وعن ابن أبي الزناد قال: كان أبو جعفر يقدم في زمانه على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وعن سليمان بن عباد سألت أبا جعفر متى علمت القرآن؟ قال: زمن معاوية.
وروى مطرف بن عبد الله عن مالك عن أبي جعفر القارئ قال: رأيت ابن عمر إذا أهوى ليسجد يمسح الحصا لموضع جبهته مسحا خفيفا.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي عن أبيه عن نافع قال: كان أبو جعفر يقوم الليل فإذا أصبح جلس يقرئ الناس، فيقع عليه النوم فيقول لهم: خذوا الحصا فضعوه بين أصابعي، ثم ضموها فكانوا يفعلون ذلك وكان النوم يغلبه، فقال: أراني أنام على هذا، فإذا رأيتموني قد نمت فخذوا خصلة من لحيتي فمدوها.
قال: فيمر عبد الله بن عياش مولاه، فيرى ما يفعلون به فيقول أيها الشيخ ذهبت بك الغفلة، فيقول أبو جعفر: إن هذا الشيخ في خلقه شيء دوروا بنا وراء القبر موضعا لا يرانا، رواها ابن مجاهد.
حدثنا عبد الله ابن أبي بكر حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق.
قال عبد الله بن وهب: حدثنا ابن زيد بن أسلم. قال: قال رجل لأبي جعفر مولى ابن عياش، وكان في دينه فقيها وفي دنياه أبله: هنيئا لك ما أتاك من القرآن، فقال: ذاك إذا أحللت حلاله وحرمت حرامه وعملت بما فيه.
وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: أكان أبو جعفر يصلي خلف القراء في رمضان يلقنهم يؤمر بذلك.
وكان بعده شيبة جعلوه لذلك، وعن مالك بن أنس قال: كان أبو جعفر القارئ إذا مر سائل بالليل وهو يصلي دعاه فيستتر منه ثم يلقي إليه إزاره.
وعن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه قال: قال لي مالك: كان أبو جعفر القارئ رجلا صالحا يفتي الناس بالمدينة.
وقال يونس بن حبيب: حدثنا قتيبة بن مهران، حدثنا سليمان بن مسلم بن جماز، سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة، في إذا الشمس كورت، يحزنها شبه الرثاء، فأما قراءة أبي جعفر فدارت على أحمد بن زيد الحلواني، عن قالون عن عيسى بن وردان الحذاء، عن أبي جعفر قرأ بها الفضل بن شاذان الداري، وجعفر بن الهيثم عن الحلواني، وأقرأ بها الزبير بن محمد العمري، عن قراءته على قالون بإسناده.
وأقرأها سليمان بن داود الهاشمي عن سليمان بن مسلم بن جماز، عن أبي جعفر،
стр. 37
وأقرأها الدوري عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي جعفر، أو عن رجل عنه، وأقرأه أبو جعفر طرقا عدة، مذكورة في الكامل.
قال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن سليمان بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر القارئ على الكعبة فقلت: أبا جعفر قال: نعم، أقرئ إخواني السلام، وخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين.
وأقرئ أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر الكيس الكيس، فإن الله تعالى وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات، قال: وحدثنا سليمان بن مسلم أخبرني أبو جعفر حين كان يمر به نافع، يقول: أترى هذا كان يأتيني وهو غلام، فيقرأ علي ثم كفر بي وهو يضحك.
قال سليمان: وشهدت أبا جعفر حين احتضر، جاء أبو حازم ومشيخة، فأكبوا عليه يصرخون به فلم يجبهم، قال شيبة: وكان ختنه على ابنة أبي جعفر، ألا أريكم منه عجبا، قالوا: بلى، فكشف عن صدره فإذا دوارة بيضاء مثل اللبن فقال أبو حازم وأصحابه: هذا والله نور القرآن.
قال سليمان: فقالت لي أم ولده بعد ما مات: صار ذلك البياض غرة بين عينيه.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي، حدثني أبي عن نافع، قال: لما غسل أبو جعفر القارئ نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن، ﵀.
قلت: قد اختلفوا في تاريخ وفاته.
فقال محمد بن المثنى العنزي: توفي سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال آخر: سنة ثمان وعشرين.
وقال خليفة: سنة اثنتين وثلاثين.
وقيل: سنة إحدى وثلاثين.
وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، عن نيف وتسعين سنة١.
١٠- يزيد بن رومان المدني أبو روح القارئ مولى آل الزبير بن العوام.
قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وسمع من عروة بن الزبير وصالح بن خوات.
стр. 38
وقيل: إنه روى عن أبي هريرة، وقرأ على ابن عباس وليس بشيء، وهو ثقة ثبت حديثه في الكتب الستة، وهو أحد شيوخ نافع في القراءة، وثقه ابن معين وغيره.
وكان فقيها قارئا محدثا.
قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث, قلت: حدث عنه أبو حازم الأعرج، وعبد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق، وجرير بن حازم ومالك بن أنس وجماعة.
قال وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في الصلاة.
وروى مطرف عن مالك عن يزيد بن رومان، أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ بثلاث وعشرين ركعة في رمضان، توفي سنة عشرين ومائة، وقيل سنة تسع وعشرين.
وقيل: سنة ثلاثين ومائة، ولم يذكر أبو عمرو الداني إلا هذا القول١.
١١- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني مولى محمد بن ربيعة.
أخذ القراءة عرضا عن أبي هريرة وابن عباس ﵃، وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، وأكثر من السنن عن أبي هريرة، قرأ عليه القرآن نافع بن أبي نعيم وغيره.
وقال إبراهيم بن سعد: كان الأعرج يكتب المصاحف، وقال مصعب الزبيري: هو مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وقال الأصمعي حدثنا نافع حدثنا الأعرج، أنه قرأ ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] قال: لا تأخذها عنه، فإنه لم يكن عالما بالعربية، وروى مالك عن داود بن الحصين٢، أنه سمع عبد الرحمن الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بهم في اثنتي عشرة ركعة،
стр. 39
رأى الناس أنه قد خفف، وقد روى الأعرج أيضا عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن بحينة ﵄ وجماعة، حدث عنه أبو الزناد، وابن شهاب وصالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن لهيعة وطائفة سواهم.
وروى ابن لهيعة عن أبي النضر قال: كان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، قلت: كان الأعرج أحد من برز في القرآن والسنة.
وقالوا: هو أول من وضع العربية بالمدينة، أخذ عن أبي الأسود، وله خبرة بأنساب قريش، وافر العلم مع الثقة والأمانة، اتفق أنه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة سبع عشرة ومائة.
وأرخه مصعب الزبيري وغير واحد١.
١٢- شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب المدني المقرئ الإمام.
مولى أم سلمة ﵂، وأحد شيوخ نافع في القراءة، وقاضي المدينة ومقرئها مع أبي جعفر.
أدرك أم المؤمنين عائشة وأم سلمة ﵄، وقرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ووهم من قال إنه قرأ على أبي هريرة وابن عباس ﵄، فإنه لم يدرك ذلك.
وقد مسحت أم سلمة رأس شيبة وهو صغير، وقد حدث عن القاسم بن محمد وخالد بن مغيث وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيرهم، وهو قليل الحديث صدوق بعيد الصيت في القراءة.
قرأ عليه نافع وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن جماز، وحدث عنه ابن جريج وابن إسحاق وأبو ذكية يحيى بن محمد بن قيس، وأبو ضمرة أنس بن عياض وآخرون وقيل كنيته أبو ميمونة.
قال الدوري: حدثنا إسماعيل بن جعفر. قال: قرأت على شيبة بن نصاح مولى أم سلمة، فكان إمام أهل المدينة في القراءة, قال إسماعيل: وأخبرني سليمان بن مسلم، أن شيبة
стр. 40
أخبره أنه أتي به إلى أم سلمة وهو صغير فمسحت رأسه وبركت عليه، قلت: وكذا غلط من قال إن أبا جعفر وشيبة كانا يقرئان في مسجد رسول الله ﷺ قبل الحرة، قاله محمد بن سعدان عن يعقوب بن جعفر بن أبي كثير.
بل قد نقل ذلك عن أبي حعفر وحده، وهو أسن من شيبة بكثير وهو والد ميمونة زوجة شيبة، وقال قالون: كان نافع أكثر اتباعا لشيبة منه لأبي جعفر.
وقال النسائي وغيره: شيبة ثقة.
قلت: خرج له النسائي وحده. "حديثا واحدا"١.
وقال قتيبة الأصبهاني: حدثنا سليمان بن مسلم، رجع شيبة إلى قراءة أبي جعفر، حين مات أبو جعفر.
وقال خليفة بن خياط: توفي شيبة سنة ثلاثين ومائة٢.
١٣- مسلم بن جندب أبو عبد الله المدني القارئ القاص مولى هذيل.
قرأ القرآن على عبد الله بن عياش المخزومي مقرئ المدينة، وحدث عن أبي هريرة وحكيم بن حزام٣ وابن عمر، وابن الزبير وأسلم مولى عمر وغيرهم، قرأ عليه نافع الإمام وتأدب عليه عمر بن عبد العزيز.
وحدث عنه ابنه عبد الله بن مسلم، وزيد بن أسلم ومحمد بن عمرو بن حلحلة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ذئب وآخرون، وكان من فصحاء أهل زمانه، وكان يقص بالمدينة.
