Полный текст (4 439 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة , ثم كفروا بعبادة العجل. والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم , كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم. ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة , أي معاينة. والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول أّرِنا الله , فيكون على التقديم والتأخير , وهذا قول ابن عباس. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: بظلمهم لأنفسهم. والثاني: بظلمهم في سؤالهم. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم﴾ يعني: بالعهد الذي أخذ عليهم بعد تصديقهم بالتوراة ان يعملوا بما فيها , فخالفوا بعبادة العجل ونقضوه , فرفع الله عليهم الطور , ليتوبوا , وإلَاّ سقط عليهم فتابوا حينئذ. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه باب الموضع الذي عبدوا فيه العجل , وهو من أبواب بيت المقدس , وهذا قول قتادة. والثاني: باب حِطَّة فأمروا بدخوله ساجدين لله . ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ قرأ ورش عن نافع ﴿تَعَدُّوا﴾ بفتح العين وتشديد الدال , من الاعتداء , وقرأ الباقون بالتخفيف من عَدَوت. وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه , فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية - ترك واجباته. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ وهو ميثاق آخر بعد رفع الطور عليهم , غير الميثاق الأول. وفي قوله تعالى: ﴿غَلِيظاً﴾ قولان: أحدهما: أنه العهد بعد اليمين. والثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.
стр. 772
﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... وَقَولِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها محجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق , كالمحجوب في غلافة , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: يعني أنها أوعية للعلم وهي لا تفهم احتجاجك ولا تعرف إعجازك , وهذا قول الزجاج , فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً , وعلى التأويل الثاني إبطالاً. ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع , وهو قول بعض البصريين. الثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً , وهذا قول الزجاج. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ فيه تأويلان:
стр. 773
أحدهما: أن القليل منهم يؤمن بالله. الثاني: لا يؤمنون إلا بقليل , وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم. قوله : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ , أما قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فهو من قول اليهود , أخبر الله به عنهم. أما ﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود بمعنى رسول الله في زعمه. والثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم , وتقديره: الذي هو رسولي. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم كانوا يعرفونه فألقى شبهه على غيره , فظنوه المسيح فقتلوه , وهذا قول الحسن , وقتادة , ومجاهد , ووهب , والسدي. والثاني: أنهم ما كانوا يعرفونه بعينه , وإن كان مشهوراً فيهم بالذكر , فارتشى منهم يهودي ثلاثين درهماً , ودلهم على غيره مُوهِماً لهم أنه المسيح , فشُبِّهَ عليهم. والثالث: أنهم كانوا يعرفونه , فخاف رؤساؤهم فتنة عوامِّهم , فإن الله منعهم عنه , فعمدوا إلى غيره , فقتلوه وصلبوه , ومَوَّهُوا على العامة أنه المسيح , ليزول افتتانهم به. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم اختلفوا فيه قبل قتله , فقال بعضهم: هو إله , وقال بعضهم: هو ولد , وقال بعضهم: هو ساحر , فشكوا ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاَع الظَّنِّ﴾ الشك الذي حدث فيهم بالاختلاف. والثاني: ما لهم بحاله من علم - هل كان رسولاً أو غير رسول؟ - إلا اتباع الظن. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقْيناً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 774
أحدها: وما قتلوا ظنَّهم يقيناً كقول القائل: ما قتلته علماً , وهذا قول ابن عباس , وجويبر. والثاني: وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره , وهذا قول السدي. والثالث: وما قتلوه حقاً , وهو قول الحسن. ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد , فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أنه رفعه إلى السماء , وهو قول الحسن. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح , إذا نزل من السماء , وهذا قول ابن عباس , وأبي مالك , وقتادة , وابن زيد. والثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة , فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم , وهذا قول الحسن , ومجاهد , والضحاك , وابن سيرين , وجويبر. والثالث: إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي , وهذا قول عكرمة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ يعني المسيح , وفيه قولان: أحدهما: أنه يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره. والثاني: يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه , وأقر بالعبودية على نفسه , وهذا قول قتادة , وابن جريج.
