Полный текст (4 439 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
والثاني: يعرفون الكتاب الدال على صفته , وصدقه , وصحة نبوته , وهذا قول من زعم أن الكتاب هو القرآن. وعنى بقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ تثبيتاً لصحة المعرفة. وحكى الكلبي والفراء: أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما هذه المعرفة التي تعرفون بها محمداً ﷺ كما تعرفون أبناءكم؟ قال: والله لأنا به إذا رأيته أعرف مني بابني وهو يلعب مع الصبيان , لأني لا أشك أنه محمد , وأشهد أنه حق , ولست أدري ما صنع النساء في الابن. ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة , لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج , فإن أسلموا كانت لهم , وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم , وهو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] , قاله الفراء. والثاني: معناه غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب , ومنه قول الأعشى:
(لا يأخذ الرِّشْوَة في حُكْمِهِ ... ولا يُبالي خُسْرَ الخاسر)
стр. 912
﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم
стр. 913
أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فَتْنَتُهُمْ ... ﴾ الآية. في الفتنة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني معذرتهم , فسماها فتنة لحدوثها عن الفتنة , قاله قتادة. والثاني: عاقبة فتنتهم وهو شركهم. والثالث: يعني بَلِيَّتُهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة , قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ تبدأوا بذلك من شركهم , فإن قيل: كيف كذبوا في الآخرة بجحود الشرك ولا يصح منهم الكذب في الآخرة لأمرين: أحدهما: أنه لا ينفعهم. والثاني: أنهم مصروفون عن القبائح ملجؤون إلى تركها لإِزالة التكليف عنهم , ولو لم يلجؤوا إلى ترك القبيح ويصرفوا عنه مع كما عقولهم وجب تكليفهم ليقلعوا به عن القبيح , وفي عدم تكليفهم دليل على إلجائهم إلى تركه. قيل: عن ذلك جوابان. أحدهما: أن قولهم ﴿وَاللَّهِ رَبِّنآ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب , وإن ظهر لنا خطؤه الآن , فلم يكن ذلك منهم كذباً , قاله قطرب. والثاني: أن الآخرة مواطن , فموطن لا يعلمون ذلك فيه ولا يضطرون إليه , وموطن يعلمون ذلك فيه ويضطرون إليه , فقالوا ذلك في الموطن الأول , قاله بعض متأخري المتكلمين.
стр. 914
وهذا ليس بصحيح لأنه يقتضي أن يكونوا في الموطن الأول مكلفين لعدم الإِلجاء والاضطرار , وفي الموطن الثاني غير مكلفين. وقد يعتل الجواب الأول بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ فأخبر عنهم بالكذب , وهم على الجواب الأول غير كاذبين. وقد أُجِيب عن هذا الاعتراض بجواب ثالث , وهو أنهم أنكروا بألسنتهم , فلما نطقت جوارحهم أقروا , وفي هذا الجواب دخل لأنه قد كذبوا نُطْقَ الجوارح. ﴿وَضَلَّ عَنهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بسوء كذبهم وجحودهم. والثاني: فضلت عنهم أوثانهم التي افتروا على الله بعبادتها , والافتراء: تحسين الكذب. قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ قيل إنهم كانوا يستمعون في الليل قراءة النبي ﷺ في صلاته. وفيه وجهان: أحدهما: يستمعون قراءته ليردوا عليه. والثاني: ليعلموا مكانه فيؤذوه , فصرفهم الله عن سماعه , بإلقاء النوم عليهم , بأن جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. والأكنة الأغطية واحدها كِنان , يقال: كَنَتْتُ الشيء إذا غطيته , وأكننته في نفسي إذا أخفيته , وفي قراءة علي , وابن مسعود: على أعينهم غطاء. ﴿وَفِيءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ والوقر: الثقل , ومنه الوَقَار إذا ثقل في المجلس. ﴿وَإِن يَرَوْاْ كَلَّءَايَةٍ لَاّ يُؤْمِنُواْ بها﴾ يعني بالآية علامة الإعجاز لما قد استحكم في أنفسهم من حسده وبغضه , وذلك صرفهم عن سماع القرآن , لأنهم قصدوا بسماعه الأذى والافتراء. ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ
стр. 915
الأَوَّلِينَ﴾ فيما كانوا يجادلون به النبي ﷺ قولان: أحدهما: أنهم كانوا يجادلونه بما ذكره الله تعالى من قوله عنهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ , قال الحسن. والثاني: هو قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تاكلون ما قتل ربكم , قاله ابن عباس. ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها في كتبهم , وقيل: إن جادلهم بهذا النضر بن الحارث. قوله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يَنْهَون عن اتباع محمد ﷺ , ويتباعدون عنه فراراً منه , قاله محمد ابن الحنفية , والحسن , والسدي. والثاني: يَنْهَون عن القرآن أن يُعْمَل بما فيه , ويتباعدون من سماعه كيلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته , قاله مجاهد , وقتادة. والثالث: ينهون عن أذى محمد ﷺ , ويتباعدون عن اتباعه , قال ابن عباس: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أذى محمد ﷺ , ويتباعد عما جاء به , فلا يؤمن به مع وضوح صدقه في نفسه. واستشهد مقاتل بما دل على ذلك عن شعر أبي طالب بقوله:
(ودعوتني وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي ... فلقَدْ صَدَقْت وكُنْتَ ثَمَّ أميناً)
(وعرضتَ ديناً قد علِمْتُ بأنه ... من خيْرِ أَدْيانِ البَرِيةِ دِيناً)
стр. 916
(لولا الذَّمَامَةُ أو أُحَاذِرُ سُبَّةً ... لَوَجَدْتَني سَمْحاً بذالك مُبِيناً)
(فاذهب لأمرك ما عليك غَضَاضَةٌ ... وابشِرْ بذاك وقَرَّ مِنَكَ عيوناً)
(والله لن يَصِلُوا إيك بِجَمْعِهم ... حتى أُوسَّدَ في التُّرابِ دَفِيناً)
فنزلت هذه الآية , فقرأها عليه النبي ﷺ , فقال له أبو طالب: أما أن أدخل في دينك فلا , قال ابن عباس: لسابق القضاء في اللوح المحفوظ , وبه قال عطاء , والقاسم.
стр. 917
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عاينوها , ومن عاين الشيء فقد وقف عليه. والثاني: أنها كانت من تحتهم وهم فوقها , فصاروا وقوفاً عليها. والثالث: أنهم عرفوها بالدخول فيها , ومن عرف الشيء فقد وقف عليه. وذكر الكلبي وجهاً رابعاً: أن معناه ولو ترى إذ حُبِسُوا على النار. ﴿فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِأَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تمنوا الرد إلى الدنيا التي هي دار التكليف ليؤمنوا ويصدقوا , والتمني لا يدخله صدق ولا كذب , لأنه ليس بخبر.
стр. 918
ثم قال تعالى: ﴿بلْ بَدَالَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بدا لهم وبال ما كانوا يخفون. والثاني: بدا لهم ما كان يخفيه بعضهم عن بعض , قاله الحسن. والثالث: بدا للأتباع مما كان يخفيه الرؤساء. ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ يعني ولو ردوا إلى ما تمنوا من الدنيا لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه خبر مستأنف أخبر الله به عن كذبهم لا أنه عائد إلى ما تقدم من تمنّيهم , لعدم الصدق والكذب في التمنِّي. والثاني: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبونَ﴾ يعني في الإِخبار عن أنفسهم بالإِيمان إِن رُدُّوا.
стр. 919
﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ قوله : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلَاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو , فأما عمل الصالحات فيها فهو من عمل الآخرة , فخرج من أن يكون لعباً ولهواً.
стр. 920
والثاني: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو لاشتغالهم بها عما هو أولى منها , قاله الحسن. والثالث: أنهم كأهل اللعب واللهو لانقطاع لذاتهم وقصور مدتهم , وأهل الآخرة بخلافهم لبقاء مدتهم واتصال لذتهم , وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الأخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لأنه قَدْ دام لهم فيها ما كان منقطعاً في غيرها. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن ذلك خير لكم. وذكر بعض الخاطرية قولاً رابعاً: أنها لعب لمن جمعها , لهو لمن يرثها.
стр. 921
﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون﴾ قوله : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ يعني من التكذيب. لك , والكفر بي. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكّذَّبونَكَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: فإنهم لا يكذبونك بحجة , وإنما هو تكذيب بهت وعناد , فلا يحزنك , فإنه لا يضرك , قاله أبو صالح , وقتادة , والسدي. والثاني: فإنهم لا يكذبون قولك لعلمهم بصدقك , ولكن يكذبون ما جئت به , قاله ناجية بن كعب. والثالث: لا يكذبونك في السر لعلمهم بصدقك , ولكنهم يكذبونك في العلانية لعداوتهم لك , قاله الكلبي.
стр. 922
والرابع: معناه أن تكذيبهم لقولك ليس بتكذيب لك , لأنك رسول مُبَلّغ , وإنما هو تكذيب لآياتي الدالة على صدقك والموجبة لقبول قولك , وقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بئَأَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي يكذبون. وقرأ نافع والكسائي: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ وهي قراءة عن النبي ﷺ وتأويلها: لا يجدونك كاذباً. قوله : ﴿ ... وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ يحتمل أربعة تأويلات: أحدها: معناه لا مُبطِل لحُجَّتِهِ ولا دافع لبرهانه. والثاني: معناه لا رَادَّ لأمره فيما قضاه من نصر أوليائه , وأوجبه من هلاك أعدائه. والثالث: معناه لا تكذيب لخبره فيما حكاه من نصر مَنْ نُصِرَ وهلاك مَنْ أُهْلِكَ. والرابع: معناه لا يشتبه ما تخرّصه الكاذبون عليه بما بلَّغه الأنبياء عنه. ﴿وَلَقْدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما صبروا عليه من الأذى , وقُوبلوا عليه من النصر. قوله : ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: [إعراضهم] عن سماع القرآن. والثاني: عن استماعك. ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ﴾ أي سرباً , وهو المسلك فيها , مأخوذ من نافقاء اليربوع. ﴿أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
стр. 923
أحدها: مصعداً , قاله السدي. والثاني: دَرَجاً , قاله قتادة. والثالث: سبباً , قاله الكلبي وقد تضمن ذلك قول كعب بن زهير.
(ولا لَكُمَا مَنْجىً عَلَى الأرْضِ فَابْغِيَا ... به نَفَقاً أوْ في السَّمَوَات سُلَّماً)
﴿فَتَأْتِيَهُم بئَايَةٍ﴾ يعني أفضل من آيتك ولن تستطيع ذلك , لم يؤمنوا لك , فلا يحزنك تكذيبهم وكفرهم , قال الفراء: وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره: فتأتيهم بآية فافعل. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ يعني بالإلجاء والاضطرار. قال ابن عباس: كل موضع قال الله فيه ﴿ولو شاءَ اللهُ﴾ فإنه لم يشأ. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ يعني تجزع في مواطن الصبر , فتصير بالأسف والتحسر مقارباً لأحوال الجاهلين. قوله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الاستجابة هي القبول , والفرق بينها وبين الجواب: أن الجواب قد يكون قبولاً وغير قبول. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني الذين يعقلون , قاله الكلبي. والثاني: الذين يسمعون طلباً للحق , لأن الاستجابة قد تكون من الذين يسمعون طلباً للحق , فأما من لا يسمع , أو يسمع لكن لا بقصد طلب الحق , فلا يكون منه استجابة. ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المراد بالموتى هنا الكفار , قاله الحسن , وقتادة ومجاهد.
стр. 924
ويكون معنى الكلام: إنما يستجيب المؤمنون الذين يسمعون , والكفار لا يسمعون إلا عند معاينة الحق اضطراراً حين لا ينفعهم حتى يبعثم الله كفاراً ثم يحشرون كفاراً. والقول الثاني: أنهم الموتى الذين فقدوا الحياة , وهو مثل ضربه الله تعالى لنبيه ﷺ , ويكون معنى الكلام: كما أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله فكذلك الذين لا يسمعون.
стр. 925
﴿وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ قوله : ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ يعني آية تكون دليلاً على صدقه وصحة نبوته. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَءَايَةً﴾ يعني آية يجابون بها إلى ما سألوا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية. الثاني: لا يعلمون أن زيادة الآيات إذا لم يؤمنوا بها , توجب الزيادة من عذابهم , لكثرة تكذيبهم. فإن قيل: فهذه الآية لا تدل على أن الله لم ينزل عليهم آية تقودهم إلى التصديق فلم يلزمهم الإِيمان , قيل: هذا خطأ , لأن ما أظهره الله من الآيات
стр. 926
الدالة على صدق رسوله وصحة نبوته , أظهر من أن يُخْفَى , وأكثر من أن ينكر , وأن القرآن مع عجز من تحداهم الله من الآيات بمثله , وما تضمنه من أخبار الغيوب وصدق خبره عما كان ويكون أبلغ الآيات وأظهر المعجزات. وإنما اقترحوا آية سألوها إعناتاً , فلم يجابوا مع قدرة الله تعالى على إنزالها , لأنه لو أجابهم إليها لاقترحوا غيرها إلى ما لا نهاية له , حتى ينقطع الرسول بإظهار الآيات عن تبليغ الرسالة. وإنما يلزمه إظهار الآيات في موضعين: أحدهما: عند بعثه رسولاً ليكون مع استدعائه لهم دليل على صدقه. والثاني: أن يسألها من يعلم الله منه أنه إن أظهرها له آمن به , وليس يلزمه إظهارها في غير هذين الموضعين. قوله : ﴿وَمَا من دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ دابة بمعنى ما يدب على الأرض من حيوان كله. ﴿وَلَا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ يعني في الهواء , جميع بين ما هو على الأرض وفيها وما ارتفع عنها. ﴿إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ في الأمم تأويلان: أحدهما: أنها الجماعات. والثاني: أنها الأجناس , قاله الفراء. وليس يريد بقوله: ﴿أَمْثَالُكُم﴾ في التكليف كما جعل قوم اشتبه الظاهر عليهم وتعلقوا مع اشتباه الظاهر برواية أبي ذر , قال: انتطحت شاتان عند النبي ﷺ , فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا , قال: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا) قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علماً , لأنه إذا كان العقل سبباً للتكليف كان عدمه لارتفاع التكليف.
стр. 927
والمراد بقوله: ﴿أَمْثَالُكُم﴾ وجهان: أحدهما: أنها أجناس وتتميز في الصور والأسماء. والثاني: أنها مخلوقة لا تُظْلَم , ومرزوقة لا تُحْرَم. ثم قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما تركنا خلقاً إلا أوجبنا له أجلاً , والكتاب هنا هو إيجاب الأجل كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] قاله ابن بحر وأنشد لنابغة بني جعدة:
(بلغو الملوك وأدركوا ال ... كتاب وانتهى الأجل)
والتأويل الثاني: وهو قول الجمهور: أن الكتاب هو القرآن الكريم الذي أنزله , ما أخل فيه بشيء من أمور الدين , إما مُفَصَّلاً يَسْتَغْنِي عن التفسير , أو مجْمَلاً جعل إلى تفسيره سبيلاً. يحتمل تأويلاً ثالثاً: ما فرطنا فيه بدخول خلل عليه , أو وجود نقص فيه , فكتاب الله سليم من النقص والخلل. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرْونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد بالحشر الموت , قاله ابن عباس. والثاني: أن الحشر الجمع لبعث الساعة. فإن قيل: فإذا كانت غير مُكَلَّفَةٍ فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل: ليس التكليف علة البعث , لأن الأطفال والمجانين يبعثون وإن كانوا في الدنيا غير مكلفين , وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم , ثم
стр. 928
يجعل ما يشاء منها تراباً , وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه ورؤيته.
стр. 929
﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكَّرُوا بِهِ﴾ معنى ذلك أنهم تركوا ما ذَكَّرَهُم الله من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله. ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني من نِعَمِ الدنيا وسَعَة الرزق. وفي إنعامه عليهم مع كفرهم وجهان: أحدهما: ليكون إنعامه عليهم داعياً إلى إيمانهم. والثاني: ليكون استدراجاً وبلوى , وقد روى ابن لهيعة بإسناده عن عقبة ابن عامر أن النبي ﷺ قال: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّه يعِطي العِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى
стр. 930
مَعَاصِيهِم إِيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ) ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ﴾ يعني من النِّعَمْ فلم يؤمنوا. ﴿أَخَذَنَاهُم بَغْتَةً﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: أنه تعجيل العذاب المُهْلِك جزاء لأمرين. أحدهما: لكفرهم به. والثاني: لكفرهم بنِعَمِهِ. والوجه الثاني: هو سرعة الموت عند الغفلة عنه بالنِّعَمِ قَطْعاً للذة , وتعذيباً للحسرة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ وفيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الإِبلاس: الإِياس قال عدي بن زيد:
(ملك إذا حل العفاة ببابه ... غبطوا وأنجح منهم المستبلس)
يعني الآيس. والثاني: أنه الحزن والندم. والثالث: الخشوع. والرابع: الخذلان. والخامس: السكوت وانقطاع الحجة , ومنه قول العجاج:
(يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً ... قال نعم أعرفه وأبلسا)
стр. 931
﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون
стр. 932
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم﴾ قوله : ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزآئِنُ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الرزق , أي لا أقدر على إغناء فقير , ولا إفقار غني , قاله الكلبي. والثاني: مفاتيح خزائن العذاب لأنه خَوَّفهُم منه , فقالوا متى يكون هذا؟ قاله مقاتل. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: علم الغيب في نزول العذاب عليهم متى يكون؟ , قاله مقاتل. والثاني: علم جميع ما غاب من ماض ومستقبل , إلا أن المستقبل لا
стр. 933
يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله تعالى على علمه من أنبيائه , وأما الماضي فقد يعلمه المخلوقون من أحد الوجهين: إما من معاينة أو خبر , فإن كان الإِخبار عن مستقبل , فهو من آيات الله المعجزة , وإن كان عن ماض فإن علم به غير المخبر والمخبر لم يكن معجزاً , وإن لم يعلم به أحد وعلم به المخبِر وحده كان معجزاً , فنفى رسول الله ﷺ عن نفسه علم الغيب , لأنه لا يعلمه غير الله تعالى , وإن ما أخبر به من غيب فهو عن الله ووحيه. ﴿َوَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه يريد أنه لا يقدر على ما يعجز عنه العباد , وإن قدرت عليه الملائكة. والثاني: أنه يريد بذلك أنه من جملة البشر وليس بمَلَك , لينفي عن نفسه غُلُوَّ النصارى في المسيح وقولهم: إنه ابن الله. ثم في نفيه أن يكون ملكاً وجهان: أحدهما: أنه بَيَّنَ بذلك فضل الملائكة على الأنبياء , لأنه دفع عن نفسه منزلة ليست له. والثاني: أنه أراد إني لست ملكاً في السماء , فأعلم غيب السماء الذي تشاهده الملائكة ويغيب عن البشر , وإن كان الأنبياء أفضل من الملائكة مع غيبهم عما تشاهده الملائكة. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن أخبركم إلا بما أخبرني الله به.
стр. 934
والثاني: أن أفعل إلا ما أمرني الله به. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الجاهل والعالم. والثاني: الكافر والمؤمن. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فيما ضربه الله من مثل الأعمى والبصير. الثاني: فيما بينه من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله. قوله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِّي﴾. روي أن سبب نزول هذه الآية أن الملأ من قريش أتوا النبي ﷺ وعنده جماعة من ضعفاء المسلمين مثل بلال , وعمار , وصهيب , وخباب بن الأرت , وابن مسعود , فقالوا: يا محمد اطرد عنا موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا , فلعلك إن طردتهم نتبعك , فقال عمر: لو فعلت ذلك حتى نعلم ما الذي يريدون وإِلَامَ يصيرون , فَهَمَّ رسول الله ﷺ بذلك حتى نزلت هذه الآية. ونزل في الملأ من قريش ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ الآية , فأقبل عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله فيه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمَنُونَ بِئَأَيَاتِنا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ أربعة تأويلات: أحدها: أنها الصلوات الخمس , قاله ابن عباس , ومجاهد. والثاني: أنه ذكر الله , قاله إبراهيم النخعي. والثالث: تعظيم القرآن , قاله أبو جعفر.
стр. 935
والرابع: أنه عبادة الله , قاله الضحاك. ومعنى قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يريدون بدعائهم , لأن العرب تذكر وجه الشيء إرادة له مثل قولهم: هذا وجه الصواب تفخيماً للأمر وتعظيماً. والثاني: معناه يريدون طاعته لقصدهم الوجه الذي وجَّهَهُم إليه. ﴿مَا عَلَيكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ فيه ثلاث أقوال: أحدها: يعني ما عليك من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب. ﴿وَمَا مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ﴾ يعني وما من حساب عملك عليهم من شيء , لأن كل أحد مؤاخذ بحساب عمله دون غير , قاله الحسن. والثاني: معناه ما عليك من حساب رزقهم وفقرهم من شيء. والثالث: ما عليك كفايتهم ولا عليهم كفايتك , والحساب الكفاية كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣٦] أي تاماً كافياً , قاله ابن بحر. قوله : ﴿وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ يعني لاختلافهم في الأرزاق , والأخلاق , والأحوال. وفي إفتان الله تعالى لهم قولان: أحدهما: أنه ابتلاؤهم واختبارهم ليختبر به شكر الأغنياء وصبر الفقراء , قاله الحسن , وقتادة. والثاني: تكليف ما يشق على النفس مع قدرتها عليه. ﴿لَّيَقُولُواْ أَهَؤُلآءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ وهذا قول الملأ من قريش
стр. 936
للضعفاء من المؤمنين , وفيما مَنَّ الله تعالى به عليهم قولان: أحدهما: ما تفضل الله به عليهم من اللطف في إيمانهم. والثاني: ما ذكره من شكرهم على طاعته. قوله : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بئَأَيَاتِنَا﴾ يعني به ضعفاء المسلمين وما كان من شأن عمر. ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم من الله تعالى , قاله الحسن. والثاني: أنه أمر بالسلام عليهم من نفسه تكرمة لهم , قاله بعض المتأخرين. وفي السلام قولان: أحدهما: أنه جمع السلامة. والثاني: أنه السلام هو الله ومعناه ذو السلام. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه أوجب الله على نفسه. والثاني: كتب في اللوح المحفوظ على نفسه. و ﴿الرَّحْمَةَ﴾ يحتمل المراد بها هنا وجهين: أحدهما: المعونة. والثاني: العفو. ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءَاً بِجَهَالَةٍ﴾ في الجهالة تأويلان:
стр. 937
أحدهما: الخطيئة , قاله الحسن , ومجاهد , والضحاك. والثاني: ما جهل كراهية عاقبته , قاله الزجاج. ويحتمل ثالثاً: أن الجهالة هنا ارتكاب الشبهة بسوء التأويل. ﴿ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ يعني تاب من عمله الماضي وأصلح في المستقبل.
стр. 938
﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ قوله : ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي﴾ في البينة هنا قولان: أحدهما: الحق الذي بان له. والثاني: المُعْجِزُ في القرآن. ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وكذبتم بالبينة. والثاني: وكذبتم بربكم.
стр. 939
﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: ما يستعجلون به من العذاب الذي أُوعِدُوا به قبل وقته , كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ , قاله الحسن. والثاني: ما استعجلوه من اقتراح الآيات لأنه طلب الشيء فى غير وقته , قاله الزجاج. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: الحكم في الثواب والعقاب. والثاني: الحكم في تمييز الحق من الباطل. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ﴿يَقُصُّ﴾ بصاد غير معجمة من القَصَص وهو الإِخبار به , وقرأ الباقون ﴿يَقْضِي﴾ بالضاد معجمة من القضاء , وهو صنع الحق وإتمامه. قوله : ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: خزائن غيب السموات والأرض والأرزاق والأقدار , وهو معنى قول ابن عباس. والثاني: الوصول إلى العلم بالغيب. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن ما في البّر ما على الأرض , وما في البحر ما على الماء , وهو الظاهر , وبه قال الجمهور. والثاني: أن البَرّ القفر , والبحر القُرى لوجود الماء فيها , فلذلك سميت بحراً , قاله مجاهد. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا﴾ يعني قبل يبسها وسقوطها. ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ﴾ يحتمل وجهين:
стр. 940
أحدهما: ما في بطنها من بذر. والثاني: ما تخرجه من زرع. ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرطب النبات واليابس الجواهر. والثاني: أن الرطب الحي , واليابس الميت. ﴿إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ يعني في اللوح المحفوظ.
стр. 941
﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين﴾ قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيلِ﴾ يعني به النوم , لأنه يقبض الأرواح فيه عن التصرف , كما يقبضها بالموت , ومنه قول الشاعر:
(إنَّ بَنِي الأَدْرَدِ لَيْسوا مِن أَحَدْ ... وَلَا تَوَفَّاهُم قَرَيْشٌ في العَدَدْ)
أي لا تقبضهم. ﴿وََيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ أي ما كسبتم لأنه مستفاد بعمل الجارحة , ومنه جوارح الطير لأنها كواسب بجوارحها , وجَرْحُ الشهادة هو الطَّعْن فيها لأنه مكسب الإثم , قاله الأعشى:
стр. 942
(وهوَ الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ ... أيْدِي القَوْمِ إذا الْجَانِي اجْتَرَحْ)
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ يعني في النهار باليقظة , وتصرف الروح بعد قبضها بالنوم. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمّىً﴾ يعني استكمال العمر وانقضاء الأجل بالموت. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يعني بالبعث والنشور في القيامة. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من خير وشر. قوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه أعلى قهراً , فلذلك قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. والثاني: أن الأقدر إذا استحق صفة المبالغة عبَّر عنه بمثل هذه العبارة , فقيل: هو فوقه في القدرة أي أقدر , وفوقه في العلم أي أعلم. ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه جوارحهم التي تشهد عليهم بما كانوا يعملون. والثاني: الملائكة. ويحتمل ﴿حَفَظَةً﴾ وجهين: أحدهما: حفظ النفوس من الآفات. والثاني: حفظ الأعمال من خير وشر , ليكون العلم بإتيانها أزجر عن الشر , وأبعث على الخير. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني أسباب الموت , بانقضاء الأجل. فإن قيل: المتولِّي لقبض الروح مَلَك الموت , وقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ [السجدة: ١١] فكيف قال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ والرسل جمع.
стр. 943
قيل: لأن الله أعان مَلَك الموت بأعوان من عنده يتولون ذلك بأمره , فصار التوفِّي من فعل أعوانه , وهو مضاف إليه لمكان أمره , كما يضاف إلى السلطان فعل أعوانه من قتل , أو جلد , إذا كان عن أمره. ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يؤخرون. الثاني: لا يُضَيِّعُونَ , قاله ابن عباس. قوله : ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُم الْحَقِّ﴾ وفي متولِّي لرد قولان: أحدهما: أنهم الملائكة التي توفتهم. والثاني: أنه الله بالبعث والنشور. وفي ردهم إلى الله وجهان: أحدهما: معناه ردهم إلى تدبير الله وحده , لأن الله دبرهم عند خلقهم وإنشائهم , مكَّنهم من التصرف فصاروا في تدبير أنفسهم , ثم كَفَّهم عنه بالموت فصاروا في تدبير الله كالحالة الأولى , فصاروا بذلك مردودين إليه. والثاني: أنهم ردوا إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه إلا الله , فجعل الرد إلى ذلك الموضع رداً إليه. فإن قيل: فكيف قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ وقد قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُم﴾ [محمد: ١١]. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه قال هذا لأنهم دخلوا في جملة غيرهم من المؤمنين المردودين فعمَّهم اللفظ. والثاني: أن المولى قد يعبر به عن الناصر تارة وعن السيد أخرى , والله لا يكون ناصراً للكافرين , وهو سيد الكافرين والمؤمنين.
стр. 944
و ﴿الْحَقِّ﴾ هنا يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الحق هو من أسمائه تعالى. والثاني: لأنه مستحق الرد عليه. والثالث: لحُكْمِهِ فيهم بالرد. ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يعني القضاء بين عباده. فإن قيل: فقد جعل لغيره الحكم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن له الحكم في يوم القيامة وحده. والثاني: أن غيره يحكم بأمره فصار الحكم له. ويحتمل قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ وجهاً ثانياً: أن له أن يحكم لنفسه فصار بهذا الحكم مختصاً. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني سرعة الحكم بين العباد لتعجيل الفصل , وعبر عن الحكم بالحساب من تحقيق المستوفِي بهما من قليل وكثير. والثاني: وهو الظاهر أنه أراد سرعة محاسبة العباد على أعمالهم. ويحتمل مراده بسرعة حسابه وجهين. أحدهما: إظهار قدرته بتعجيل ما يعجز عنه غيره. والثاني: أنه يبين به تعجيل ما يستحق عليه من ثواب , وتعجيل ما يستحق على غيره من عقاب جمعاً بين إنصافه وانتصافه.
стр. 945
﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾
стр. 946
قوله : ﴿قَلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العذاب الذي من فوقهم الرجم , والذي من تحت أرجلهم الخسف , قاله ابن جبير , ومجاهد , وأبو مالك. والثاني: أن العذاب الذي من فوقهم أئمة السوء , والعذاب الذي من تحت أرجلهم عبيد السوء , قاله ابن عباس. والثالث: أن الذي من فوقهم الطوفان , والذي من تحت أرجلهم الريح , حكاه علي بن عيسى. ويحتمل أن العذاب الذي من فوقهم طوارق السماء التي ليست من أفعال العباد لأنها فوقهم , والتي من تحت أرجلهم ما كان من أفعال العباد لأن الأرض تحت أرجل جميعهم. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنها الأهواء المُخْتَلَقَة , قاله ابن عباس. والثاني: أنها الفتن والاختلاف , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أي يسلط عليكم أتباعكم الذين كانوا أشياعكم , فيصيروا لكم أعداء بعدما كانوا أولياء , وهذا من أشد الانتقام أن يستعلي الأصاغر على الأكابر. روي أن موسى بن عمران ﵇ دعا ربه على قوم فأوحى الله إليه: أو ليس هذا هو العذاب العاجل الأليم. هذا قول المفسرين من أهل الظاهر , وَتَأَوَّلَ بعض المتعمقين في غوامض
стр. 947
المعاني ﴿عَذَاباً مِن فَوقِكُمْ﴾ معاصي السمع والبصر واللسان ﴿أَوْمِن تَحْتِ أَرْجلِكُمْ﴾ المشي إلى المعاصي حتى يواقعوها , وما بينهما يأخذ بالأقرب منهما ﴿أَوَيَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يرفع من بينكم الأُلفة. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ تكفير أهل الأهوال بعضهم بعضاً , وقول الجمهور: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يعني بالحروب والقتل حتى يفني بعضهم بعضاً , لأنه لم يجعل الظفر لبعضهم فيبقى. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نفصل آيات العذاب وأنواع الانتقام. والثاني: نصرف كل نوع من الآيات إلى قوم ولا يعجزنا أن نجمعها على قوم. ﴿لَعَلَّهُم يَفْقَهُونَ﴾ أي يتعظون فينزجرون. واختلف أهل التأويل في نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها في أهل الصلاة , قاله ابن عباس , والحسن , وقتادة , وأن نزولها شق على النبي ﷺ , [فقام] فصلى صلاة الضحى وأطالها فقيل له: ما أطلت صلاة كاليوم , فقال: (إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ , إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُجِيرَنِي مِنْ أَرْبعٍ فَأَجَارَنِي مِنْ خَصْلَتِينِ وَلَمْ يُجِرْنِي مِنْ خَصْلَتَينِ: سَأَلْتُهُ أَلَاّ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذَابٍ مِنْ فَوقِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَومِ نُوْحٍ , وَبِقَومِ لُوطٍ فَأَجَارَنِي , وَسَأَلْتُهُ أَلَاّ يَهْلِكَ أُمَّتِي بعذَاب مِنْ تَحْتِ أَرْجلِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَارُونَ فَأَجَارنِي , وَسَأَلْتُهُ أََلَاّ يُفَرِّقَهُمْ شِيَعاً فَلَمْ يُجِرْنِي , وَسَأَلْتُهُ أَلَاّ يُذِيقَ بَعْضَهُم بَأْسَ بَعْضٍ فَلَمْ يُجِرْنِي) وَنَزَلَ عَلَيهِ قَولُه تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٢١]
стр. 948
والقول الثاني: أنها نزلت في المشركين , قاله بعض المتأخرين.
стр. 949
﴿وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾ قوله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وفيما كذَّبوا به قولان: أحدهما: أنه القرآن , قاله الحسن , والسدي. والثاني: تصريف الآيات , قاله بعض المتأخرين. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني ما كذَّبوا به , والفرق بين الحق والصواب أن الحق قد يُدْرَكُ بغير طلب , والصواب لا يُدْرَكُ إلا بطلب. ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لست عليكم بحفيظ لأعمالكم لأجازيكم عليها , وإنما أنا منذر , قاله الحسن. والثاني: لست عليكم بحفيظ أمنعكم من أن تكفروا , كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به , قاله بعض المتأخرين. والثالث: معناه لست آخذكم بالإِيمان اضطراراً وإجباراً , كما يأخذ الوكيل بالشيء , قاله الزجاج.
стр. 950
﴿لِّكُلِ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: معناه أن لكل خَبَرٍ أَخْبَرَ الله تعالى به من وعد أو وعيد مستقراً في مستقبل الوقت أو ماضيه أو حاضره في الدنيا وفي الآخرة , وهذا معنى قول ابن عباس , ومجاهد. والثاني: أنه وعيد من الله للكافرين في الآخرة لأنهم لا يقرون بالبعث , قاله الحسن. والثالث: أنه وعيد لهم بما ينزل بهم في الدنيا , قاله الزجاج. قوله : ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وما على الذين يتقون الله في أوامره ونواهيه من حساب الكفار فيما فعلوه من الاستهزاء والتكذيب مآثم يؤاخذون بها , ولكن عليهم أن يذكروهم بالله وآياته لعلهم يتقون ما هم عليه من الاستهزاء والتكذيب , قاله الكلبي. والثاني: وما على الذين يتقون الله من الحساب يوم القيامة ما على الكفار في الحساب من التشديد والتغليظ لأن محاسبة المتقين ذكرى وتخفيف , ومحاسبة الكفار تشديد وتغليظ لعلهم يتقون إذا علموا ذلك. والثالث: وما على الذين يتقون الله فيما فعلوه من رد وصد حساب , ولكن اعدلوا إلى الذكرى لهم بالقول قبل الفعل , لعلهم يتقون إذا علموا. ويحتمل هذا التأويل وجهين: أحدهما: يتقون الاستهزاء والتكذيب. والثاني: يتقون الوعيد والتهديد.
следующие страницы →