه مأخوذ من الشيء النفيس , قاله ابن جرير. الثاني: أنه مأخوذ من الرغبة فيما تميل النفوس إليه , قاله المفضل. ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنيمٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها أن التسنيم الماء , قاله الضحاك. الثاني: أنها عين في الجنة , فيشربها المقربون صرفاً , وتمزج لأصحاب اليمين , قاله ابن مسعود. وقال حذيفة بن اليمان: تسنيم عين في عدْن , وعدْن دار الرحمن وأهل عدْن جيرانه. الثالث: أنها خفايا أخفاها الله لأهل الجنة , ليس لها شبه في الدنيا ولا يعرف مثلها. وأصل التسنيم في اللغة أنها عين ماء تجري من علو إلى سفل , ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه , وكذلك تسنيم القبور. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن يكون المراد به لذة شربها في الآخرة أكثر من لذته في الدنيا , لأن مزاج الخمر يلذ طعمها , فصار مزاجها في الآخرة بفضل لذة مزاجها من تسنيم لعلو الآخرة على الدنيا.

стр. 4249

﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار

стр. 4250

يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾ ﴿وإذا انقَلَبوا إلى أهْلِهم انقَلَبوا فَكِهينَ﴾ قرأ عاصم في رواية حفص فكهين بغير ألف وقرأ غيره بألف , وفي القراءتين أربعة تأويلات: أحدها: فرحين , قاله السدي. الثاني: معجبين , قاله ابن عباس , ومنه قول الشاعر: (وقد فكهت من الدنيا فقاتلوا ... يوم الخميس بِلا سلاح ظاهر) الثالث: لاهين. الرابع: ناعمين , حكى هذين التأويلين عليّ بن عيس. وروى عوف عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ (قال ربكم : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين , ولا أجمع له أمنين , فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة , وإذا أمني في الدنيا أخفته يوم القيامة). ﴿هل ثوِّب الكفارُ ما كانوا يَفْعَلونَ﴾ هذا سؤال المؤمنين في الجنة عن الكفار حين فارقوهم , وفيه تأويلان: أحدهما: معناه هل أثيب الكفار ما كانوا يعلمون في الكفر , قاله قتادة. الثاني: هل جوزي الكفار على ما كانوا يفعلون , قاله مجاهد. فيكون (ثُوِّب) مأخوذاً من إعطاء الثواب. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن يكون معناه هل رجع الكفار في الآخرة عن تكذيبهم في الدنيا على وجه التوبيخ , ويكون مأخوذاً من المثابِ الذي هو الرجوع , لا من الثواب الذي هو الجزاء , كما قال تعالى: ﴿وإذا جعَلْنا البيتَ مثابةً للناس﴾ أي مرجعاً. ويحتمل تأويلاً رابعاً: هل رجع من عذاب الكفار على ما كانوا يفعلون , لأنهم قد علموا أنهم عذبوا , وجاز أن يظنوا في كرم الله أنهم قد رحموا.

стр. 4251

سورة الانشقاق مكية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4252

﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا﴾ قوله : ﴿إذا السماءُ انشَقّتْ﴾ وهذا من أشراط الساعة , قال عليّ ﵁: تنشق السماء من المجرة , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محذوف الجواب وتقديره: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير وشر. الثاني: أن جوابه ﴿كادح إلى ربك كدحاً﴾. الثالث: معناه أذكر إذا السماء انشقت. ﴿وأَذِنَتْ لِرّبها وحُقّتْ﴾ معنى أذنت لربها أي سمعت لربها , ومنه قول

стр. 4253

النبي ﷺ ما أذن الله لشيء كإذانه لنبي يتغنى بالقرآن أي ما استمع الله لشيء , وقال الشاعر: (صُمٌّ إذا سَمِعوا خيْراً ذُكِرتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندهم أَذِنوا) أي سمعوا. ﴿وحُقّتْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أطاعت , قاله الضحاك. الثاني: معناه حق لها أن تفعل ذلك , قاله قتادة , ومنه قول كثيّر: (فإن تكُنْ العُتْبى فأهْلاً ومرحبا ... وحُقّتْ لها العُتبى لديْنَا وَقَلَّت.) ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها جمعت , مأخوذ من اجتماع الحق على نافيه وحكى ابن الانباري أن ﴿أذنت لربها وحقت﴾ جواب القسم , والواو زائدة. ﴿وإذا الأرضُ مُدَّتْ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن البيت كان قبل الأرض بألفي عام , فمدت الأرض من تحته , قاله ابن عمر. الثاني: أنها أرض القيامة , قاله مجاهد , وهو أشبه بسياق الكلام. وفي ﴿مُدَّتْ﴾ وجهان: أحدهما: سويت , فدكّت الجبال ويبست البحار , قاله السدي. الثاني: بسطت , قاله الضحاك , وروى عليّ بن الحسين أن النبي ﷺ قال:

стр. 4254

(إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه). ﴿وأَلقْتْ ما فيها وتَخلّتْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ألقت ما في بطنها من الموتى , وتخلت عمن على ظهرها من الأحياء , قاله ابن جبير. الثاني: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها , وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: هو أعم , أنها ألقت ما استوعدت , وتخلت مما استحفظت لأن الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً , واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً. ﴿يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربك كدْحاً فملاقيه﴾ فيه قولان: أحدهما: إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك , قاله يحيى بن سلام , ومنه قول الشاعر: (ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ ... وَبقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ) أي أعمل للحياة. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الكادح هو الذي يكدح نفسه في الطلب إن تيسّر أو تعسّر. ﴿فأمّا مَنْ أَوتي كِتابَه بيمينه﴾ روي أن النبي ﷺ قال: (يعرض الناس ثلاث عرضات , فأما عرضتان فجدال ومعاذير , وفي الثالثة تطير الكتب من الأيدي , فبين آخذٍ كتابه بيمينه , وبين آخذٍ كتابه بشماله). ﴿فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً﴾ وفي الحساب ثلاثة أقاويل: أحدها: يجازى على الحسنات ويتجاوز له عن السيئات , قاله الحسن. الثاني: ما رواه صفوان بن سليم عن عائشة قالت: سئل رسول الله عن

стр. 4255

الذي يحاسب حساباً يسيراً , فقال: (يعرف عمله ثم يتجاوز عنه , ولكن من نوقش الحساب فذلك هو الهالك.) الثالث: أنه العرض , روى ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال: (ذلك العرض يا عائشة , من نوقش في الحساب يهلك). ﴿وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِه مَسْروراً﴾ قال قتادة: إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه وسلامته. ﴿إنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ﴾ أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب , يقال: حار يحور , إذا رجع , ومنه الحديث: (أعوذ بالله من الحْور بعد الكْور ,) يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة , وروي: (بعد الكوْن) , ومعناه انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكْون فقال: الرجل يكون صالحاً ثم يتحول امرء سوء. وقال ابن الأعرابي: الكُنْنّي: هو الذي يقول: كنت شاباً وكنت شجاعاً , والكاني: هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب وكان لي خيل وكنت أركب , وأصل الحور الرجوع , قال لبيد: (وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه ... يَحُورُ رماداً بَعْد إذ هو ساطعُ.) وقال عكرمة وداود بن أبي هند: يحور كلمة بالحبشية , ومعناها يرجع وقيل

стр. 4256

للقصار حواري لأن الثياب ترجع بعمله إلى البياض. ﴿بلى إنّ ربّه كان به بَصيراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مشاهداً لما كان عليه. الثاني: خبيراً بما يصير إليه.

стр. 4257

﴿فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ ﴿فلا أُقْسِمُ بالشّفَقِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه شفق الليل وهو الحمرة , قاله ابن عباس. الثاني: أنه بقية ضوء الشمس , قاله مجاهد. الثالث: أنه ما بقي من النهار , قاله عكرمة. الرابع: أنه النهار , رواه ابن أبي نجيح. ﴿واللّيلِ وما وَسقَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: وماجمع , قاله مجاهد , قال الراجز: (إن لنا قلائصاً حقائقا ... مستوسقات أو يجدن سائقا) الثاني: وما جَنّ وستر , قاله ابن عباس. الثالث: وما ساق , لأن ظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مأواه , قاله عكرمة. الرابع: وما عمل فيه , قاله ابن جبير , وقال الشاعر: (ويوماً ترانا صالحين وتارةً ... تقوم بنا كالواسق المتَلَبّبِ) أي كالعامل.

