Полный текст (4 439 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ذلك
стр. 877
أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ... ﴾ في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الشهادة بالحقوق عند الحكام. والثاني: أنها شهادة الحضور للوصية. والثالث: أنها أيمان , ومعنى ذلك أيمان بينكم , فعبر عن اليمين بالشهادة كما قال في أيمان المتلاعنين: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿ ... اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مَِّنكُمْ﴾ تأويلان: أحدهما: يعني من المسلمين , قاله ابن عباس , ومجاهد. والثاني: من حي المُوصِي , قاله الحسن , وسعيد بن المسيب , وعكرمة وفيهما قولان: أحدهما: أنهما شاهدان يشهدان على وصية المُوصِي. والثاني: أنهما وصيان. ﴿أَوْءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: من غير دينكم من أهل الكتاب , قاله ابن عباس , وأبو موسى , وسعيد بن جبير , وإبراهيم , وشريح. والثاني: من غير قبيلتكم وعشيرتكم , قاله الحسن , وعكرمة , والزهري , وعبيدة. وفي ﴿أَوْ﴾ في هذا الموضع قولان: أحدهما: أنها للتخيير في قبول اثنين منا أو آخرين من غيرنا. والثاني: أنها لغير التخيير , وإن معنى الكلام , أو آخران من غيركم إن لم تجدوا , منكم , قاله ابن عباس وشريح , وسعيد بن جبير والسدي. ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني سافرتم.
стр. 878
﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وفي الكلام محذوف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت , وقد أسندتم الوصية إليهما. ثم قال تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ يعني تستوقفونهما للأيمان وهذا خطاب للورثة , وفي هذه الصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: بعد صلاة العصر , قاله شريح , والشعبي , وسعيد بن جبير وقتادة. والثاني: من بعد صلاة الظهر , والعصر , قاله الحسن. والثالث: من بعد صلاة أهل دينهما ومِلَّتِهِمَا من أهل الذمة , قاله ابن عباس , والسدي. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا تَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ معناه فيحلفان بالله إن ارتبتم بهما , وفيهما قولان:
стр. 879
أحدهما: أنهما الوصيان إن ارتبتم بهما في الخيانة أَحْلَفَهُمَا الورثة. والثاني: أنهما الشاهدان إن ارتبتم بهما , ولم تُعْرَفْ عدالتهما , ولا جرحهما , أحلفهما الحاكم ليزول عنه الارتياب بهما , وهذا إنما جوزه قائل هذا القول في السفر دون الحضر. وفي قوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ تأويلان: أحدهما: لا نأخذ عليه رشوة , قاله ابن زيد. والثاني: لا نعتاض عليه بحق. ﴿وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي لا نميل مع ذي القربى في قول الزور , والشهادة بغير حق. ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ يعني عندنا فيما أوجبه علينا. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً﴾ يعني فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا , فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما. وفي الذين: ﴿عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اْسْتَحَقَّا إِثْماً﴾ قولان: أحدهما: أنهما الشاهدان , قاله ابن عباس. والثاني: أنهما الوصيان , قاله سعيد بن جبير. ﴿فَئَاخَرَان﴾ يعني من الورثة. ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ في اليمين , حين ظهرت الخيانة. ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهُمُ الأَوْلَيَانِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: الأوليان بالميت من الورثة , قاله سعيد بن جبير. والثاني: الأوليان بالشهادة من المسلمين , قاله ابن عباس وشريح. وكان سبب نزول هذه الآية ما روى عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء , فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم , فلما قدما بتركته , فقدوا جاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ , ثم وجد الجام بمكة , وقالوا اشتريناه من تميم الداري , وعدي بن بدّاء , فقام رجلان من أولياء السهمي فَحَلَفَا: ﴿لَشَهَادَتُنا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ وأن الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُِوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿واتَّقُواْ اللَّهَ وَاسْمَعُواْ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ثم اختلفوا في حكم هاتي الآيتين هل هو منسوخ أو ثابت. فقال ابن عباس حكمهما منسوخ. قال ابن زيد: لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض. وقال الحسن: حكمهما ثابت غير منسوخ.