وروى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن مسلم بن جندب، عن ابن عمر ﵄، قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهمان"، وروى ابن أبي ذئب عن مسلم بن
стр. 41
جندب، عن الزبير بن العوام ﵁، فذكر حديثا وهذا مرسل فلا يغتر به، ولا أحسب رواية مسلم عن حكيم وأبي هريرة إلا منقطعة.
وقال محمد بن الضحاك الحزامي عن مالك بن أنس، قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد أي الأيام خير؟ قال: سل عن ذلك القاضي مسلم بن جندب، فذهب فسأله فقال: يوم النحر، ثم رجع إلى سعيد فأخبره فقال: سعيد أعرابي يعظم الدماء أعظم هذه الأيام يوم الجمعة، وقال ابن وهب: حدثني نافع قال: سألت مسلم بن جندب عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] قال: إلى غاية، فسألته عن ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] قال: الردء الزيادة.
وقال الحلواني عن قالون قال: كان أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا: ﴿مُسْتَهْزِئِينَ﴾ و: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ .
وقال عباس بن الفضل عن جعفر بن الزبير، قال: كان مسلم بن جندب يقرأ علينا غدوة ثلاثين آية وعشية ثلاثين آية.
قلت: وما علمت في مسلم جرحة، وقد روى له الترمذي.
ومات في خلافة هشام بن عبد الملك، بعد سنة عشر ومائة تقريبا١.
١٤- عبد الله بن عامر اليحصبي إمام أهل الشام في القراءة، عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم، بن ربيعة، أبو عمران على الأصح.
وقيل: أبو عامر. وقيل أبو نعيم. وقيل: أبو عليم. وقيل: أبو عبيد. وقيل: أبو محمد. وقيل أبو موسى. وقيل: أبو معبد. وقيل: أبو عثمان الدمشقي.
стр. 42
ثابت النسب إلى يحصب بن دهمان. أحد حمير، وحمير من قحطان، وبعضهم يتكلم في نسبه، والصحيح أنه صريح النسب١.
قال خالد بن يزيد المري: سمعت عبد الله بن عامر يقول: قبض رسول الله ﷺ ولي سنتان، وانتقلت إلى دمشق، ولي تسع سنين، وعن خالد بن يزيد عن أبي عامر قال: قرأت على أبي معاذ وأبي الدرداء، روى ابن زيد عن أبي عامر، قال: قرأت على معاوية٢، وعلى واثلة بن الأسقع٣، وفضالة بن عبيد.
وروى القراءة عرضا على ابن فضل.
وعن يحيى بن الحارث الذماري. قال: ولد ابن عامر سنة إحدى وعشرين من الهجرة.
قال أبو عمرو الداني: عبد الله بن عامر القاضي اليحصبي يكنى أبا عمران.
وقيل: أبا نعيم.
أخذ القراءة عرضا عن أبي الدرداء، وعن المغيرة بن أبي شهاب صاحب عثمان، وقيل عرض على عثمان نفسه ﵁ "وروى عنه القراءة عرضا يحيى الذماري"٤، قلت: ولي قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، وحدث عن "معاوية وفضالة بن عبيد والنعمان بن بشير وواثلة بن الأسقع وقرأ أيضا على فضالة بن عبيد"٥.
روى عنه محمد بن الوليد الزبيدي، وربيعة بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد بن
стр. 43
جابر، وعبد الله بن العلاء بن زبر وآخرون له حديث في صحيح مسلم وكان على نظر عمارة جامع دمشق.
قال هشام بن عمار: حدثنا عراك بن خالد، حدثنا يحيى بن الحارث. قال: قرأت على ابن عامر وقرأ على المغيرة بن أبي شهاب، وقرأ المغيرة على عثمان ﵁.
قال هشام: وهذا أصح عندنا، وذلك أن الوليد بن مسلم حدثنا عن يحيى بن الحارث، عن ابن عامر أنه قرأ على عثمان ﵁، أبو مسهر الغساني عن الوليد، وأيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن ابن عامر قال: قال لي فضالة بن عبيد: أمسك علي هذا المصحف ولا تردن علي ألفا ولا واوا، فسيأتي أقوام لا يسقط عليهم ألف ولا واو.
قال هشام بن عمار: حدثني الهيثم بن عمران، قال: كان رأس المسجد بدمشق زمن الوليد عبد الله بن عامر، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه.
وقال يحيى بن الحارث: كان ابن عامر قاضي الجند، وكان رئيس المسجد لا يرى فيه بدعة إلا غيرها وروي أن ابن عامر لم يقرأ على عثمان بل سمع قراءته في الصلاة.
وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، عن يحيى بن الحارث، قال: حدثني من سمع عثمان ﵁، يقرأ غرفة يعني عبد الله بن عامر.
قال أبو مسهر عن عبد الله بن العلاء عن عمرو بن المهاجر: إن عبد الله بن عامر استأذن على عمر بن عبد العزيز فلم يأذن له.
وقال الذي ضرب أخاه يعني عطيه بن قيس: إن رفع يديه إن ذا ليؤدب عليه بالمدينة، قال سعيد بن عبد العزيز: ضرب ابن عامر عطية بن قيس، لكونه رفع يديه في الصلاة، قال عطية بن قيس: فمصعني مصعات.
القسوي في تاريخيه، حدثنا هشام بن عمار حدثنا الهيثم، بن عمران قال: كان رأس المسجد بدمشق في زمن عبد الملك وبعده، عبد الله بن عامر اليحصبي، وكان يغمز في نسبه، فجاء رمضان فقالوا: من يؤمنا؟ فذكروا المهاجر بن أبي المهاجر، فقيل ذاك مولى ولسنا نريد أن يؤمنا مولى، فبلغت سليمان بن عبد الملك.
فلما استخلف بعث إلى المهاجر فقال: إذا كان أول ليلة من رمضان قف خلف الإمام، فإذا تقدم ابن عامر فخذ بثيابه واجذبه، وقل تأخر فلن يتقدمنا دعي، وصل أنت يا مهاجر ففعل.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: ابن عامر شامي ثقة.
стр. 44
وروى محمد بن شعيب بن شابور عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر، أنه قرأ على أبي الدرداء، هذا خبر غريب، وعليه اعتمد الداني وغيره، في أن ابن عامر قرأ على أبي الدرداء.
والذي عند هشام وابن ذكوان والكبار، أن ابن عامر إنما قرأ على المغيرة المخزومي عن عثمان، وهذا هو الحق.
قال هارون بن موسى الأخفش: حدثنا عبد الله بن ذكوان قال: قرأت على أيوب بن تميم، وقال لي: إنه قرأ على يحيى الذماري، وقرأ يحيى على ابن عامر.
وقرأ ابن عامر على رجل قال هارون: لم يسمه لنا ابن ذكوان، وسماه لنا هشام بن عمار، فقال: إن الذي لم يسمه لكم ابن ذكوان والمغيرة بن أبي شهاب، المخزومي، وقد قرأ المغيرة على عثمان ﵁.
وقال علي بن موسى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحارث، أنه قرأ على ابن عامر، وأنه قرأ على المغيرة بن أبي شهاب، وأن المغيرة قرأ على عثمان، فذكرنا رواية هشام عن الوليد، وفيها إسقاط المغيرة.
وأن هشاما ضعف ذلك ووهاه، قال: قال خليفة ومحمد بن سعد وابن جرير، وتوفي ابن عامر سنة ثماني عشرة ومائة١.
١٥- عبد الله بن كثير بن المطلب الإمام أبو معبد، مولى عمرو بن علقمة الكناني الداري المكي إمام المكيين في القراءة.
أصله فارسي، وكان داريا بمكة، وهو العطار، مأخوذ من قوله عطر دارين، ودارين موضع بنواحي الهند.
وقيل في نسبته الداري: إنه قرشي من بني عبد الدار، قاله البخاري.
وقال أبو بكر بن أبي داود: الدار بطن من لحم. وهو رهط تميم الداري.
وعن الأصمعي قال: الداري الذي لا يبرح في داره، ولا يطلب معاشا.
وعنه قال: كان عبد الله بن كثير عطارا.
قلت: هذا هو الحق فلا يبطله اشتراك الأنساب، وابن كثير من أبناء فارس، الذين بعثهم كسرى إلى صنعاء فطردوا عنها الحبشة.
стр. 45
قلت: قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي، وعلى مجاهد ودرباس مولى ابن عباس، وحدث عن عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن مطعم، وعمر بن عبد العزيز.
وتصدر للإقراء وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وشبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين وطائفة.
وحدث عنه أيوب السختياني، وابن جريج وجرير بن حازم، والحسين بن واقد وعبد الله بن أبي نجيح، وحماد بن سلمة وقرة بن خالد، والحارث بن قدامة وخلق سواهم.
وقال سفيان بن عيينة: رأيته يخضب بالصفرة، ويقص للجماعة.
وقال ابن معين: ثقة.
قلت: بعض القراء يغلط، ويورد هذه الأبيات لعبد الله بن كثير:
بني كثير كثير الذنوب ... ففي الحل واليل من كان سبه
إنما هي لمحمد بن كثير أحد شيوخ الحديث، بعد المائتين والله أعلم. وبلغنا أن عبد الله بن كثير كان فصيحا بليغا مفوها، أبيض اللحية طويلا جسيما، أسمر أشهل العينين١، يخضب بالحناء عليه سكينة ووقار.
وقال ابن عيينة: حضرت جنازته سنة عشرين ومائة.
وقال غيره: عاش خمسا وسبعين سنة.
