← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق

стр. 807

ما يشاء والله على كل شيء قدير وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللَّهِ وَأَحِبّآؤُهُ﴾ في قولهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه قول جماعة من اليهود حذرهم النبي ﷺ عقاب الله , وخوفهم به , فقالوا لا تخوفنا: ﴿نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ﴾ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن اليهود تزعم أن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بِكْري من الولد , فقالوا , ﴿نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وهذا قول السدي. وقال الحسن: أنهم قالوا ذلك على معنى قرب الولد من والده , وهو القول الثالث. وأما النصارى , ففي قولهم لذلك قولان: أحدهما: لتأويلهم ما في الإِنجيل من قوله: اذهب إلى أبي وأبيكم , فقالوا لأجل ذلك ﴿نَحنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الثاني: لأجل قولهم في المسيح: ابن الله , وهم يرجعون إليه , فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأجباءه , فرد الله منطقهم ذلك بقوله: ﴿ ... فَلِمَ يُعَذّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأن الأب لإِشفاقه لا يعذب ابنه , ولا المحب حبيبه.

стр. 808

﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء

стр. 809

وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ﴾ فيهم قولان. أحدهما: أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى. ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم , وهذا قول الحسن. والثاني: لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله , وهذا قول السدي. والثالث: لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم , وهو قول قتادة. والرابع: أنهم جُعِلُوا ملوكاً بالمَنِّ والسَّلْوَى والحَجَر , وهذا قول ابن عباس.

стр. 810

والخامس: أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً , وفهو ملك من سائر الناس , وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص , والحسن , وزيد بن أسلم. وقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له بيت [يأوي إليه وزوجة] وخادم , فهو ملك). ﴿وءَاتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: المن والسلوى والغمام والحجر , وهو قول مجاهد. الثاني: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم. قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الأرْضَ الْمُقدَّسَةَ الَّتِي كتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أرض بيت المقدس , وهذا قول ابن عباس , والسدي. والثاني: دمشق وفلسطين وبعض الأردن , وهذا قول الزجاج. والثالث: هي الشام , وهذا قول قتادة , ومعنى المقدسة: المطهرة. وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وإن قال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم﴾ لأنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرَّمها عليهم بعد معصيتهم. ﴿وَلَا تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ والجبار: هو الذي يَجْبُر الناس على ما يريد إكراههم عليه , ومنه جَبْرُ العظم , لأنه كالإكراه على

стр. 811

الصلاح , ويقال [للأعواد التي] تحمله جُبَارة , إذا قامت اليد طولاً , لأنها امتنعت كامتناع الجبار من الناس. وقيل بلغ من جبروت هؤلاء القوم , أن واحداً منهم , أخذ الاثني عشر نقيباً , الذين بعثهم موسى , ليخبروه بخربهم , فحملهم مع فاكهة حملها من بستانه , وجاء فنشرهم بين يدي الملك , وقال: هؤلاء يريدون أن يقاتلونا , فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ فيه قولان: أحدهم: يخافون الله , وهو قول قتادة. الثاني: يخافون الجبارين , ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق. ﴿أَنْعََمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: بالتوفيق للطاعة. والثاني: بالإِسلام , وهو قول الحسن. وفي هذين الرجلين قولان: أحدهما: أنهما من النقباء يوشع بن نون , وكالب بن يوقنا , وهذا قول ابن عابس , ومجاهد , وقتادة , والسدي. والثاني: أنهما رجلان , كانا في مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام , وهذا مروي عن ابن عباس. ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمْ الْبَابَ فإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم. والثاني: لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعادئه , ولم يمنعهم خوفهم من القول الحق , وقد قال النبي ﷺ : (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الحَقَّ إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ فَإِنَّهُ لَا يُبْعِدُ مِنْ رِزْقٍ وَلَا يُدْنِي مِنْ أَجَلٍ).