стр. 880
﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾
стр. 881
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنآ﴾. في قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنآ﴾ خمسة تأويلات: أحدها: لم يكن ذلك إنكاراً لِمَا علموه ولكن ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم ثم أجابوا بعدما ثابت عقولهم , قاله الحسن , والسدي. والثاني: لا علم لنا إلا ما علمتنا , قاله مجاهد. والثالث: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا , قاله ابن عباس. والرابع: لا علم لنا بما أجاب به أممنا , لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء , وهو مروي عن الحسن أيضاً. والخامس: أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي ماذا عملوا بعدكم ﴿قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَاّمُ الْغُيُوْبِ﴾ قاله ابن جريج. وفي قوله: ﴿عَلَاّمُ الْغُيُوْبِ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه مبالغة. والثاني: أنه لكثير المعلومات. فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعليه جوابان: أحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. والثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم.
стр. 882
﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم
стр. 883
بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... ﴾ وإنما ذكَّر الله عيسى ﵇ نعمته عليه على والدته , وإن كان لهما ذاكراً لأمرين: أحدهما: ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامة ومَيّزَه به من علو المنزلة. والثاني: ليؤكد به حجته ويرد به جاحده. ثم أخذ تعالى في تعديد نعمه فقال: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني قويتك , مأخوذ من الأيد وهو القوة , وروح القدس جبريل , والقدس هو الله تعالى تقدست أسماؤه. وتأييده له من وجهين: أحدهما: تقويته على أمر دينه. والثاني: معونته على دفع ظلم اليهود والكافرين له. ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أما كلامه لهم في المهد إنما اختص بتعريفهم حال نبوته , ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِءَاتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكَاً أَيَنَمَا كُنتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. وكلامه لهم كهلاً دعاؤهم إلى ما أمر الله به من الصلاة والزكاة , وذلك حين صار ابن ثلاثين سنة وإن كان مبعوثاً حين ولد , فمكث فيهم ثلاثين سنة ثم رفعه الله , ولم يبعث الله نبياً حين ولد غيره ولذلك خصه الله بالكلام في المهد صبياً. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُك الكِتَابَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: يريد الخط. والثاني: يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس. ثم فصل فقال تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ وفيها تأويلان: أحدهما: أنها العلم بما في تلك الكتب.
стр. 884
والثاني: أنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه. ثم قال تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ يريد تلاوتهما وتأويلهما. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْرَاً بِإِذنِي﴾ يعني بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾ أي تفعل وتصور من الطين مثل صورة الطير , لأن الخلق فعل لكن على سبيل القصد والتقدير من غير سهو ولا مجازفة ولذلك وُصِفَتْ أفعال الله تعالى بأنها مخلوقة لأنها لا تكون إلا عن قصد وتقدير ووصفت بعض أفعال العباد بأنها مخلوقة إذا كانت مقدرة مقصودة ولم توصف جميعها بهذه الصفة لجواز كون بعضها سهواً أو مجازفة. وقوله تعالى: ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ يعني الروح , والروح جسم. وفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان: أحدهما: أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة الطير. والثاني: أنه جبريل. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ يعني أن الله تعالى يقلبها بعد نفخ الروح فيها لحماً ودماً , ويخلق فيها الحياة , فتصير طيراً بإذن الله تعالى وأمره , لا بفعل المسيح. ثم قال تعالى: ﴿وَتُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ أي تدعوني أن أبرىء الأكمه والأبرص , فأجيب دعاءك وأبرئهما , وهو فعل الله تعالى , وإنما نَسَبَهُ إلى المسيح مجازاً لأن فعله لأجل دعائه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ يعني واذكر نعمتي عليك , إذ تدعوني أن أحيي الموتى , فأجيب دعاءك , حتى تخرجهم من القبور أحياء , ونسب إليه ذلك توسعاً أيضاً لأجل دعائه , ويجوز أن ينسب إخراجهم إليه حقيقة , لأن إخراجهم من قبورهم بعد إحياء الله لهم يجوز أن يكون من فعل المسيح. قال الكلبي: والذين أحياهم من الموتى رجلان وامرأة.
стр. 885
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّيِنَ أَنْءَامِنُوا بِي ... ﴾ في وحيه إلى الحواريين وجهان: أحدهما: معناه أَلْهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي , ويصدقوا أنك رسولي , كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. والثاني: يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك. وفي التذكير بهذه النعمة قولان: أحدهما: أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا , فذكر الله تعالى به عيسى لأنهم أنصاره. الثاني: أنها نعمة على عيسى , لأنه جعل له أنصاراً من الحواريين قد آمنوا به. والحواريون: هم خواص عيسى ﵇ الذين استخلفهم من جملة الناس. ﴿قَالُواءَامَنَّا﴾ يعني بالله تعالى ربك. ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم أشهدوا عيسى ﵇ على إسلامهم بالله تعالى وبه. والثاني: أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم.