стр. 4258

﴿والقَمَرِ إذا اتّسَق﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إذا استوى , قاله ابن عباس , وقولهم اتسق الأمر إذا انتظم واستوى. قال الضحاك: ليلة أربع عشرة هي ليلة السواء. الثاني: والقمر إذا استدار , قاله عكرمة. الثالث: إذا اجتمع , قاله مجاهد , ومعانيها متقاربة. ويحتمل رابعاً: إذا طلع مضيئاً. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طُبقاً عَنِ طَبَقٍ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: سماء بعد سماء , قاله ابن مسعود والشعبي. الثاني: حالاً بعد حال , فطيماً بعد رضيع وشيخاً بعد شاب , قاله عكرمة , ومنه قول الشاعر: (كذلك المرءُ إن يُنْسَأ له أجَلٌ ... يَرْكبْ على طَبَقٍ مِن بَعْده طَبَقٌ) الثالث: أمراً بعد أمر , رخاء بعد شدة , وشدة بعد رخاء , وغنى بعد فقر , وفقراً بعد غنى , وصحة بعد سقم , وسقماً بعد صحة , قاله الحسن. الرابع: منزلة بعد منزلة , قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة , وقوم كانوا مرتفعين في الدنيا فاتضعوافي الآخرة , قاله سعيد بن جبير. الخامس: عملاً بعد عمل , يعمل الآخر عمل الأول , قاله السدي. السادس: الآخرة بعد الأولى , قاله ابن زيد. السابع: شدة بعد شدة , حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء , وفي كل حال من هذه شدة , وقد روى معناه جابر مرفوعاً. ﴿واللهُ أعْلَمُ بما يُوعُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بما يُسِرون في قلوبهم , قاله ابن عباس.

стр. 4259

الثاني: بما يكتمون من أفعالهم , قاله مجاهد. الثالث: بما يجمعون من سيئاتهم , مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه وهو معنى قول ابن زيد. ﴿فلهم أَجْرٌ غيرُ ممنون﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: غير محسوب , قاله مجاهد. الثاني: غير منقوص , قاله السدي. الثالث: غير مقطوع , قاله ابن عباس. الرابع: غير مكدّر بالمن والأذى , وهو معنى قول الحسن.

стр. 4260

سورة البروج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4261

﴿والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ قوله تعالى ﴿والسماءِ ذاتِ البُروجِ﴾ هذا قَسَمٌ، وفي البروج أربعة أقاويل: أحدها: ذات النجوم، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: ذات القصور، قاله ابن عباس. الثالث: ذات الخلْق الحسن، قاله المنهال بن عمرو. الرابع: ذات المنازل، قاله يحيى بن سلام وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب والعجم , وهي منازل الشمس والقمر. ﴿واليومِ الموْعُودِ﴾ روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه يوم القيامة، وسمي بذلك لأنهم وعدوا فيه بالجزاء بعد البعث.

стр. 4262

﴿وشاهدٍ ومَشْهودٍ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الشاهد يوم الجمعة , والمشهود يوم عرفة , روى ذلك أبو عرفة , روى ذلك أبو هريرة عن النبي ﷺ . الثاني: أن الشاهد يوم النحر , والمشهود يوم عرفة , قاله إبراهيم. الثالث: أن الشاهد الملائكة , والمشهود الإنسان , قاله سهل بن عبد الله. الرابع: أن الشاهد الجوارح , والمشهود النفس , وهو محتمل. الخامس: أن المشهود يوم القيامة. وفي الشاهد على هذا التأويل خمسة أقاويل: أحدها: هو الله تعالى , حكاه ابن عيسى. الثاني: هو آدم ﵇ , قاله مجاهد. الثالث: هو عيسى ابن مريم , رواه ابن أبي نجيح. الرابع: هو محمد ﷺ , قاله الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير , لقوله تعالى: ﴿فكيفَ إذا جِئْنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيد وجئْنَا بِك على هؤلاءِ شَهيداً﴾. الخامس: هو الإنسان , قاله ابن عباس. ﴿قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ﴾ قال الفراء: هذا جواب القسم , وقال غيره: الجواب ﴿إنّ بَطْشَ ربِّكَ لَشديدٌ﴾ والأخدود: الشق العظيم في الأرض , وجمعه أخاديد , ومنه الخد لمجاري الدموع فيه , والمخدّة لأن الخد يوضع عليها , وهي حفائر شقت في الأرض وأوقدت ناراً وألقي فيها مؤمنون امتنعوا من الكفر. واختلف فيهم، فقال عليّ: إنهم من الحبشة , وقال مجاهد: كانوا من أهل نجران , وقال عكرمة كانوا نبطاً، وقال ابن عباس: كانوا من بني إسرائيل، وقال عطية

стр. 4263

العوفي: هم دانيال وأصحابه، وقال الحسن: هم قوم من أهل اليمن، وقال عبد الرحمن بن الزبير: هم قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين، وقال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله ﷺ بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبَّع الحميري وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً أحرقهم فيه، وقال السدي: الأخدود ثلاثة: واحد بالشام وواحد بالعراق، وواحد باليمن. وفي قوله: ﴿قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ﴾ وجهان: أحدهما: أُهلك المؤمنون. الثاني: لُعن الكافرون الفاعلون، وقيل إن النار صعدت إليهم وهم شهود عليها فأحرقتهم، فلذلك قوله تعالى: ﴿فلهُم عذابُ جهنَّمَ ولهْم عذابُ الحريق﴾ يعني في الدنيا. ﴿وهُمْ على ما يَفْعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن أصحاب الأخدود هم على عذاب المؤمنين فيها شهود , وهو ظاهر من قول قتادة. الثاني: أنهم شهود على المؤمنين بالضلال , قاله مقاتل.