стр. 812

﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين﴾ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَيْءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾ فيهما قولان: أحدهما: أنهما من بني إسرائيل , وهذا قول الحسن. والثاني: أنهما ابنا آدم لصلبه , وهما هابيل وقابيل , وهو قول ابن عباس , وابن عمر , ومجاهد , وقتادة. ﴿إِذْ قَرَّبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ والقربان: هو البر الذي يقصد من رحمة الله , وهو فعلان من القرب. واختلف فى السبب الذي قربا لأجله قرباناً على قولين: أحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب. والثاني: وهو أشهر القولين أن ذلك لسبب , وهو أن حواء كانت تضع

стр. 813

في كل عام غلاماً وجارية , فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر , وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة , فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه , وقال أنا أحق بها منك. واختلف فى سبب منعه على قولين: أحدهما: أن قابيل قال لهابيل أنا أحق بتوأمتي منك , لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض. الثاني: أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته , فقربا قرباناً وكان قابيل حراثاً , وهابيل راعياً , فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله , وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله , فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل , وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا. قال أبو جعفر الطبري: وكانت سخلة هابيل المقبولة ترعى فى الجنة حتى فَدَى الله تعالى بها إٍحاق بن إبراهيم الذبيح. واختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين: أحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ , والتقوى ها هنا الصلاة , على ما ذكره المفسرون. الثاني: لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه , وقابيل تقرب بشر ماله , فلم يُتَقَبَّل منه , وهذا قول بعد الله بن عمر , وأكثر المفسرون. واختلف في قربانهما هل كان بأمر آدم , أو من قبل أنفسهما على قولين: أحدهما: أنهما قربا بأمر آدم حين اختصما إليه. والثاني: أنهما قربا من قِبَل أنفسهما.

стр. 814

وكان آدم قد توجه إلى مكة , ليراها ويزور البيت بها عن أمر به , وكان قد عرض الأمانة في حفظ أهله على السموات فأبت , فعرضها على الأرض فأبت , فعرضها على الجبال فأبت , فعرضها على قابيل فقبلها , ثم توجه وعاد فوجد قابيل قد قتل هابيل وشربت الأرض دمه , فبكى ولعن الأرض لشربها دمه , فأنبتت الشوك , ولم تشرب بعده دماً. روى غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني عن علي قال: لما قتل قابيل بن آدم هابيل أخاه بكاه آدم ﵇ فقال: (تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عليها ... فوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قبيحٌ) (تَغَيَّرَ كلُّ ذِي لَوْنٍ ... وقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ) قال فأجيب آدم: (أبا هابيل قد قُتِلا جَمِيعاً ... وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ) (وجَاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ منه ... على خَوْفٍ فَجَاءَ بها تَصِيحْ) واختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافراً أو فاسقاً؟ فقال قوم كان كافراً , وقال آخرون بل كان رجل سوء فاسقاً. قال ابن جريج: لم يزل بنو آدم فى نكاح الأخوات حتى مضي أربعة آباء , فنكح ابنة عمه وذهب نكاح الأخوات. قوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ معناه لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك بمثله , وفي امتناعه من دفعه قولان: أحدهما: منعه منه التحرج مع قدرته عليه وجوازه له , وهذا قول ابن عباس , وعبد الله بن عمر. والثاني: أنه لم يكن له الامتناع ممن أراد إذ ذاك , وهذا قول مجاهد والحسن.

стр. 815

قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ معناه ترجع , وفيه تأويلان: إحدهما: أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك , وهذا قول ابن عباس , وابن مسعود. والثاني: يعني أن تبوء بإثمي فى خطاياي , وإثمك بقتلك لي , فتبوء بهما جميعاً , وهذا قول مجاهد. وروى الأعمش , عند عبد الله بن مرة , عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْ نَفْسٍ تُقتَلُ ظُلْماً إِلَاّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ). قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ معنى طوعت أي فعلت من الطاعة , وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعنى شجعت , وهو قول مجاهد. والثاني: يعني زينت , وهو قول قتادة. والثالث: يعني فساعدته. وكان هابيل أول من قُتِلَ في الأرض , وقيل إن قابيل لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له إبليس فعلمه , وقيل إنه قتله غيلة , بأن ألقى عليه وهو نائم صخرة , شدخه بها. قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني عورة أخيه. والثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن , فقيل لجيفته سوأة. وفي الغراب المبعوث قولان:

стр. 816

أحدهما: أنه كان ملكاً على صورة الغراب , فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. والثاني: أنه كان غراباً بحث الأرض على غراب آخر. ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخَي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قيل إنه ندم علىغير الوجه الذي تصح منه التوبة , فلذلك لم تقبل منه , ولو ندم على الوجه الصحيح لقبلت توبته. وروى معمر , عن قتادة , عن الحسن , عن النبي ﷺ , أنه قال: (إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَ مَثَلاً لِهَذِهِ الأَمَّةِ , فَخُذُوا مِنْ خَيرِهِمَا , وَدَعُوا شَرَّهُمَا).

стр. 817

﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ يعني من أجل أن ابن آدم قتل أخاه ظلماً. ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ يعني من قتل نفساً ظلماً بغير نفس قتلت , فيقتل قصاصاً , أو فساد فى الأرض استحقت به القتل , الفساد فى الأرض يكون بالحرب لله ولرسوله وإخافة السبيل.

стр. 818

﴿فَكَأَنَّمَ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني من قتل نبياً أو إمام عدل , فكأنما قتل الناس جميعاً , ومن شد على يد نبى أو إمام عدل , فكأنما أحيا الناس جميعاً , وهذا قول ابن عباس. والثاني: معناه فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول , ومن أحياها فاستنفذها من هلكة , فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنفذ , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: معناه أن قاتل النفس المحرمة يجب عليه من القود والقصاص مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعاً , ومن أحياها بالعفو عن القاتل , أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعاً , وهذا قول ابن زيد وأبيه. والرابع: معناه أن قاتل النفس المحرمة يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتل الناس جيمعاً , ومن أحياها , يعني سلم من قتلها , [فكأنما] سلم من قتل الناس جميعاً , وهذا قول مجاهد. والخامس: أن على جميع الناس (جناية القتل) كما لو قتلهم جميعاً , ومن أحياها بإنجائها من غرق أو حرق أو هلكة , فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعاً. والسادس: أن الله تعالى عظم أجرها ووزرها فإحياؤها [يكون] بمالك أو عفوك , وهذا قول الحسن , وقتادة. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً﴾ اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت فى قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض , فعرف الله نبيه الحكم فيهم , وهذا قول ابن عباس. الثاني: أنها نزلت فى العُرَنِيِّينَ ارتدوا عن الإِسلام وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا إبله , وهذا قول أنس بن مالك , وقتادة. والثالث: أنها نزلت إخباراً من الله تعالى بحكم من حارب الله ورسوله , وسعى في الأرض فساداً.

стр. 819

واختلف في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى والقتل والسرقة , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية فى المِصْر وغيره , وهذا قول الشافعي , ومالك , والأوزاعي. والثالث: أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر فى المِصْر , وهذا قول أبي حنيفة , وعطاء الخراساني. ﴿أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْض﴾ جعل الله هذا حكم المحارب , وفيه قولان: أحدهما: أنها على التخيير وأن الإِمام فيهم بالخيار بين أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفي , وهذا قول سعيد بن المسيب , ومجاهد , وعطاء , وإبراهيم. والثاني: أنها مرتبة تختلف على قدر اختلاف الأفعال: أن يقتلوا إذا قتلوا , أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال , أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا , وهذا قول ابن عباس , والحسن , وقتادة , والسدي. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك العرنيين وهم من بجيلة , فسأل رسول الله ﷺ جبريل عن القصاص فيمن حارب , فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله لإِخافته , ومن قتل فاقتله , ومن قتل وأخاف السبيل واستحل افرج فاصلبه. أما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ﴾ فقد اختلف أهل التأويل فيه على أربعة أوجه:

стр. 820

أحدها: أنه نفيهم وإبعادهم من بلاد الإِسلام إلى بلاد الشرك , وهو قول أنس: والحسن , وقتادة , السدي , والزهري , والضحاك , والربيع. والثاني: أنه إخراجهم من مدينة إلى أخرى , وهو قول عمر بن عبد العزيز , وسعيد بن جبير. والثالث: أنه الحبس , وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والرابع: هو أن يطلبوا لتقام الحدود عليهم فيُبْعَدُوا , وهذا قول ابن عباس , والشافعي , والليث بن سعد. قوله تعالى: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فيه ستة أقاويل , أحدها: إلا الذين تابوا من شركهم وسعيهم فى الأرض فساداً بإسلامهم , فأما المسلمون فلا يتسقط التوبة عنهم حداً وجب عليهم , وهذا قول ابن عباس , والحسن , ومجاهد , وقتادة. الثاني: إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم , فأما التائب بغير أمان فلا , وهذا قول عليّ ﵇ , والشعبي , وروى الشعبي أن خارجة بن زيد خرج محارباً فأخاف السبيل , وسفك الدماء , وأخذ الأموال , وجاء تائباً من قبل القدرة عليه , فقبل عليّ توبته وجعل له أماناً منشوراً على ما كان أصاب من دم ومال. والثالث: إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه , وهذا قول عروة بن الزبير. والرابع: إن كان في دار الإٍسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته , وإن لم يكن له فئة يمتنع بها [وتاب] لم [تسقط] عنه توبته شيئاً من عقوبته , وهذا قول ابن عمر , وربيعة , والحكم بن عيينة. والخامس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين , وهذا قول الشافعي. والسادس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء , وهذا مذهب مالك.

стр. 821

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ وهي في قراءة عبد الله ابن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما. إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة , وفي الزنى بالزانية قبل الزاني , لأن حب المال على الرجال أغلب , وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب , ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها , ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به , لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية , وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره , وقطع اليد في السرقة ظاهر , وقطع الذكر فى الزنى باطن , والثالث: أن فى قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله. وقد قطع السارق في الجاهلية , وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة , فأمر الله تعالى بقطعه فى الإِسلام , فكان أول سارق قطعه رسول الله

стр. 822

صلى الله عليه وسلم في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف , ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم , وقال: (لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ). وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة. والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به , لقول رسول الله ﷺ في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه , فقال صفوان: قد عفوت عنه , فقال النبي ﷺ : (هَلَاّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ لَا عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوتُ). وروي أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال: (يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها) (يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ... ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها) (فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها) فقال معاوية: كيف أصنع وقد قطعت أصحابك , فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها , فَخَلَّى سبيله , فكان أول حد ترك في الإٍسلام. ولوجوب القطع مع ارتفاع الشبهة شرطان هما: الحرز والقدر , وقد اختلف الفقهاء فى قدر ما تقطع فيه اليد خلافاً , كُتُبُ الفقه أولى. واختلف أهل التأويل حينئذ لأجل استثناء القطع وشروطه عمن سرق من غير حرز أو سرق من القدر الذي تقطع فيه اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ هل هو عام خُصّ؟ أو مجمل فُسِّر على وجهين. أحدهما: أنه العموم الذي خُصّ. والثاني: أنه المجمل الذي فُسِّر.

стр. 823

ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبا﴾ فاختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين: أحدهما: أنه لا غرم , وهذا قول أبي حنيفة. والثاني: يجب فيه الغرم , وهو مذهب الشافعي. وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت فى طعمة بن أبيرق سارق الدرع. قوله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ في التوبة ها هنا قولان: أحدهما: أنها كالتوبة من سائر المعاصي والندم على ما مضى والعزم على ترك المعاودة. والثاني: أنها الحد , وهو قول مجاهد. وقد روى عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حلياً فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة , فقال رسول الله ﷺ : (اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى) فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ : (أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ) فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾. قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يغفر لمن تاب من كفره , ويعذب من مات على كفره , وهذا قول الكلبي. الثاني: يعذب من يشاء فى الدنيا على معاصيهم بالقتل والخسف والمسخ والآلام وغير ذلك من صنوف عذابه , ويغفر لمن يشاء منهم فى الدنيا بالتوبة واستنقاذهم بها من الهلكة وخلاصهم من العقوبة.

стр. 824

﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِن الَّذِينَ قَالُواءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ يعني به المنافقين المظهرين للإِيمان المبطنين للكفر. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ يعني اليهود. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ ليكذبوا عليك عندهم إذا أتوا من بعدهم , وهذا قول الحسن , والزجاج.

стр. 825

والثاني: أن معنى قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أى قائلون للكذب عليك. و ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني فى قصة الزاني المحصن من اليهود الذي حكم رسول الله ﷺ فأنكروه , وهذا قول ابن عباس. ﴿يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضَعِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم إذا سمعوا كلام النبي ﷺ غيروه بالكذب عليه , وهذا قول الحسن. والثاني: هو تغيير حكم الله تعالى في جَلْد الزاني بدلاً من رجمه , وقيل في إسقاط القود عند استحقاقه. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يريد بذلك حين زنى رجل منهم بامرأة فأنفذوه إلى النبي ﷺ ليحكم بينهم وقالوا: إن حكم عليكم بالجلد فاقبلوه وإن حكم عليكم بالرجم فلا تقبلوه , فقام النبي ﷺ إلى مدارس توارتهم وفيها أحبارهم يتلون التوراة , فأتى عبد الله بن صوريا , وكان أعور , وهو من أعلمهم فقال له أسألك بالذي أنزل التوراة بطور سيناء على موسى بن عمران هل فى التوراة الرجم؟ فأمسك , فلم يزل به حتى اعترف , فأمر بهما النبي ﷺ فَرُجِمَا , قال عبد الله: وكنت فيمن رجمه وأنه ليقيها الأحجار بنفسه حتى ماتت , ثم إن ابن صوريا أنكر وفيه أنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول ابن عباس , وجابر , وسعيد بن المسيب , والسدي , وابن زيد. والقول الثاني: أن ذلك في قتيل منهم , قال الكلبي: قتلت بنو النضير رجلاً من بني قريظة وكانوا يمتنعون بالاستطالة عليهم من القود بالدية , وإذا قتلت بنو قريظة منهم رجلاً لم يقنعوا إلا بالقود دون الدية , قالوا: إن أفتاكم بالدية فاقبلوه وإن أفتاكم بالقود فردوه , وهذا قول قتادة. ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ فيه ثلاث تأويلات. أحدها: عذابه , وهذا قول الحسن. والثاني: إضلاله , وهو قول السدي.

стр. 826

والثالث: فضيحته , وهو قول الزجاج. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: لم يطهرها من الضيق والحرج عقوبة لهم. والثاني: لم يطهرها من الكفر. قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فيه أربعة تأويلات. أحدهما: أن السحت الرشوة , وهو مروي عن النبي ﷺ . والثاني: أنه الرشوة فى الحكم , وهو قول علي. والثالث: هو الاستعجال فى القضية , وهو قول أبي هريرة. والرابع: ما فيه الغارّ من الأثمان المحرمة: كثمن الكلب , والخنزير , والخمر وعسب افحل , وحلوان الكاهن. وأصل السحت الاستئصال , ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ أي يستأصلكم , وقال الفرزدق: (وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مجلف) فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة. ﴿فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَْعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فيمن أريد بذلك قولان: أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع , وهذا قول الحسن , ومجاهد , والزهري. والثاني: أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخّير رسول الله ﷺ عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع , وهذا قول قتادة.

стр. 827

واختلفوا في التخيير في الحكم بينهم , هل هو ثابت أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أنه ثابت وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير فى الحكم بين أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع , وهذا قول الشعبي , وقتادة , وعطاء , وإبراهيم. والقول الثاني: أن ذلك منسوخ , وأن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا إليه من حكام المسلمين , وهذا قول ابن عباس , والحسن , ومجاهد , وعمر بن عبد العزيز , وعكرمة , وقد نسخه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَيفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ الْتَّورَاةُ فِيهَا حَكْمُ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم. والثاني: حكم الله بالقود. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعد حكم الله في التوراة. والثاني: بعد تحكيمك. ﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أي فى تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك. والثاني: يعني فى توليهم عن حكم الله غير راضين به. قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ يعني بالهدى ادليل. وبالنور البيان. ﴿يَحْكُمْ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم جماعة أنبياء منهم محمد ﷺ . والثاني: المراد نبينا محمد ﷺ وحده وإن ذكر بلفظ الجمع.

стр. 828

وفي الذي يحكم به من التوراة قولان: أحدهما: أنه أراد رجم الزاني المحصن , والقود من القاتل العامد. والقول الثاني: أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به نسخ. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني على الذين هادوا , وهم اليهود , وفي جواز الحكم بها على غير وجهان: على اختلافهم فى التزامنا شرائع من قبلنا إذا لم يرد به نص ينسخ. ثم قال تعالى: ﴿وَالرَّبَانُّيِونَ والأَحْبَارُ﴾ واحد الأحبار حَبْر بالفتح , قال الفراء , أكثر ما سمعت حِبْر بالكسر , وهو العالم , سُمِّي بذلك اشتقاقاً من التحبير , وهو التحسين لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح , ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم فى نفسه حسن. ثم قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله. والثاني: معناه والعلماء استحفظوا من كتاب الله. وفي ﴿اسْتُحْفِظُواْ﴾ تأويلان: أحدهما: استودعوا , وهو قول الأخفش. والثاني: العلم بما حفظوا , وهو قول الكلبي. ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ يعني على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة. ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ فيه قولان: أحدهما: فلا تخشوهم فى كتمان ما أنزلت , وهذا قول السدي. والثاني: في الحكم بما أنزلت. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِأَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً. والثاني: معناه لا تأخذوا على تعليمها أجراً.

стр. 829

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ , ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل: أحدها: أنها واردة في اليهود دون المسلمين , وهذا قول ابن مسعود , وحذيفة , والبراء , وعكرمة. الثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب , وحكمها عام في جميع الناس , وهذا قول الحسن , وإبراهيم. والثالث: أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام , وبالظالمين اليهود , وبالفاسقين النصارى , وهذا قول الشعبي. والرابع: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به , فهو كافر , ومن لم يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق , وهذا قول ابن عباس.

стр. 830

﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية. نزلت في اليهود من بني قريظة والنضير , وقد ذكرنا قصتهما. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه كفارة للجروح , وهو قول عبد الله بن عمر , وإبراهيم ,

стр. 831

والحسن , والشعبي , روى الشعبي عن ابن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ). والثاني: أنه كفارة للجارح , لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته.

стр. 832

﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني القرآن. ﴿مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني لما قبله من الكتاب وفيه وجهان: أحدهما: مصدقاً بها , وهو قول مقاتل.

стр. 833

والثاني: موافقاً لها , وهو قول الكلبي. ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أميناً , وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني شاهداً عليه , وهو قول قتادة , والسدي. والثالث: حفيظاً عليه. ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا , وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم. ﴿وَلَا تَتَّبعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أمة نبينا محمد ﷺ . والثاني: أمم جميع الأنبياء. ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ أما الشرعة فهي الشريعة وهي الطريقة الظاهرة , وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ومن قيل لشريعة الماء شريعة لأنها أظهر طرقه إليه , ومنه قولهم: أُشْرِعَتِ الأسنة إذا ظهرت. وأما المنهاج فهو الطريق الواضح , يقال طريق نهج ومنهج , قال الزاجر: (مَن يَكُ ذَا شَكٍّ فهذَا فَلْجُ ... مَاءٌ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ) فيكون معنى قوله شرعة ومنهاجاً أي سبيلاً وسنة , وهذا قول ابن عباس , والحسن , ومجاهد , وقتادة. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدةً﴾ فيه قولان: أحدهما: لجعلكم على ملة واحدة. الثاني: لجمعكم على الحق , وهذا قول الحسن.

стр. 834

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم

стр. 835

مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذينَءَامُنُوا لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيآءَ﴾ اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عُبادة بن الصامت , وعبد بن أبي ابن سلول , حين تبرأ عُبادة من حِلْف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله حين ظهرت عداوتهم لله ولرسوله. وقال عبد الله بن أبي: لا أتبرأ من حلفهم وأخف الدوائر , وهذا قول الزهري. والثاني: أنها نزلت فى أبي بلابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لما نقضوا العهد أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه إليهم أنه الذبح , وهذا قول عكرمة. والثالث , أنها نزلت فى رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما لصاحبه: أَلْحَقُ باليهود وأتهود معهم , وقال الآخر: ألحق بالنصارى فأتنصر معهم ليكون ذلك لهما أماناً من إدالة الكفار على المسلمين , وهذا قول السدي. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فِإِنَّهُ مِنْهُم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: موالاتهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر. والثاني: موالاتهم في الدين فإنه منهم في حكم الكفر , وهذا قول ابن عباس.

стр. 836

قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن المرض الشك وهو قول مقاتل. والثاني: النفاق , وهو قول الكلبي. وفيهم قولان: أحدهما: المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول , وهذا قول عطية بن سعد. والثاني: أنهم قوم من المنافقين. ﴿ ... . يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ والدائرة ترجع عمن انتقلت إليه إلى من كانت له , سميت بذلك لأنها تدور إليه بعد زوالها عنه , ومنه قول الشاعر: (يَرُدُّ عَنَّا القَدَرَ الْمَقْدُورَا ... وَدَائرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا) ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد فتح مكة , قاله السدي. والثاني: فتح بلاد المشركين على المسلمين. والثالث: أن القضاء الفصل , ومنه قوله تعالى: ﴿افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] , قاله قتادة. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: هو دون الفتح الأعظم. الثاني: أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين. الثالث والرابع: أنه الجزية , قاله السدي.

стр. 837

﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك

стр. 838

فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أبو بكر وأصحابه ﵃ الذين قاتلوا معه أهل الردة , قاله: علي , والحسن , وابن جريج , والضحاك. والثاني: أنهم قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن لأنه كان لهم في نصرة الإِسلام أثر حسن , وقد روي أن النبي ﷺ حين نزلت هذه الآية إليه أَوْمَأَ إلى أبي موسى الأشعري بشيء كان فى يده وقال: (هُمْ قَوْمُ هَذَا) قاله: مجاهد وشريح. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أهل رقة عليهم. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني أهل غلظة عليهم , يحكى ذلك عن علي , وابن عباس. وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَءَامَنُوا ... ﴾ الآية , وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أصحابه حين شكوا إلى رسول الله ﷺ ما أظهره اليهود من عداوتهم لهم , قاله الكلبي.

стр. 839

والثاني: أنها نزلت فى عُبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قولان: أحدهما: أنه علي , تصدق وهو راكع , قاله مجاهد. والثاني: أنها عامة في جميع المؤمنين , قاله الحسن , والسدي. وفي قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم. والثاني: أنها نزلت فيهم وهم في ركوعهم. والثالث: أنه أراد بالركوع التنفل , وبإقامة الصلاة الفرض من قولهم فلان يركع إذا انتفل بالصلاة.

стр. 840

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون

стр. 841

وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ﴾ يريد بالإِثم معصية الله تعالى. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ أي ظلم الناس. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: الرُّشا. والثاني: الربا. ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الْرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لم ينهوهم , قال ابن عباس والضحاك: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية , وكان ابن عباس يقرؤها: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلا. والربانيون: هم علماء الإِنجيل , والإحبار: هم علماء التوراة.

стр. 842

﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم

стр. 843

لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أي مقبوضة عن العطاء على جهة البخل , قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: مقبوضة عن عذابهم , قاله الحسن. قال الكلبي ومقاتل: القائل لذلك فنحاس وأصحابه من يهود بني قينقاع. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك إلزاماً لهم البخل على مطابقة الكلام , قاله الزجاج. والثاني: أن معناه غلت أيديهم في جهنم على وجه الحقيقة , قاله الحسن. ﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ قال الكلبي: يعني يعذبهم بالجزية. ويحتمل أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن اليدين ها هنا النعمة من قولهم لفلان عندي يد أي نعمة , ومعناه بل نعمتاه مبسوطتان , نعمة الدين , ونعمة الدنيا. والثاني: اليد ها هنا القوة كقوله تعالى: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] ومعناه بل قوتان بالثواب والعقاب. والثالث: أن اليد ها هنا الملك من قولهم فى مملوك الرجل هو: ملك يمينه , ومعناه ملك الدنيا والآخرة. والرابع: أن التثنية للمبالغة فى صفة النعمة كما تقول العرب لبيك وسعديك , وكقول الأعشى:

стр. 844

(يداك يدا مجد فكف مفيدة ... وكف إذا ما ضنَّ بالزاد تنفق) ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يمعنى أنه يعطي من يشاء من عباده إذا علم أن في إعطائه مصلحة دينه. والثاني: ينعم على من يشاء بما يصلحة في دينه. ﴿ولَيزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ يعني حسدهم إياه وعنادهم له. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عنى اليهود بما حصل منهم من الخلاف. والثاني: أنه أراد بين اليهود والنصارى في تباين قولهم في المسيح , قاله الحسن. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا. والثاني: إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل. ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن لأنهم لما خوطبوا به صار منزلاً عليهم. ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه. والثاني: لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر , ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس.

стр. 845

﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: مقتصدة على أمر الله تعالى , قاله قتادة. الثاني: عادلة , قاله الكلبي.
следующие страницы →