стр. 886
﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾
стр. 887
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحوَارِيُّونَ يَا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ , قرأ الكسائي وحده ﴿هل تَّستطيع ربَّك﴾ بالتاء والإِدغام , وربك بالنصب , وفيها وجهان: أحدهما: معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله , قاله الزجاج. والثاني: هل تستطيع أن تسأل ربك , قاله مجاهد , وعائشة. وقرأ الباقون ﴿هل يستطيع ربك﴾ بالياء والإِظهار , وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: هل يقدر ربك , فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى. والثاني: معناه هل يفعل ربك , قاله الحسن , لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم. والثالث: معناه هل يستجيب لك ربك ويطيعك. ﴿أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ قاله السدي , قال قطرب: والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام , فإن لم يكن قيل: خِوان , وفي تسميتها مائدة وجهان: أحدهما: لأنها تميد ما عليها أي تعطي , قال رؤبة:
( ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . ... إلى أمير المؤمنين الممتاد)
أي المستعطي. والثاني: لحركتها بما عليها من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرك , قال الشاعر:
(لعلك باك إن تغنت حمامة ... يميد غصن من الأيك مائل)
﴿قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فيه قولان:
стр. 888
أحدهما: يعني اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به , وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم. والثاني: يعني اتقوا الله فى سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم , إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم. قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ وهذا اعتذار منهم بَيَّنُوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾. يحتمل وجهين:
стр. 889
أحدهما: أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها. والثاني: أنهم أرادوه تبركاً بها لا لحاجة دعتهم إليها , وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبياً. والثاني: تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لك أعواناً. والثالث: تطمئن إلى أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في أنك نبي إلينا , وذلك على الوجه الأول. وعلى الوجه الثاني: صدقتنا في أننا أعوان لك. وعلى الوجه الثالث: أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. وفي قولهم ﴿وَنَعْلَمَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه علم مستحدث لهم بهذه الآية بعد أن لم يكن , وهذا قول من زعم أن السؤال كان قبل استحكام المعرفة. والثاني: أنهم استزادوا بذلك علماً إلى علمهم ويقيناً إلى يقينهم , وهذا قول من زعم أن السؤال كان بعد التصديق والمعرفة. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: من الشاهدين لك عند الله بأنك قد أديت ما بعثك به إلينا. والثاني: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدناه من الآيات الدالة على أنك نبي إليهم وإلينا. قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ إنما زيدت الميم في آخر اللهم مثقلة عوضاً عن حرف النداء , فلم يجز أن يدخل عليه حرف النداء فلا يقال يا اللهم لأن الميم المُعَوِّضة منه أغنت عنه , فأما قول الشاعر:
(وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت يا اللهم)
(أردد علينا شيخنا مسلما ... فإننا من خيره لن نعْدَما)
فلأن ضرورة الشعر جوزته. سأل عيسى ربه , أن ينزل عليهم المائدة التي سألوه , وفي سؤاله وجهان: أحدهما: أنه تفضل عليهم بالسؤال , وهذا قول من زعم أن السؤال بعد استحكام المعرفة. والثاني: أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم , وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة. ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لأوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة والسدي. وقيل: إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية , ولذلك جعلوا الأحد عيداً. والثاني: معناه عائدة من الله تعالى علينا , وبرهاناً لنا ولمن بعدنا. والثالث: يعني نأكل منها جميعاً , أولنا وآخرنا , قاله ابن عباس. ﴿وَءَايَةً مِّنكَ﴾ يعني علامة الإِعجاز الدالة على توحيدك وقيل التي تدل على صدق أنبيائك.