قلت: فيكون مولده ظنا في سنة خمس وأربعين ومات شيخه عبد الله بن السائب ﵁ بعد السبعين.
وقد قرأ على أبي بن كعب، وقرأ مجاهد على ابن عباس، وحديث ابن كثير مخرج في الكتب الستة٢.
стр. 46
١٦- عاصم بن أبي النجود ١ الأسدي مولاهم الكوفي القارئ الإمام أبو بكر.
أحد السبعة، واسم أمه بهدلة٢ على الصحيح، قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، وحدث عنهما وعن أبي وائل، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وجماعة.
وقيل: إنه روى عن الحارث بن حسان البكري، ورفاعة بن يثربي التميمي أو التيمي ﵄.
وهو معدود في التابعين، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السمان وهما من شيوخه ومن كبار التابعين، وقرأ عليه خلق كثير فإنه تصدى لإقراء كتاب الله تعالى، منهم الأعمش والمفضل بن محمد الضبي، وحماد بن شعيب وأبو بكر بن عياش وحفص بن سليمان ونعيم بن ميسرة.
وروى عنه أبو عمرو بن العلاء وحمزة بن حبيب والحمادان والخليل بن أحمد، أحرفا من القراءة، وسليمان التيمي، وسفيان الثوري، وشعبة وأبان وشيبان، وأبو عوانة وسفيان بن عيينة، وخلق.
وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالكوفة، بعد شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، قال أبو بكر بن عياش: لما هلك أبو عبد الرحمن جلس عاصم يقرئ الناس، وكان عاصم أحسن الناس صوتا بالقرآن.
وقال أبو خيثمة وغيره: اسم أبي النجود بهدلة، وقال الفلاس: اسم أمه بهدلة، وقال أبو عبيد: كان من قراء الكوفة، يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود والأعمش، وهم من بني أسد موالي.
ابن الأصبهاني، ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث بن حسان. قال: رأيت النبي ﷺ على المنبر، وبلال قائم متقلد سيفا، قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدا أقرأ من عاصم بن أبي النجود.
стр. 47
وقال يحيى بن آدم: حدثنا حسن بن صالح قال: ما رأيت أحدا قط كان أفصح من عاصم بن أبي النجود إذا تكلم، كاد يدخله خيلاء.
وقال عفان: حدثنا حماد بن سلمة أنا عاصم بن أبي النجود، قال: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبّل كفي.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خير ثقة.
فسألته أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فقراءة عاصم أبو كريب.
حدثنا أبو بكر قال لي عاصم: مرضت سنتين فلما قمت قرأت القرآن فما أخطأت حرفا، منجاب بن الحارث ثنا شريك.
قال: كان عاصم صاحب همز ومد وقراءة سديدة، أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن شمر بن عطية قال: فينا رجلان أحدهما أقرأ الناس لقراءة زيد عاصم، والآخر أقرأ الناس لقراءة عبد الله الأعمش.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي عاصم بن بهدلة: صاحب سنة وقراءة، كان رأسا في القرآن، قدم البصرة فأقرأهم، قرأ عليه سلام أبو المنذر، وكان عثمانيا، قرأ عليه الأعمش في حداثته، ثم قرأ على يحيى بن وثاب، وقال أبو بكر بن عياش، كان عاصم نحويا فصيحا، إذا تكلم مشهور الكلام.
وكان الأعمش وعاصم وأبو حصين كلهم لا يبصرون، جاء رجل يوما يقود عاصما فوقع وقعة شديدة، فما كهره١ ولا قال له شيئا.
وقال حماد بن زيد عن عاصم؛ قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن ونحن غلمة أيفاع، وقال أبو بكر بن عياش: قال عاصم: من لم يحسن من العربية إلا وجها واحدا لم يحسن شيئا، وقال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفا، إلا أبو عبد الرحمن، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي ﵁، فكنت أرجع من عنده فأعرض على زر. وكان زر قد قرأ على عبد الله ﵁، فقلت لعاصم: لقد استوثقت.
стр. 48
رواها يحيى بن آدم عنه، وروى جماعة عن عمرو بن الصباح عن حفص الغاضري عن عاصم عن أبي عبد الرحمن عن علي ﵁ بالقراءة.
وذكر عاصم أنه لم يخالف أبا عبد الرحمن في شيء من قراءته، وأن أبا عبد الرحمن لم يخالف عليا في شيء من قراءته.
وروى أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش، قال: كل قراءة عاصم قراءة أبي عبد الرحمن إلا حرفا.
وروى أبو بكر عن عاصم، كان أبو عمرو الشيباني يقرئ الناس في المسجد الأعظم.
فقرأت عليه ثم سألته عن آية فاتهمني بسهوي، فكنت إذا دخلت المسجد يشير إلي ويحذر أصحابه مني، رواها يحيى بن آدم عنه.
وروي عن حفص بن سليمان قال: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁.
وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عياش، فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش، عن أبي مسعود ﵁، وقال سلمة بن عاصم: كان عاصم بن أبي النجود ذا نسك وأدب وفصاحة وصوت حسن، وقال يزداد بن أبي حماد: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر قال: لم يكن عاصم يعد ألم آية ولا حم آية ولا كهيعص آية ولا طه ولا نحوها.
وقال زياد بن أيوب: حدثنا أبو بكر قال: كان عاصم إذا صلى ينتصب كأنه عود، وكان عاصم يوم الجمعة في المسجد إلى العصر.
وكان عابدا خيرا أبدا، يصلي ربما أتى حاجة فإذا رأى مسجدا قال: مل بنا، فإن حاجتنا لا تفوت, ثم يدخل فيصلي. حسين الجعفي عن صالح بن موسى، قال: سمعت أبي يسأل عاصم بن أبي النجود.
قال: يا أبا بكر على ما تضعون هذا من علي ﵁ خير هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر وعمر ﵄، وعلمت مكان الثالث فقال عاصم: ما تضعه إلا أنه عني عثمان ﵁، هو كان أفضل من أن يزكي نفسه ﵁.
وقال أبو بكر بن عياش: دخلت على عاصم وهو في الموت فقرأ ردوا إلى الله مولاهم الحق بكسر الراء، وهي لغة هذيل.
وقال أبو هاشم الرفاعي: حدثنا يحيى حدثنا أبو بكر قال: دخلت على عاصم فأغمي
стр. 49
عليه فأفاق، ثم قرأ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] . فهمز فعلمت أن القراءة منه سجية.
وثقه أبو زرعة وجماعة.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وقال الدارقطني: في حفظه شيء، توفي عاصم في آخر سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال إسماعيل بن مجالد: سنة ثمانٍ وعشرين رواه البخاري عن أحمد بن سليمان عنه فلعله في أولها.
مات وحديثه مخرج في الكتب الستة وليس حديثه بالكبير -رحمه الله تعالى، وأعلى ما يقع لنا القرآن العظيم من جهته، فإنني قرأت القرآن كله على أبي القاسم سحنون المالكي.
عن أبي القاسم الصفراوي عن أبي القاسم بن عطية، عن ابن الفحام عن ابن نفيس، عن السامري عن الأشناني عن عبيد بن الصباح عن حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن، عن علي وعن زر عن عبد الله عن النبي ﷺ ، عن جبريل ﵇ عن الله ، فنسأل الله أن يجعله شاهدا لنا وشافعا١.
١٧- سليمان بن مهران الأعمش الإمام العلم أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي.
أصله من أعمال الري، رأى أنسا ﵁ يصلي.
وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل وزيد بن وهب وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، ومجاهد وأبي عمرو الشيباني وخلق.
وقرأ القرآن على يحيى بن وثاب، وورد أيضا أنه قرأ على زيد بن وهب وزر بن حبيش، وعرض القرآن على أبي العالية الرياحي ومجاهد وعاصم بن بهدلة.
وأقرأ الناس ونشر العلم دهرا طويلا، ويقال ختم عليه القرآن ثلاثة أنفس، قرأ عليه حمزة الزيات وغيره.
وروى عنه الحكم بن عتيبة مع تقدمه، وشعبة والسفيانان وزايدة، وجرير بن عبد الحميد وأبو معاوية ووكيع وأبو أسامة، وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وخلق لا يحصون.
стр. 50
وكان مولده سنة إحدى وستين.
قال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث وأعلمهم بالفرائض، وقال أبو حفص الفلاس: كان الأعمش يسمي المصحف من صدقه.
وقال يحيى بن القطان: هو علامة الإسلام، وقال وكيع: بقي الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.
وقال الخرشي: ما خلف الأعمش أعبد منه، وكان صاحب سنة، وللأعمش ملح ونوادر وإساءة أخلاق على المحدثين، وهم مع ذلك يحتملون أخلاقه.
خرج يوما إليهم فقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم.
وجاء أن حائكا سأله ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ قال: لا بأس بها على غير وضوء.
وقيل له ما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل مع عدلين، وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن مثل الأعمش، وما رأيت الأغنياء عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.
وقال علي بن عتام عن أبيه، قال: قيل للأعمش ألا تموت فنحدث عنك؟ قال: وكم من جب أصبهاني قد انكسر على رأسه كيزان كثيرة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان الأعمش ثقة ثبتا، يقال: إنه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب.
وكان يقرئ الناس القرآن رأس فيه وكان فصيحا، وكان أبوه من سبي الديلم١، وكان لا يلحن حرفا وكان فيه تشيع يسير، ولم يختم عليه إلا ثلاثة طلحة بن مصرف، وكان أسن منه وأبان بن تغلب، وأبو عبيدة بن معن.
قلت: قد ذكرنا أن حمزة عرض عليه القرآن، توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة٢.
١٨- حميد بن قيس الأعرج أبو صفوان المكي القارئ، أخو عمر سندل.
قرأ القرآن على مجاهد ثلاث مرات، وروى عن مجاهد وعطاء والزهري وغيرهم.
стр. 51
قال أبو عمرو الداني: روى عنه القراءة عرضا أبو عمرو بن العلاء، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن يحيى بن أبي حية، وجنيد بن عمرة، وعبد الوارث التنوري، وسمع منه مالك والثوري.
قلت: وحدث عنه أيضا معمر وابن عيينة وغيرهم، وثقه أبو داود وهو قليل الحديث.
قال ابن عيينة: حدثنا حميد بن قيس الأعرج، مولى بني فزارة.
وقال جنيد بن عمرو:
وقرأت على حميد بن قيس الأعرج، مولى آل الزبير، وقال إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا أبي عن حميد بن قيس المكي، مولى بني أسد بن عبد العزى.
وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: حميد بن قيس، مولى آل الزبير.
وكان قارئ أهل مكة، وكان كثير الحديث فارضا حاسبا قرأ على مجاهد.
وقال البخاري: قال ابن معين: هو مولى منظور بن سيار الفزاري.
وقال بعضهم: مولاه من قبل الأم.
قلت: هذا الجمع بين القولين إن ولاءه لبني فزارة من قبل الأم، ولبني أسد من قبل الأب.
وقال ابن عيينة، قال حميد: كل شيء أقرؤه فهو قراءة مجاهد.
قال ابن عيينة: كان حميد بن قيس أفرضهم وأحسبهم، وكانوا لا يجتمعون إلا على قراءته، ولم يكن بمكة أحد أقرأ منه، ومن ابن كثير.
قال خليفة: توفي في سنة ثلاثين ومائة.
وقال محمد بن سعد: توفي في خلافة السفاح١.
١٩- محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي.
قارئ أهل مكة، مع ابن كثير وحميد الأعرج، ومنهم من يسميه عمرو ومن القراء من سماه عبد الرحمن بن محمد بن محيصن، ومنهم من سماه محمد بن عبد الله بن محيصن، حكى هذين القولين ابن مجاهد.
стр. 52
وقال مصعب الزبيري: هو عبد الرحمن بن محيصن بن أبي وداعة، ولابن محيصن رواية شاذة في كتاب المبهج وغيره.
وهو في الحديث ثقة، احتج به مسلم، وقرأ القرآن على سعيد بن جبير، ومجاهد ودرباس مولى ابن عباس، وحدث عن أبيه، وصفية بنت شيبة، ومحمد بن قيس بن مخرمة، وعطاء.
قرأ عليه شبل بن عباد، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر القارئ.
وحدث عنه ابن جريج، وهشيم وابن عيينة وعبد الله بن المؤمل المخزومي.
قال ابن المديني: قلت: لسفيان هذا يعني عمر بن محيصن الذي كان قارئا ههنا قال: نعم.
وقال بعضهم: هذا الصواب، فإن محمدا أسن من عمر كذا قال هذا, وقد سماه محمد بن عبد الرحمن شبل بن عباد، وغير واحد، وسماه أبو عبد الله الحاكم، وأبو أحمد السامري، عبد الله بن محيصن، وسماه ابن معين وابن عدي عمر.
فهذه ستة أقوال في اسمه، والله أعلم، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة -رحمه الله تعالى١.
стр. 53
الطبقة الرابعة:
١- أبو عمرو بن العلاء المازني المقرئ النحوي البصري الإمام، مقرئ أهل البصرة.
اسمه زبان على الأصح وقيل: العريان.
وقيل: يحيى.
وقيل: محبوب.
وقيل: جنيد.
وقيل: عيينة.
وقيل: عثمان.
وقيل: عياد، وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان.
وقيل: ابن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحسين بن الحارث بن جلهمة بن خزاعي بن هازن بن مالك بن عمرو بن تميم التميمي، ثم المازني.
وقال الأصمعي: وعمر بن شبة اسمه كنيته.
وعن الأصمعي١، رواية أخرى مرت قال: اسمه زيان وله إخوة: سفيان ومعاذ وأبو حفص، ولد أبو عمرو سنة ثمان وستين وقيل سنة سبعين، وأخذ القراءة عن أهل الحجاز، وأهل البصرة، فعرض بمكة على مجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء وعكرمة بن خالد، وابن كثير.
وقيل: إنه قرأ على أبي العالية الرياحي، ولم يصح مع أنه أدركه، وأدرك من حياته نيفا وعشرين سنة.
وقيل: إنه عرض بالمدينة على أبي جعفر ويزيد بن رومان، وشيبة.
стр. 54
وعرض بالبصرة على يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، والحسن وغيرهم وحدث عن أنس بن مالك وعطاء بن أبي رباح، ونافع وأبي صالح السمان.
قرأ عليه خلق كثير؛ منهم: يحيى بن المبارك اليزيدي١، وعبد الوارث التنوري، وشجاع البلخي، وعبد الله بن المبارك.
وأخذ عنه القراءة والحديث والآداب أبو عبيدة، والأصمعي وشبابة، ويعلى بن عبيد والعباس بن الفضل ومعاذ بن معاذ، وسلام أبو المنذر وعلي بن نصر الجهضمي، ومحبوب بن الحسن ومعاذ بن مسلم النحوي، وهارون بن موسى، وعبيد بن عقيل.
قال أبو عمرو الداني: يقال: إنه ولد بمكة سنة ثمان وستين، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة، وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة.
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو يقول: كنت رأسا والحسن البصري حي.
وقال اليزيدي: كان أبو عمرو قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة بأحسنها، وبما يختار العرب ومما بلغه من لغة النبي ﷺ ، وجاء تصديقه في كتاب الله .
وروى اليزيدي عن أبي عمرو قال: سمع سعيد بن جبير قراءتي، فقال: الزم قراءتك هذه.
وقال أبو عبيد: حدثني شجاع بن أبي نصر وكان صدوقا، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فعرضت عليه أشياء من قراءة أبي عمرو فما رد علي إلا حرفين أحدهما ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ ٢ والآخر قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ٣.
وقال أبا عمرو: كان قراءته "أَوْ نَنْسَاهَا".
стр. 55
وقال ابن مجاهد حدثني جعفر بن محمد، قال محمد بن بشير: قال سفيان بن عيينة: رأيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علي القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ، فقال: اقرأ بقراءة أبي عمرو بن العلاء.
وقال وهب بن جرير:
قال لي شعبة: تمسك بقراءة أبي عمرو، فإنها ستصير للناس إسنادا وقال الأصمعي: سمعت أبا عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت حرف كذا وحرف كذا، وسمعته يقول: خذ الخير من أهله ودع الشر لأهله.
وقال وكيع: قدم أبو عمرو بن العلاء الكوفة, فاجتمعوا إليه كما اجتمعوا على هشام بن عروة١.
وقال أبو العيناء عن أبي عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب، والشعر وأيام الناس.
أبو العيناء عن الأصمعي قال لي أبو عمرو: لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها.
ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ لقرأت كذا وكذا، وذكر حروفا، قال إبراهيم الحربي وغيره، كان أبو عمرو من أهل السنة وقال اليزيدي ومحمد بن حفص، تكلم عمرو بن عبيد٢ في الوعيد سنة.
стр. 56
فقال أبو عمرو: إنك لألكن الفهم، إذا صيرت الوعيد الذي في أعظم شيء مثله في أصغر شيء، فاعلم أن النهي عن الصغير والكبير ليسا سواء، إنما نهى الله تعالى عنهما لتتم حجته على خلقه ولئلا يعدل عن أمره.
ووراء وعيده عفوه وكرمه ثم أنشد١:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختتي من صولة المتهدد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إبعادي ومنجز موعدي
قال عمرو صدقت:
وقد يمتدح العرب بالوفاء بهما كقولهم، لا يخلف الوعد والوعيد، ولا يبيت من ثأره على فوت.
فقد وافق هذا قول الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] فقال أبو عمرو: قد وافق الأول إخبار رسول الله ﷺ ، والحديث يفسر القرآن، وقال الأصمعي: كنت إذا رأيت أبا عمرو يتكلم ظننته لا يعرف شيئا، كان يتكلم كلاما سهلا, وكان له كل يوم بفلس كوز، وبفلس ريحان، فيشرب بالكوز يوما ويهبه.
ويأمر الجارية فتدق الريحان إذا جف في الأشنان٢.
وقال أبو عبيدة: كانت دفاتر أبي عمرو ملء بيت إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وكان من أشراف العرب ووجوههم.
وقال الأصمعي: قال أبو عمرو: إنما نحن فيمن مضى كبقل في أصول، نخل طوال.
стр. 57
قال ابن معين: أبو عمرو ثقة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به.
قلت: ليس له في الكتب الستة شيء.
وعن أبي عمرو قال: نظرت في هذا العلم قبل أن أختن، ولي أربع وثمانون سنة وروى أبو مجاهد عن جعفر بن محمد عن أحمد بن الأسود أن أبا عمرو كان متواريا فدخل عليه الفرزدق فأنشده:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
حتى أتيت فتى ضخما وسميته ... مر المريرة حر وابن أحرار
تنميهم مازن في فرع نبعتها ... جد كريم وعود غير خوار
قال أبو عبيدة: حدثني عدة عن أبي عمرو، أنه قرأ القرآن على مجاهد.
وقال بعضهم: وعلى سعيد بن جبير.
قال ابن مجاهد: حدثونا عن محمد بن سلام، قال: مر أبو عمرو بمجلس فقال رجل من القوم: ليت شعري من هذا، أعرابي أم مولى وهو على بغلة.
فقالت: النسب من مازن والولاء للعنبر، وقال عدس للبغلة ومضى.
قال ابن مجاهد: حدثني بعض أصحابنا عن أبي بكر بن خلاد، عن وكيع، قال: قرأت على قبر أبي عمرو بالكوفة هذا قبر أبي عمرو بن العلاء مولى بني حنيفة.
قلت: لعله ولاء خلق؛ ابن دريد.
حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: أنا زدت هذا البيت في أول قصيدة الأعشى، وأستغفر الله منه:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
قال الأصمعي وغيره: توفي أبو عمرو سنة أربع وخمسين ومائة١.
٢- يحيى بن الحارث الذماري الغساني الدمشقي إمام الجامع ومقرئ البلد، وذمار قرية من قرى اليمن، من أعمال صنعاء، أبوه منها وهو الذي خلف ابن عامر بدمشق، وانتصب للإقراء، أخذ عن ابن عامر.
стр. 58
وقيل: إنه قرأ أيضا على واثلة بن الأسقع، وحدث عن واثلة وسعيد بن المسيب، وأبي سلام وأبي الأشعث الصنعاني وسالم بن عبد الله وجماعة.
قرأ عليه أئمة مثل عراك بن خالد وأيوب بن تميم، والوليد بن مسلم١ ومدرك بن أبي سعد، وسويد بن عبد العزيز، وهشام بن الغازي ويحيى بن حمزة، وصدقة بن عبد الله.
وسمع منه الأوزاعي٢ وسعيد بن عبد العزيز، وصدقة بن خالد، وصدقة بن عبد الله السمين، ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم، ذكره أبو حاتم، فقال: ثقة عالم بالقراءة في دهره بدمشق.
وروى ابن ذكوان عن أيوب بن تميم، قال: كان يحيى بن الحارث يقف خلف الأئمة، لا يستطيع أن يؤم من الكبر.
كان يرد عليهم إذا غفلوا وقال سويد بن عبد العزيز: سألت يحيى بن الحارث عن عدد آي القرآن, فأشار إلي بيده اليسار ستة آلاف، ومئتان وست وعشرون.
وقال مروان الطاطري: حدثنا أبو عبد الملك القارئ؛ حدثنا يحيى بن الحارث، قال: لقيت واثلة بن السقع فقلت: هل بايعت بيدك هذه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: فأعطنيها حتى أقبلها، فأعطانيها، فقبلتها.
قال أبو حاتم الرازي: عاش يحيى الذماري تسعين سنة.
وقال خليفة توفي سنة خمس وأربعين ومائة.
قلت: وحديثه في السنن الأربعة٣.
стр. 59
٣- نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم الليثي، مولاهم أبو رويم المقرئ المدني.
أحد الأعلام، هو مولى جعونة بن شعوب الليثي، حليف حمزة بن عبد المطلب أو حليف أخيه العباس.
وقيل يكنى أبا الحسن, وقيل أبا عبد الرحمن, وقيل أبو عبد الله.
وقيل: أبو نعيم وأشهرها أبو رويم.
قرأ على طائفة من تابعي أهل المدينة، وكان أسود اللون حالكا وأصله من أصبهان.
قال أبو قرة موسى بن طارق: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين.
قال أبو عمرو الداني: قرأ على الأعرج وأبي جعفر القارئ، وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب ويزيد بن رومان، وصالح بن خوات.
قلت: وسمع الأعرج ونافعا مولى ابن عمر وعامر بن عبد الله بن الزبير، وأبا الزناد، وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وأقرأ الناس دهرا طويلا، فقرأ عليه من القدماء مالك وإسماعيل بن جعفر، وعيسى بن وردان الحذاء، وسليمان بن مسلم بن جماز.
وممن بعدهم إسحاق المسيبي والواقدي، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وقالون وورش، وإسماعيل بن أبي أويس، وهو آخر من قرأ عليه موتا.
وروى عنه الليث بن سعد، وخارجة بن مصعب، وابن وهب وأشهب، وخالد بن مخلد، وسعيد بن أبي مريم والقعنبي، ومروان الطاطري.
وسقلاب ومعلي بن دحية، وكورم المغربي والغاز بن قيس. وخلق كثير، وكثير منهم قرأ عليه. وبعضهم حمل عنه الحروف. قال سعيد بن منصور: سمعت مالكا يقول: قراءة أهل المدينة سنة. قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فقراءة عاصم. وقال مالك: نافع إمام الناس في القراءة، وروى أبو خليد الدمشقي واسمه عتبة عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة عشر، فوجد نافعا إمام الناس في القراءة لا ينازع.
قلت: المحفوظ عن الليث أنه قال: في سنة ثلاث عشرة، قال ابن وهب وغيره عنه، وقال أحمد بن هلال المصري: قال لي الشيباني: قال لي رجل ممن قرأ على نافع: إن نافعا كان إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك. فقلت له: يا أبا عبد الله أو يا أبا أتتطيب كلما قعدت تقرئ؟ قال: ما أمس طيبا ولكني رأيت النبي ﷺ وآله وسلم. وهو يقرأ في في، فمن ذلك الوقت أشم من في هذه الرائحة.
стр. 60
وقال الأصمعي: عن فلان قال: أدركت المدينة سنة مائة ونافع رئيس في القراءة.
وروى هارون بن موسى القروي عن أبيه عن نافع بن أبي نعيم أنه كان يجيز كل ما قرئ عليه، إلا أن يسأله إنسان أن يقفه على قراءته فيقفه عليها. وعن الأعشي قال: كان نافع يسهل القرآن لمن قرأ عليه، إلا أن يسأله. وقال نافع: تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفا. وجلست إلى نافع مولى ابن عمر ومالك صبي. رواها الأصمعي عنه.
أبو مصعب الزهري، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كنا نقرأ على ابن جعفر القارئ، وكان نافع يأتيه فيقول: يا أبا جعفر ممن أخذت صرف كذا وكذا؟ فيقول: من رجل قارئ من مروان بن الحكم. ثم يقول له: ممن أخذت صرف كذا وكذا؟ فيقول: من رجل قارئ من الحجاج بن يوسف فلما رأى ذلك نافع، تتبع القراءة يطلبها.
وقال إسحاق المسيبي: قال نافع: قرأت على هؤلاء فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة.
وقال الأصمعي: سألت نافعا عن "الذئب" و"البئر" فقال: إن كانت العرب تهمزها فاهمزها.
وروى الحلواني عن قالون أن نافعا كان لا يهمز همزا شديدا ويمد ويحقق القراءة ولا يشدد، ويقرب بين الممدود وغير الممدود. وقال عبيد بن ميمون التبان: قال لي هارون بن المسيب: قراءة من تقرئ؟ قلت: قراءة نافع، قال: فعلى من قرأ نافع؟ قال: على الأعرج وقال الأعرج: قرأت على أبي هريرة ﵁. وقال عثمان بن خرزاذ: حدثنا عبد الله بن ذكوان حدثنا إسحاق بن محمد المسيبي عن نافع أخبره أنه أدرك أئمة يقتدى بهم في القراءة منهم: الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، ومسلم بن جندب وغيرهم.
قلت: وروي أن نافعا كان صاحب دعابة وطيب أخلاق، وثقه يحيى بن معين، ولينه أحمد بن حنبل.
وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: صدوق.
قلت: لم يخرجوا له شيئا في الكتب الستة.
قال ابن عدي لنافع عن الأعرج: نسخة مائة حديث رواها جعفر بن محمد الرازي عن سعيد بن هاشم عنه، وله نسخة أخرى أكثر من مائة حديث عن أبي الزناد عن الأعرج، رواها ابن أبي فديك عنه، وله من التفاريق قدر خمسين حديثا أيضا.
ولم أر له شيئا منكرا وأرجو أنه لا بأس به، أخبرني عمر بن عبد المنعم عن الكندي أنا
стр. 61
ابن توبة أنا الصريفيني أنا عمر بن إبراهيم، حدثنا ابن مجاهد حدثنا أبو بكر عبد الله بن أبي بكر بن حماد المقرئ حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق عن أبيه قال: لما حضرت نافعا الوفاة، قال له أبناؤه أوصنا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال: ومات سنة تسع وستين ومائة -رحمه الله تعالى١.
٤- عيسى بن وردان الحذاء أبو الحارث المدني القارئ.
قرأ على أبي جعفر القارئ وشيبة بن نصاح ثم عرض على نافع بن أبي نعيم، وهو من قدماء أصحابه. ولعله مات قبله، روى عنه القراءة عرضا إسماعيل بن جعفر المدني، وقالوان والواقدي وغيرهم٢.
٥- حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الإمام، أبو عمارة الكوفي مولى آل عكرمة بن ربعي التميمي الزيات أحد القراء السبعة.
ولد سنة ثمانين، وأدرك الصحابة بالسن فلعله رأى بعضهم، وقرأ القرآن عرضا على الأعمش؛ وحمران بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومنصور وأبي إسحاق وغيرهم.