стр. 775
﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا
стр. 776
لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للنصارى خاصة. والثاني: أنه خطاب لليهود والنصارى , لأن الفريقين غلوا في المسيح , فقالت النصارى: هو الرب , وقالت اليهود: هو لغير رشدة , وهذا قول الحسن. والغلو: مجاوزة الحد , ومنه غلاء السعر , إذا جاوز الحد في الزيادة , وغلا في الدين , إذا فرط في مجاوزة الحق. ﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ يعني في غلوهم في المسيح. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ رداً على مَنْ جعله إلهاً , أو لغير رشدة [أو] ساحراً. ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ﴾ في كلمته ثلاثة أقاويل: أحدها: لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن , وهذا قول الحسن , وقتادة. الثاني: لأنه بشارة الله التي بشر بها , فصار بذلك كلمة الله. والثالث: لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله. ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح , وأضافه الله إلى نفسه تشريفاً له. والثاني: أنه سُمِّي روحاً؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح. والثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل ﵇ , لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله , والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحاً , فكان عن النفخ فسمي به ﴿فَئآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُواْ: ثَلَاثَةٌ , انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ في الثلاثة قولان:
стр. 777
أحدهما: هو قول النصارى أب وابن وروح القدس , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: هو قول من قال: آلهتنا ثلاثة , وهو قول الزجاج.
стр. 778
﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هو النبي ﷺ , لِمَا معه من المعجز الذي يشهد بصدقه. ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ يعني القرآن سُمِّي نوراً لأنه يظهر به الحق , كما تظهر المرئيات بالنور. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: اعتصموا بالقرآن , وهذا قول ابن جريج. والثاني: اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ في الهداية قولان: أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة , وهذا قول الحسن.
стр. 779
والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة , وهو قول بعض المفسرين البصريين. ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن أمرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾ قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ الآية. قال البراء ابن عازب: آخر سورة نزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية أنزلت خاتمة، سورة النساء ﴿يستفتونك. .﴾ وقال جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية فيَّ، وقد سألت رسول الله ﷺ حين عادني في مرضي، ولي تسع أخوات، كيف أصنع بمالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت ﴿يستفتونك﴾ إلى آخر السورة. وقال ابن سيرين: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ هو في مسيرة، وإلى جبنه حذيفة بن اليمان، فبلغها رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب، وهو يسير خلفه.
стр. 780
سورة المائدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 781
﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها عهود الله , التي أخذ بها الإِيمان , على عباده فيما أحله لهم , وحرمه عليهم , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة , والإِنجيل من تصديق محمد ﷺ , وهذا قول ابن جريج. والثالث: أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم , وهذا قول قتادة.
стр. 782
الرابع: عهود الدين كلها , وهذا قول الحسن. والخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع , أو نكاح , أو يعقدها المرء على نفسه من نذر , أو يمين , وهذا قول ابن زيد. ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الأنعام كلها , وهي الإِبل , والبقر , الغنم , وهذا قول قتادة , والسدي. والثاني: أنها أجنة الأنعام التى توجد ميتة فى بطون أمهاتها , إذا نحرت أو ذبحت , وهذا قول ابن عباس , وابن عمر. والثالث: أن بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش , ولا يدخل فيها الحافر , لأنه مأخوذ من نعمة الوطء. قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ أى معالم الله , مأخوذ من الإِشعار وهو الإِعلام. وفي شعائر الله خمسة تأويلات: أحدها: أنها مناسك الحج , وهو قول ابن عباس , ومجاهد. والثاني: أنها ما حرمه الله فى حال الإحرام , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أنها حرم الله , وهو قول السدي. والرابع: أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظَّر , وهو قول عطاء. والخامس: هي دين الله كله , وهو قول الحسن , كقوله تعالى: ﴿ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٢٢] أى دين الله. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي لا تستحلوا القتال فيه , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رَجَبُ مُضَر.