стр. 890
الشكر على ما أنعمت به علينا من إجابتك , وقيل: أرزقنا ذلك من عندك. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وهذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين. واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه , ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه , قاله مجاهد. والثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة , فلما قال لهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَاّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ استعفوا منها فلم تنزل عليهم , قاله الحسن. والثالث: أنهم سألوا فأجابهم , ولم يستعفوا , لأنه ما حكى الاستعفاء عنهم , ثم أنزلها عليهم , لأنه قد وعدهم , ولا يجوز أن يخلف وعده. ومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على ستة أقاويل: أحدها: أنه كان عليها ثمار الجنة , قاله قتادة. والثاني: أنه كان عيها خبز ولحم , قاله عمار بن ياسر. والثالث: أنه كان عليها سبعة أرغفة , قاله إسحاق بن عبد الله. والرابع: كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام , قاله عطاء , وعطية. والخامس: كان عليها كل طعام إلا اللحم , قاله ميسرة. والسادس: رغيفان وحوتان , أكلو منها أربعين يوماً في سفرة , وكانوا ومن معهم نحو خمسة آلاف , قاله جويبر. وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا , فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ. وفي قوله تعالى: ﴿ ... عَذَاباً لَاّأُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ قولان: أحدهما: يعني من عالمي زمانهم.
стр. 891
والثاني: من سائر العالمين كلهم. وفيهم قولان: أحدهما: هو أن يمسخهم قردة , قاله قتادة. والثاني: أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم , فكانوا أعظم كفراً فصاروا أعظم عذاباً. وهل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة؟ قولان: وفي الحواريين قولان: أحدهما: أنهم خواص الأنبياء. والثاني: أنهم المندوبون لحفظ شرائعهم إما بجهاد أو علم. وفي تسميتهم بذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: لبياض ثيابهم , وهذا قول ابن عباس , تشبيهاً بما هم عليه من نقاء سرائرهم , قاله الضحاك , وهو بلغة القبط حواري. والثاني: لنظافة ثيابهم وطهارتها بطهارة قلوبهم. والثالث: بجهادهم عن أنبيائهم , قال الشاعر:
(ونحن أناس نملأ البيد مأمنا ... ونحن حواريون حين نزاحف)
стр. 892
﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
стр. 893
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ... ﴾ الآية. ﴿إِذْ﴾ ها هنا بمعنى (إذا) كما قال أبو النجم:
(ثم جزاك الله عني إذ جزى ... جنات عدن في السموات العلا)
يعني إذا جزى , فأقام الماضي مقام المستقبل وهذا جائز في اللغة كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين: أحدهما: أنه تعالى سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادعى ذلك عليه , ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ والتقريع. والثاني: أنه قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غُيِّرُوا بعده وادعوا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم تتخذ مريم إلهاً , فكيف قال تعالى فيهم ذلك؟ قيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إِلَهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضي بمثابة من ولدته , فصاروا حين لزمهم ذلك كالقائلين له. وفي زمان هذا السؤال قولان: أحدهما: أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا , قاله السدي وميسرة. والثاني: أن الله تعالى يقول له ذلك يوم القيامة , قاله ابن جريج وقتادة وهو أصح القولين. ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ﴾ أي أدعي لنفسي ما ليس من شأنها , يعني أنني مربوب ولست برب , وعابد ولست بمعبود.
стр. 894
وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني: خضوعاً لعزته وخوفاً من سطوته. ثم قال: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فرد ذلك إلى علمه تعالى , وقد كان الله عالماً به أنه لم يقله , ولكن قاله تقريعاً لمن اتخذ عيسى إلهاً. ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فيه وجهان. أحدهما: تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. والثاني: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وفي النفس قولان: أحدهما: أنها عبارة عن الجملة كلها. والثاني: أنها عبارة عن بعضه , كقولهم قتل فلان نفسه. ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عالم السر والعلانية. والثاني: عالم ما كان وما يكون. وفي الفرق بين العالم والعلام وجهان: أحدهما: أن العلام الذي تقدم علمه , والعالم الذي حدث علمه. والثاني: أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون , والعالم الذي يعلم ما كان ولا يعلم ما يكون.
стр. 895
قوله : ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به , ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيباً لمن اتخذ إلهاً معبوداً. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه. قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد. والثاني: أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه. ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيِهِمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: شاهداً عليهم. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الموت. والثاني: أنه رفعه إلى السماء. ﴿ ... الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الحافظ عليهم. والثاني: العالم بهم. ﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: شاهداً لما حضر وغاب. والثاني: شاهداً على من عصى , وأطاع. قوله : ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده. والثاني: أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه.