وقرأ أيضا على طلحة بن مصرف، وجعفر الصادق٣، وتصدر للإقراء مدة، وقرأ عليه عدد كثير، وقد حدث عن طلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم وعمرو بن مرة، وعدي بن ثابت، ومنصور وعدة قرأ عليه الكسائي وسليم بن عيسى وهما أجل أصحابه، وعبد الرحمن بن أبي حماد، وعابد بن أبي عابد، والحسن بن عطية، وإسحاق الأزرق، وعبيد الله بن موسى، وحجاج بن محمد، وإبراهيم بن طعمة.
ويحيى بن علي الجزار، وسعيد بن أبي الجهم، ويحيى بن اليمان، وخلق، وحدث عنه الثوري، وشريك ومندل بن علي، وأبو الأحوص وشعيب بن حرب، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى بن آدم، وقبيصة بن عقبة وبكر بن بكار، ومحمد بن فضيل، وعبد الله بن صالح العجلي، وأمم سواهم.
стр. 62
وكان إماما حجة قيما بكتاب الله تعالى، حافظا للحديث، بصيرا بالفرائض والعربية، عابدا خاشعا قانتا لله، ثخين الورع عديم النظير.
قال البخاري: حمزة بن حبيب الزيات، مولى بني تيم الله بن ربيعة.
وقال سليم: حمزة مولى بني تيم الله بن ثعلبة بن عكاية.
وقال محمد بن الحسن: النقاش مولى بني عجل، من ولد أكثم بن صيفي وقال كان حمزة يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، ويجلب من حلوان الجوز والجبن إلى الكوفة.
وقال أبو عبيد١: حمزة هو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته، غير أن يطبق عليه جماعتهم، وعن شعيب بن حرب.
قال: أم حمزة الناس سنة مائة.
قال: ودرس سفيان الثوري٢ على حمزة القرآن أربع درسات.
وقال أبو عمر الدوري: حدثنا أبو المنذر يحيى بن عقيل، قال:
كان الأعمش إذا رأى حمزة قد أقبل، قال: هذا حبر القرآن، وعن مندل قال: إذا ذكر القراء فحسبك بحمزة في القراءة والفرائض.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: حدثنا أبي قال: حمزة سنة يكون بالكوفة، وسنة بحلوان فختم عليه رجل من أهل حلوان من مشاهيرهم، فبعث إليه بألف درهم.
стр. 63
فقال لابنه: قد كنت أظن لك عقلا، أنا آخذ على القرآن أجرا، أرجو على هذا الفردوس، قال عبد الله العجلي: ومات حمزة فترك عليه ألف درهم دينا، فقضاها عنه يعقوب بن داود، قال عبد الله، وقال أبو حنيفة١: لحمزة شيآن غلبتنا عليهما، لسنا ننازعك فيهما، القرآن والفرائض.
قال عبد الله: وقال حمزة نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري، قال: وكان مصحفه على هجاء مصحف ابن الزبير.
وقال: إنما تعلمت جودة القراءة على ابن أبي ليلى.
قال: وقرأ على ابن أبي ليلى فأخطأ، فلم يأخذ عليه، فقال حمزة: ما لك لم تأخذ علي؟
قال: خفت الله، أن تكون أنت المصيب وأنا المخطئ.
وقال أحمد بن زهير وعثمان الدارمي: قال يحيى بن معين: حمزة ثقة.
وقال سفيان الثوري: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض.
وقال عبد الله بن موسى: ما رأيت أحدا أقرأ من حمزة.
أنا عمر الطائي أنا زيد الكندي في كتابه أنا ابن توبة أنا الصريفيني أنا عمر بن إبراهيم، حدثنا ابن مجاهد حدثني ابن أبي الدنيا، حدثنا الطيب بن إسماعيل عن شعيب بن حرب سمعت حمزة يقول: ما قرأت حرفا إلا بأثر، وبه قال ابن مجاهد.
حدثنا مطين٢ حدثنا عقبة بن قبيصة، حدثنا أبي، قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاء حمزة فكلمه، فلما قام من عنده أقبل علينا سفيان، فقال: هذا ما قرأ حرفا من كتاب الله -عز
стр. 64
وجل- إلا بأثر، وبه حدثني محمد بن عيسى حدثنا أبو هشام حدثنا سليم عن حمزة، أنه كان إذا قرأ في الصلاة لم يكن يهمز.
وبه حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: قال محمد بن الهيثم أخبرني إبراهيم الأزرق قال: كان حمزة يقرأ في الصلاة كما يقرأ لا يدع شيئا من قراءته، فذكر المد والهمز والإدغام.
وحدثني علي بن الحسين سمعت محمد بن الهيثم حدثني عبد الرحمن سمعت حمزة يقول: إن لهذا التحقيق منتهى ينتهي إليه ثم يكون قبيحا، مثل البياض له منتهى فإذا صار برصا.
ومثل الجعودة١ لها منتهى تنتهي إليه فإذا زادت صارت قططا٢.
أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن العلوي، وأحمد بن محمد الحافظ، قال: أنا عبد الله بن عمر أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن محمد أنا عبد الرحمن بن أحمد.
أنا عبد الله بن محمد، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش خمسمائة حديث، أو ذكر أكثر، فأخبرني حمزة الزيات، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فعرضتها عليه، فما عرف منها إلا اليسير، خمسة أو ستة أحاديث، فتركت الحديث عنه، أخرجه مسلم في صدر صحيحه، عن سويد.
وقال عبد الله بن موسى، كان حمزة يقرئ القرآن حتى يتفرق الناس، ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء.
وحدثني بعض جيرانه أنه لا ينام الليل، وأنهم يسمعون قراءته يرتل القرآن، رواه محمد بن علي بن عفان عنه.
وقال أبو عمر الدوري: قال حمزة ترك الهمز في المحاريب من الأستاذية.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قال أبي: أكره من قراءة حمزة الهمز الشديد، والإضجاع.
وقال يحيى بن معين: سمعت محمد بن فضيل يقول: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة.
стр. 65
وقال إسحاق بن الجراح:
قال خلف بن تميم: مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة؛ ليكلم صاحب الدين فقال: ويحك إنه يقرأ علي، وأنا أكره أن أشرب من بيت من يقرأ علي الماء.
وقال أسود بن سالم: سألت الكسائي عن الهمز والإدغام، ألكم فيه إمام؟ قال: نعم.
هذا حمزة يهمز ويكسر وهو إمام من أئمة المسلمين، وسيد القراء والزهاد، لو رأيته لقرت عينك به من نسكه.
قلت: يريد بقوله: يكسر أي يميل، وقال حسين الجعفي: ربما عطش حمزة فلا يستقي كراهية أن يصادف من قرأ عليه.
وذكر جرير بن عبد الحميد قال: مر بي فطلب ماء فأتيته به فلم يشرب مني، لكوني أحضر القراءة عنده.
وعن حمزة قال: إنما الهمز رياضة، فإذا حسنها الرجل سهلها.
وكان شعيب بن حرب يقول لأصحابه الحديث: ألا تسألوني عن الدر؟ قراءة حمزة.
وقال النسائي: حمزة الزيات ليس به بأس.
قلت: وحديثه مخرج في صحيح مسلم، وفي السنن الأربعة.
وروى خلف بن هشام عن سليم قال: قرأ حمزة على الأعمش وابن أبي ليلى، فما كان من قراءة الأعمش فهي عن ابن مسعود ﵁، وما كان من قراءة ابن أبي ليلى فهي عن علي ﵁.
وقال سليم عن حمزة: قرأت القرآن أربع مرات على ابن أبي ليلى: وقال هارون بن حاتم: حدثنا الكسائي.
قلت لحمزة: على من قرأت؟ قال: على ابن أبي ليلى، وحمران بن أعين.
قلت: فحمران على من قرأ؟ قال: على عبيد بن نضلة الخزاعي.
وقرأ عبيد على علقمة عن ابن مسعود؛ وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن أبي، وقال عبد الله بن موسى والحسن بن عطية وغيرهما: قرأنا على حمزة، وقرأ على حمران بن أعين، وعلى ابن أبي ليلى، وعلى الأعمش، وأبي إسحاق.
فأما حمران فقرأ على يحيى بن وثاب، وأما الأعمش فقرأ على زر وزيد بن وهب،
стр. 66
والمنهال بن عمرو، وقرأ زرد وزيد على عبد الله، وقال الأعمش: قرأ يحيى بن وثاب على علقمة والأسود، وعبيد بن فضيل ومسروق وعبيدة.
وكان الأعمش يقول: يحيى أقرأ الناس، قالوا: وقرأ الأعمش أيضا على إبراهيم النخعي، فأما أبو إسحاق فقرأ على أصحاب علي وابن مسعود، وأما ابن أبي ليلى فقرأ على الشعبي.
وجاءت أخبار أخر تؤذن بقراءته على الأعمش أيضا، ثم جاءت أخبار بخلاف ذلك.
قال محمد بن يحيى الأزدي: قلت لابن داود: قرأ حمزة على الأعمش؟ قال: من أين قرأ عليه، إنما سأله عن حروف.
وقال أحمد بن جبير: حدثنا حجاج بن محمد.
قلت لحمزة: قرأت على الأعمش؟ قال: لا، ولكني سألته عن هذه الحروف حرفا حرفا.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني عدة من أهل العلم عن حمزة، أنه قرأ على حمران، وكانت هذه الحروف التي يرويها حمزة عن الأعمش.
إنما أخذها عن الأعمش أخذا، ولم يبلغنا أنه قرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره.
وقال يوسف بن موسى: قيل لجرير بن عبد الحميد: كيف أخذتم هذه الحروف عن الأعمش؟
قال: كان إذا جاء شهر رمضان جاء أبو حيان التيمي وحمزة الزيات، مع كل واحد منهما مصحف، فيمسكان على الأعمش، ويقرأ فيستمعون لقراءته فأخذنا الحروف من قراءته.
وقال سهل بن محمد التميمي: قال لنا سليم: سمعت حمزة يقول: ولدت سنة ثمانين، وأحكمت القراءة ولي خمس عشرة سنة، وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمود بن أبي نصر العجلي.
قال: مات حمزة سنة ست وخمسين ومائة، وكذا وأرخه غير واحد، وقيل سنة ثمان وخمسين وهو وهم، رحمه الله١.
стр. 67
٦- عيسى بن عمر الهمداني الكوفي القارئ مولى بني أسد، لا عيسى بن عمر الثقفي البصري النحوي، كنيته أبو عمر.
قرأ على عاصم بن أبي النجود، وطلحة بن مصرف، والأعمش، قرأ عليه الكسائي وعبيد الله بن موسى، وعبد الرحمن بن أبي حماد، ومت١ بن عبد الرحمن وجماعة.
وكان مقرئ أهل الكوفة بعد حمزة.
روى عن عطاء بن أبي رباح، وحماد وعمرو بن مرة وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك وأبو نعيم وخلاد بن يحيى ووكيع ومحمد بن يوسف القريابي وآخرون.
وثقه يحيى بن معين، قال عبد الرحمن بن أبي حماد: عن سفيان الثوري، أدركت الكوفة وما بها أحد أقرأ من عيسى الهمداني.
وقال ابن معين: عيسى بن عمر الكوفي ثقة همداني هو صاحب الحروف.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة: رجل صالح رأس في القرآن، قرأ على عاصم والأعمش.
وقال مطين: مات سنة ست وخمسين ومائة -رحمه الله٢.
٧- علي بن حمزة الكسائي٣ الإمام أبو الحسن الأسدي، مولاهم الكوفي المقرئ النحوي.
أحد الأعلام، ولد في حدود سنة عشرين ومائة، وسمع من جعفر الصادق
стр. 68
والأعمش. وزائدة، وسليمان بن أرقم وجماعة يسيرة، وقرأ القرآن وجوده على حمزة: الزيات وعيسى بن عمر الهمداني.
ونقل أبو عمرو الداني وغيره: أن الكسائي قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا، واختار لنفسه قراءة، ورحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد.
قال محمد بن عيسى الأصبهاني: حدثنا محمد بن سفيان قال: قال الكسائي: أدركت أشياخ أهل الكوفة أبان بن تغلب وابن أبي ليلى، وحجاج بن أرطأة وعيسى بن عمر الهمداني وحمزة.
قلت: وأخذ الحروف أيضا عن أبي بكر بن عياش وغيره، وخرج إلى البوادي فغاب مدة طويلة، وكتب الكثير من اللغات والغريب عن الأعراب. بنجد وتهامة.
ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبر.
قال الصولي: هو علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز مولى بني أسد.
قلت: قرأ عليه أبو عمر الدوري، وأبو الحارث الليث، ونصير بن يوسف الرازي، وقتيبة بن مهران الأصبهاني.
وأحمد بن أبي سريج النهشلي، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وعيسى بن سليمان الشيرزي، وأحمد بن جبير الأنطاكي، وأبو عبد القاسم بن سلام، ومحمد بن سفيان، وخلق سواهم.
وحدث عنه: يحيى الفراء، وخلف البزار، ومحمد بن المغيرة، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن يزيد الرفاعي، ويعقوب الدورقي، وأحمد بن حنبل ومحمد بن سعدان، وعدد كثير، وإليه انتهت الإمامة في القراءة والعربية.
قال ابن مجاهد: كان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، قال أبو عبيد، في كتاب القراءات: كان الكسائي يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا.
وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم نجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه.
وقال أبو عمر الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي.
وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت الكسائي وهو يقرأ على الناس القرآن مرتين.
стр. 69
وقال خلف بن هشام: كنت أحضر بين يدي الكسائي، وهو يقرأ على الناس وينقطون مصاحفهم بقراءته عليهم.
قلت: لم يكن ظهر للناس الشكل بعد، إنما كانوا يعربون بالنقط، قال خلف: قرأ الكسائي على حمزة القرآن أربع مرات.
وقال أحمد بن رستم: حدثنا نصير بن يوسف، قال: قرأت على الكسائي، وأخبرني أنه قرأ القرآن على حمزة، وعلى جماعة في عصر حمزة، منهم ابن أبي ليلى، والهمداني وأبو بكر بن عياش.
وقال موسى بن عبد الرحيم: سألت الكسائي عن نسبته فقال: أحرمت في كساء.
قال الشافعي ﵁: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
وقال أبو بكر بن الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور، كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه، حتى لا يضبط الأخذ عليهم.
فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره, وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ.
قلت: وكان في الكسائي تيه وحشمة، لما نال من الرياسة بإقراء محمد الأمين ولد الرشيد، وتأديبه أيضا للرشيد.
فنال ما لم ينله أحد من الجاه والمال، والإكرام، وحصل له رياسة العلم والدنيا.
قال ثعلب: حدثنا خلف بن هشام، قال: عملت وليمة فدعوت الكسائي واليزيدي فقال اليزيدي، للكسائي: يا أبا الحسن أمور تبلغنا عنك ننكر مثلها.
فقال الكسائي: أومثلي يخاطب بهذا، وهل مع العالم من العربية إلا فضل بصاقي هذا، ثم بصق فسكت اليزيدي.
وقال أبو طاهر بن أبي هاشم، قال محمد بن بشار: حدثني أبي عن بعض أصحابه قال: قيل لأبي عمر الدوري، كيف صحبتم الكسائي على الدعابة التي فيه؟ قال: لصدق لسانه.
وقال أحمد بن فرح: حدثنا الدوري سمعت الكسائي يقول: من علامة الأستاذية ترك الهمز في المحاريب.
أخبرنا أبو بكر العطار، أخبرنا عبد الوهاب بن رواج، أنا أبو طاهر السلفي الحافظ، أنا
стр. 70
أبو طاهر بن سوار مؤلف المستنير حدثنا الحسن بن علي العطار حدثنا إبراهيم بن أحمد الطبري المقرئ حدثنا أحمد بن فرح حدثنا الدوري قال: قيل للكسائي لم لا تهمز الذيب؟ قال: أخاف أن يأكلني.
وقيل إنه قال هذه الأبيات: قل للخليفة لا يلوم؛ ولا يصح ذلك عنه.
وقال أبو العباس بن مسروق، حدثنا سلمة بن عاصم قال: قال الكسائي: صليت بهارون الرشيد فأعجبتني قراءتي فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط، أردت أن أقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، فقلت: لعلهم يرجعين، فوالله ما اجترأ هارون أن يقول أخطأت.
ولكنه لما سلم قال: أي لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد، قال: أما هذه فنعم، أنبأني بها المؤمل بن محمد وغيره، عن الكندي عن أبي منصور الشيباني، عن أبي بكر الخطيب.
عن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، عن الخلدي، عن ابن مسروق وروى سلمة عن الفراء١ قال: قال لي الكسائي: ربما سبقني لساني باللحن، فلا يمكنني أن أرده أو كلاما نحو هذا.
وأنبأنا عن الكندي عن الشيباني عن الخطيب، قال: أنا أبو الحسن الحمامي، سمعت عمر بن محمد الإسكاف، سمعت عمي يقول: سمعت ابن الدورقي يقول: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت صلاة فقدموا الكسائي يصلي فأرتج عليه، قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، فقال اليزيدي: قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ترتج على قارئ الكوفة.
قال: فحضرت صلاة، فقدموا اليزيدي فأرتج عليه في الحمد، فلما سلم قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
وروى الخطيب بإسناده عن خلف البزار قال: كان الكسائي يقرأ لنا على المنبر، فقرأ يوما ونحن تحته "أَنَا أَكْثَرَ مِنْك" فنصب أكثر فلما فرغ سألوه عن العلة.
فثرت في وجوههم أنه أراد في فتحه أقل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا"﴾ .
стр. 71
وقال الكسائي أكثر فمحوه من كتبهم ثم قال لي: يا خلف يكون أحد من بعدي يسلم من اللحن.
وعن الفراء قال: ناظرت الكسائي يوما وزدت فكأني كنت طائرا أشرب من بحر.
قال الفراء: إنما تعلم الكسائي النحو على كبر، لأنه جاء إلى قوم وقد أعيا فقال قد عييت، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن، قال: كيف لحنت؟ قالوا له: إن كنت أردت من التعب فقل أعييت، وإن كنت أردت انقطاع الحيلة والتحير في الأمر، فقل عييت، فأنف من ذلك.
وقام من فوره، فسأل عمن يعلم النحو، فدل على معاذ الفراء فلزمه ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل، ثم خرج إلى بادية الحجاز.
وقال ابن الأنباري: حدثنا أبي قال قال الفراء: لقيت الكسائي يوما، فرأيته كالباكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد، يحضرني فيسألني عن الشيء فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل.