стр. 783
والثاني: أنه ذو العقدة , وهو قول عكرمة. والثالث: أنها الأشهر الحرم , وهو قول قتادة. ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ أما الهدي ففيه قولان: أحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى. والثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم , وقد جعل على نفسه , أن يُهديه ويقلده , وهو قول ابن عباس. فأما القلائد ففيها ثلاثة أقاويل: أنها قلائد الهدْي , وهو قول ابن عباس , وكان يرى أنه إذا قلد هديه صار مُحرِماً. والثاني: أنها قلائد من لحاء الشجر , كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها فى ذهابهم إلى مكة , وعَوْدهم ليأمنوا , وهذا قول قتادة. والثالث: أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه , فيتقلدونه ليأمنوا , فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه , وهذا قول عطاء. ﴿وَلَاءَامِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ يعنى ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام , يقال أممت كذا إذا قصدته , وبعضهم يقول يممته , كقول الشاعر:
(إني لذاك إذا ما ساءني بلد ... يممت صدر بعيري غيره بلداً)
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ فيه قولان: أحدهما: الربح فى التجارة , وهو قول ابن عمر. والثاني: الأجر , وهو قول مجاهد ﴿وَرِضْوَاناً﴾ يعني ﵃ بنسكهم. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ وهذا وإن خرج مخرج الأمر , فهو بعد حظر ,
стр. 784
فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَان قَوْمٍ﴾ في يجرمنكم تأويلان. أحدهما: لا يحملنكم , وهو قول ابن عباس , والكسائي , وأبي العباس المبرد يقال: جرمني فلان على بغضك , أى حملني , قال الشاعر:
(ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا)
والثاني: معناه ولا يكسبنكم , يقال جرمت على أهلي , أي كسبت لهم , وهذا قول الفراء. وفي ﴿شَنَئَانُ قَوُمٍ﴾ تأويلان: أحدهما: معناه بغض قوم , وهذا قول ابن عباس. والثاني: عداوة قوم , وهو قول قتادة. وقال السدي: نزلت هذه الآية فى الحُطَم بن هند البكري أَتى رسول الله ﷺ , إِلَامَ تَدعو؟ فأخبره , وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: (يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيكُم رَجُلٌ مِن رَّبِيعةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ) فلما أخبره النبي ﷺ قال: أنظرني حتى أشاور , فخرج من عنده , فقال رسول الله ﷺ : (لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ , وَخَرجَ بِقَفَا غَادِرٍ) فمر بسرح من سرح المدينة , فاستقاه وانطلق وهو يرتجز ويقول:
стр. 785
(لقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم)
(ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياماً وابن هند لم ينم)
(بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم)
ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد الهدي , فاستأذن أصحاب النبي ﷺ أن يقتلوه , فنزلت هذه الآية حتى بلغ ﴿ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ فقال له ناس من أصحابه: يا رسول الله خلّ بيننا وبينه , فإنه صاحبنا , فقال: (إنه قد قلد). ثم اختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخاً على ثلاثة أقاويل: أحدهما: ان جميعها منسوخ , وهذا قول الشعبي , قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية. والثاني: أن الذى نسخ منها ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَاءَآمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾ وهذا قول ابن عباس , وقتادة. والثالث: أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر , وهذا قول مجاهد.