стр. 896
﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ يعني يوم القيامة , وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام نافعاً , وفي هذا الصدق قولان: أحدهما: أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا عليه من الثواب , فعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في عهودهم. والثاني: أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه. والقول الثاني: أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ. والثاني: صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم , ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة , فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. وهل هم مصروفون عنه قبل موقف العرض؟ على قولين. والله أعلم بالصواب.
стр. 897
سورة الأنعام
стр. 898
﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ ... ﴾ الآية قال وهب بن منبه: فاتحة التوارة فاتحة الأنعام إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ , وخاتمة التوراة خاتمة هود. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر , وذلك أولى
стр. 899
من أن يجيء بلفظ الأمر فيقول احْمِدِ الله , لأمرين: أحدهما: أنه يتضمن تعليم اللفظ والمعنى , وفي الأمر المعنى دون اللفظ. والثاني: أن البرهان إنما يشهد بمعنى الخبر دون الأمر. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَمَوَاتِ والأرضَ﴾ لأن خلق السموات والأرض نِعَمٌ تستوجب الحمد , لأن الأرض تقل , والسماء تظل , وهي من أوائل نعمه على خلقه , ولذلك استحمد بخلقها وأضاف خلقها إلى نفسه عند حمده , على أن مستحق الحمد هو خالق السموات والأرض , ليكون باستحقاق الحمد منفرداً لانفراده بخلق السموات والأرض. وفي جمع السموات وتوحيد الأرض وجهان: أحدهما: لأن السموات أشرف من الأرض , والجمع أبلغ في التفخيم من الوحيد كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلَنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]. والثاني: لأن أوامره إلى الأرض تخترق جميع السماوات السبع. وفي تقديم السموات على الأرض وجهان: أحدهما: لتقدم خلقها على الأرض. والثاني: لشرفها فقدمها على ذكر الأرض وإن كانت مخلوقة بعد الأرض. وهذان الوجهان من اختلاف العلماء أيهما خُلِقَ أولاً. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ يعني وخلق , فغاير بين اللفظ ليكون أحسن في النظم , والمراد بالظلمات والنور هنا ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المشهور من قول قتادة , قدم الظلمة على النور لأنه قدم خلق الظلمة على خلق النور , وجمع الظلمات ووحد النور لأن الظلمات أعم من النور. والثاني: أن الظلمات: الليل , والنور: النهار. والثالث: أن الظلمات: الكفر , والنور: الإِيمان , قاله السدي. ولأصحاب الخواطر , فيه ثلاثة أوجه أُخَر:
стр. 900
أحدها: أن الظلمات: الأجسام , والنور: الأرواح. الثاني: أن الظلمات: أعمال الأبدان , والنور: ضمائر القلوب. والثالث: أن الظلمات: الجهل , والنور: العلم. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي يجعلون له مع هذه النَّعَمْ عِدْلاً , يعني مثلاً. وفيه قولان: أحدهما: أنهم يعدلون به الأصنام التي يعبدونها. والثاني: أنهم يعدلون به إلهاً غيره لم يُخْلَق مثل خلقه. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمَّى عِندَهُ﴾ في هذين الأجلين أربعة أقاويل: أحدها: أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الحياة إلى الموت , والأجل الثاني المسمى عنده أجل الموت إلى البعث , قاله الحسن , وقتادة. الثاني: أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الدنيا , والأجل الثاني المسمى عنه ابتداء الآخرة , قاله ابن عباس , ومجاهد. والثالث: أن الأجل الأول الذي قضاه هو حين أخذ الميثاق على خلقه في ظهر آدم , والأجل الثاني المسمى عنده الحياة في الدنيا , قاله ابن زيد. والرابع: أن الأجل الذي قضاه أجل من مات , والأجل المسمى عنده أجل من يموت بعد , قاله ابن شجرة. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تشكون , والامتراء: الشك. والثاني: تختلفون , مأخوذ من المراء وهو الاختلاف.
стр. 901
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معنى الكلام وهو اله المُدَبِّر في السموات وفي الأرض. ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ أي ما تخفون , وما تعلنون. والثاني: وهو الله المعبود في السموات , وفي الأرض. والثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً , وتقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض , لأن في السموات الملائكة , وفي الأرض الإِنس والجن , قاله الزجاج. ﴿وََيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي ما تعلمون من بعد , ولا يخفى عليه ما كان منكم , ولا ما سيكون , ولا ما أنتم عليه في الحال من سر , وجهر.