стр. 4264

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ ﴿إنه هو يُبْدِىءُ ويُعيدُ﴾ فيه أربعة تأويلات:

стр. 4265

أحدها: يحيى ويميت، قاله ابن زيد. الثاني: يميت ثم يحيى، قاله السدي. الثالث: يخلق ثم يبعث، قاله يحيى بن سلام. الرابع: يبدىء العذاب ويعيده، قاله ابن عباس. ويحتمل خامساً: يبدىء ما كلف من أوامره ونواهيه , ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب. ﴿وهو الغَفورٌ الوَدُودُ﴾ في الغفور وجهان: أحدهما: الساتر للعيوب. الثاني: العافي عن الذنوب. وفي الودود وجهان: أحدهما: المحب. الثاني: الرحيم. وفيه ثالث: حكاه المبرد عن اسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له , وأنشد قول الشاعر: (وأرْكبُ في الرّوْع عُريانةً ... ذلول الجناح لقاحاً وَدُوداً) أي لا ولد لها تحن إليه , ويكون معنى الآية أنه يغفر لعباده , وليس ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلاً من غير جزاء. ﴿ذو العَرْشِ المجيدُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الكريم، قاله ابن عباس. الثاني: العالي , ومنه المجد لعلوه وشرفه. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه من صفات الله تعالى، وهو قول من قرأ بالرفع.

стр. 4266

الثاني: أنه من صفة العرش، وهو قول من قرأ بالكسر. ويحتمل إن كان صفة للعرش وجهاً ثالثاً: أنه المحكم. ﴿بل هو قُرآنٌ مَجِيْدٌ في لَوْحٍ مَّحفوظٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن اللوح هو المحفوظ عند الله تعالى , وهو تأويل من قرأ بالخفض. الثاني: أن القرآن هو المحفوظ , وهو تأويل من قرأ بالرفع وفيما هو محفوظ منه وجهان: أحدهما: من الشياطين. الثاني: من التغيير والتبديل. وقال بعض المفسرين: إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه.

стр. 4267

سورة الطارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4268

﴿والسماء و الطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر﴾ قوله تعالى ﴿والسماءِ والطارقِ﴾ هما قسمَان: (والسماءِ) قَسَمٌ , (والطارقِ) قَسَمٌ. (الطارق) نجم , وقد بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿وما أدْراكَ ما الطارقُ النجْمُ الثّاقبُ﴾ ومنه قول هند بنت عتبة: (نحْنُ بنات طارِق ... نمْشي على النمارق) تقول: نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها , وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل , والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً , قال الشاعر: (ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ ... وهندٌ أَتى مِن , دُونها النأيُ والصَّدّ) وأصل الطرق الدق , ومنه سميت المطرقة , فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق.

стр. 4269

وفي قوله (النجم الثاقب) ستة أوجه: أحدها: المضيء , قاله ابن عباس. الثاني: المتوهج , قاله مجاهد. الثالث: المنقصّ , قاله عكرمة. الرابع: أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها , قاله الفراء. الخامس: الثاقب: الشياطين حين ترمى , قاله السدي. السادس: الثاقب في مسيره ومجراه , قاله الضحاك. وفي هذا النجم الثاقب قولان: أحدهما: أنه زُحل , قاله عليّ. الثاني: الثريّا , قاله ابن زيد. ﴿إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: (لّما) بمعنى إلاّ، وتقديره: إنْ كل نفس إلَاّ عليها حافظ، قاله قتادة. الثاني: أن (ما) التي بعد اللام صله زائدة , وتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، قاله الأخفش. وفي الحافظ قولان: أحدهما: حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه، قاله ابن جبير. الثاني: من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: أن يكون الحافظ الذي عليه عقله، لأنه يرشده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضاره. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب﴾ فيه قولان: أحدهما: من بين صلب الرجل وترائبه، قاله الحسن وقتادة.