стр. 786
﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾
стр. 787
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ فيها تأويلان. أحدهما: أنه كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره. والثاني , أنه كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ذكاة. ﴿وَالدَّمُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الحرام منه ما كان مسفوحاً كقوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ الثاني: أنه كل دم مسفوح وغير مسفوح , إلا ما خصته اسنة من الكبد والطحال , فعلى القول الأول لا يحرم السمك , وعلى الثاني يحرم. ﴿وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن التحريم يختص بلحم الخنزير دون شحمه , وهذا قول داود. والثاني: أنه يعم اللحم وما خالطه من شحم وغيره , وهو قول الجمهور , ولا فرق بين الأهلي منه والوحشي. ﴿وَمآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يعني ما ذبح ليغر الله من الأصنام والأوثان , أصله من استهلال الصبي إذا صاح حين يسقط من بطن أمه , ومنه أهلال المُحْرِم بالحج والعمرة , قال ابن أحمر:
стр. 788
(يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر)
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها تخنق بحبل الصائد وغيره حتى تموت , وهو قول السدي , والضحاك. والثاني: أنها التي توثق , فيقتلها خناقها. ﴿وَالْمَوقُوذَةُ﴾ هي التي تضرب بالخشب حتى تموت , يقال: (وقذتها أقذها وقذاً , وأوقذها أيقاذاً , إذا أثخنتها ضرباً) , ومنه قول الفرزدق:
(شغارة تقذ الفصيل برجلها ... فطَّارة لقوادم الأبكار)
﴿وَالْمُتَردِيَةُ﴾ هي التي تسقط من رأس جبل , أو بئر حتى تموت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي الشاة التي تنطحها أخرى حتى تموت. ﴿وَمآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعنى من المنخنقة وما بعدها , وهو قول علي ﵁ , وابن عباس , وقتادة , والحسن , والجمهور. والثاني: أنه عائد إلى ما أكل السبع خاصة , وهو محكي عن الظاهرية. وفى مأكولة السبع التي تحل بالذكاة قولان: أحدهما: أن تكون لها عين تطرف أو ذنب يتحرك. والثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح , وهو قول الشافعي , ومالك. ﴿ ... . وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلَامِ﴾ معناه أن تطلبوا علم ما قُسِّمَ أو لم يُقَسَّم من رزق أو حاجة بالأزلام , وهي قداح ثلاثة مكتوبة على أحدها: أمرني ربي , والآخر: نهاني ربي , والثالث: غفل لا شيء عليه , فكانوا إذا أرادوا سفراً , أو
стр. 789
غزواً , ضربوا بها واستسقسموا , فإن خرج أمرني ربي فعلوه , وإن خرج نهاني ربي تركوه , وإن خرج الأبيض أعادوه , فنهى الله عنه , فَسُمِّي ذلك استقساماً , لأنهم طلبوا به علم ما قُسِمَ لهم. وقال أبو العباس المبرد: بل هو مشتق من قَسَم اليمين , لأنهم التزموا ما يلتزمونه , باليمين. ﴿ذَالِكُمْ فِسْقٌ﴾ أى خروج عن أمر الله وطاعته , وفعل ما تقدم نهيه عنه , ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن ترتدوا عنه راجعين إلى دينهم. والثاني: أن يقدروا على إبطاله ويقدحوا فى صحته. قال مجاهد: كان ذلك يوم عرفة حين حج النبي ﷺ حجة الوداع , بعد دخول العرب الإِسلام حتى لم ير النبي ﷺ مشركاً. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أى لا تخشوهم أن يظهروا عليكم , واخشونِ , أن تخالفوا أمري. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يوم عرفة فى حجة الوداع ولم يعش [الرسول ﷺ ] بعد ذلك إلَاّ إحدى وثمانين ليلة , وهذا قول ابن عباس، والسدي.
стр. 790
والثاني: أنه زمان النبي ﷺ كله إلى أنْ نَزَل ذلك عليه يوم عرفة , وهذا قول الحسن. وفي إكمال الدين قولان: أحدهما: يعني أكملت فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي , ولم ينزل على النبي ﷺ من الفرائض من تحليل ولا تحريم , وهذا قول ابن عباس والسدي. والثاني: يعني اليوم أكملت لكم حجتكم , أن تحجوا البيت الحرام , ولا يحج معكم مشرك , وهذا قول قتادة , وسعيد ابن جبير. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بإكمال دينكم. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ أي رضيت لكم الاستسلام لأمري ديناً , اي طاعة. روى قبيصة قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية , لعظموا اليوم , الذى أُنْزِلت فيه عليهم , فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه , فقال عمر: قد علمت اليوم الذى أُنزلت فيه , والمكان الذي نزلت فيه , نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة , وكلاهما - بحمد الله - لنا عيد. ﴿فَمَنِ آضْطُرَّ﴾ أي أصابه ضر الجوع. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي في مجاعة , وهي مَفْعَلة مثل مجهلة ومبخلة ومجبنة ومخزية من خمص البطن , وهو اصطباره من الجوع , قال الأعشى:
(تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرقى يبتن خماصا)
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: غير متعمد لإِثم , وهذا قول ابن عباس , والحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني: غير مائل إلى إثم , وأصله من جنف القوم إذا مالوا , وكل أعوج عند العرب أجنف. وقد روى الأوزاعي عن حسان عن عطية عن أبي واقد الليثي قال: قلنا
стр. 791
يا رسول الله إنا بأرض يصيبنا فيها مخمصة , فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَجْنِفُوا بها , فَشَأْنُكُم بِّهَا) واختلف فى وقت نزول هذه السورة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنها نزلت في يوم عرفة , روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة المائدة جميعاً وأنا آخذة بزمان ناقة رسول الله ﷺ العضباء وهو واقف بعرفة فكادت من ثقلها أن تدق عضد الناقة. والثاني: أنها نزلت فى مسيره ﷺ في حجة الوداع , وهو راكب , فبركت به راحلته من ثقلها. والثالث: أنها نزلت يوم الاثنين بالمدينة , وهو قول ابن عباس , وقد حُكِيَ عنه القول الأول.
стр. 792
﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ يعني بالطيبات الحلال , وإنما سمي الحلال طيباً , وإن لم يكن مستلذاً تشبيهاً بما يستلذ.
стр. 793
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ يعني وصيد ما علمتم من الجوارح , وهي الكواسب من سباع البهائم والطير , سميت جوارح لكسب أهلها بها من قولهم: فلان جارحة أهله أي كاسبهم , ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
(ذا جبار منضجاً ميسمه ... يذكر الجارح ما كان اجترح)
أي ما اكتسب. وفي قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ ثلاثة أقاويل. أحدها: يعني من الكلاب دون غيرها , وأنه لا يحل إلا صيد الكلاب وحدها , وهذا قول ابن عمر , والضحاك , والسدي. والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره , ومعناه مُضْرِين على الصيد كما تَضْرِي الكلاب , وهو قول ابن عباس , وعلي بن الحسين , والحسن , ومجاهد. والثالث: أن معنى التكليب من صفات الجارح: التعليم. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا علَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أى تعلمونهن من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفات التعليم التي بيَّن حكمها لكم. فأما صفة التعليم , فهو أن يُشلَى إذا أُشلي , ويجيب إذا دعي ويمسك إذا أخذ. وهل يكون إمساكه عن الأكل شرطاً فى صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح , فإن أكلت لم تؤكل , وهذا قول ابن عباس , وعطاء. والثاني: أنه ليس بشرط فى كل الجوارح ويؤكل وإن أكلت , وهذا قول ابن عمر , وسعد بن أبي وقاص , وأبي هريرة , وسلمان.
стр. 794
والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم فلا يؤكل ما أكلت , وليس بشرط في جوارح الطير , فيؤكل وإن أكلت , وهذا قول الشعبي , والنخعي , والسدي. واختلف فى سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: ما روى القعقاع بن حكيم عن سليمان بن أبي رافع عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ليستأذن عليه , فقال إذِنَّا لك , فقال أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب , قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته , فأمرني بقتله , فرجعت إلى الكلب فقتلته , فجاؤوا , فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها , قال فسكت رسول الله ﷺ , فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. والثاني: ما حكي أن زيد الخيل لَمَّا وفد على النبي ﷺ قال فيه من الخير ما قال فسماه زيد الخير , فقال: يا رسول الله فينا رجلان , يقال لأحدهما دريح , والآخر يكنى أبا دجانة , لهما أَكْلُب خمسة تصيد الظباء , فما ترى في صيدها؟ وحكى هشام عن ابن عباس أن أسماء هذه الكلاب الخمسة التي لدريح وأبي دجانة: المختلس وغلاب والغنيم وسهلب والمتعاطي , قال: فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية.
стр. 795
﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾
стр. 796
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾ يعني ذبائحهم. ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ يعني ذبائحنا. ﴿وَالْمُحصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني نكاح المحصنات , وفيهن قولان: أحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين , سواء كن عفيفات أو فاجرات , فعلى هذا , لا يجوز نكاح إمائهن , وهذا قول مجاهد , والشعبي , وبه قال الشافعي. والثاني: أنهن العفائف , سواءٌ كن حرائر أم إماءً , فعلى هذا , يجوز نكاح إمائِهن , وهذا قول مجاهد , والشعبي أيضاً , وبه قال أبو حنيفة. وفي المحصنات من الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: المعاهدات دون الحربيات , وهذا قول ابن عباس. والثاني: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات , وهذا قول الفقهاء وجمهور السلف. ﴿إِذَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني صداقهن. ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحينَ﴾ يعني أَعفّاء غير زُناة. ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ هي ذات الخليل الواحد تقيم معه على السفاح.
стр. 797
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾
стр. 798
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا قَمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُواْ وَجُوهَكُمْ﴾ يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة , فاغسلوا وجوهكم , فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين , فاغسلوا , فصار الحدث مُضْمَراً. وفي وجوب الوضوء شرطاً , وهو قول عبد الله بن عباس , وسعد بن أبي وقاص , وأبي موسى الأشعري , والفقهاء. والثاني: أنه واجب على كل من أراد القيام إلى الصلاة , أن يتوضأ , ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين , وهذا مروي عن علي وعمر. والثالث: أنه كان واجباً على كل قائمٍ إلى الصلاة , ثم نسخ إلَاّ على المحدث , روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة , فلما كان عام الفتح , صلى الصلوات كلها بوضوء واحد , ومسح على خفيه , فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله , قال: (عمداً فعلته يا عمر) وروى عبد الله بن حنظلة بن عامر الغسيل: أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق عليه , فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء.
стр. 799
﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما
стр. 800
تعملون وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُونُوا قوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ يعني بالحق فيما يلزم من طاعته. ﴿شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل. وفى هذه الشهادة ثلاثة أقاويل. أحدها: أنها الشهادة بحقوق الناس , وهذا قول الحسن. والثاني: الشهادة بما يكون من معاصي العباد , وهذا قول بعض البصريين. الثالث: الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق. وهذه الآية نزلت في النبي ﷺ , واختلف المفسرون فى سبب نزولها فيه على قولين: أحدهما: أن النبي خرج إلى يهود بني النضير , يستعين بهم في دية , فهمّوا أن يقتلوه , فنزل ذلك فيه , وهذا قول قتادة , ومجاهد. ثم إن الله تعالى ذكرهم نِعَمَهُ عليهم بخلاص نبيهم بقوله تعالى: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَومٌ أَن يبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ والقول الثاني: أن قريشاً بعثت رجلاً , ليقتل رسول الله ﷺ , فَأَطْلَعَ الله نَبِيَّهُ على ذلك , فنزلت فيها هاتان الآيتان , وهذا قول الحسن. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخْذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾ يعني بإخلاص العبادة لله ولزوم طاعته. ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ أخذ من كل سبط منهم نقيباً , وفى النقيب ثلاثة أقاويل:
стр. 801
أحدها: أنه الضمين , وهو قول الحسن. الثاني: الأمين , وهو قول الربيع. والثالث: الشهيد على قومه , وهو قول قتادة. وأصله فى اللغة: النقيب الواسع , فنقيب القوم هو الذي ينقب أحوالهم. وفيما بعث فيه هؤلاء النقباء قولان: أحدهما: أنهم بُعِثُوا إلى الجبارين , ليقفوا على أحوالهم ورجعوا بذلك إِلى موسى , فرجعوا عن قتالهم , لمَّا رأوا من شدة بأسهم , وعظم خلقهم , إلا اثنين منهم , وهذا قول مجاهد , والسدي. والثاني: أنهم بعثوا لقومهم بما أخذ به ميثاقهم منهم , وهذا قول الحسن.
стр. 802
﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ تأويلان:
стр. 803
أحدهما: يعني نصرتموهم , وهذا قول الحسن , ومجاهد. الثاني: عظمتموهم , وهذا قول أبي عبيدة. وأصله المنع , قال الفراء: عزرته عزراً إذا رددته عن الظلم , ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبح. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقَْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ وتقديره: فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم , و (ما) صلة زايدة. ﴿وَجَعَلْنَا قَلُوبَهُمْ قَاسيَةً﴾ من القسوة وهي الصلابة. وقرأ حمزة والكسائي ﴿قَسِيّةً﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنها أبلغ من قاسية. والثاني: أنها بمعنى قاسية. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ يعني بالتغيير والتبديل , وسوء التأويل. ﴿وَنَسُواْ حَظّاً مِّمََّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ يعني نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ فيه تأويلان. أحدهما: يعني خيانة منهم. والثاني: يعني فرقة خائنة. ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحُ﴾ فيها قولان: أحدهما: أن حكمها ثابت فى الصفح والعفو إذا رآه. والثاني: أنه منسوخ , وفى الذي نسخه قولان: أحدهما: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَومِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وهذا قول قتادة. والثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيهِم عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
стр. 804
﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم
стр. 805
من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: نبوة محمد ﷺ , ورجم الزانين. ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ مما سواه. ﴿قَدْ جَآءَكم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ فى النور تأويلان: أحدهما: محمد ﷺ , وهو قول الزجاج. الثاني: القرآن وهو قول بعض المتأخرين. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبِعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: سبيل الله , لأن الله هو السلام , ومعناه دين الله , وهذا قول الحسن. والثاني: طريق السلامة من المخافة , وهو قول الزجاج. ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ يعني: من الكفر إلى الإِيمان بلطفه. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: طريق الحق وهو دين الله , وهذا قول الحسن. والثاني: طريق الجنة فى الآخرة , وهو قول بعض المتكلمين.
стр. 806
﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق
стр. 807
ما يشاء والله على كل شيء قدير وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللَّهِ وَأَحِبّآؤُهُ﴾ في قولهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه قول جماعة من اليهود حذرهم النبي ﷺ عقاب الله , وخوفهم به , فقالوا لا تخوفنا: ﴿نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ﴾ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن اليهود تزعم أن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بِكْري من الولد , فقالوا , ﴿نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وهذا قول السدي. وقال الحسن: أنهم قالوا ذلك على معنى قرب الولد من والده , وهو القول الثالث. وأما النصارى , ففي قولهم لذلك قولان: أحدهما: لتأويلهم ما في الإِنجيل من قوله: اذهب إلى أبي وأبيكم , فقالوا لأجل ذلك ﴿نَحنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الثاني: لأجل قولهم في المسيح: ابن الله , وهم يرجعون إليه , فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأجباءه , فرد الله منطقهم ذلك بقوله: ﴿ ... فَلِمَ يُعَذّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأن الأب لإِشفاقه لا يعذب ابنه , ولا المحب حبيبه.
стр. 808
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء
стр. 809
وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ﴾ فيهم قولان. أحدهما: أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى. ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم , وهذا قول الحسن. والثاني: لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله , وهذا قول السدي. والثالث: لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم , وهو قول قتادة. والرابع: أنهم جُعِلُوا ملوكاً بالمَنِّ والسَّلْوَى والحَجَر , وهذا قول ابن عباس.
стр. 810
والخامس: أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً , وفهو ملك من سائر الناس , وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص , والحسن , وزيد بن أسلم. وقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له بيت [يأوي إليه وزوجة] وخادم , فهو ملك). ﴿وءَاتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: المن والسلوى والغمام والحجر , وهو قول مجاهد. الثاني: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم. قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الأرْضَ الْمُقدَّسَةَ الَّتِي كتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أرض بيت المقدس , وهذا قول ابن عباس , والسدي. والثاني: دمشق وفلسطين وبعض الأردن , وهذا قول الزجاج. والثالث: هي الشام , وهذا قول قتادة , ومعنى المقدسة: المطهرة. وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وإن قال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم﴾ لأنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرَّمها عليهم بعد معصيتهم. ﴿وَلَا تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ والجبار: هو الذي يَجْبُر الناس على ما يريد إكراههم عليه , ومنه جَبْرُ العظم , لأنه كالإكراه على
следующие страницы →