стр. 902
﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا
стр. 903
منهم ما كانوا به يستهزؤون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ قوله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ لأن مشركي قريش لما أنكروا نزول القرآن أخبر الله أنه لو أنزله عليهم من السماء لأنكروه وكفروا به لغلبة الفساد عليهم , فقال: ﴿ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ واسم القرطاس لا ينطلق إلا على ما فيه كتابة , فإن لم يكن فيه كتابة قيل طرس ولم يقل قرطاس. قال زهير بن أبي سلمى:
(بها أخاديد من آثار ساكنها ... كما تردد في قرطاسه القلم)
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيِدِيهِمْ﴾ قال ذلك تحقيقاً لنزوله عليهم. ويحتمل بلمس اليد دون رؤية العين ثلاثة أوجه: أحدها: أن نزوله مع الملائكة وهم لا يرون بالأبصار , فلذلك عَبَّر عنه باللمس دون الرؤية. والثاني: لأن الملموس أقرب من المرئي. والثالث: لأن السحر يتخيل في المرئيات , ولا يتخيل في الملموسات. ﴿لَقَالَ الََّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ تكذيباً لليقين بالعناد , والمبين: ما دل على بيان بنفسه , والبيِّن: ما دل على بيانه , فكان المبين أقوى من البيِّن. قوله : ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي ملك يشهد بتصديقه ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي لو أنزلنا ملكاً فلم يؤمنوا لقضي الأمر وفيه تأويلان: أحدهما: لقضي عليهم بعذاب الاستئصال , قاله الحسن , وقتادة , لأن الأمم السالفة كانوا إذا اقترحوا على أنبيائهم الآيات فأجابهم الله تعالى إلى الإِظهار فلم يؤمنوا استأصلهم بالعذاب. والثاني: أن معنى لقضي الأمر لقامت الساعة , قاله ابن عباس.
стр. 904
﴿ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ أي لا يُمْهَلُون ولا يُؤَخَّرون , يعني عن عذاب الاستئصال. على التأويل الأول , وعن قيام الساعة على التأويل الثاني. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ يعني ولو جعلنا معه ملكاً يدل على صدقه لجعلناه في صورة رجل. وفي وجوب جعله رجلاً وجهان: أحدهما: لأن الملائكة أجسامهم رقيقة لا تُرَى , فاقتضى أن يُجْعَل رجلاً لكثافة جسمه حتى يرى. والثاني: أنهم لا يستطيعون أن يروا الملائكة على صورهم , وإذا كان في صورة الرجل لم يعلموا ملك هو أو غير ملك. ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه ولخلطنا عليهم ما يخلطون , قاله الكلبي. والثاني: لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم , قال الزجاج: كما يشبهون على ضعفائهم واللبس في كلامهم هو الشك ومنه قول الخنساء:
(أصدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه بشك مثل ما لبسا)
والثالث: وللبسنا على الملائكة من الثبات ما يلبسه الناس من ثيابهم , ليكونوا على صورهم وعلى زِيِّهم , قاله جويبر. قوله تعالى: ﴿ ... كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوجبها ربكم على نفسه , وفيها أربعة أوجه: أحدها: أنها تعريض خلقه لما أمرهم به من عبادته التي تفضي بهم إلى جنته. والثاني: ما أراهم من الآيات الدالة على وجوب طاعته.
стр. 905
والثالث: إمهالهم عن معالجة العذاب واستئصالهم بالانتقام. والرابع: قبوله توبة العاصي والعفو عن عقوبته. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا توعد منه بالعبث والجزا أَخَرجَه مَخْرَج القسم تحقيقاً للوعد والوعيد , ثم أكده بقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
стр. 906
﴿قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ من أجسام الحيوان , لأن من الحيوان ما يسكن ليلاً , ومنه ما يسكن نهاراً. فإن قيل: فلم قال ﴿مَا سَكَنَ﴾ ولم يقل ما تحرك؟ قيل لأمرين: أحدهما: أن ما يَعُمُّه السكون أكثر مما يَعُمُّه الحركة. والثاني: لأن كل متحرك لا بد أن تنحل حركته سكوناً , فصار كل متحرك ساكناً , وقد قال الكلبي: معناه وله ما استقر في الليل والنهار , وهما الزمان كله , لأنه لا زمان إلا ليل أو نهار , ولا فصل بينهما يخرج عن واحد منهما. قوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيَّاً﴾ يعني إلهاً يَتَولَاّنِي. ﴿فَاطِر السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي خالق السموات والأرض ومبتدئها , قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر , فقال
стр. 907
أحدهما لصاحبه: أنا فَطَرْتُهَا , أي ابتدأتها , وأصل الفطر الشق , ومنه ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أي شقوق. ﴿وَهُوَ يَطْعمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ معناه يَرْزُقُ ولا يُرْزَق , قرأ بعضهم ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ﴾ معناه على هذه القراءة: وهو يطعم خلقه ولا يأكل. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ يعني من أمته , وفي إسلامه هذا ثلاثة أوجه: أحدها: استسلامه لأمر الله , ومثله قول الشاعر:
(طال النهار على من لقاح له ... إلا الهديّة أو ترك بإسلام)
أي باستسلام. والثاني: هو دخوله في سِلْمِ الله وخروجه من عداوته. والثالث: دخوله في دين إبراهيم كقوله تعالى: ﴿مِلَّهَءَابِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] ويكون المراد به أول من أَسْلَم من قريش , وقيل: من أهل مكة. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يحتمل أن يكون هذا خطاباً من الله لنبيه يَنْهَاهُ به عن الشرك , ويُحْتَمَل أن يكون المراد به جميع أمته , وإن توجه الخطاب إليه.
стр. 908
﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين
стр. 909
خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه إن أَلْحَقَ الله بك ضُراً , لأن المس لا يجوز على الله. والثاني: معناه وإن جعل الضُرَّ يمسك. وكذلك قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾. وفي الضُرِّ والخير وجهان: أحدهما: أن الضُرَّ السُقْمُ , والخير العافية. والثاني: أن الضُرَّ الفقر , والخير الغنى. قوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن معناه القاهر لعباده , وفوق صلة زائدة. والثاني: أنه بقهره لعباده مستعلٍ عليهم , فكان قوله فوق مستعملاً على حقيقته كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِم﴾ [الفتح: ١٠] لأنها أعلى قوة. ويحتمل ثالثاً: وهو القاهر فوق قهر عباده , لأن قهره فوق كل قهر. وفي هذا القهر وجهان: أحدهما: أنه إيجاد المعدوم.
стр. 910
والثاني: أنه لا راد لأقداره ولا صَادَّ عن اختياره. قوله : ﴿قَلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الآية , في سبب [نزول] ذلك قولان: أحدهما: أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : من يشهد لك النبوة , فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمره فيها أن يقول لهم: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ , ثم أجابه عن ذلك فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يعني: بصدقي وصحة نبوتي وهي أكبر الشهادات , قاله الحسن. والثاني: أن الله تعالى أمره أن يشهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم فقال ذلك ليشهده عليهم. ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لأنذركم [يا] أهل مكة ومن بلغه القرآن من غير أهل مكة. والثاني: لأنذركم به: [أيها] العربُ ومن بُلِّغ من العَجَم. قوله : ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه التوراة والإِنجيل , قاله الحسن , وقتادة , والسدي , وابن جريج. والثاني: أنه القرآن. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنآءَهُم﴾ فيه قولان: أحدهما: يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم , لأن صفته موجودة في كتابهم , قاله الحسن , وقتادة , ومن زعم أن الكتاب هو التوراة والإِنجيل.