стр. 4270

الثاني: بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء. وفي الترائب ستة أقاويل: أحدها: أنه الصدر , قاله ابن عياض , ومنه قول دريد بن الصمة. (فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم ... وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب) الثاني: ما بين المنكبين إلى الصدر , قاله مجاهد. الثالث: موضع القلادة , قاله ابن عباس , قال الشاعر: (والزعفران على ترائبها ... شرق به اللّباتُ والنحْرُ) الرابع: أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل , قاله ابن جبير , وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. الخامس: أنها بين اليدين والرجلين والعينين , قاله الضحاك. السادس: هي عصارة القلب , قاله معمر بن أبي حبيبة. ﴿إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: على أن يرد المني في الإحليل , قاله مجاهد. الثاني: على أن يرد الماء في الصلب , قاله عكرمة. الثالث: على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب , ومن الشباب إلى الصبا , ومن الصبا إلى النطفة , قاله الضحاك. الرابع: على أن يعيده حيّاً بعد موته , قاله الحسن وعكرمة وقتادة. الخامس: على أن يحبس الماء فلا يخرج. ويحتمل سادساً: على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة. ﴿يومَ تُبْلَى السّرائرُ﴾ أي تَظْهَر. ويحتمل ثانياً: أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا.

стр. 4271

وفيها قولان: أحدهما: كل ما استتر به الإنسان من خير وشر , وأضمره من إيمان أو كفر , كما قال الأحوص: (ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا ... سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ.) الثاني: هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (الأمانات ثلاث: الصلاة والصوم والجنابة , استأمن الله ابن آدم على الصلاة , فإن شاء قال: قد صليت ولم يُصلّ , استأمن الله ابن آدم على الصوم , فإن شاء قال: قد صمت ولم يصم , استأمن الله ابن آدم على الجنابة , فإن شاء قال: قد اغتسلت ولم يغتسل , اقرؤوا إن شئتم:) يوم تُبْلى السّرائرُ (. ﴿فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القوة العشيرة , والناصر: الحليف , قاله سفيان. الثاني: فما له من قوة في بدنه , ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله , أو ينتصر به على الله , وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: فما له من قوة في الامتناع , ولا ناصر في الاحتجاج.

стр. 4272

﴿والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ ﴿والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات المطر , لأنه يرجع في كل عام , قاله ابن عباس. الثاني ذات السحاب , لأنه يرجع بالمطر. الثالث: ذات الرجوع إلى ما كانت , قاله عكرمة. الرابع: ذات النجوم الراجعة , قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد , وهذا قَسَمٌ.

стр. 4273

﴿والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: ذات النبات لانصداع الأرض عنه , قاله ابن عباس. الثاني: ذات الأودية , لأن الأرض قد انصدعت بها , قاله ابن جريج. الثالث: ذات الطرق التي تصدعها المشاة , قاله مجاهد. الرابع: ذات الحرث لأنه يصدعها. ويحتمل خامساً: ذات الأموات , لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان: ﴿إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ﴾ على هذا وقع القَسَمُ , وفي المراد بأنه قول فصل قولان: أحدهما: ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر) الآية. تحقيقاً لوعيده , فعلى هذا في تأويل قوله (فَصْل) وجهان: أحدها: حد , قاله ابن جبير. الثاني: عدل , قاله الضحاك. القول: ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه , فعلى هذا في تاويل قوله (فصل) وجهان: أحدهما: حق , قاله ابن عباس. الثاني: ما رواه الحارث عن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتابِ الله فيه خير ما قبلكم، وحكم ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله , ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.) ﴿وما هو بالهزْلِ﴾ وهذا تمام ما وقع عليه القسم , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: باللعب، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: بالباطل، قاله وكيع والضحاك. الثالث: بالكذب، قاله السدي. ﴿إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً﴾ يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله ﷺ , كما قال تعالى: ﴿وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ﴾ فقال ها هنا: (إنهم يكيدون كيداً) أي يمكرون مكراً.

стр. 4274

﴿وأكيدُ كيْداً﴾ يعني بالانتقام في الآخرة بالنار , وفي الدنيا بالسيف. ﴿فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قريباً , قاله ابن عباس. الثاني: انتظاراً , ومنه قول الشاعر: (رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي ... عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ) الثالث: قليلاً , قاله قتادة. قال الضحاك: فقتلوا يوم بدر. وفي (مهّل) (وأمْهل) وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: معناهما مختلف , فمهّل الكف عنهم , وأمْهِل انتظار العذاب لهم.

стр. 4275

سورة الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →