ال مقدمة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التعريف بالذهبي:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي, ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٣هـ وكان من أسرة تركمانية الأصل, تنتهي بالولاء إلى بني تميم, وقد اهتم الذهبي بقراءة القرآن الكريم, والعناية بدراسة علم القراءات, فتوجه سنة ٦٩١هـ، هو ورفقة له إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني ثم الدمشقي المعروف بالفاضلي, فشرع عليه بالجامع الكبير وكان الفاضلي وصحب الشيخ علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣هـ وهو الذي انتمت إليه رياسة الإقراء في زمانه وجمع عليه القراءات السبع وتصدر للإقراء بتربة أم صالح, ولكنه أصيب بطرف من الفالج
فكان يقرئ في بيته وينتهي الذهبي عليه في أواخر سورة القصص, ويزداد الفالج
على الشيخ فيمنعه الطلبة من الدخول عليه ثم يموت سنة ٩٦٢هـ وتظل قراءة الذهبي على الفاضلي ناقصة, وكان في هذه الأثناء قد شرع يقرأ بالجامع الكبير على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي المقرئ الدمشقي توفي سنة ٧٠٨هـ وقرأ خاتمة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير للداني وكتاب حرز الأماني للشاطبي على ابن جبريل المصمدي نزيل دمشق, وما لبث الذهبي أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءات وأصولها ومسائلها. وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره, وقد استمد ﵀ في تحصيل علم القراءات, فكتب المقدمة في التجويد عن مؤلفها المقرئ المجود أبي عبد الله محمد بن جوهر التلعرفي ٦٩٦هـ، وتلا خاتمة للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق ٧١٨هـ.
وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين ٦٩٥هـ وقرأ بالسبع أيضا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي ٧٠٠هـ.
وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي، وقرأ كتاب المبهج في القراءات السبع لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، والسبعة لأبي مجاهد وغيرهما، على شيخه أبي حفص عمر بن القواس المتوفى سنة ٦٩٨هـ. وسمع الشاطبية من غير واحد من القراء.
стр. 2
وقد تنازل له عن حلقته بالجامع الأموي الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الدمياطي، ثم الدمشقي الشافعي.
تصانيفه كثيرة تقارب المائة، منها:
١- المشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب.
٢- العباب في التاريخ.
٣- تاريخ الإسلام الكبير.
٤- دول الإسلام. ثلاثة أجزاء.
٥- سير أعلام النبلاء.
٦- تذكرة الحفاظ.
٧- العبر في خبر من غبر. ٤ أجزاء.
٨- طبقات القراء الكبار.
٩- المغني في رجال الحديث. جزآن.
١٠- معرفة القراء الكبار. كتابنا هذا.
وفاته:
أضر الذهبي في آخريات سني حياته قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويعضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع البصر.
ويقول: ليس هذا بماء, وأنا أعرف نفسي؛ لأنني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه.
وتوفي ﵀ بتربة أم صالح ليلة الاثنين, ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨هـ، ودفن بمقابر باب الصفير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء, كان من بينهم تاج الدين السبكي.
وقد رثاه غير واحد من تلامذته، منهم الصلاح الصدفي، والتاج السبكي.
стр. 3
وصف المخطوط:
قمنا في تحقيق هذا الكتاب الجليل بفضل الله الواحد الأحد الغني الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد بالاستعانة بمخطوطتين خطيتين وهما:
أ- مصدرة بدلين ورمزنا لها بالرمز أ.
ب- مصدرة دار الكتب المصرية ورمزنا لها بالرمز ب.
وفي النهاية أسأل الله أن يوفقنا الله من تحقيق هذا الكتاب على إتمامه والشكر لمشايخي الذين تلقيت عليهم العلم وهم: الشيخ الحسيني الشيخ, والشيخ جاد الدين رمضان, والشيخ محمد أنيس عبادة, والدكتور كمال عبد العظيم العقاني. جزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
طالب العلم،
أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي
أ، محمد فارس
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي, الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ما لمع نور واختفى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد الشرفا, وحسبي الله وكفى.
أما بعد، فهذا كتاب فيه معرفة المشهورين من القراء١ الأعيان، أولي الإسناد والإتقان، والتقدم في البلدان على الطبقات والأزمان، والله تعالى المستعان.
الطبقة الأولى: الذين عرضوا على رسول الله ﷺ ﵃
باب الطبقة الأولى الذين عرضوا على رسول الله ﷺ ﵃.
١- عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب أمير المؤمنين أبو عمرو ٢, وأبو عبد الله القرشي الأموي ذو النورين ٣ ﵁.
أحد السابقين الأولين وأحد من جمع٤ القرآن على عهد رسول الله ﷺ .
стр. 5
قرأ عليه المغيرة بن أبي شهاب المخزومي١.
ويقال: قرأ عليه ابن عامر٢ وليس بشيء، وإنما قرأ على المغيرة وحدث عنه بنوه أبان وعمرو وسعيد وحمران بن أبان وابن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك ﵃ أجمعين، والسائب بن يزيد وأبو أمامة بن سهل وأبو عبد الرحمن السلمي والأحنف بن قيس٣ وطارق بن شهاب وخلق كثير.
تزوج بابنة رسول الله ﷺ رقية ﵂، فولدت له عبد الله وبه كان يكنى ثم كني، بابنه عمرو، فلما توفيت رقية ليالي بدر زوجه النبي ﷺ بأختها أم كلثوم ﵂، وكان معتدل الطول حسن الوجه كبير اللحية أسمر بعيد ما بين المنكبين مخضبا بالصفرة.
قال السائب: رأيته فما رأيت شيخا أجمل منه, قلت: سقت أخباره في تاريخ الإسلام، قتل شهيدا في داره مظلوما، قاتل الله قاتله في ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين, وله اثنتان وثمانون سنة على الصحيح -رضي الله عنه٤.
стр. 6
٢- علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب أمير المؤمنين أبو الحسن الهاشمي ﵁.
أحد السابقين الأولين, لم يسبقه الى الإسلام إلا خديجة ﵂.
واختلف فيه وفي أبي بكر ﵄ أيهما أسلم أول, ولكن إسلام الصديق كان أنفع للإسلام وأكمل، لأن عليا ﵄ أسلم وله ثماني سنين.
وقيل: تسع سنين.
وقيل: ابن عشر سنين, وقيل ابن اثنتي عشرة سنة, وقيل ابن ثلاث عشرة, وقيل ابن خمس عشرة.
قال ابن عيينة١ عن جعفر الصادق٢ عن أبيه أن عليا قتل وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
قال المؤلف: هذا يطابق أنه أسلم وله ثماني سنين، لأن النبي ﷺ بعث فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا, وعلى قول من يقول أقام بمكة ثلاث عشرة سنة كما قال الشاعر: "ثوى في قريش بضع عشرة حجة" فيكون علي أسلم وله خمس سنين أو نحوها.
وروى عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية٣ قال: قتل أبي وله ثلاث وستون سنة.
وكذا قال أبو إسحاق السبيعي وأبو بكر بن عياش وجماعة، ورواه فرات بن السائب
стр. 7
عن ميمون بن مهران عن ابن عمر وهو رواية أخرى عن أبي جعفر الباقر١.
وقال الهيثم بن عدي وأبو بكر بن البرقي: عاش سبعا وخمسين سنة، ومناقب علي ﵁ يضيق المكان عنها، وقد أفردت سيرته في كتاب سميته فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب.
أجمع المسلمون على أنه قتل شهيدا يوم قتل، وما على وجه الأرض بدري أفضل منه، ضربه ابن ملجم المرادي٢ صبيحة سابع عشرة من رمضان سنة أربعين من الهجرة بالكوفة، وكان قد جمع القرآن بعد وفاة النبي ﷺ .
وقال الشعبي٣: لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان.
وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم قال: ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي.
وكان قد قرأ على علي ﵁ فكنت أرجع من عنده فأعرض على زر٤, وكان زر قد قرأ على ابن مسعود، فقلت لعاصم: لقد استوثقت قلت هذا يرد على الشعبي قوله.
وقال علي بن رباح: جمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ أربعة، علي -عثمان- وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود.
وقال حماد بن زيد: أنا أيوب عن ابن سيرين٥. قال مات أبو بكر ﵁ ولم يختم القرآن.
وقال ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي: قبض أبو بكر وعمر وعلي ﵃ ولم يجمعوا القرآن.
стр. 8
وقال يحيى بن آدم: قلت لأبي بكر بن عياش: تقولون إن عليا ﵁ لم يقرأ القرآن قال: أبطل من قال هذا.
وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدا كان أقرأ من علي.
وقال ابن سيرين: يزعمون أن عليا كتب القرآن على تنزيله, فلو أصبت ذلك الكتاب لكان فيه علم١.
٣- أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أبو المنذر الأنصاري ﵁.
أقرأ الأمة, عرض٢ القرآن على النبي ﷺ ، أخذ عنه القراءة ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن السائب وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي، وحدث عنه سويد بن غفلة، وعبد الرحمن بن أبزي وأبو المهلب، وآخرون.
شهد بدرا والمشاهد كلها ومناقبه كثيرة، وكان ربعة٣ من الرجال شيخا أبيض الرأس واللحية.
روى سلام عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري٤ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم هذه الأمة بها أبو بكر" وذكر الحديث وفيه: "وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب سلام" "ضعيف"، وزيد حسن الحديث٥.
وقال حماد بن سلمة٦ عن عاصم الأحول عن أبي قلابة، إن رسول الله ﷺ قال:
стр. 9
"أقرؤهم أبي بن كعب" ١ هذا مرسل جيد، وقال ابن أبي مليكة سمعت ابن عباس يقول: قال عمر ﵁ أقضانا علي، وأقرؤنا أبي٢.
وقال قتادة عن أنس ﵁، إن النبي ﷺ قال لأبي "إني أمرت أن أقرأ عليك"، وفي لفظ "أن أقرئك القرآن" , قال: الله سماني لك. قال: "نعم" فبكى أبي"٣.
وقال أيوب: سمعت أبا قلابة عن أبي المهلب, قال: كان أبي يختم القرآن في ثمان، إسناده صحيح، وقال له النبي ﷺ : "ليهنك العلم أبا المنذر" ٤.
وقال عمر ﵁ يوم موت أبي: اليوم مات سيد المسلمين٥ توفي بالمدينة.
قال ابن معين: سنة عشرين أو تسع عشرة.
وقال الواقدي ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن يحيى والترمذي سنة اثنتين وعشرين٦، قلت: أبي بن كعب أقرأ من أبي بكر ومن عمر، وبعد هذا فما استخلف النبي ﷺ أبيا بل استخلف أبا بكر على الصلاة.
وقد قال ﷺ : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" الحديث، وهذا مشكل.
قال أبو وائل عن مسروق عن عبد الله بن عمر ﵄، إن رسول الله ﷺ كان يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" ٧ رضي الله عنهم٨.
٤- عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم ابن
стр. 10
صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار أبو عبد الرحمن الهذلي المكي حليف بني زهرة ﵁.
كان من السابقين الأولين ومن مهاجرة الحبشة.
شهد بدرا واحتز رأس أبي جهل, فأتى به النبي ﷺ ، وكان أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأقرأه وكان يقول: حفظت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، قرأ عليه علقمة ومسروق والأسود، وزر بن حبيش وأبو عبد الرحمن السلمي وطائفة.
وتفقه به خلق كثير, وكانوا لا يفضلون عليه أحدا في العلم، وأمه أم عبد هذلية أيضا من المهاجرات الأول، وكان ابن أم عبد يخدم النبي ﷺ ويلزمه ويحمل نعل النبي ﷺ إذا خلعها، وكان آدم١ خفيف اللحم لطيف القد٢ أحمش الساقين حسن البزة٣ طيب الرائحة، موصوفا بالذكاء والفطنة.
أسلم قبل عمر ﵁ وقال: قال له النبي ﷺ : "إنك لغليم ٤ معلم" ٥.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: إن النبي ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود٦.
وقال أبو موسى: ما كنت أحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت؛ لكثرة دخولهم وخروجهم٧.
стр. 11
وكان النبي ﷺ يطلع ابن مسعود على أسراره ونجواه١. وكان يتولى فراش النبي ﷺ ووساده وسواكه ونعله وطهوره٢.
وروى عبيدة السلماني عن ابن مسعود أن النبي ﷺ بشره بالجنة، وعده في العشرة وأسقط أبا عبيدة بن الحجاج وجعل عبد الله بدله، وقال ﷺ : " من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد" ٣.
وسمعه يدعو فقال: "سل تعطه" ٤.
وقال: "لرجل عبد الله في الميزان أثقل من أحد" ٥.
وقال: "تمسكوا بعهد ابن أم عبد" ٦.
وقال حذيفة: ما أعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا ودلا برسول الله ﷺ حتى يواريه بيته من ابن أم عبد٧. وقال أبو وائل عن عبد الله قال: لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أقرؤهم لكتاب الله .
وقال أبو مسعود: والله لا أعلم أحدا تركه رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى من هذا، وأشار إلى ابن مسعود، رواه مسلم٨.
وقال زيد بن وهب: جاء ابن مسعود الى مجلس عمر ﵄ فجعل يكلم عمر ويضاحكه، فكاد الجلوس يوازونه من قصره، فلما ولى قال عمر: كنيف ملئ علما٩.
وقال أبو موسى١٠: مجلس كنت أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة.
стр. 12
وقال الأعمش١ عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير قال: جاء نعي عبد الله إلى أبي الدرداء٢ فقال: ما ترك بعده مثله، اتفق أن عبد الله وفد من الكوفة فمات بالمدينة في آخر سنة اثنتين وثلاثين -رضي الله عنه٣.
٥- زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار أبو سعيد وأبو خارجة الأنصاري الخزرجي النجاري المقري الفرضي.
كاتب النبي ﷺ وأمينه على الوحي ﵁، كان أسن من أنس بسنة، وكان شابا ذكيا ثقفا، جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وجمعه في صحف لأبي بكر الصديق ﵁، ثم تولى كتابة مصحف عثمان ﵁، الذي بعث به عثمان نسخا إلى الأمصار، قرأ عليه أبو هريرة وابن عباس في قول.
وروى عنه ابنه خارجة وابن عمر وأنس وعبيد بن السباق، وعطاء بن يسار٤ وحجر المدري وعروة٥ وطاوس٦ وآخرون، وشهد الخندق وبيعة الرضوان، وكان عمر ﵁ يستخلفه على المدينة إذا حج.
стр. 13
قال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ زيد وأبي ومعاذ وأبو زيد الأنصاريون١.
قال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر حدثني الضحاك بن عثمان عن الزهري قال، قال ثعلبة بن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود غضب إذ لم أوله نسخ القرآن، فهلا غضب على أبي بكر وعمر وهما عزلاه عن ذلك، ووليا زيدا، فاتبعت أمرهما.
وقال وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفرض أمتي زيد بن ثابت" ٢.
وقال الشعبي: غلب زيد الناس على القرآن والفرائض.
وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: لم يجمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ غير ستة كلهم من الأنصار.
زيد بن ثابت، وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء، ونسي السادس، رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي فسمى السادس سعد بن عبيد، وزاد آخر وهو مجمع بن جارية, فقال: قرأ أيضا القرآن إلا سورة أو سورتين أو ثلاثا.
قال حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليا في شيء من قراءته إلا في التابوت، كان زيد يقرؤها بالهاء وعلي بالتاء، قلت له مناقب جمة، وتوفي سنة خمس وأربعين٣ على الأصح٤.
٦- أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري اليماني ﵁.
стр. 14
هاجر إلى النبي ﷺ فقدم عليه عند فتح خيبر وحفظ القرآن والعلم، ولئن قصرت مدة صحبته فلقد كان من نجباء الصحابة، وكان من أطيب الناس صوتا، سمع النبي ﷺ قراءته فقال: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود" ١، وقد استغفر له النبي ﷺ واستعمله على زبيد وعدن.
ثم ولي إمرة الكوفة والبصرة لعمر ﵁، وحكمه علي ﵁ على نفسه في شأن الخلافة لجلالته وفضله، فمكر به عمرو وخدعه، وقرأ عليه أبو رجاء العطاردي٢ وحطان الرقاشي.
روى عنه بنوه أبو بكر وأبو بردة وموسى وإبراهيم وربعي بن حراش وزهدم الجري وسعيد بن المسيب وخلق سواهم.
وافتتح أصبهان زمن عمر ومحاسنه كثيرة, توفي في ذي الحجة سنة أربع وأربعين على الصحيح -رضي الله٣ عنه٤.
٧- أبو الدرداء ٥ عويمر بن زيد، ويقال ابن عبد الله ويقال ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ﵁.
حكيم هذه الأمة، قرأ القرآن في عهد النبي ﷺ ، وقد تأخر إسلامه عن بدر وأبلى يوم أحد بلاء حسنا.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان، وكان عند مقدمه المدينة آخى بين المهاجرين
стр. 15
والأنصار، وهذان أسلما بعد ذلك بمدة، فآخى بينهما، وقد ولي أبو الدرداء قضاء دمشق، وكان من العلماء الحلماء الألباء١ يقال إن عبد الله بن عامر قرأ عليه.
وروى عنه أنس وأبو أمامة وزوجته أم الدرداء، وابنه بلال وعلقمة وخبير بن نقير، وسعيد بن المسيب، وما أحسبه لقيه، وأبو إدريس الخولاني وخالد بن معدان وغيرهم، توفي سنة اثنتين وثلاثين.
وما خلف بالشام كلها بعده مثله ﵁.
قال سويد بن عبد العزيز: كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه فكان يجعلهم عشرة عشرة وعلى كل عشرة عريفا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك.
وكان ابن عامر عريفا على عشرة كذا قال سويد، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر.
وعن سام ابن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن. فعددتهم ألفا وستمائة ونيفا٢، وكان لكل عشرة منهم مقرىء.
وكان أبو الدرداء يكون عليهم قائما وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء ﵁، فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ ، وأخذ عنهم عرضا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة.
وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبي زيد وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر وعتبة بن عامر، ولكن لم تتصل بنا قراءتهم فلهذا اقتصرت على هؤلاء السبعة ﵃، واختصرت أخبارهم، فلو سقتها كلها لبلغت خمسين كراسا٣.
стр. 16
الطبقة الثانية: وهم الذين عرضوا على بعض المذكورين قبلهم
١- أبو هريرة:
في اسمه عدة أقوال أقواها وأشهرها عبد الله بن صخر الدوسي الحافظ ﵁، وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس, أسلم سنة سبع هو وأمه وروى ما لا يوصف عن النبي ﷺ .
وقرأ القرآن على أبي بن كعب، قرأ عليه غير واحد، وروى عنه نحو من ثمانمائة نفس، وحديثه في مسند بقي بن مخلد أكثر من خمسة آلاف حديث، وكان إماما مفتيا فقيها صالحا حسن الأخلاق متواضعا محببا إلى الأمة.
روى عنه سعيد بن المسيب١ وأبو سلمة بن عبد الرحمن٢ وعبيد الله بن عبد الله٣، وأبو صالح السمان٤ وأبو حازم الأشجعي٥ وعروة٦ وابن سيرين٧ وهمام
стр. 17
ابن منبه١ وسعيد المقبري، وكان آدم بعيد ما بين المنكبين ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يخضب بالحمرة وقد ذاق جوعا وفاقة، ثم استعمله عمر ﵁، فأثرى وكثر ماله وولي إمرة المدينة زمن معاوية.
وكان كثير العبادة والذكر؛ وقد مر في ولايته وهو يحمل حزمة حطب ويقول أوسع الطريق للأمير.
روى محمد بن عمر الأسلمي حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن زياد بن مينا قال: كان ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وجابر وغيرهم من الصحابة يفتون في المدينة ويحدثون من لدن توفي عثمان ﵁ وعنهم إلى أن توفوا.
وإلى هؤلاء الخمسة صارت الفتوى، توفي أبو هريرة سنة سبع وقيل سنة ثمان وخمسين والقولان مشهوران، وقال الواقدي سنة تسع وخمسين ولعله الصحيح، لأنه صلى على أم سلمة ومات في شوال سنة تسع وخمسين, قيل في كنيته أبو الأسود٢.
٢- عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الحبر، البحر أبو العباس ابن عم رسول الله ﷺ ، ﵁.
قرأ القرآن على أبي، وروى عن النبي ﷺ وعمر وعثمان وعلي وأبي ذر ووالده، وأبي سفيان ﵃ وغيرهم، قرأ عليه مجاهد٣ وسعيد بن جبير٤ والأعرج٥
стр. 18
وعكرمة بن خالد١ وسلمان بن قتة شيخ عاصم الجحدري٢. وأبو جعفر٣ وغيرهم وحدث عنه عكرمة٤ وعطاء٥ وطاوس٦ وأبو الشعثاء٧ وعلي بن الحسين٨ وخلق لا يحصون.
دعا له النبي ﷺ ، وقال: جمعت المفصل٩ على عهد رسول الله ﷺ ، وذكر أنه كان في حجة الوداع، وقد ناهز الاحتلام وكان أبيض طويلا مشربا صفرة، جسيما وسيما مليح الوجه، يخضب بالحناء مديد القامة، قال عطاء: ما رأيت البدر إلا ذكرت وجه ابن عباس، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: بت عند خالتي فوضعت لرسول الله ﷺ غسلا فقال: "من وضع هذا؟ " , قالوا: عبد الله.
قال: "اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين" ١٠، رواه أيضا عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس.
стр. 19
وروى كريب١ عنه أن النبي ﷺ دعا له أن يزيده الله فهما وعلما، ومناقب ابن عباس غزيرة وسعة علمه إليه المنتهى.
ولم يكن على وجه الأرض في زمانه أحد أعلم منه، توفي بالطائف سنة ثمان وستين وصلى عليه محمد بن الحنفية٢ وقال اليوم مات رباني الأمة، وقد كف بصره في أواخر عمره -رضي الله عنه٣.
٣- عبد الله بن السائب بن أبي السائب، صيفي بن عابد بن عمر بن مخزوم المخزومي.
قارئ أهل مكة أبو السايب، وقيل أبو عبد الرحمن له صحبة ورواية يسيرة، وهو من صغار الصحابة.
وأبوه أو جده ﵃ فكان شريك النبي ﷺ قبل النبوة، قرأ عبد الله القرآن على أبي بن كعب، وروى أيضا عن عمر ﵁، عرض عليه القرآن مجاهد وعبد الله بن كثير٤ فيما قيل، وحدث عنه ابن أبي مليكة وعطاء وابن بنته محمد بن عباد بن جعفر وآخرون قال مسلم وابن أبي حاتم وغيرهما: له صحبة.
وقال الزبير بن بكار حدثنا أبو ضمرة أنس٥ عمن حدثه عن أبي السائب عبد الله بن السائب المخزومي، قال: كان جدي في الجاهلية يكنى أبا السائب وبه اكتنيت.
وكان خليطا للنبي ﷺ في الجاهلية، فكان ﵇ إذا ذكره قال: نعم الخليط،
стр. 20
كان أبو السائب لا يشاري ولا يماري، عن ابن عيينة١ عن داود بن شابور عن مجاهد، قال: كنا نفخر على الناس بقارينا عبد الله بن السائب، وبفقيهنا ابن عباس، وبمؤذننا أبي محذورة وبقاصنا عبيد بن عمير اليئي.
قلت: توفي في حدود سنة سبعين في إمرة ابن الزبير٢، قال ابن أبي مليكة، رأيت ابن عباس قام على قبر عبد الله بن السائب فدعا له ثم انصرف، قاله ابن نمير عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة٣.
٤- المغيرة بن أبي شهاب المخزومي.
قرأ القرآن على عثمان ﵁، وعليه قرأ عبد الله بن عامر اليحصبي، وأحسبه كان يقرئ بدمشق في دولة معاوية، ولا يكاد يعرف إلا من قراءة ابن عامر عليه، قرأت بخط القطاع أنه مات سنة إحدى وتسعين، وله تسعون سنة، واسم أبيه عبد الله بن عمرو بن المغيرة بن ربيعة بن عمرو بن مخزوم.
٥- حطان بن عبد الله الدقاشي ويقال السدوسي البصري، قرأ على أبي موسى الأشعري، قرأ عليه الحسن البصري ٤، وسمع من علي وعبادة بن الصامت ٥ ﵄.
стр. 21
روى عنه الحسن ويونس بن جبير وأبو مجاز لاحق بن حميد، وكان كبير القدر صاحب ورع وعلم، أحسبه مات سنة نيف وسبعين١.
٦- الأسود بن يزيد النخعي:
أبو عمرو أخذ القراءة عرضا عن ابن مسعود ﵁، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ، وبلال، وعائشة ﵃ وجماعة.
قرأ عليه يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وكان أسن من علقمة بسنوات.
قال منصور عن إبراهيم: كان الأسود يختم القرآن في كل ست، وفي رمضان في كل ليلتين، وكان علقمة يختم في خمس.
وروى يزيد بن عطاء عن علقمة ابن مرثد، قال: كان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر جسده، ولقد حج ثمانين من حجة وعمرة، قلت: كان الأسود بن يزيد رأسا في العلم والعمل، وكان من كبار أصحاب ابن مسعود روى عنه إبراهيم النخعي وابنه عبد الرحمن بن الأسود وأخوه عبد الرحمن وعمارة بن عمير، وأبو إسحاق.
قال المدائني: توفي سنة خمس وسبعين، وقال غيره قبل ذلك٢.
٧ - علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو شبل النخعي ٣، الفقيه عم الأسود بن يزيد، وخال إبراهيم النخعي.
ولد في حياة النبي ﷺ ، وقرأ القرآن على ابن مسعود، وسمع من عمر وعلي وأبي الدرداء، وعائشة ﵃ وطائفة.
قرأ عليه يحيى بن وثاب وعبيد بن نضيلة وأبو إسحاق وغيرهم، وتفقه به إبراهيم والشعبي.
стр. 22
وروى عنه إبراهيم بن سويد وأبو الضحى والقاسم بن مخيمرة وآخرون، وكان أشبه الناس بابن مسعود سمتا وهديا وعلما، وكان أعرج من أحسن الناس صوتا بالقرآن.
قال عبد الرحمن بن يزيد النخعي: قال ابن مسعود: ما أعلم شيئا أو ما أقرأ إلا وعلقمة يعلمه.
وقال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: لأي شيء كنت تأتي علقمة وتدع الصحابة؟ قال: أدركت ناسا من الصحابة وهم يسألونه ويستفتونه، وقال إبراهيم النخعي: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل فقال: فداك أبي وأمي رتل فإنه زين القرآن.
وقال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، وقال إبراهيم: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، وقد قام بالقرآن في ليلة عند البيت، توفي علقمة سنة اثنتين وستين١.
٨- أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة، عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولأبيه صحبة.
وولد هو في حياة النبي ﷺ ، وقرأ القرآن وجوده وبرع في حفظه، وعرض على عثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وغيرهم وحدث عن عمر وعثمان ﵄.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضا عن عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ﵃.
وأخذ عنه القراءة عرضا عاصم بن أبي النجود ويحيى بن وثاب وعطاء بن السائب وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى ومحمد بن أيوب أبو عون الثقفي والشعبي وإسماعيل بن أبي خالد وعرض عليه الحسن والحسين ﵄.
قال حسين بن علي الجعفي عن محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد: أن أبا عبد الرحمن السلمي تعلم القرآن من عثمان بن عفان، وعرض على علي ﵄.
وقال أبو إسحاق السبيعي: إن أبا عبد الرحمن كان يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة.
стр. 23
وقال شعبة١: عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة إن أبا عبد الرحمن أقرأ في خلافة عثمان ﵁، إلى أن توفي في إمرة الحجاج.
وقال زهير عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن قال: والدي علمني القرآن فإن أبي كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، قد شهد معه.
وقال حجاج بن محمد قال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان لم يتابع شعبة على هذا.
وروى أبان بن يزيد عن عاصم عن أبي عبد الرحمن قال: أخذت القراءة عن علي ومنصور بن المعتمر عن تميم بن سلمة، أن أبا عبد الرحمن كان إمام المسجد، وكان يحمل في الطين في اليوم المطير.
وقال عطاء بن السائب فيما حدث به حماد بن زيد وغيره: إن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا، القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر، حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ههنا ووضع يده على حلقه.
وروى عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء عن أبيه عن أبي عبد الرحمن أنه جاء وفي الدار جلال٢ وجزر٣ وقالوا: بعث بها عمرو بن حريث لأنك علمت ابنه القرآن قال: رد إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرا.
وقال عاصم بن بهدلة: كنا نأتي أبا عبد الرحمن ونحن أغيلمة يفاع، فيقول: لا تجالسوا القصاص، غير أبي الأحوص.
стр. 24
وروى سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن عثمان ﵁، أن النبي ﷺ قال: "خيركم من علم القرآن أو تعلمه" ١.
قال أبو عبد الرحمن: فذلك الذي أقعدني هذا المقعد، وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو عبد الرحمن السلمي يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات.
وقال أبو حصين: كنا نذهب بأبي عبد الرحمن من مجلسه وكان أعمى. وقال عطاء بن السائب: كنت أقرأ على أبي عبد الرحمن وهو يمشي.
وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم أن أبا عبد الرحمن قرأ على علي ﵁، وعن عاصم عن أبي عبد الرحمن قال: خرج علينا علي ﵁ وأنا أقرأ.
وقال أبو جناب الكلبي: حدثني أبو عون الثقفي، قال: كنت أقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وكان الحسن بن علي ﵄ يقرأ عليه.
وقال عبد الواحد بن أبي هاشم: حدثنا محمد بن عبيد الله المقرئ، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن، حدثنا أبي حدثنا حفص بن عمر عن عاصم بن بهدلة وعطاء بن السائب، ومحمد بن أبي أيوب الثقفي، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، أنهم قرءوا على أبي عبد الرحمن، وذكروا أنه أخبرهم أنه قرأ على عثمان ﵁ عامة القرآن، وكان يسأله عن القرآن وكان ولي الأمر فشق عليه وكان يسأله عن القرآن فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس فعليك بزيد بن ثابت فإنه يجلس للناس ويتفرغ لهم ولست أخالفه في شيء من القرآن.
قال: وكنت ألقى عليا ﵁ فأسأله فيخبرني، ويقول: عليك بزيد بن ثابت، فأقبلت على زيد فقرأت عليه القرآن ثلاث عشرة سنة.
وعن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن قال: حدثني الذين كانوا يقرءوننا عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزنها إلى عشر أخرى، حتى يتعلموا ما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.
وقال أحمد بن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن السري ثنا وكيع عن عطاء بن السائب، قال: كان رجل يقرأ على أبي عبد الرحمن فأهدى له قوسا فردها، وقال: ألا كان هذا قبل القراءة.
وقال عطاء بن السائب: دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده، فذهب بعضهم يرجيه، فقال: أنا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضانا، قلت: وقول حجاج عن شعبة، إن أبا عبد
стр. 25
الرحمن لم يسمع من عثمان بن عفان ﵁ ليس بشيء، فإنه ثبت لقيه لعثمان، وكان ثقة كبير القدر وحديثه مخرج في الكتب الستة توفي في سنة أربع وسبعين.
وقيل: سنة ثلاث وسبعين.
وقيل: في إمرة بشر على العراق.
وقيل: في أوائل ولاية الحجاج والله أعلم.
وقد روى عنه إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعلقمة بن مرثد، وعطاء بن السائب وإسماعيل السدي وغيرهم، وأما قول ابن قانع هكذا بالأصل ولعله نافع مات سنة خمس ومائة فغلط فاحش١.
٩- عبد الله بن عياش بن ربيعة المخزومي المكي ثم المدني القارئ أبو الحارث.
ولد بالحبشة فقيل إنه رأى النبي ﷺ ، قرأ القرآن على أبي بن كعب وسمع من عمر وابن عباس وأبيه عياش وغيرهم ﵃، قرأ عليه مولاه أبو جعفر القارئ٢ ويزيد بن رومان٣ وشيبة٤ ومسلم بن جندب٥ وغيرهم.
وحدث عنه ابن الحارث، ونافع مولى ابن عمر، وسليمان بن يسار وجماعة، وكان أقرأ أهل المدينة في زمانه.
قال خليفة في الطبقات: إنه استشهد بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة سنة ثمان وسبعين. وقال في تاريخه: إن الذي قتل بسجستان عبد الله بن عياش بن ربيعة بن الحارث الهاشمي.
وقيل: إن ابن عياش المخزومي مات بعد سنة سبعين٦ والله أعلم.
стр. 26
١٠- أبو رجاء العطاردي عمران بن تيم البصري:
أخذ القراءة عرضا عن ابن عباس ﵄ وتلقن القرآن من أبي موسى، ولقي أبا بكر ﵄.
قرأ عليه القرآن أبو الأشهب العطاردي.
قال ابن معين: مات سنة خمس ومائة، وله مائة وسبع وعشرون سنة.
قال أبو الأشهب: كان أبو رجاء يختم القرآن في كل عشر ليال.
وعن أبي رجاء قال: كان أبو موسى يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات١.
١١- أبو الأسود الدؤلي قاضي البصرة واسمه على الأصح: ظالم بن عمرو.
قرأ على علي ﵁، وكان من وجوه شيعبة، وروى عن عمر، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبي ذر ﵃ والكبار وهو أول من وضع مسائل في النحو بإشارة علي ﵁، فلما عرضها على علي قال: ما أحسن هذا النحو، الذي نحوت، فمن ثم سمي النحو نحوا، أخذ عنه ولده أبو حرب بن أبي الأسود ويحيى بن يعمر وعبد الله بن بريدة وجماعة.
وقد أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وثقه أحمد العجلي وغيره، توفي سنة تسع وستين في طاعون الجارف بالبصرة.
قال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام فمات فيها في كل يوم نحو من سبعين ألفا.
وقال أبو اليقظان وغيره: مات لأنس بن مالك ﵁ في طاعون الجارف سبعون ولدا يعني من أولاده وأولاد أولاده٢.
١٢- أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران البصري مولى امرأة من بني رياح بن يربوع، أسلم في خلافة أبي بكر ﵁، ودخل عليه وصلى خلف عمر.
стр. 27
وقرأ القرآن على أبي، وروى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأبي موسى وطائفة ﵃.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي وزيد بن ثابت وابن عباس، ويقال قرأ على عمر ﵃، قرأ عليه شعيب بن الحبحاب والربيع بن أنس والأعمش١، ويقال قرأ عليه أبو عمرو وروى عنه خالد الحذاء وعاصم الأحول وخلق.
وقد روى معتمر وغيره عن هشام عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال لي أبو العالية قرأت على عمر بن الخطاب ﵁ القرآن ثلاث مرات، وهذا حديث صحيح غريب رواه جماعة عن هشام بن حسان.
وروى محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبي خلدة أن أبا العالية قال: قرأت على عمر بن الخطاب ﵁ القرآن ثلاث مرات، نقله ابن المنادي، وقال أبو العالية: كنت آتي ابن عباس وهو أمير البصرة فيجلسني على السرير.
وقال مغيرة: كان أشبه أهل البصرة علما بإبراهيم النخعي أبو العالية، قلت: كان أبو العالية إماما في القرآن والتفسير والعلم والعمل، مات سنة تسعين وقيل سنة ثلاث وتسعين، فهؤلاء الذين دارت عليهم أسانيد القراءات المشهورة ورواياتهم والله أعلم٢.
стр. 28
الطبقة الثالثة: وهم من التابعين
١- يحيى بن وثاب الأسدي الكوفي القارئ العابد أحد الأعلام، مولى بني أسد
روى عن ابن عباس وابن عمر ﵃ وعن مسروق وعبيدة السلماني وزر، وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي عمرو الشيباني وعلقمة والأسود، وقرأ على بعضهم.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضا عن علقمة والأسود ومسروق والشيباني وأبي عبد الرحمن، قلت: الثابت هكذا بالأصل ولعله الثابت أنه قرأ القرآن كله على عبيد بن نضيلة صاحب علقمة كل يوم آية.
قال أبو بكر بن عياش عن عاصم، قال: تعلم يحيى بن وثاب من عبيد بن نضيلة آية آية، وكان والله قارئا.
قلت: قرأ عليه الأعمش وطلحة بن مصرف وأبو حصين الأسدي وحمران بن أعين، وحدث عنه عاصم بن أبي النجود وأبو العميس عتبة المسعودي، وأبو حصين عثمان بن عاصم وآخرون.
قال محمد بن جرير الطبري: يحيى بن وثاب مولى بني كاهل من بني أسد بن خزيمة، كان مقرئ الكوفة في زمانه.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي:١ تابعي ثقة الكوفة، وكان يؤم قومه، فأمر الحجاج أن لا يؤم بالكوفة إلا عربي.
فقال ليحيى قومه: اعتزل. فقال الحجاج: من هذا؟ قالوا: يحيى بن وثاب.
стр. 29
قال: ما له؟ قالوا: أمرت أن لا يؤم إلا عربي فنحاه قومه، فقال: ليس عن مثل هذا نهيت, وقال: فصلى بهم يوما. ثم قال: اطلبوا إماما غيري، إنما أردت أن لا تستذلوني، فإذا صار الأمر إلي فأنا لا أؤمكم.
وقال الأعمش: كان يحيى بن وثاب إذا قضى الصلاة مكث ما شاء الله تعرف فيه كآبة الصلاة، وقال عبيد الله بن موسى: كان الأعمش يقول: يحيى بن وثاب أقرأ من بال على تراب.
وقال شعيب الصريفيني: ثنا يحيى بن آدم سمعت حسن بن صالح يقول: قرأ يحيى على علقمة وقرأ علقمة على ابن مسعود، فأي قراءة أفضل من هذه.
وروي عن زائدة قلت للأعمش: على من قرأ يحيى؟ قال: على علقمة والأسود ومسروق.
وقال يحيى بن معين: ثنا ابن أبي زائدة قال: قال الأعمش: كان يحيى بن وثاب لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لا في عرض ولا في غيره، وقال يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش، قال: كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءة، وربما اشتهيت تقبيل رأسه لحسن قراءته وكان إذا قرأ لم يحس في المسجد حركة كأن ليس في المسجد أحد.
قلت: كان يحيى بن وثاب ثقة إماما كبير القدر، قال الأعمش: كنت إذا "رأيته قلت: هذا قد وقف للحساب يقول: أي رب أذنبت كذا أذنبت"١.
قال أبو محمد بن قتيبة: توفي سنة ثلاث ومائة.
أحمد بن عبد العزيز ٢:
أبو جعفر بن القاص البغدادي القطفتي٣ الزاهد المقرئ، قرأ الروايات على ابن بدران الحلواني، وأبي الخير المبارك بن الغسال، وسمع أبا القاسم بن بيان.
أقرأ الناس وحدث عنه أبو القاسم بن صصري وجماعة، توفي سنة ثلاث وسبعين
стр. 30
وقد قرأ أيضا عليه أبو بكر محمد بن علي بن سلامة الأيدي, وقرأ عليه بالسبع عبد العزيز بن دلف١.
القاسم بن عبد الرحمن بن دحمان، أبو محمد الأنصاري المالقي.
أخذ عن منصور بن الخير وجماعة وبرع في العربية والقراءات وعللها، وتصدر مدة للأقراء أخذ عنه السهيلي وابن خروف، توفي في سنة خمس وسبعين وقد نيف على ثمانين سنة٢.
يوسف بن إبراهيم بن عثمان الإمام أبو الحجاج العبدري الغرناطي المقرئ الحافظ، المعروف بالغزي ذكره الأبار.
فقال: أخذ القراءات عن عبد الرحيم بن الفرس الغرناطي، وأبي الحسن شريح ويحيى بن الخلوف وأبي الحسن بن الباذش.
وسمع منهم ومن أبي الحسن بن مفيث وأبي بكر بن العربي وأبي مروان الباجي، وخلق، وأجاز له أبو علي الصدفي وأبو بكر الطرطوشي، وأحكم العربية على أبي بكر بن مسعود النحوي.
قال: وكان حافظا محدثا فقيها مقرئا، راوية ضابطا مفسرا أديبا.
نزل في الفتنة نفوسة وولي خطابتها وأقرأ بها, أكثر عنه أبو عبد الله التجيبي، وقال: لم أر أفضل ولا أزهد منه ولا أحفظ لحديث وتفسير منه، روى عنه أبو عمر بن عياد وأبو سليمان بن حوط الله وأبو العباس بن عميرة، مات في شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائة٣.
محمد بن خالد بن بختيار أبو بكر الأزجي الرزاز المقرئ الضرير النحوي.
أبو بكر الأزجي٤ الرزاز المقري الضرير النحوي، قرأ بالروايات على أبي عبد الله بن البارع، وأبي محمد سبط الخياط، ودعوان بن علي، وأقرأ الناس مدة وكان عارفا بوجوه القراءات، تخرج به جماعة في العربية، توفي في سنة ثمانين وخمسمائة٥.
стр. 31
عساكر بن علي بن إسماعيل أبو الجيوش المصري المقرئ النحوي الشافعي المعدل ولد سنة تسعين وأربعمائة.
وقرأ القراءات على أبي الخير أحمد بن محمد شمول وعلي بن عبد الرحمن الحضرمي، ونفطويه، وإبراهيم بن أغلب النحوي، والشريف الخطيب، وتفقه على قاضي القضاة مجلى بن جميع.
وقرأ العربية وتصدر للإقراء بدار العلم، وبالجامع الظافري وانتفع به الناس، وكان ذا صلاح ودين، أخذ عنه علم الدين السخاوي وغيره، والحسن بن سيف المصري، والعفيف بن الرياح، ومات في المحرم سنة إحدى وثمانين وخمسمائة١.
الحسن بن علي بن عبيدة أبو محمد الكرخي ٢ المقرئ النحوي.
قرأ بالروايات على سبط الخياط وأبي منصور بن خيرون، وأبي البركات عمر بن إبراهيم الكوفي، وسمع من قاضي المرستان، وأخذ العربية عن أبي السعادات بن الشجرى، والفرائض والحساب وأقرأ الناس مدة.
وكان رأسا في القراءات, توفي في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ومن شعره:
وما شنآن الشيب من أجل لونه ... ولكنه حاد إلى الموت مسرع
إذا ما بدت منه الطليعة آذنت ... بأن المنايا بعدها تتطلع٣, ٤
٢- الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد، سيد أهل زمانه علما وعملا.
قرأ القرآن على حطان القرشي عن أبي موسى، روى القراءة عنه يونس بن عبيد، وأبو عمرو بن العلاء وسلام الطويل فيحاقيل، وغيرهم ومناقبه وأخباره يطول شرحها, توفي سنة عشر ومائة٥.
٣- عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، قرأ القرآن على أبيه.
قرأ عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن القاضي، وأبوهما ممن قرأ على علي ﵁، وعيسى وثقه ابن معين وله رواية قليلة في السنن٦.
стр. 32
٤- مجاهد بن جبر الإمام أبو الحجاج مولى السائب بن أبي السائب المخزومي المكي المقرئ المفسر أحد الأعلام.
قرأ على ابن عباس، وروى عن عائشة وأبي هريرة، وسعد وعبد الله بن عمرو، وجماعة من الصحابة ﵃ قرأ عليه ابن كثير، وأبو عمرو وابن محيصن وغيرهم، وحدث عنه قتادة، والحكم، وعمرو بن دينار، وأيوب ومنصور والأعمش وابن عون وخلق، وجاء عنه أنه قرأ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، والذي صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟. وقال شباب العصفري عن معاذ المعلم سمع أبا مدثر سمعت مجاهدا يقول: ختمت القرآن على ابن عباس تسعا وعشرين مرة. قال قتادة: أعلم من بقي في التفسير مجاهد. وقال سلمة بن كهيل: كان مجاهد ممن يريد بعلمه الله وعن مجاهد قال: ربما أخذ لي ابن عمر بالدكاب.
وقال الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ازدريته متبذلا كأنه خذ بندج قد ضل حماره.
قلت: توفي سنة ثلاث ومائة وقد نيف على الثمانين١.
٥- يحيى بن يعمر العدواني أبو سليمان البصري، أخذ القراءة عرضا عن أبي الأسود الدؤلي وسمع ابن عباس، وابن عمر، وعائشة وأبا هريرة وروى أيضا عن أبي ذر، وعمار بن ياسر ﵃.
قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الخضرمي وحدث عنه قتادة، ويحيى بن عقيل، وعطاء الخراساني وسليمان التيمي وإسحاق بن سويد وولي قضاء خراسان لقتيبة بن مسلم.
وهو أول من نقط المصحف، وكان فصيحا مفوها عالما، أخذ العربية عن أبي الأسود، ثم إن قتيبة عزله لما بلغه عنه شرب المنصف.
قال عمر: أنا القطان عن قتادة عن نصر بن عاصم عن عبد الله بن فطيمة، عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان ﵁ في القرآن لحن ستقيمه العرب بألسنتها.
قال خليفة: توفي يحيى بن يعمر قبل سنة تسعين٢.
стр. 33
٦- سعيد بن جبير بن هشام الإمام العالم أبو عبد الله الأسدي الوالي مولاهم الكوفي.
قرأ على ابن عباس قرأ عليه أبو عمرو والمنهال بن عمرو وقد حدث عن ابن عباس وعدي بن حاتم وابن عمر وعبد الله بن معقل وأبي هريرة ﵃ وغيرهم, روى عنه الحكم وأيوب وجعفر بن أبي المغيرة ومحمد بن سوقة والأعمش وخلق كثير, فعن أشعث بن إسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير جهبذ١ العلماء وعن ابن عباس ﵁ قال: يا أهل الكوفة، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير! خرج سعيد مع ابن الأشعث على الحجاج ثم اختفى وتنقل في النواحي ثم أتى به الحجاج فقتله، لكونه قوى نفسه ولم يعتذر إليه، وكان سعيد من سادة التابعين علما وفضلا وصدقا وعبادة.
ثبت عنه أنه قال لابنه: ما يبكيك ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة. قال الفضل بن سويد الضبي: دعاه الحجاج وأنا شاهد فأقبل يعاتبه معاتبة الرجل ولده، فانفلتت من سعيد كلمة، فقال: إن ابن الأشعث عزم علي، قال ربيعة الرأي: كان سعيد بن جبير من العلماء العباد.
قلت: استشهد بواسط٢ في شعبان، سنة خمس وتسعين، وروى عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه٣.
وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود وليلة بقراءة زيد، وعن هلال بن يساف، دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة، وقيل إنه كان يختم في كل ليلتين٤.
٧- حمران بن أعين مولى بني شيبان، كوفي مقرئ كبير.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضا وسماعا عن عبيد بن نضيلة، وأبي حرب بن أبي الأسود ويحيى بن وثاب.
стр. 34
عرض عليه حمزة الزيات، وقد سمع من أبي الطفيل عامر بن وائلة وأبي جعفر الباقر، حدث عنه الثوري وإسرائيل، قال الكسائي: قلت لحمزة على من قرأت؟ قال: على ابن أبي ليلى وحمران بن أعين. قلت: فحمران على من قرأ، قال: على عبيد بن نضيلة، رواه ابن مجاهد عن شيخين كلاهما عن هارون عن الكسائي.
وقد خولف فيه، فقال محمد بن الحسن بن عطية: قرأت على أبي وقرأ على حمزة، وقرأ حمزة على حمران، وقرأ حمران على يحيى بن وثاب، عن عبيد بن نضيلة، وقرأ عبيد على ابن مسعود، وقد اختلف في عبيد بن نضيلة المقرئ، والثابت أنه قرأ على علقمة عن ابن مسعود، وكذا اختلف في حمران، فقيل أيضا قرأ على أبي الأسود الدؤلي نفسه، والله أعلم، وقراءة حمزة عليه متيقنة، قال ابن معين: حمران ضعيف.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال أبو داود: وكان رافضيا، توفي في حدود الثلاثين ومالية١.
٨- نصر بن عاصم الليثي ويقال الدؤلي البصري النحوي.
قرأ القرآن على أبي الأسود وسمع من مالك بن الحويرث، وأبي بكرة الثقفي.
قال الداني: روى عنه القراءة عرضا عبد الله بن أبي إسحاق الخضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، وسمع منه قتادة، وروى عنه الحروف مالك بن دينار، ويقال إنه أول من نقط المصاحف٢ وخمسها٣ وعشرها٤.
وقال خالد الحذاء: هو أول من وضع العربية.
стр. 35
وقال أبو داود: كان من الخوارج١، قلت وممن روى عنه الزهري وعمرو بن دينار وحميد بن هلال، وثقه النسائي وغيره، وتوفي قديما قبل سنة مائة٢.
٩- يزيد بن القعقاع أبو جعفر القارئ أحد العشرة.
مدني مشهور رفيع الذكر، قرأ القرآن، على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وفاقا.
وقال غير واحد: قرأ أيضا على أبي هريرة وابن عباس ﵃، عن قراءتهم على أبي بن كعب، وصلى بابن عمر وحدث عن أبي هريرة وابن عباس، وهو قليل الحديث، تصدى لإقراء القرآن دهرا. فورد أنه أقرأ الناس من قبل وقعة الحرة٣، حتى قيل إنه قرأ على زيد بن ثابت ولم يصح، قرأ عليه نافع بن أبي نعيم، وسليمان بن مسلم بن جماز، وعيسى بن وردان الحذار وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحدث عنه مالك الإمام، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد العزيز بن أبي حازم، وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي.
قال أبو عبيد في كتاب القراءات: كان أبو جعفر يقرئ الناس قبل وقعة الحرة، ثنا بذلك عنه إسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمر الطائي أخبرنا زيد الكندي إجازة، أنبئنا أبو الحسن بن توبة، أخبرنا ابن هذارمدد حدثنا عمر الكناني حدثنا ابن مجاهد حدثنا محمد بن الجهم حدثنا سليمان بن داود حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: قال لي سليمان بن مسلم: أخبرني أبو جعفر أنه كان يقرئ في مسجد رسول الله ﷺ قبل الحرة، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين. وأخبرني أنه كان يملك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وكان من أقرأ الناس، قال: وكنت أرى كل ما يقرأ وأخذت عنه قراءته.
وأخبرني أبو جعفر أنه أتي به إلى أم سلمة وهو صغير فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة.
стр. 36
وعن ابن أبي الزناد قال: كان أبو جعفر يقدم في زمانه على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وعن سليمان بن عباد سألت أبا جعفر متى علمت القرآن؟ قال: زمن معاوية.
وروى مطرف بن عبد الله عن مالك عن أبي جعفر القارئ قال: رأيت ابن عمر إذا أهوى ليسجد يمسح الحصا لموضع جبهته مسحا خفيفا.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي عن أبيه عن نافع قال: كان أبو جعفر يقوم الليل فإذا أصبح جلس يقرئ الناس، فيقع عليه النوم فيقول لهم: خذوا الحصا فضعوه بين أصابعي، ثم ضموها فكانوا يفعلون ذلك وكان النوم يغلبه، فقال: أراني أنام على هذا، فإذا رأيتموني قد نمت فخذوا خصلة من لحيتي فمدوها.
قال: فيمر عبد الله بن عياش مولاه، فيرى ما يفعلون به فيقول أيها الشيخ ذهبت بك الغفلة، فيقول أبو جعفر: إن هذا الشيخ في خلقه شيء دوروا بنا وراء القبر موضعا لا يرانا، رواها ابن مجاهد.
حدثنا عبد الله ابن أبي بكر حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق.
قال عبد الله بن وهب: حدثنا ابن زيد بن أسلم. قال: قال رجل لأبي جعفر مولى ابن عياش، وكان في دينه فقيها وفي دنياه أبله: هنيئا لك ما أتاك من القرآن، فقال: ذاك إذا أحللت حلاله وحرمت حرامه وعملت بما فيه.
وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: أكان أبو جعفر يصلي خلف القراء في رمضان يلقنهم يؤمر بذلك.
وكان بعده شيبة جعلوه لذلك، وعن مالك بن أنس قال: كان أبو جعفر القارئ إذا مر سائل بالليل وهو يصلي دعاه فيستتر منه ثم يلقي إليه إزاره.
وعن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه قال: قال لي مالك: كان أبو جعفر القارئ رجلا صالحا يفتي الناس بالمدينة.
وقال يونس بن حبيب: حدثنا قتيبة بن مهران، حدثنا سليمان بن مسلم بن جماز، سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة، في إذا الشمس كورت، يحزنها شبه الرثاء، فأما قراءة أبي جعفر فدارت على أحمد بن زيد الحلواني، عن قالون عن عيسى بن وردان الحذاء، عن أبي جعفر قرأ بها الفضل بن شاذان الداري، وجعفر بن الهيثم عن الحلواني، وأقرأ بها الزبير بن محمد العمري، عن قراءته على قالون بإسناده.
وأقرأها سليمان بن داود الهاشمي عن سليمان بن مسلم بن جماز، عن أبي جعفر،
стр. 37
وأقرأها الدوري عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي جعفر، أو عن رجل عنه، وأقرأه أبو جعفر طرقا عدة، مذكورة في الكامل.
قال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن سليمان بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر القارئ على الكعبة فقلت: أبا جعفر قال: نعم، أقرئ إخواني السلام، وخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين.
وأقرئ أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر الكيس الكيس، فإن الله تعالى وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات، قال: وحدثنا سليمان بن مسلم أخبرني أبو جعفر حين كان يمر به نافع، يقول: أترى هذا كان يأتيني وهو غلام، فيقرأ علي ثم كفر بي وهو يضحك.
قال سليمان: وشهدت أبا جعفر حين احتضر، جاء أبو حازم ومشيخة، فأكبوا عليه يصرخون به فلم يجبهم، قال شيبة: وكان ختنه على ابنة أبي جعفر، ألا أريكم منه عجبا، قالوا: بلى، فكشف عن صدره فإذا دوارة بيضاء مثل اللبن فقال أبو حازم وأصحابه: هذا والله نور القرآن.
قال سليمان: فقالت لي أم ولده بعد ما مات: صار ذلك البياض غرة بين عينيه.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي، حدثني أبي عن نافع، قال: لما غسل أبو جعفر القارئ نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن، ﵀.
قلت: قد اختلفوا في تاريخ وفاته.
فقال محمد بن المثنى العنزي: توفي سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال آخر: سنة ثمان وعشرين.
وقال خليفة: سنة اثنتين وثلاثين.
وقيل: سنة إحدى وثلاثين.
وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، عن نيف وتسعين سنة١.
١٠- يزيد بن رومان المدني أبو روح القارئ مولى آل الزبير بن العوام.
قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وسمع من عروة بن الزبير وصالح بن خوات.
стр. 38
وقيل: إنه روى عن أبي هريرة، وقرأ على ابن عباس وليس بشيء، وهو ثقة ثبت حديثه في الكتب الستة، وهو أحد شيوخ نافع في القراءة، وثقه ابن معين وغيره.
وكان فقيها قارئا محدثا.
قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث, قلت: حدث عنه أبو حازم الأعرج، وعبد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق، وجرير بن حازم ومالك بن أنس وجماعة.
قال وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في الصلاة.
وروى مطرف عن مالك عن يزيد بن رومان، أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ بثلاث وعشرين ركعة في رمضان، توفي سنة عشرين ومائة، وقيل سنة تسع وعشرين.
وقيل: سنة ثلاثين ومائة، ولم يذكر أبو عمرو الداني إلا هذا القول١.
١١- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني مولى محمد بن ربيعة.
أخذ القراءة عرضا عن أبي هريرة وابن عباس ﵃، وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، وأكثر من السنن عن أبي هريرة، قرأ عليه القرآن نافع بن أبي نعيم وغيره.
وقال إبراهيم بن سعد: كان الأعرج يكتب المصاحف، وقال مصعب الزبيري: هو مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وقال الأصمعي حدثنا نافع حدثنا الأعرج، أنه قرأ ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] قال: لا تأخذها عنه، فإنه لم يكن عالما بالعربية، وروى مالك عن داود بن الحصين٢، أنه سمع عبد الرحمن الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بهم في اثنتي عشرة ركعة،
стр. 39
رأى الناس أنه قد خفف، وقد روى الأعرج أيضا عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن بحينة ﵄ وجماعة، حدث عنه أبو الزناد، وابن شهاب وصالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن لهيعة وطائفة سواهم.
وروى ابن لهيعة عن أبي النضر قال: كان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، قلت: كان الأعرج أحد من برز في القرآن والسنة.
وقالوا: هو أول من وضع العربية بالمدينة، أخذ عن أبي الأسود، وله خبرة بأنساب قريش، وافر العلم مع الثقة والأمانة، اتفق أنه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة سبع عشرة ومائة.
وأرخه مصعب الزبيري وغير واحد١.
١٢- شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب المدني المقرئ الإمام.
مولى أم سلمة ﵂، وأحد شيوخ نافع في القراءة، وقاضي المدينة ومقرئها مع أبي جعفر.
أدرك أم المؤمنين عائشة وأم سلمة ﵄، وقرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ووهم من قال إنه قرأ على أبي هريرة وابن عباس ﵄، فإنه لم يدرك ذلك.
وقد مسحت أم سلمة رأس شيبة وهو صغير، وقد حدث عن القاسم بن محمد وخالد بن مغيث وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيرهم، وهو قليل الحديث صدوق بعيد الصيت في القراءة.
قرأ عليه نافع وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن جماز، وحدث عنه ابن جريج وابن إسحاق وأبو ذكية يحيى بن محمد بن قيس، وأبو ضمرة أنس بن عياض وآخرون وقيل كنيته أبو ميمونة.
قال الدوري: حدثنا إسماعيل بن جعفر. قال: قرأت على شيبة بن نصاح مولى أم سلمة، فكان إمام أهل المدينة في القراءة, قال إسماعيل: وأخبرني سليمان بن مسلم، أن شيبة
стр. 40
أخبره أنه أتي به إلى أم سلمة وهو صغير فمسحت رأسه وبركت عليه، قلت: وكذا غلط من قال إن أبا جعفر وشيبة كانا يقرئان في مسجد رسول الله ﷺ قبل الحرة، قاله محمد بن سعدان عن يعقوب بن جعفر بن أبي كثير.
بل قد نقل ذلك عن أبي حعفر وحده، وهو أسن من شيبة بكثير وهو والد ميمونة زوجة شيبة، وقال قالون: كان نافع أكثر اتباعا لشيبة منه لأبي جعفر.
وقال النسائي وغيره: شيبة ثقة.
قلت: خرج له النسائي وحده. "حديثا واحدا"١.
وقال قتيبة الأصبهاني: حدثنا سليمان بن مسلم، رجع شيبة إلى قراءة أبي جعفر، حين مات أبو جعفر.
وقال خليفة بن خياط: توفي شيبة سنة ثلاثين ومائة٢.
١٣- مسلم بن جندب أبو عبد الله المدني القارئ القاص مولى هذيل.
قرأ القرآن على عبد الله بن عياش المخزومي مقرئ المدينة، وحدث عن أبي هريرة وحكيم بن حزام٣ وابن عمر، وابن الزبير وأسلم مولى عمر وغيرهم، قرأ عليه نافع الإمام وتأدب عليه عمر بن عبد العزيز.
وحدث عنه ابنه عبد الله بن مسلم، وزيد بن أسلم ومحمد بن عمرو بن حلحلة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ذئب وآخرون، وكان من فصحاء أهل زمانه، وكان يقص بالمدينة.
وروى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن مسلم بن جندب، عن ابن عمر ﵄، قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهمان"، وروى ابن أبي ذئب عن مسلم بن