стр. 911
والثاني: يعرفون الكتاب الدال على صفته , وصدقه , وصحة نبوته , وهذا قول من زعم أن الكتاب هو القرآن. وعنى بقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ تثبيتاً لصحة المعرفة. وحكى الكلبي والفراء: أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما هذه المعرفة التي تعرفون بها محمداً ﷺ كما تعرفون أبناءكم؟ قال: والله لأنا به إذا رأيته أعرف مني بابني وهو يلعب مع الصبيان , لأني لا أشك أنه محمد , وأشهد أنه حق , ولست أدري ما صنع النساء في الابن. ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة , لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج , فإن أسلموا كانت لهم , وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم , وهو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] , قاله الفراء. والثاني: معناه غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب , ومنه قول الأعشى:
(لا يأخذ الرِّشْوَة في حُكْمِهِ ... ولا يُبالي خُسْرَ الخاسر)
стр. 912
﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم
стр. 913
أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فَتْنَتُهُمْ ... ﴾ الآية. في الفتنة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني معذرتهم , فسماها فتنة لحدوثها عن الفتنة , قاله قتادة. والثاني: عاقبة فتنتهم وهو شركهم. والثالث: يعني بَلِيَّتُهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة , قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ تبدأوا بذلك من شركهم , فإن قيل: كيف كذبوا في الآخرة بجحود الشرك ولا يصح منهم الكذب في الآخرة لأمرين: أحدهما: أنه لا ينفعهم. والثاني: أنهم مصروفون عن القبائح ملجؤون إلى تركها لإِزالة التكليف عنهم , ولو لم يلجؤوا إلى ترك القبيح ويصرفوا عنه مع كما عقولهم وجب تكليفهم ليقلعوا به عن القبيح , وفي عدم تكليفهم دليل على إلجائهم إلى تركه. قيل: عن ذلك جوابان. أحدهما: أن قولهم ﴿وَاللَّهِ رَبِّنآ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب , وإن ظهر لنا خطؤه الآن , فلم يكن ذلك منهم كذباً , قاله قطرب. والثاني: أن الآخرة مواطن , فموطن لا يعلمون ذلك فيه ولا يضطرون إليه , وموطن يعلمون ذلك فيه ويضطرون إليه , فقالوا ذلك في الموطن الأول , قاله بعض متأخري المتكلمين.
стр. 914
وهذا ليس بصحيح لأنه يقتضي أن يكونوا في الموطن الأول مكلفين لعدم الإِلجاء والاضطرار , وفي الموطن الثاني غير مكلفين. وقد يعتل الجواب الأول بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ فأخبر عنهم بالكذب , وهم على الجواب الأول غير كاذبين. وقد أُجِيب عن هذا الاعتراض بجواب ثالث , وهو أنهم أنكروا بألسنتهم , فلما نطقت جوارحهم أقروا , وفي هذا الجواب دخل لأنه قد كذبوا نُطْقَ الجوارح. ﴿وَضَلَّ عَنهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بسوء كذبهم وجحودهم. والثاني: فضلت عنهم أوثانهم التي افتروا على الله بعبادتها , والافتراء: تحسين الكذب. قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ قيل إنهم كانوا يستمعون في الليل قراءة النبي ﷺ في صلاته. وفيه وجهان: أحدهما: يستمعون قراءته ليردوا عليه. والثاني: ليعلموا مكانه فيؤذوه , فصرفهم الله عن سماعه , بإلقاء النوم عليهم , بأن جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. والأكنة الأغطية واحدها كِنان , يقال: كَنَتْتُ الشيء إذا غطيته , وأكننته في نفسي إذا أخفيته , وفي قراءة علي , وابن مسعود: على أعينهم غطاء. ﴿وَفِيءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ والوقر: الثقل , ومنه الوَقَار إذا ثقل في المجلس. ﴿وَإِن يَرَوْاْ كَلَّءَايَةٍ لَاّ يُؤْمِنُواْ بها﴾ يعني بالآية علامة الإعجاز لما قد استحكم في أنفسهم من حسده وبغضه , وذلك صرفهم عن سماع القرآن , لأنهم قصدوا بسماعه الأذى والافتراء. ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ
стр. 915
الأَوَّلِينَ﴾ فيما كانوا يجادلون به النبي ﷺ قولان: أحدهما: أنهم كانوا يجادلونه بما ذكره الله تعالى من قوله عنهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ , قال الحسن. والثاني: هو قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تاكلون ما قتل ربكم , قاله ابن عباس. ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها في كتبهم , وقيل: إن جادلهم بهذا النضر بن الحارث. قوله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يَنْهَون عن اتباع محمد ﷺ , ويتباعدون عنه فراراً منه , قاله محمد ابن الحنفية , والحسن , والسدي. والثاني: يَنْهَون عن القرآن أن يُعْمَل بما فيه , ويتباعدون من سماعه كيلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته , قاله مجاهد , وقتادة. والثالث: ينهون عن أذى محمد ﷺ , ويتباعدون عن اتباعه , قال ابن عباس: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أذى محمد ﷺ , ويتباعد عما جاء به , فلا يؤمن به مع وضوح صدقه في نفسه. واستشهد مقاتل بما دل على ذلك عن شعر أبي طالب بقوله:
(ودعوتني وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي ... فلقَدْ صَدَقْت وكُنْتَ ثَمَّ أميناً)
(وعرضتَ ديناً قد علِمْتُ بأنه ... من خيْرِ أَدْيانِ البَرِيةِ دِيناً)
следующие страницы →