فقلت: يا أبا الحسن من يعترض عليك، قل ما شئت فأنت الكسائي فأخذ لسانه بيده فقال: قطعه الله إذا إن قلت ما لا أعلم.
وقال أحمد بن أبي سريج، سمعت أبا المعاني وكان عالما بالقراءات يقول:
الكسائي القاضي على أهل زمانه.
وقال أبو عمرو الداني من ترجمة عبد الله بن ذكوان أخذ عن أيوب بن تميم وقرأ على الكسائي حين قدم الشام ثم قال: وقال محمد بن الحسن البقاش؛ قال ابن ذكوان.
أقمت على الكسائي سبعة أشهر وقرأت عليه القرآن غير مرة قلت: لم يتابع النقاش أحد على هذا والنقاش يأتي بالعجائب دائما, وذكر الداني في ترجمة الكسائي أن ابن ذكوان سمع الحروف من الكسائي.
وأما الحافظ فلم يذكر شيئا من ذلك ولا ذكر الكسائي في تاريخ دمشق أصلا، وروى عن نصير بن يوسف قال: دخلت على الكسائي في مرض موته فأنشأ يقول:
قدر أحلك ذا النخيل وقد ترى ... لولاه ملك ذو النخيل بدار
ألا كداركم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار
فقلت: كلا ويمتع الله الجميع بك.
стр. 72
فقال: لئن قلت ذاك لقد كنت أقرئ الناس في مسجد دمشق فأغفيت في المحراب فرأيت النبي ﷺ داخلا من باب المسجد فقام إليه رجل فقال: بحرف من تقرأ فأومأ إلي.
وللكسائي من التصانيف كتاب معاني القرآن، كتاب القراءات، كتاب العدد، كتاب النوادر الكبير، كتاب النوادر الأوسط، كتاب النوادر الأصغر، كتاب النحو، كتاب العدد واختلافهم فيه، كتاب الهجاء.
كتاب مقطوع القرآن وموصوله، كتاب المصادر، كتاب الحروف، كتاب أشعار المعاياة، كتاب الهاءات، قال أبو سعيد السيرافي: رثى يحيى اليزيدي محمد بن الحسن والكسائي، وكانا خرجا مع الرشيد إلى خراسان فماتا في الطريق، فقال:
تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد ترى من بهجة سيبيد
لكل امرئ كأس من الموت مترع ... وما إن لنا إلا عليه ورود
ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى ... وإن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعدا فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يوما وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
فأذهلني عن كل عيش ولذة ... وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمنا أوديا وتخرما ... فما لهما في العالمين نديد
فحزني إن تخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديد
قال أبو عمر الدوري:
توفي الكسائي بالري بقرية رنبوية، وقال أحمد بن جبير الأنطاكي: توفي برنبوية، سنة سبع وثمانين ومائة، وقال أبو بكر بن مجاهد: توفي برنبويه سنة تسع وثمانين، وكذا وأرخه غير واحد وهو الصحيح.
وقد قيل في وفاته أقوال واهية: سنة إحدى وثمانين، وسنة اثنتين وسنة ثلاث وسنة خمس أعني وثمانين وسنة ثلاث وتسعين والله أعلم، وقيل: إنه عاش سبعين سنة.
ولما مات محمد والكسائي قال الرشيد: دفنا الفقه والنحو بالري١.
стр. 73
٨- شبل بن عباد المكي.
صاحب ابن كثير، ومقرئ مكة عرض على ابن كثير وابن محيصن، وحدث عن أبي الطفيل، والمقبري.
وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح وجماعة، وأقرأ مدة، روى عنه القراءة عرضا إسماعيل بن عبد الله القسط، وابنه داود بن شبل، وأبو الأخريط وهب بن واضح ومحمد بن سبعون، وعكرمة بن سليمان، وآخرون.
وحدث عنه سفيان بن عيينة، وأبو أسامة، وأبو نعيم وروح بن عبادة، ويحيى بن أبي بكير وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وعبيد بن عقيل.
روى عنه من القدماء حمزة الزيات وغيره.
ووثقه يحيى بن معين، قال ابن مجاهد: وشبل هو مولى عبد الله بن عامر الأموي، وهو أحد أصحاب ابن كثير، الذين خلفوه في القراءة بمكة.
قال خلف بن هشام: حدثنا عبيد بن عقيل قال: سألت شبل بن عباد، فحدثني بقراءة أهل مكة، وهي قراءة ابن كثير.
قلت: وحديثه مخرج في صحيح البخاري.
وفي سنن أبي داود والنسائي، وقد أرخ بعضهم وفاته في سنة ثمان وأربعين ومائة، وأظنه وهما، فإن أبا حذيفة إنما سمع سنة نيف وخمسين فيحرر هذا والله أعلم١.
٩- معروف بن مشكان أبو الوليد المكي قارئ أهل مكة مع شبل.
عرض على ابن كثير، وحدث عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد وغيرهما، قرأ عليه إسماعيل بن عبد الله القسط، وهو رفيقه في الأخذ أيضا ووهب بن واضح.
وحدث عنه ابن المبارك، ومروان بن معاوية، ومحمد بن حنظلة المخزومي، ومطرف النهدي وهو قليل الحديث مقدم في القراءة له في سنن ابن ماجه حديث واحد.
وقد اختلف في ضبط مشكان هل يضم أوله أو يكسر توفي سنة خمس وستين ومائة -رحمه الله تعالى٢.
стр. 74
١٠- المفضل بن محمد الضبي الكوفي المقرئ، أبو محمد.
كان من جلة أصحاب عاصم بن بهدلة، قرأ عليه.
وتصدر للإقراء، وحدث عن سماك بن حرب، وأبي إسحاق وعاصم وغيرهم، وكان علامة إخباريا موثقا، كذا قال أبو بكر الخطيب.
وأما ابن أبي حاتم الرازي فقال: متروك القراءة والحديث، قلت: قد شذ عن عاصم بأحرف، أخذ عنه تلاوة الكسائي. وأبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس.
وجبلة بن مالك البصري، وغيرهم، وروى عنه أبو الحسن المدائني وقال أبو حاتم السجستاني: هو ثقة في الأشعار، غير ثقة في الحروف، وقيل إن ابن الأعرابي أدركه وحمل عنه، وآخر أصحابه وفاة أبو كامل الفضيل الجحدري.
ولما بلغ ابن المبارك موته قال:
نعي لي رجال والمفضل منهم ... فكيف تقر العين بعد المفضل
توفي سنة ثمان وستين ومائة١.
١١- سلام بن سليمان أبو المنذر المزيي مولاهم البصري، ثم الكوفي المقرئ النحوي، المعروف بالخراساني شيخ يعقوب.
قرأ على عاصم وعلى أبي عمرو، وعلى عاصم الجحدري، وشهاب بن شرنقة، وروى عن الحسن وثابت ومطر الوراق، وجماعة، قرأ عليه يعقوب الحضري، وإبراهيم بن الحسن العلاف وأيوب بن المتوكل.
وحدث عنه عفان، وعبيد الله بن محمد العيشي، ومحمد بن سلام الجمحي، وعبد الوهاب بن غياث، وزيد بن الحباب وآخرون، وكان من جلة علماء البصرة.
قال ابن معين: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وكانت قراءته على عاصم بالبصرة عندما قدم عليهم وورد عن يعقوب بن إسحاق.
قال: لم يكن في وقت سلام أبي المنذر أعلم منه، وكان فصيحا نحويا، ويقال إنه قرأ على الحسن البصري ولم يصح هذا، قاله أبو أحمد السامري، وهو واه لا يدري ما يقول.
стр. 75
وقال زكريا بن يحيى الساجي: سلام أبو المنذر صدوق، كان صاحب سنة.
وكان يؤم بجامع البصرة.
وقال غيره: كان صاحب سنة شديد الإنكار، قال أبو داود: كان نصر بن علي الجهضمي ينكر عليه شيئا من الحروف.
وعن عفان قال: كنت عند سلام أبي المنذر، فأتاه رجل بمصحف فقال: أليس هذا ورق وزاج؟ فقال: قم يا زنديق، وقال محمد بن المثنى: مات سنة إحدى وسبعين ومائة.
قلت: خرج له النسائي والترمذي، ويشتبه به رجل في طبقته ضعيف وهو سلام الطويل المدايني المعروف بالخراساني، سعدي يكنى أبا سليمان.
ولا يميز بينه وبين القارئ إلا الحذاق، روى عن منصور بن زاذان، وزيد العمي وجماعة١.
١٢- أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الإمام، أحد الأعلام مولى واصل الأحدب.
وكان حناطا بالنون٢، اختلف في اسمه على عشرة أقوال، أصحها قولان، كنيته، وما رواه أبو هشام الرفاعي، وحسين بن عبد الأول، أنهما سألاه عن اسمه فقال شعبة.
وقال النسائي: ويغره، اسمه محمد.
وقيل: مطرف.
وقيل: رؤبة، وسالم وعتيق وعطاء، وحماد.
وقال هارون بن حاتم سمعته يقول: ولدت سنة خمس وتسعين.
قرأ القرآن ثلاث مرات على عاصم وروى عن إسماعيل السدي، وأبي حصين، وحصين بن عبد الرحمن، وأبي إسحاق وعبد الملك بن عمير وصالح بن أبي صالح مولى عمرو بن حريث.
حدثه عن أبي هريرة، وسليمان الأعمش، وطائفة سواهم، وعرض القرآن أيضا على عطاء بن السائب، وأسلم المنقري، وعمر دهرا.